Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Suaad Eltaif al-Faitouri
الكاتبة الليبية د. سعاد الطيف الفيتوري

Saturday, 2 September, 2006

جدلية الحراك الليبي بين الثورة والدولة(*)

د. سعـاد الطيف الفيتوري

الديمقراطية لا تأتي بقرار فوقي وانما هي ثقافة تقترن بسلوك واع، فالقيم الديمقراطية لا يمكن تعليبها وتسويقها بشكل ساذج، وليس للديمقراطية وصفة نموذجية تصلح للتطبيق في كل مكان وزمان. هناك جدلية بين الواقع بكل تفاصيله وأبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وبين قيم ومبادئ الديمقراطية.
فبدون ان تمر الشعوب بمنعطفات ووقفات تنضج خلالها القيم الديمقراطية علي شكل ممارسات يومية بدءاً من العلاقات الأسرية والاجتماعية؛ فلا يمكن ان نتصور ان أسرة يمارس فيها رب الأسرة مطلق تسلطه وقمعه، فلا صوت آخر غير صوته ولا رأي غير رأيه وبشكل آخر يمكن ان نقول بان العلاقة الأسرية تغيب عنها الممارسة الديمقراطية، فالمنطق السائد تكون الأسرة تخضع لقانون الحاكم والمحكوم سواء كان زوجاً أو زوجة، فالرأي أحادي الاتجاه لا يقف بوجهه رأي آخر، عند ذلك كيف نستطيع ان نتصور ان مثل هذه الأسرة تكون نواة للديمقراطية بشكلها العام باعتبار ان المجتمع هو المحصلة النهائية لأفراده وتجمعاته بكل انواعها. ويمكن ان نلحظ ذلك التوجه (التسلطي) في مفاصل أخري من حياتنا الاجتماعية، فالمدرسة لا تكاد تختلف كثيراً عن الأسرة وقوانينها الصارمة (اسمع ولا تناقش) ففي المدارس نري الطالب مقموعاً لا يملك أي حق في مناقشة أستاذه، فيموت عنده حس الحوار ورغبة النقاش وروح التمرد علي الخطأ، فمثل هذا الجيل لا يمكن ان يكون جيلاً واعياً يستطيع فهم وممارسة القيم الديمقراطية، فهي أي الديمقراطية ـ كما أسلفنا ـ ليست وجبة جاهزة للهضم والتمثيل، وانما تحتاج الي استيعاب هادئ وضمن أجواء تحفظ قيم الديمقراطية من التشوه والطرح الساذج الشكلي الذي يحاول الكثير ممن هم في مواقع المسؤولية ببلداننا ان يتبجحوا بشعارات الديمقراطية من خلال ممارسة بعض الآليات للديمقراطية كتعدد الأحزاب من خلال قنوات الدولة أو اجراء الانتخابات الصورية للايحاء بان الأجواء هي أجواء ديمقراطية، ووجود بعض الصحف والتي لا تخرج عن هيمنة النظام القائم بشكل أو بآخر حيث نري ان ما يكتب بصحيفة واحدة موجوداً في الصحف الأخري، يكاد يكون نسخة مطابقة لولا بعض الاضافات السطحية وتغيير بعض العناوين للايحاء بان الموضوع مختلف في حين هو نفسه، وهكذا نجد دورة الخبر أو التحليل الصحافي في معظم صحفنا تشبه دورة الأحزاب والمنظمات المفتعلة، من حيث الخضوع لآليه واحدة تسيّر كل عربات الصحافة أو الأحزاب باتجاه واحد وخط واحد وفكرة واحدة وان تنوعت العناوين أو تعددت المسميات، هكذا صحافة لا يمكن ان تساهم بخلق أجواء أو مقاربات ديمقراطية، بل علي العكس من ذلك انها تكرّس التسلط والفردية، وتشغل الحيز الذي يفترض ان تشغله صحافة حرة مستقلة عن السلطة والنظام. كلما وجّه نقد للنظام بخصوص (التعددية) سواء في الأحزاب أو الصحافة، لجأ النظام الي اصدار المزيد من الصحف وفتح المزيد من اجازات لأحزاب والتي لا تشكل سوي الظل والامتداد لما هو موجود من أحزاب أو صحافة، وتبقي العملية الديمقراطية أو مقدمات العمل الديمقراطي بعيدة عن مجالات الحقيقة، حيث لا وجود لأهم الركائز التي تقوم عليها الديمقراطية والتي هي :
