Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Suaad Eltaif al-Faitouri
الكاتبة الليبية د. سعاد الطيف الفيتوري

Friday, 4 May, 2007

من دفاتر المرأة العـربية في الغـرب (*)

د. سعـاد الطيف الفيتوري

تتعدد صور وأوجه الآثار المترتبة علي الهجرة والاغتراب بصورة عامة، وهي في مجملها ترتبط بظروف واشكاليات التكيف مع المجتمع الجديد الذي يجد فيه المهاجر نفسه وما يستدعيه ذلك من معضلات ومشكلات ومعاناة. والهجرة، في مطلق الاحوال، تلقي علي المراة هموما واعباء كثيرة، تفوق في احايين كثيرة ما تلقيه علي الرجل، حيث انها تتحمل قدرا اكبر من تبعات التغيرات والتحولات التي تطرأ علي حياة العائلة نتيجة الانتقال من مكان الي آخر، ومن محيط ثقافي واجتماعي الي محيط مغاير، في كثير من سماته وعاداته وتقاليده واعرافه، لما الفته ودرجت عليه.
والهجرة ظاهرة قديمة في التاريخ البشري ارتبطت بارتحال الشعوب والاقوام من مكان الي آخر بقصد الاستقرار والبحث عن حياة افضل. وفي عصرنا الحالي، فان العوامل الاقتصادية والسياسية كما هو معروف تشكل الاسباب الرئيسية للهجرة عموما، الامر الذي يفرض ان تتشكل الموجات الاولي من المهاجرين في معظمها من الرجال. ولكن سرعان ما تتلو ذلك هجرة العنصر النسائي والتي هي في اغلب الحالات هجرة زوجات او امهات او اخوات الرجال من افراد الجيل الاول من المهاجرين. ومع ان عدد النساء العربيات اللواتي يهاجرن بمفردهن، ولاسباب تتراوح بين الدراسة او البحث عن فرص عمل او الفرار من ظروف غير مؤاتية هو في طور الازدياد بمرور الزمن، فان عدد الرجال العرب من المبادرين الي الهجرة ما يزال يشكل اكثرية المهاجرين الجدد من الاقطار العربية.
والمراة العربية تتربي في بلدها الام في ظل منظومة تراكمية من التقاليد والعادات والاعراف التي تضخ في وعيها ولاوعيها مجموعة من القيم والمباديء الاخلاقية المستقاة من نسيج الثقافة العربية، وهي في محصلتها النهائية منظومة تؤكد علي الهيمنة الذكورية والسلطة الابوية. ولذا فان المراة تجد نفسها، لدي انتقالها الي بلدان مهجرية، واقعة فريسة الانطواء والعزلة واقل قدرة من الرجل علي التكيف مع الواقع الجديد والاندماج في تفاصيل حياة مجتمع المهجر. ومع وجود حاجز اللغة فان هذا الشعور المضاعف بالغربة الذي ينتاب المراة العربية في المهجر يتواشج مع شعور، حاد احيانا، بانعدام الثقة بالنفس والامان، مما يفرز محدودية في شبكة العلاقات الاجتماعية والصداقات، والتي تبقي في الاعم الاغلب محصورة في اطار التواصل مع الاسر والجاليات العربية التي تعيش بدورها نمطا مشابها من المشاكل والهموم والشجون، لعل من ابرزها الشعور بالوحدة.
ومعظم النساء العربيات في المهجر، وخصوصا بنات الجيل الاول من المهاجرين، هن ربات بيوت، وبالتالي فانهن لا يساهمن في القوة العاملة في بلدان المهجر بنسبة تتساوق مع نسبتهن من عدد السكان. وينجم ذلك في كثير من الاحيان عن الافتقار الي التأهيل المهني المناسب للالتحاق بسوق العمل في البلد الجديد او عدم توفر فرصة عمل كافية. ويمكن ان يشار في هذا السياق الي ضعف اهتمام الدول المضيفة في اوروبا الغربية عموما بتنمية مؤهلات ومهارات المراة الوافدة، عربية كانت ام غير عربية، وعدم تخصيص برامج خاصة بتاهيل المراة لدخول معترك العمل. ولكن عدم