Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Suaad Eltaif al-Faitouri
الكاتبة الليبية د. سعاد الطيف الفيتوري

Friday, 6 April, 2007

ملاحظات عـلى هامش قضية أطفال الإيدز في ليبيا(*)

د. سعـاد الطيف الفيتوري

في ظل نظام حكم درج علي عقد الصفقات علي حساب الوطن ومقدراته وثرواته، والشعب وخيره ومصالحه، كان من الطبيعي جدا أن تثير بعض التصريحات الأخيرة الصادرة عن سيف الإسلام، النجل الأكبر للزعيم الليبي معمر القذافي، غبار التساؤلات عما إذا كان النظام في ليبيا في صدد الإعداد لعقد صفقة ما تحت الطاولة يطلق فيها سراح الممرضات البلغاريات الخمس، المحكوم عليهن بالإعدام بعد إدانتهن بنقل فيروس أتش آي في الذي يتسبب بالإيدز إلي أطفال ليبيين، مقابل تسوية أحد الملفات العالقة للنظام. فبعد فترة وجيزة من صدور الحكم في 19 كانون الأول/ديسمبر الفائت، طالعتنا إحدي الصحف البلغارية بتصريح أدلي به سيف الإسلام إليها تعهد فيه بشكل قاطع وصريح بعدم تنفيذ حكم القضاء الليبي بهن، قائلا: أضمن أننا لن نعدمهن . وأكد سيف الإسلام أن ثمة حلا وشيكا يلوح في الأفق، حيث قال: صدقوني، إننا نكاد أن نتوصل إلي حل .
وقضية كقضية أطفال الإيدز في ليبيا هي من دون أدني شك قضية، لا بل كارثة، إنسانية بامتياز. ولكن ما شابها من تدخلات سياسية في عمل القضاء الليبي يثير ظلالا كثيفة من الشكوك والظنون حول استخدام طرابلس للقضية كورقة مقايضة في إطار صفقة سياسية ترمي إلي الضغط علي الاتحاد الأوروبي لإطلاق سراح عبد الباسط المقرحي المسجون في قضية لوكربي، والذي يمضي حكما بالسجن المؤبد أصدرته في حقه محكمة اسكتلندية في عام 2001. ويري بعض العارفين بخبايا الأمور أن القضية كلها قد دخلت في لعبة من التجاذب والضغوط المتبادلة بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، خصوصا بعد تزايد القلق في بعض أوساط الحكم في طرابلس من أن يتراجع المقرحي عن أقواله ويدلي بإفادة أخري تشير إلي تورط مسؤولين ليبيين رفيعي المستوي في قضية لوكربي.
وتختزن هذه القضية، في تفاصيلها ومنعطفاتها وتعرجاتها، من السمات والمداليل ما يختصر الواقع المأزوم لليبيا في ظل حالات الترهل والشلل والتكلس التي ضربت مؤسسات الدولة في البلاد وعشعش في مفاصلها، وما صاحب ذلك من ترد وتدهور في عمل المؤسسات الصحية، علي مدار العقود الماضية. ولعل من أبرز معالم هذا الواقع الليبي المأزوم الذي تسلط قضية أطفال الإيدز الضوء عليه هو مصادرة الدولة ومؤسساتها لحساب أهل الحكم والسلطة في البلاد. والجانب القضائي في قضية الأطفال، بكل ما يضج به من تسييس وتوظيف، إن لم يكن تطويع، يعطي أمثلة صارخة في هذا المجال. فكما هو معروف للقاصي والداني، فإن سيف الإسلام، الذي يعد في عداد الإصلاحيين المقربين من أبيه، يدير مؤسسة القذافي الخيرية التي تخوض غمار عملية التفاوض مع أطراف دولية بشأن الممرضات البلغاريات. وقد أسفرت مفاوضاته عن إنشاء صندوق مالي دولي لتغطية نفقات الرعاية الطبية للأطفال الليبيين. وسيف الإسلام في تصريحه المشار إليه أعلاه ينصّب نفسه سلطة أعلي من سلطة القضاء، ويضع نفسه فوق مسار العدالة، ويجيز لنفسه أن يطعن في نزاهة القضاء الليبي وأحكامه. ومع أنه من الصحيح أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال في شأن ما آلت إليه أوضاع القضاء الليبي في ظل التدهور الذي يعصف بمؤسسات الدولة، فإن قيام سيف الإسلام بشطب نزاهة القضاء الليبي جملة وتفصيلا لا يمكن إلا أن ينطوي علي قدر من الظواهر السلبية اللافتة، ليس أقلها أن يتحول القضاء الليبي إلي مكسر عصا في مشهد مأساوي، لا يخلو من الهزلية، يدان فيه المتهم قبل جلسات المحكمة، وأثناء التحقيق، وإبان جلساتها، كل ذلك علي حساب استقلالية السلطة القضائية، وضمان مجري العدالة ومسار التحقيق العادل والشفاف والنزيه الذي يظهر معالم الجريمة بكافة أبعادها والضالعين فيها والمسؤولين عنها، وينزل بهم حكم القانون، سواء كانوا ليبيين أم أجانب.