ـ احترام وحماية حقوق الانسان الأساسية
ـ السيادة للقانون
ـ الانتخابات الحرة النزيهة
فالديمقراطية نظام سياسي واجتماعي وثقافي مركب ولذلك لا يمكن ان نختزل الديمقراطية من خلال الشعارات والاعلانات والخطابات. ومن أجل تكريس ثقافة الديمقراطية لا بد من نشر الوعي الديمقراطي وتعريف الناس بأهم المقومات الأساسية للديمقراطية والتي تتمثل في :
ـ الفصل بين السلطات
ـ استقلال القضاء
ـ الحكم بواسطة التمثيل البرلماني
ـ الفصل بين المجالات العامة والمجالات الخاصة
وكل ما يصب في الاتجاه الديمقراطي ، ولكن كل هذا لا يمكن ان يتم بدون الشعور بالمواطنة فهي المنطلق الأساسي للمطالبة بالديمقراطية، وعليه فيجب العمل علي بث روح المواطنة وتعويد الفرد ان يتصرف كمواطن لا كرقم مهمل حين يطالب بحقوقه وحين يؤدي ما عليه من واجبات، وبنفس الوقت مطالبة القوي الحاكمة ان تتبني مفهوم (المواطنة) والمساواة أمام القانون بشكل فعلي اجرائي، لا مجرد عرض اعلامي يتم الالتفاف عليه بخطوات شكلية تصادر المضامين والآليات الديمقراطية الحقيقية. وهذه المواطنة لا يمكن ان يستقر مفهومها وتتوضح معالمها الا من خلال جدلية الانتقال من الثورة وارهاصاتها الي الدولة واستقرارها فالمواطنة تبقي قلقة إبان تفاعلات الثورة وتقلبات مسيرتها، فما ان ينتقل البلد من الثورة الي مطارح الدولة حتي تبدأ المقاربات الحقيقية لبناء مجتمع مدني متطور تلوح فيه مظـــــاهر المواطنة واضحة وتبدأ بالنضوج باتجاه الصيرورة الديمقراطية والتي لا يمكن ان تتم بدون الشعور المعمق بالمواطنة من قبل المواطن والاحترام الأكيد لها من قبل الدولة، فلا يمكن تصور أي مظهر للديمقراطية بدون هذه السيرورة باتجاه تحقيق الديمقراطية حيث لا بد من تطور البني الاجتماعية والسياسية اللازمة لأجل ان تعمل الآليات الديمقراطية علي الوجه الصحيح.
فالانتخابات مثلا لوحدها لا تصنع ديمقراطية حتي لو جاءت عبر آليات دستورية عتيدة. والتعددية السياسية غير المتزامنة مع نمو المجتمع والاقتصاد ستؤدي الي تكريس الانقسامات العرقية والدينية في المجتمع مثال: العراق، انصاف المتدينين، ففي أذربيجان وأرمينيا أوصلت الانتخابات القوميين المتطرفين الي السلطة، عندها يمكننا ان نطرح التساؤلات التالية :
ـ هل يفترض التريث مع الديمقراطية الي ان تحل المشاكل المادية الضرورية في المجتمع والدولة؟
ـ هل يمكن ان يقام نظام ديمقراطي حقيقي مع وجود الفقر والتفكك الاجتماعي؟
لقد وجد ان الديمقراطية حظها من النجاح أكثر في البلدان الأقــــل حاجة لها كما هو الحال في مؤسسات المجتمع المدني في بولونيا، المجر، الجمهورية التشيكية، علي عكس بعض دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية والمعسكر الاشتراكي السابق فقد فشلت في استيعاب وتبني الديمقراطية.
