Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Suaad Eltaif al-Faitouri
الكاتبة الليبية د. سعاد الطيف الفيتوري

Wednesday, 14 March, 2007

نحو خارطة طريق لمشاركة أوسع للمرأة العـربية في الحياة السياسية(*)

د. سعـاد الطيف الفيتوري

غني عن القول أن لا مواطنة حقيقية ولا ممارسة ديمقراطية سليمة من دون مشاركة سياسية. ولذا فان تفعيل المشاركة السياسية للمرأة العربية يعتبر معلما أساسيا في مسار السعي الي توطيد أركان توزيع جديد للوظيفة الاجتماعية والسياسية للفرد في مجتمعاتنا العربية علي أساس القدرة والكفاءة لا علي أساس الجنس، واجتثاث قيم اللامساواة بين أفراد الجنسين ورواسبها في المنظومة الفكرية والثقافية العربية، وصولا الي تكريس فعلي للمواطنة والممارسة الديمقراطية للفرد العربي بغض النظر عن جنسه أو غير ذلك من سمات التمايز بين بني البشر.
وبالرغم من كل ما تحقق علي مر السنين من مكاسب علي مستوي تفعيل الدور السياسي والاجتماعي للمرأة العربية وتمتعها بحقوقها السياسية فاننا ما زلنا لا نستطيع الحديث عن القضاء علي كافة مظاهر التهميش والاقصاء والتمييز التي تطال المرأة في المنطقة العربية. صحيح أن جملة من التشريعات والنصوص الدستورية التي سُنَّت في دول عربية كثيرة أفسحت هامشا أوسع من أي وقت مضي أمام المرأة للمشاركة في الحياة العامة والسياسية، ولكن المشهد العام للمشاركة السياسية للمرأة العربية تشوبه مظاهر ضعف لا يمكن للمراقب الا أن يلحظها في الارادة السياسية أو المجتمعية الهادفة الي تفعيل دور ومشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية.
وتنتج مظاهر الضعف في الارادة السياسية تدنيا في مشاركة النساء في العملية الانتخابية، ومحدودية في التمثيل البرلماني للمرأة، وضمورا في مشاركتها في مواقع القرار في السلطة التنفيذية، هذا فضلا عن حرمان النساء في بعض الدول من حق المشاركة السياسية جملة وتفصيلا. ومن أوجه هذا الضعف في الارادة السياسية أيضا عدم مصادقة بعض الدول العربية علي الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الانسان بصورة عامة، أو المصادقة عليها مع تسجيل تحفظات تقيد البنود المتعلقة بحقوق المرأة بحيث تُبقي علي نصوص قانونية تميز ضد المرأة، وتستوحي موروثات ثقافية تقوم علي الاخضاع والسيطرة، سارية المفعول. وفي السياق ذاته، يُشار أيضا الي العادات والأعراف الاجتماعية التي تجعل المرأة في الكثير من الحالات تدلي بصوتها وفقا لرغبات غيرها من أهلها وليس بناء علي قناعاتها ببرامج المرشحين.
ومفهوم المشاركة السياسية يستبطن قيما وممارسات تقوم علي أساس الشراكة والمساواة والاعتراف بالأهلية والكفاءة والتمكين في ميادين الفعل والسلوك السياسي. وهذه كلها أمور أوسع من مجرد المشاركة في صنع القرار السياسي من خلال المؤسسات الدستورية أو التمثيل النيابي أو المشاركة في الانتخابات. من هنا فان المشاركة السياسية في معناها الأعم والأوسع هذا تشمل كافة القرارات والخطوات التي يتخذها المرء في حياته اليومية يساهم من خلالها في صــــياغة حاضره ويسهم عبرها في رسم طريق المستقبل. ووفقا لهذا المعني الأعم فان مشاركة المرأة في الحياة السياسية تصبح نمطا للمشاركة في صنع القرار في مناشط الحياة المختلفة والتي لا تقتصر علي المنظمات التي تشكل أطرا لممارسة الحياة السياسية كالأحزاب والنقابات والأندية والجمعيات الأهلية، وانما تتجاوز ذلك لتشمل المشاركة في كل ما من شأنه أن يضبط ايقاع المجتمع ومكوناته من قبيل المشاركة في أمور المنزل والجماعات الأهلية، كالأحياء، والحارات، والقري، والمدن. فالمشاركة في صنع القرار علي هـــذه المستويات المختلفة تؤسس لأداء جيد في الحياة السياسية وتعود المرأة علي العمل الديمقراطي وآلياته.
تأسيسا علي ذلك، فان أية استراتيجية، أو خارطة طريق، ترمي الي مشاركة أوسع للمرأة في الحياة السياسية لا يمكن أن تقتصر علي اجراءات مرحلية أو قصيرة الأجل وانما ينبغي أن تستند الي رؤية شاملة تقوم علي جملة من الأسس والخطوات النضالية التي تؤدي في المحصلة النهائية الي زيادة مشاركة المرأة في الحياة السياسية وتمكينها من الممارسة الحقيقية والفاعلة في معترك العمل السياسي. في هذا السياق، نلفت النظر في عجالة هذه المقالة الي النقاط العامة التالية التي ترسم اطارا عاما لمنهج فعال لمواجهة ومعالجة التحديات التي تعوق حركة المرأة العربية نحو تحقيق حضور فاعل في الحياة السياسية.
