Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Suaad Eltaif al-Faitouri
الكاتبة الليبية د. سعاد الطيف الفيتوري

Tuesday, 20 March, 2007

ايران وامريكا : احتمالات المواجهـة بين اوهـام القوة ودروس التاريخ(*)

د. سعـاد الطيف الفيتوري

تصاعدت في الآونة الاخيرة وتيرة التكهنات بحدوث ضربة عسكرية امريكية موجعة ضد ايران. فالاحاديث والتسريبات الصحافية عن الخطط التي تعكف دوائر وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) علي اعدادها باتت تشغل حيزا واسعا من اهتمامات الصحف والمحللين. وثمة مؤشرات توحي بانه، وعلي الرغم من كل ما يصدر عن مسؤولين في الادارة الامريكية من تصريحات وتاكيدات وتلميحات تنفي وجود نية لاعتماد خيار عسكري في التعاطي مع الملف النووي الايراني، فان خطط البنتاغون لشن هجوم ضد المنشآت النووية الايرانية قد بلغت مرحلة متقدمة جدا ، علي نحو ما ذكرته صحيفة الغارديان البريطانية مؤخرا، كما ان هناك ما يشي بان الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش قد عقد عزمه علي ان يتوج ولايته الرئاسية الثانية بضربة جوية قاسية ضد هذه المنشآت.
وهذه التكهنات لا تسبح في فراغ ميداني. فثمة ما يعززها علي صعيد بعض التحركات الميدانية الامريكية التي حدثت مؤخرا، والتي كان ابرزها ارسال حاملة الطائرات النووية يو اس اس جون ستينس الي منطقة الخليج لتنضم الي حاملة الطائرات يو اس اس دوايت آيزنهاور الموجودة اصلا في المنطقة، فضلا عن نشر انظمة صواريخ باتريوت للحيلولة دون وصول الصواريخ الايرانية الي اهدافها، الامر الذي يقوض امكانيات الردع الايرانية.
ولعل دواعي القلق التي تثيرها مؤشرات كهذه هي التي حدت بالمسؤولين الايرانيين، وعلي ارفع المستويات، الي التحذير من مغبة مثل هذه المغامرة. فلقد هدد مرشد الثورة الاسلامية في ايران آية الله علي خامنئي في شباط/فبراير الفائت باستهداف مصالح امريكية في انحاء العالم في حال شن الولايات المتحدة لضربة عسكرية ترمي الي تقويض برنامج ايران النووي. وصرح خامنئي بالقول ان الامريكيين، والذين وصفهم بـ الاعداء ، يدركون جيدا ان الشعب الايراني سيرد ردا شاملا علي المعتدين ومصالحهم في ارجاء العالم .
ويبدو ان تحذيرات خامنئي وغيره من المسؤولين الايرانيين لم تثنِ المحافظين الجدد في ادارة بوش عن المضي قدما في اعداد الراي العام الامريكي والعالمي لتقبل الخيار العسكري في التعامل مع الملف النووي الايراني. فلقد دأب المسؤولون الامريكيون منذ مدة علي الضرب علي وتر جملة من الاتهامات الموجهة الي ايران بالتدخل في شؤون العراق الداخلية، والعمل علي تأجيج اوار العنف الطائفي هناك، وتقديم التدريب والمدد التسليحي والمالي والدعم اللوجستي والاستشاري لمجموعات عراقية مسلحة تشن هجمات ضد القوات المتعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق، ما يشكل خطرا علي حياة الجنود الامريكيين في العراق. وسبحة الاتهامات الامريكية الموجهة الي ايران تكر لتتجاوز العراق وتعقيداته حيث انها تطال الدعم الايراني لحزب الله في لبنان وفصائل المقاومة الفلسطينية، الي جانب معارضة ايران لعملية السلام بين العرب واسرائيل. لا شيء سوي لوثة العسكرتاريا القائمة علي اوهام العظمة التي ينتشي بها المحافظون الجدد من اقطاب ادارة بوش، او ما يعمل عليه اللوبي الصهيوني من نفخ في نيران الحرب ضد ايران، يفسر هذا الهوس الامريكي باعتماد الخيار العسكري ضد ايران. فقدرة القوات الامريكية علي شن هجوم علي ايران في الوقت الراهن تبدو شبه معدومة علي ضوء قلة ما هو متوفر لدي الادارة الامريكية من امكانيات يمكنها توظيفها لاغراض مثل هذه المغامرة وذلك جراء انشغالها باحتواء التصاعد المطرد في عمليات المقاومة المسلحة سواء في العراق او في افغانستان. كما ان اي مواجهة عسكرية امريكية ـ ايرانية ستدفع بالكثير من القوي الشيعية العراقية، بحكم تعاطفها مع ايران، الي توجيه ضربات ضد القوات المتعددة الجنسيات ما ينذر بتوسع رقعة المقاومة المسلحة لتلف مناطق واسعة من وسط وجنوب العراق، ليتحول بالتالي معظم العراق الي جحيم يلتهم المزيد من الموارد العسكرية الامريكية، الامر الذي ستكون له اصداء داخلية في الولايات المتحدة ليس اقلها تصاعد حدة الضغوط التي تتعرض لها ادارة بوش في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات الرئاسية التي يتطلع حزبه الجمهوري الي ان يتفادي فيها مصيرا مشابها لما آلت اليه ارصدته الانتخابية في انتخابات الكونغرس الاخيرة.