و مما يؤكد أهمية الانتقال من الثورة الي الدولة هو المتغيرات المتسرعة علي الساحة العالمية والنقلات النوعية التي شاهدتها البشرية خلال العقود القليلة المنصرمة فثورة الاتصالات وأثرها علي المنطقة العربية والعالمية من حيث انتشار الوعي الديمقراطي بعد ان اقتحمت هذه الثورة سدود وحواجز الانظمة الاستبدادية العربية، حتي أصبح من غير الممكن التعتيم علي ما يجري في تلك البلدان من انتهاكات لحقوق الانسان ومخالفة ابسط المبادئ الديمقراطية، وكذلك الانتشار الهائل المختلف الثقافات من كل أرجاء العالم والذي وضع بين يدي المواطن العربي معرفة كبيرة بحقوقه وواجباته وادراكه لذاته كانسان يستحق العيش بأمان وكرامة، ففي مثل هذا المناخ تنبثق أسئلة عدة تجعل منطق (الثورة) غير قابل للاجابة عليها، في حين منطق الدولة هو الأقرب للحقيقة والممارسة علي أرض الواقع حيث الدولة بمقارباتها العميقة لشؤون الفرد تحاول ان تغنيه بالاجابات عن أسئلة كثيرة تخفي وجوده وحاجاته وانسانيته. ولكن قد يطرح الواقع المعيش علينا سؤالا: هل الخيار في العالم الثالث بين الحكام المستبدين وبين الديمقراطية، أم بين المستبدين والأحسن قليلا؟ ويبدو ان مثل هذا التساؤل يتم طرحه من دوائر الاستبداد في محاولة لترويج انصاف الحلول، وان بدت هذه الأسئلة وكأنها جزء من الواقع، حيث فشلت أو كادت ان تفشل بعض التجارب الديمقراطية ولكن ليس لسبب ذاتي موضوعي وانما لأسباب قام المستبدون والدكتاتوريون بجعلها شبه حقيقة علي أرض الواقع، حيث وضعوا كل ثقلهم الاستخباراتي والاستبدادي للحيلولة دون قيام أي نموذج ديمقراطي في العالم العربي والعالم الثالث عموماً، وهذا يأتي من حقيقة ان الدكتاتوريات ترغب في تأجيل الاصلاحيات الديمقراطية الي ما لانهاية حتي بعد تحقق الرخاء الاقتصادي. انها تسعي لبقائها في السلطة وبأي شكل كان، مخففة أحيانا من وجع الاستبداد بنجاحات اقتصادية ملفتة للنظر تعتمد علي نظام السوق. ولأجل الوقوف بوجه كل هذه الألاعيب والخدع التي يتقنها أساطين الدكتاتورية في عالمنا علينا ان نؤكد أهمية الانتقال من الثورة الي الدولة والتي تعني مزيداً من الاستقرار والطمأنينة، الأمر الذي يساعد علي انماء الوعي الديمقراطي، فالديمقراطية يجب ان تستنبت وتنمو من خلال التفاعل والحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي حتي يؤمن لها الجو المناسب للنمو والتأصيل ومد الجذور (الجذور الديمقراطية) الي الأعماق لتتمكن من الوقوف بوجه عواصف الاستبداد؛ فكلما تمكنت القيم الديمقراطية من التوغل في الأدمة العميقة للبنية الاجتماعية كان حظها في البقاء والعطاء أكثر وهي (أي الديمقراطية) بحاجة الي القوي المدافعة عنها، حيث يمكن ان تأتي الديمقراطية بجرة قلم من دكتاتور حسن النية ولكن هذا النوع من الديمقراطية يمكن ان يُزال بجرة قلم أخري من نفس الدكتاتور، فالذي يعطي يستطيع سلب ما أعطاه ويمنع ما تفضل به ؛ فيمكن حل البرلمانات بعد تشكيلها، أو تأجيل الفعالية الدستورية والعمل بقوانين الطوارئ الي أجل غير مسمي.