أولا، تنظيم حركات نسائية ضاغطة ترتقي بالنضال المطلبي في مجال حقوق المرأة من النشاط الموسمي ليغدو جزءا لا يتجزأ من الحراك الاجتماعي والديمقراطي العام، وتجعل نصب أعينها التأثير علي عملية صناعة القرار وصياغة السياسات، وتصحح الخلل الذي يعتور سلم أولويات الحراك المطلبي الاجتماعي بحيث توضع حقوق النساء واحتياجاتهن في أدني سلم تلك الأولويات مقارنة مع القضايا الوطنية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية الأخري. كما أن الحراك المطلبي لهذه الحركات النسائية الضاغطة علي مستوي البلدان العربية يمكن أن يشكل نواة للوبي نسائي عربي يسهم في نقل المعرفة والخبرة والمراس النضالي فيما بين الحركات النسائية ويفتح آفاقا جديدة ملائمة للتضامن والتنسيق والتعاون النسوي علي المستوي العربي العام. ثانيا، العمل علي تطبيق آلية الحصص، أو الكوتا، كأداة مؤقتة لسد الفجوة بين التشريع والممارسة، وتأكيد الحضور النسائي في المؤسسات التمثيلية، وتكثيف مشاركة المرأة في الحياة السياسية وصولا الي تمكين النساء من الممارسة الحقيقية والكاملة للعمل السياسي انطلاقا من الالتزام الحقيقي بمبدأ المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. واعتماد آلية الحصص ينبغي أن لا يُنظَر اليه علي أنه مسألة عددية أو حسابية بحتة، بحيث يقتصر الأمر علي رفع عدد المقاعد المخصصة للنساء في المجالس التمثيلية أو المرشحات اللواتي يخضن غمار العملية الانتخابية علي القوائم الحزبية أو المستقلة. فالتحدي الماثل هنا يشمل أيضا ضرورة حقن النخبة النسائية بدماء جديدة وبناء قدرات هذه النخبة بما يرفد ويفعّل أداءها لوظيفتها في أي موقع من مواقع القرار سواء في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو غيرهما. ثالثا، ربط المشاركة السياسية للنساء بحقوق الانسان التي نصت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية، ومن أبرزها الحق في الاختلاف والمساواة والاعتراف بالأهلية والكفاءة. ويتيح هذا الأمر مراجعة القوانين والاجراءات السياسية المعتمدة في الدول العربية بما يضمن حق النساء في المشاركة السياسية والغاء النصوص التمييزية الاستثنائية ضد المرأة، وتجاوز الموروثات الثقافية التي تنتقص من أهلية المرأة للعمل العام والنشاط السياسي، بحيث تحصر دورها في الأمومة وتدبير شؤون البيت، وتروج لأسطورة تفوق الرجل واختصاصه بأمور السلطة والشأن العام.
رابعا، حث الحكومات والهيئات التمثيلية العربية في الدول التي لم تصادق بعد علي اتفاقية القضاء علي كافة أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 والبروتوكول الاختياري الملحق بها علي المصادقة علي هذين الميثاقين الدوليين، ودفع الدول التي صادقت عليهما مع تسجيل تحفظات علي رفع هذه التحفظات، بما يسمح بتضمين الاتفاقية والبروتوكول الاختياري كاملين في التشريعات الوطنية. والمعروف أن هذه الاتفاقية تنص في المادة الرابعة منها علي امكان اللجوء الي التمييز الايجابي لصالح المرأة لدفع عجلة المساواة الحقيقية بين أبناء الجنسين في المجتمع، وذلك نابع من ادراك الحقيقة أن المعاملة المتساوية في ظل أوضاع وموروثات تاريخية وثقافية تقوم علي عدم المساواة انما تشكل استمرارا للتمييز وليس سبيلا للقضاء عليه.
خامسا، توظيف وسائل الاعلام والتكنولوجيا الحديثة في نشر ثقافة حقوق الانسان بشكل عام، وفي طليعتها حقوق المرأة، والعمل علي ازالة الصور النمطية التي تكرس موروثات ثقافية تقوم علي أساس نظرة دونية الي المرأة واقصائها عن الحياة العامة، جنبا الي جنب مع تغيير صورة المرأة في البرامج والاعلانات. ويستلزم ذلك أيضا تمكين عدد أكبر من النساء من أن يتبوأن مواقع متقدمة في المؤسسات الاعلامية بما يسمح بوضع أجندة المرأة في صلب السياسات الاعلامية. ويندرج في هذا الاطار أيضا توفير فرص تدريب أكبر للنساء الاعلاميات لرفع كفاءتهن المهنية، خصوصا في مجال اعداد وتقديم البرامج الخاصة بالمرأة، بما يمهد الطريق أمام كسب قضية المرأة أمام الرأي العام.
وعود علي بدء نقول ان المشاركة السياسية تمثل أحد مفاتيح الارتقاء بمواطنة المرأة العربية بحيث تصبح صنوا للرجل في حاضر ومستقبل المنطقة العربية. فحرمان المرأة العربية، التي تمثل نصف الثروة البشرية علي الأقل في العالم العربي، أو تهميش دورها السياسي لن يكون له سوي مردود سلبي علي الحياة السياسية عموما، ويظل عنوانا من عناوين التخلف. وحدها المواطنة الكاملة، وعصبها المشاركة السياسية، هي الطريق الي المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، وهي لن تتحقق الا من خلال استراتيجية تستند الي رؤية شاملة لقضايا المرأة والنضال في سبيلها.

كاتبة من ليبيا
Suaadone@yahoo.co.uk
www.libyanwritersclub.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "القدس العربي" ، الأربعاء ، 14 مارس 2007م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home