ويمكن بسهولة أن يستشف المرء من هذا الفصل المأساوي-الهزلي في قضية أطفال الإيدز أن سيف الإسلام، الذي يلعب دورا مركزيا في المفاوضات الرامية إلي التوصل إلي تسوية للقضية بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، يستمر في سلوك سبيل توظيف المسألة في بازار الابتزاز السياسي والمساومة. والتوظيف السياسي للقضية يتبدي بوضوح من خلال متابعة ورصد تطورها منذ أن ظهرت إلي العلن رسميا في شباط/فبراير من عام 1999 عندما ألقت السلطات الليبية القبض علي 19 عاملا طبيا، من بينهم ستة عاملين طبيين بلغاريين وطبيب فلسطيني، بتهمة تعمد نقل فيروس الـ أتش آي في إلي أكثر من 400 طفل ليبي في مستشفي الأطفال في بنغازي. وبعد التحقيق الأولي تم الإفراج عن 13 معتقلا من أصل المعتقلين الـ19، وأحيل الباقون إلي القضاء لتبدأ محاكمتهم بعد عام من ذلك تقريبا في شباط/فبراير من عام 2000.
وقد ضربت السلطات الليبية عرض الحائط بكل ما خلصت إليه تحقيقات الخبراء الأجانب في القضية من نتائج. فلقد أصرت السلطات علي توجيه التهمة للممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني رغم أن عددا من الخبراء الأجانب المتخصصين في مرض الإيدز خلصوا إلي أن المرض انتشر في صفوف الأطفال قبل وصول الممرضات إلي ليبيا. ومن بين هؤلاء الخبراء الأجانب، الطبيب الفرنسي المشهور البروفسور لوك مونتانيير من معهد باستور في باريس، والذي لعب دورا رياديا في اكتشاف الإيدز، وفيتوريو كوليتزي من جامعة نور فيرغاتا الإيطالية في روما. كما أشار الخبراء إلي ما تعاني منه المستشفيات الليبية من تدهور في معايير النظافة، وتردي الإجراءات الكفيلة بسريان عدوي الأمراض والفيروسات، ونقص في نظام حماية المرضي من الدم الملوث.
واضح أن كلام الخبراء الدوليين ينطوي علي الكثير مما يضع النظام الليبي وسياساته الفوضوية، التي أضرت بنظام الرعاية الصحية كما أضرت بسائر مجالات الحياة في البلاد، في قفص الاتهام والإدانة. ولعل محاولة الإفلات من هذا القفص هي التي حدت به إلي الإصرار علي استخدام المتهمين ككبش فداء لصرف الأنظار عن الإهمال السائد في مستشفيات البلاد ومؤسساتها الصحية وتردي الأوضاع فيها إلي درجة إهمال تعقيم الحقن المستخدمة لمعالجة المرضي، كبارا وصغارا. وهكذا فقد بدأت محاكمة المتهمين في أيلول/سبتمبر من عام 2003، ورافقت تلك المحاكمة، محاكمة 9 ضباط ليبيين بتهمة تعذيب الممرضات بغية انتزاع اعترافات منهن بالقوة إبان التحقيق معهن. ولكن المحكمة برأت الضباط. وصدر حكم بالإعدام في حق المتهمين في أيار/مايو من عام 2004. ولكن المحكمة الليبية العليا ألغت الحكم بالإعدام إثر تعرض السلطات في طرابلس إلي ضغوط شديدة من عدد من الدول الأوروبية، وبالتالي أحيلت القضية إلي محكمة الجنايات لإعادة النظر فيها مجددا. وهكذا، بدأت محكمة الجنايات في أيار/مايو النظر في القضية مرة أخري. وبعد إرجائها النطق بالحكم لعدة مرات، أصدرت المحكمة حكما أكدت فيه الحكم السابق بالإعدام علي الممرضات الخمس والطبيب الفلسطيني.