التحاق قسم كبير من النساء العربيات في المهجر بسوق العمل يتأتي في معظم الاحيان ايضا من رغبة الاسرة العربية في تفرغ الزوجة لتربية الاولاد وتدبير شؤون المنزل والاسرة. وتضطلع المراة، كربة بيت، بعبء تنظيم الحياة عموما في داخل الاسرة، وفي علاقاتها مع غيرها من الاسر، وحتي في بعض ترتيبات الوقت بالنسبة لكل فرد من افراد الاسرة، وما يرافق ذلك من تغير في شكل العلاقات بين افراد الاسرة بعضهم ببعض، من جهة، وبينهم وبين الآخرين، من جهة اخري، وكل ذلك وفقا لما هو سائد في بلدان المهجر من اوقات الدوام الرسمي للمؤسسات والاعمال التجارية والمدارس.
هذا التغير في الانماط الزمنية لحياة الاسرة قد يكون اول الغيث في مسار تغيير يطال بعض الموروثات التقليدية التي تجد نفسها عرضة لخطر الانحسار والتلاشي تحت ضغط القيم السائدة في المجتمع الجديد. ويفرض ذلك نوعا من انواع الصراع من اجل التوافق والتوفيق بين ما تحاول الاسرة التمسك به من نمط التربية التقليدية الموروثة من بلدها الام وبين القيم الجديدة. وتلعب المراة من خلال اضطلاعها بمهام ربة البيت دورا مركزيا في التوفيق بين ثقافة الاسرة الاصلية، المترسبة في وجدانها، وهويتها ومعتقداتها الدينية وروادعها الاخلاقية، وبين ثقافة وقيم المجتمع الجديد بغية تقديم التنازلات اللازمة لاستمرار عجلة الحياة في المهجر وحماية افراد الاسرة من الذوبان والضياع والانسلاخ عن الهوية الاصلية.
ولعل ما يجعل من وقع الحيرة والتمزق العاطفي عند المراة العربية في المهجر اشد وطأة هو ما قد يطرأ علي حياتها العائلية من جفاء عاطفي يلقي بظلاله القاتمة علي العلاقات بين افرادها، وخصوصا بين الابوين. ان جزءا من مسببات هذه المشكلة يكمن في واقع ان الاسر المهاجرة تحرص علي الابقاء علي بناتها داخل اطار الاعراف التقليدية، وتقييد خيارات الزواج لديهن بحيث تقتصر علي مرشحين من نفس الخلفيات الثقافية او من البلد الام. وهذا ما ينتج زيجات تفتقر الي المكون العاطفي الذي يشكل ضمانة لاستمرار روابط المودة تحت سقف الزوجية. ويفاقم من الآثار النفسية لهذه المشكلة قلة وجود اصدقاء للعائلة يمكن الوثوق بهم للتدخل في حل بعض الخلافات الداخلية التي قد تنشب جراء الضغوطات الناجمة عن بعض تعقيدات حياة المهجر. وكثيرا ما يكون الجفاء العاطفي سببا في حدوث حالات طلاق وانفصال وتفكك الاسرة، وما يرافق ذلك من مشاكل تنبع من الاختلافات الثقافية والقانونية بين ما هو موروث من الثقافة الأم وما هو معمول به في البلد الجديد من رؤي ومباديء قانونية واجراءات تطال مفهوم الولاية داخل الاسرة، سواء علي المراة او علي الاطفال في سن الصغر، حيث تشجع الثقافة الغربية بشكل عام مفهوما متحررا يتناقض في كثير من تفاصيله مع ثقافتنا العربية ويصعب علي المهاجر القبول به.
واذا ما كان سؤال الهوية مؤرقا بالنسبة للمهاجرين علي وجه العموم، فانه اكثر اثارة للقلق لدي المراة العربية المهاجرة. فالمراة العربية اكثر تعرضا لمشاكل التمييز العنصري والديني، وما يصاحب ذلك من سلوكيات عدائية احيانا، من الرجل. فالمراة العربية، بحكم تربيتها ومنظومة القيم والتقاليد التي تربت عليها تلعب دورا اساسيا في الاسرة كرمز للاستقرار القيمي وضمانة لانتقال التقاليد والعادات الموروثة الي الاجيال القادمة.