والحديث عن العراق يوحي بحشد من المقارنات التي يمكن عقدها مع وضع العراق عشية الغزو الذي قادته القوات الامريكية قبل اربعة اعوام. ولكن هذه المقارنات هي في مجملها مقارنات تصب في صالح طهران وليس في صالح واشنطن. فايران اليوم اكثر قوة بكثير من عراق صدام حسين. فهي تمتلك من اسباب القوة والعدة والسلاح ما يمكنها من خوض مواجهة اكثر ضراوة بكثير من المقاومة التي ابدتها القوات العراقية امام تقدم قوات الغزو التي قادتها الولايات المتحدة في ربيع عام 2003. وايران من حيث المساحة، 1.6 مليون كيلومتر مربع، اكبر باكثر من ثلاث مرات من العراق، الذي تبلغ مساحته 438 كيلومترا مربعا. وهذا ما يتيح لها نشر منشآتها النووية والعسكرية في مساحة اوسع، وهو ما يعقد من امكانية توجيه ضربة جراحية قاضية ضد هذه المنشآت.
وايران قادرة علي عرقلة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، والذي يبحر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، سواء عن طريق زرع الخليج بالالغام، او اغراق مراكب فيه، او استهداف السفن وناقلات النفط المارة فيه، فضلا عن القطع البحرية الامريكية في مياه الخليج عموما، بالصواريخ، وهو ما سيترك عواقب وخيمة علي سوق النفط العالمية وما يصاحب ذلك من آثار ضارة بالاقتصاد العالمي وباقتصاديات دول الخليج عموما التي بدأت مؤخرا تتعافي من آثار عقدي الثمانينات والتسعينات وشرعت في تكوين فوائض مالية يجري توظيفها بالفعل في عملية تنمية ونهوض اقتصاديين. وقد لوح الايرانيون بان ردهم علي اي ضربة عسكرية تستهدفهم قد يشمل اهدافا اسرائيلية، من بينها بالتاكيد المحطات النووية الاسرائيلية، وهو ما سيجر تل ابيب الي دخول حلبة الصراع بكل ما يحمله ذلك في طياته من احتمالات تصعيد وتوسيع في نطاق الحرب والمواجهة في منطقة الشرق الاوسط.
والنظام السياسي في ايران لا يعاني من نفس العزلة التي عاني منها نظام صدام سواء علي الصعيد الشعبي ام الدبلوماسي. فالالتفاف الجماهيري حول النظام السياسي الايراني يعطيه قدرا من الشرعية الشعبية اقوي بكثير مما تمتع به نظام صدام، ويضفي بالتالي قدرا اكبر من التماسك علي الجبهة الداخلية الايرانية في حال حدوث اي غزو اجنبي او ضربة عسكرية. وينسجم هذا الوضع مع حقيقة استراتيجية راسخة في العلم العسكري حول الروح القتالية لدي اي طرف من اطراف الصراع يختصرها ثالوث الانتصار الذي تحدث عنه في القرن الثامن عشر الضابط البروسي كارل فون كلاوزفيتز في كتابه الشهير حول الحرب ، وهو ثالوث يتألف من الشعب والقوات المسلحة والحكومة.
لذلك كله، لا يمكن تخيل ان تخوض الولايات المتحدة حربا نظيفة وسريعة، من نوع الحروب التي تدغدغ مخيلة صقور ادارة بوش، ضد خصمها الايراني، كما لا يمكن تخيل ان يستسلم الطرف الايراني في مثل هذه الحرب بسرعة فقط لان امريكا تمتلك من عناصر القوة التدميرية ما لا تمتلكه طهران. وهكذا فان اي ضربة عسكرية امريكية قد تجر الي تداعيات ستجد امريكا نفسها مضطرة معها الي الدخول في مواجهة برية مع القوات الايرانية. والايرانيون، من جهتهم، سيكونون في انتظار هذه المناسبة علي احر من الجمر، لانهم سيتمكنون في ساحات القتال البري من استهداف الجيش الامريكي باساليب تجمع ما بين اساليب القتال التقليدي واساليب حرب العصابات، بحيث يستنزفون الامريكيين بشريا وماديا عبر ضربات متناسقة ومدروسة من كل جانب. والمعروف ان هذا النوع من القتال اكثر فتكا بالعدو عندما يكون ميدانه في ارض ووسط تجمعات سكانية تشكل حاضنا للمقاتلين بحيث تكون مصداقا لما ورد عن ماو تسي تونغ في حديثه عن البحر الذي يسبح فيه مقاتلو حرب العصابات .
ان اية ضربة امريكية ضد ايران قد تشكل عود ثقاب يشعل فتيل حرب مديدة غير محسوبة الكلفة كالحرب الفيتنامية. وقد قدمت فيتنام سيلا من الدروس عن قدرة شعب ضعيف علي انزال الهزيمة بجيش غاز يرفل باسباب القوة والبطش، مع توفر ارادة القتال والصمود وتحمل الآلام. ودروس فيتنام تؤكدها في عصرنا الراهن دروس مشابهة تتكشف يوميا وسط ويلات الحرب المتواصلة في العراق وافغانستان. وكافة المؤشرات المتوفرة تدل علي ان غوص امريكا في مستنقع قـــــتالي آخر في ايران لن يعود عليها بنتائج مغايرة لذلك. ولكن يبدو ان صقور المحافظين الجدد في البيت الابيض لا يتعظون من دروس التاريخ وعبره الا قليلا.

كاتبة من ليبيا
Suaadone@yahoo.co.uk
www.libyanwritersclub.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "القدس العربي" ، الثلاثاء ، 20 مارس 2007م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home