ان الخطوة النوعية التي تبنتها الدولة بالانتقال من الثورة الي الدولة تؤسس لجدلية الحراك المعمق والواعي بين الدولة المؤسساتية والدستور بعمقه القانوني وامتداداته الحضارية، هذه النقلة سوف تكون البوابة المشرعة لدخول المواطن الي مواقعه الحقيقية في بناء الوطن وتعضيد الدولة، المهم في كل هذا هو المدي العملي والمصداقي لهذا الطرح، وحتي لا يضاف الي السابق من الشعارات والطروحات التي ملّها الشعب وصارت لا تشكل عنده سوي صدي للخطابات واعادة للكلمات والنتيجة هي، ليبيا هي ليبيا، قبل الخطاب وبعد الخطاب، وتماشياً مع خطاب سيف الاسلام القذافي وانطلاقا من مقولة: (الشعب مصدر السلطات) فالدستور لا يمكن ان يُصاغ بعيداً عن الشعب ولكي لا يصبح هذا الطرح (طوباوياً) وتصبح مشاركة الشعب بطريقة صورية كالمعتاد، علينا ان نفكر بآلية عملية تضمن مشاركة الشعب من خلال لجنة ينتخبها الشعب لصياغة الدستور والذي لا يُقر الا بعد ان يصوت عليه الشعب، ومن هنا نكون قد ضمنّا عدم تسلط الحكومة والأشخاص المقربين علي الدستور وجعله في خدمة طبقة الحكومة ومن هم حولها ويستبعد الشعب الذي هو صاحب المصلحة الأولي في وجود دستور يحمي وجوده ويضمن مصالحه ويحقق آماله، والمتتبع لكلام سيف الاسلام القذافي أثناء عرضه لهذه الأفكار والمقترحات الحساسة والخطيرة والتي لها أثر كبير علي مستقبل ليبيا وشعبها فيما اذا طبقت لم نر أحداً من الحاضرين وهم كثر ابدي أية ملاحظة أو طرح أية فكرة تخص كلام سيف الاسلام القذافي، وهذا ان دل علي شيء فانما يدل علي ان الشعب الليبي مصاب بالاحباط والخوف، لان الكلام في قاموس الواقع الليبي يعني الدخول الي السجن أو المساءلة الأمنية والكل يعرف ماذا يعني ذلك. ومن هنا واستثمارا لهذه الفرصة الثمينة التي تعرض لها سيف الاسلام القذافي، نناشد الشعب الليبي التمسك بما طرحه سيف الاسلام القذافي والمطالبة بايجاد دستور وحرية للصحافة والتعامل مع المواطن من خلال الآليات الديمقراطية وابعاد سوط القمع والممارسات الأمنية المقيتة. ونقول للشعب الليبي ولا سيما المعارضة بان الحرية تؤخذ ولا تعطي فعليه ان يتقدم وبوسائل حضارية لنيل حقوقه، ومن المؤسف ان هذه المعارضة أصبحت خاوية وابتعدت عن ساحة عملها حيث اقعد كبر السن بعضهم وجعلهم يرجعون الي ليبيا والبعض الآخر اكتفي بحفنة من الدولارات كمساهمة رخيصة لاقتسام الكعكة. من هنا نؤكد علي الشعب الليبي ان لا يصاب بالاحباط والاتكال علي الآخرين، فهو صاحب القضية التي يعيشها يومياً فعليه ان يعيش من أجلها ومن أجل تحقيق مستقبل يضمن فيه مصالحه وتطلعاته، وعليه ان يعرف انه اذا لم يتحرك باتجاه حقوقه ويطالب بها فانه لا يوجد من يقوم مقامه في ذلك لا سيف الاسلام القذافي ولا المعارضة المستهلكة.

د. سعـاد الطيف الفيتوري
كاتبة من ليبيا
suaadone@yahoo.co.uk
www.libyanwritersclub.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "القدس العربي" ، السبت 2 سبتمبر 2006م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home