وتتضاعف اهمية دور المراة هذا في الحفاظ علي هوية افراد الاسرة في المهجر، حيث تتعاظم مخاطر فقدان الهوية والانسلاخ عن الموروث الثقافي لدي ابناء المغتربين.
وفي هذا الاطار، لا يقع علي عاتق المراة عبء مقاومة التاثيرات السلبية للحياة في المجتمع الجديد علي الاجيال الناشئة فحسب، وانما تتولي المراة مهام اساسية في الحفاظ علي الهوية من خلال تلقين الاطفال لغة الوطن وتقاليده وعاداته وزرع الوازع الديني والاخلاقي في نفوسهم لتجنبيهم مخاطر الوقوع في مطبات يعتبرها المجتمع الشرقي انحرافات اخلاقية وخطايا.
والمراة العربية التي تخوض غمار الهجرة وتكافح للتعامل مع ما تنطوي عليه تجربة الغربة من هموم ومشكلات تقف حائرة امام مفترق يفضي الي ثلاثة طرق وهي تحاول ان تسبر امكانيات التأقلم مع واقع الحياة في المجتمع الجديد. فهي ان سلكت الطريق الاول تختار الانكفاء علي نفسها والعيش في ظل الغيتوات الثقافية لعالم المهاجرين في بلاد المهجر، بحيث لا تعرف نفسها الا من خلال مقولات الموروث الديني او الثقافي ومنظومة العادات والتقاليد والقيم التي جلبتها معها من بلدها الام.
وهي بهذا تضع نفسها في موضع التناقض الكلي والصارخ مع محيطها الاجتماعي الجديد والرفض المطلق للآخر-المختلف الذي تعيش بين ظهرانيه، موصدة في خضم ذلك الابواب امام الآفاق العريضة والرحبة التي يفتحها لها وجودها في المجتمع الجديد علي الحياة وامكانية الاستفادة منها. ومما يؤسف له ان هذا الطريق تسلكه شريحة لا بأس بها من نساء الجيل الاول من المهاجرين العرب، واللواتي تبقي حياتهن في الغرب محاطة بمفاهيم قديمة لا تفتح ابوابا تؤدي الي معارف وسلوكيات جديدة بقدر ما تحاول التاكيد علي الثقافة الام ونقائها وطهرانيتها، الامر الذي يكرس الانعزالية.
في المقابل، هناك طريق يسعي الي تقبل كافة مفردات ثقافة المجتمع الجديد وتشربها بكامل تفاصيلها وتقمص كل ما تنطوي عليه من قيم واعراف وتقاليد. وهذا الطريق، والذي ينم ايضا عن رفض للثقافة الاصلية للمهاجر وانسلاخ عن الهوية، يسلكه في الاعم الاغلب الرجال من المهاجرين. ولكن هناك نساء كثيرات ممن يخترن ايضا سبيل التماهي مع الثقافة الجديدة وادارة الظهر الي ثقافة بلدهن الام. وهذا وسلوك الطريق النابع من الشعور بمركبات نقص حضارية يشكل بحد ذاته سلوكا مثيرا للاستغراب من حيث كونه ينم عن انشغال تعسفي بالآخر وثقافته وقيمه.
ولكن ثمة طريق وسطي آخر يسعي الي التوفيق بين الماضي والحياة في الوطن الام وبين الواقع المعاش في بلد المهجر من دون ان يطغي احدهما علي الآخر. ورغم ان هذا الطريق ينطوي علي نزوع الي التمثل بالغرب، فانه ليس نزوعا منفلتا من عقاله بحيث انه يري في ثقافة الغرب نقاطا مضيئة واخري مظلمة.
وهكذا يحل التناقض بين الماضي والحاضر عبر القبول بالايجابي ورفض السلبي في المجتمع الجديد، مما يحقق التوازن الثقافي والقيمي الذي يؤمن دخول المراة العربية المهاجرة بفاعلية في دورة الحياة في المجتمع الجديد من دون ان تعيش حالة انفصام في شخصيتها او انفصال عن ثقافتها الاصلية.

باحثة وكاتبة ليبية مقيمة في لندن
suaadone@yahoo.co.uk
www.libyanwritersclub.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "القدس العربي" ، الأربعاء ، 2 مايو 2007م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home