من خلال هذا السرد التاريخي الموجز والمثقل بأوجاع وآهات الأطفال المصابين بعدوي الإيدز وعذاباتهم، والآلام النفسية لذويهم وهم يرون المرض ينتزع بريق الحياة شيئا فشيئا من فلذات أكبادهم، تطل علينا حالة التراجع التي تعصف بقطاع الرعاية الصحية في ليبيا، هذا البلد النفطي الذي يرفل بثروة نفطية هائلة. فليبيا، رغم ثروتها هذه، وجدت نفسها في خضم هذه الأزمة وهي تقف عارية أمام حقيقة مرة هي أنها تفتقر إلي الإمكانيات اللازمة للتعامل مع أمراض مستعصية تتطلب متابعة صحية دقيقة وتدخلا علاجيا متطورا، مثل الإيدز.
وكما هو الحال مع كل شيء في ليبيا منذ عقود، فقد خضعت القضية إلي تقلبات يختلط فيها ما هو مزاجي صرف، بما هو سياسي بامتياز، بما هو مستوحي من نظرية مؤامرة تتواشج مع اتهامات تطلق جزافا حينا وخيال جامح أحيانا. فالتصريحات الأولي الصادرة عن العقيد القذافي حول المسؤولية في القضية أنحت باللائمة علي المخابرات الأمريكية والإسرائيلية بتدبير حقن الأطفال بالدم الملوث بفيروس الـ أتش آي في بغرض إجراء تجارب عليهم. ولكنه ما لبث لاحقا، وبعد حلحلة مشاكله مع واشنطن، إلي اتهام المخابرات البلغارية في الموضوع. وإذا ما كان من الممكن تصور مصلحة ما تبرر (وإن يكن الأمر مستبعدا ما لم يتوفر الدليل القاطع) ضلوع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية في هذه الجريمة، وذلك علي ضوء ما شاب العلاقات بين طرابلس والغرب عموما، وواشنطن خصوصا، من توترات، فإن السؤال الملح الذي يطرح نفسه هو أي مصلحة للمخابرات البلغارية في التورط في عمل كهذا؟
ولعل الجانب الآخر من المسألة، وهو المتعلق بموقف الاتحاد الأوروبي، لا يقل غرابة ومأساوية عن تعاطي الجانب الليبي معها. فإصرار الاتحاد الأوروبي علي إطلاق سراح البلغاريات دون قيد أو شرط، يشكل بحد ذاته إدانة صارخة أيضا للاتحاد الأوروبي. فهذا الإصرار من قبل الاتحاد مؤشر علي أنه يتعاطي مع المسألة من منطلقات سياسية بحتة من دون أن يعير أي اهتمام للجانب القانوني في الموضوع، والذي يضمن تحديد الجناة وإنزال العقاب بهم وإنصاف الضحايا وتعويضهم. لقد كان الحري بالاتحاد الأوروبي، الذي يملأ الدنيا ضجيجا حول حكم القانون وحقوق الإنسان وغير ذلك من القيم التي تؤسس لحكم مدني عصري، أن يدعو مثلا إلي تشكيل محكمة دولية، تتيح تجاوز عوامل النقص والقصور التي تشوب عمل القضاء الليبي في تعاطيه مع هذه القضية. ولكن الإصرار علي إطلاق سراح البلغاريات دون قيد أو شرط ترك الباب مفتوحا أمام كم هائل من الشكوك والتساؤلات حول مدي جدية التزام الاتحاد بمعايير العدالة عندما يكون المتهمون من رعايا إحدي دوله والضحايا من رعايا إحدي دول العالم الثالث.
وبقدر ما يثير إصرار الاتحاد الأوروبي علي إطلاق سراح الممرضات البلغاريات دون قيد أو شرط من تساؤلات وعلامات استفهام وتعجب حول منطلقات الاتحاد الأوروبي في تعاطيه مع المسألة برمتها، فإن عدم إيلاء الاتحاد قدرا مساويا من الاهتمام للطبيب الفلسطيني المتهم في القضية ذاتها يعيد إلي الأذهان شبح ازدواجية المعايير التي طالما وسمت مواقف الغرب حيال العرب وقضاياهم بميسمها القميء.
وفي خضم كل هذا التجاذب السياسي بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، والذي يلقي بظلاله القاتمة علي قضية أطفال الإيدز، فإن أشد ما يخشاه المرء هو أن تتعرض الحقيقة للاغتيال علي مذبح الصفقات السياسية، وتُغيّب معاناة وصبر وآلام الأطفال الضحايا وعائلاتهم لحساب تجار السياسة، ويكون المواطن الليبي هو من يدفع ما يترتب علي هذه الصفقات من ضرائب. باحثة وكاتبة ليبية مقيمة في لندن .

suaadone@yahoo.co.uk
www.libyanwritersclub.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "القدس العربي" ، الأربعاء ، 5 أبريل 2007م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home