Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Salem
الكاتب الليبي سالم سالم

Monday, 7 May, 2007

عـبدالحميد البكوش.. نم قرير العين

سالم سالم

بسم الله الرحمن الرحيم
" يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي "
"كل نفس ذائقة الموت وانما توفون أجوركم يوم القيامة"

عندما اتصل بي الصديق الصحفي سليمان دوغة، مستفسرا عن إمكانية ترتيب مقابلة صحفية مع الكاتب والسياسي المخضرم ورئيس وزراء ليبيا الأسبق، حول أوضاع الحريات الصحفية في الوطن العربي، لصالح وكالة "قدس برس"، في اليوم العالمي للصحافة، لم أكن أعلم أن الموت كان قد سبقني إلى طرق بابه، في نفس اللحظة التي كنت أستجمع فيها مهاتفة زوجته والاطمئنان على أحواله التي تدهورت بشكل كبير في أيامه الأخيرة.
نبأ وفاة الأستاذ عبد الحميد البكوش، وقع على نفسي كالصاعقة، وفجعني بألم وحزن شديد، فلقد غيب الموت الحق رجلا من رجالات ليبيا وصوتا من أصوات الحق، الذين حاول "القذافي" بكل السبل والطرق إسكاته، ولقد وجد من يعينه من المتخاذلين والمرتزقة الذين تزخر بهم الأمة المحطمة، ولكن حكمة وعزيمة وسياسة الأستاذ عبد الحميد جعلته يخرج من كل ذلك أكثر قوة.
لقد كان "البكوش" وطنيا بكل معنى الوطنية، مخلصا لليبيا وشعبها أحبها وعمل من أجل أن يرى ليبيا في مصاف الدول المتقدمة في جميع المجالات، ولكن العسكر لعب بكل مقدرات ليبيا وشعبها وحطمها، وحطها في الحضيض.
غادر ليبيا كما غادرها كثير من أحرار البلاد، وحاول بكل ما أوتي من جهد أن يزيح الظلم عنها.. صرخ في وجه الطاغية (عبر الأثير)، وكتب المقالات الرائعة، وعبر فيها عن كل ما يختلج الليبي الحر.. من آلام وآمال لوطنه وشعبه.. كتب عن ليبيا التي كان يحلم بها وعمل من أجل شعبها.. ومستقبلها الذي كانت اللعبة السياسية الدولية والدسائس الصهيونية في كل مرة تجهضه.. وتجهض معها أحلام المعارضة الليبية.
استقر به المقام في السنوات الأخيرة في دولة الإمارات العربية، وبضيافة المرحوم الشيخ زايد الذي قال لي عنه المرحوم الأستاذ عبد الحميد في إحدى مكالماتنا: "والله وجدنا في هذا الرجل الطبيعة البدوية البسيطة والعفوية.. وجدنا فيه الكرم وحسن المعايشة.. والمعاملة التي عرفناها في بلادنا وأهلنا أيام زمان".
وفي مكالمة أخرى سألني عن أحوال الغربة، فقلت له افتقدنا الوطن.. جباله وشواطئه ونخله وزيتونه، فقال لي: "يا سالم لم تخرجنا الأوطان ولكن أخرجتنا أخلاق من يحكمون الأوطان.. أنت تعيش في أوروبا وأنا في الإمارات ولا مقارنة بينها وبين ليبيا في التقدم.. وكل ليبي يتمنى أن يعيش في أوروبا أو الإمارات.. يا أخ سالم إننا نفتقد الآمان والحرية في وطننا.. الذي سيطر عليه الخوف والتسلط والقهر.. حينما تصل بلادنا إلى هذه الدول التي نعيش فيها لن نبدلها بأي بقعة في العالم".

بين عبدالحميد والنامي
تحدث معه مرة عن ذكريات ليبيا، وعرجنا على أيام السجن، فأخبرته أن الدكتور عمرو النامي، قد حدثني عنه وعن لقاءاته به وما كان يدور فيها من نقاشات داخل المعتقل.. وكان يقول (النامي) "إن عبد الحميد شخص قد خسرته ليبيا.. وقليلون هم الرجال أمثال البكوش".. وقال لي النامي حينها إن البكوش عرض عليه أن يسكن في مزرعة إلى جانب مزرعته ليكون بقربه.. ثم قلت له: يا أستاذ عبد الحميد.. إن علاقتي مع عمرو النامي أكثر من علاقة مصاهرة.. هل تعلم أنه كتب لي قصيدة خاصة"، فطلب مني الأستاذ أن أرسلها له.. وبعد أن قرأها.. أرسل لي رسالة، أنشرها هنا للتاريخ: "أخي العزيز سالم.. بعد التحية.. تلقيت القصيدة، ولكن بقدر ما أسعد باتصالك بي وكتابتك إلي، بقدر ما أثرت في نفسي هذه المرة مشاعر حزن عميق.
إن القصيدة رائعة بكل المقاييس لكن ذكرها أحزنني.. لأنني أفتقد أخا من أعز الناس عندي دون أن أعرف له مكاناً.. لقد تعرفت على عمرو في المعتقل وكنت اقرأ مقالاته قبل ذلك وأعجب بما يكتب، ولكن عندما تعرفت عليه عن قرب وجدت فيه أخا ً ورأيت فيه النموذج الليبي والإنساني الرائع الذي لا مثيل له ولم ألتق بمثله إلى اليوم..".

عبدالحميد والأمازيغية
وتطرقنا يوما إلى القضية الأمازيغية، بعد نشره مقالته الرائعة "الأمازيغية والأقليات في الوطن العربي"، ووقتها أرسلنا له رسالة موقعة باسم أغلب الاخوة الأمازيغ في الخارج، نثني على مقالته ونشكره على الموقف الأصيل الذي سجله في كلماته.
سألته وقتها عن الأمازيغية، فقال لي المرحوم: "ليس هناك أي فرق بين شخص يتنكر للأمازيغ والأمازيغية ويتعصب لقوميته، وبين اليهود الذين ادعوا أنهم "شعب الله المختار" واحتلوا فلسطين.. الله خلق البشر متساوين باختلاف ألوانهم وألسنتهم"، وقال لي وقتها أنه بصدد القيام بدراسة في الأمازيغية ويمكن أن يصدرها في كتاب.

عبدالحميد والمعارضة
كان رحمه الله، في كل مكالمة أجريها معه أو يتصل بي إلا ويسألني عن أحوال المعارضة الليبية.. وخصوصا في بريطانيا، كونها أكبر معاقل المعارضة الليبية في الخارج. وفي مرة قلت له إن هناك واجهة جديدة خرجت في بريطانيا، وبتوجه جديد، تحت اسم "المنتدى الليبي"، فقال لي نعم.. لقد زارني الأخ عاشور ومعه الأخ جمعة.. ثم قطع حديثه وقال لي: أنت ما رأيك.. فقلت له "يا أستاذي متى يبلغ البنيان مجده.. إذا كنت تبني.. والقذافي يهدم.. نحن في الجبهة لا نعرف إلا طريق واحد وهو محاربة هذا النظام حتى ينزاح عن بلادنا هو وجميع فروعه وجذوره... فقال لي: "صدقت يا سالم.. سدد الله طريقكم".

هذه ذكريات وخواطر، جمعتني بالراحل في منفاه ومنفاي.. ولعل الله يأذن بنشر رسائله وحواراتي معه في وقت قريب، وهو أقل ما يمكن أن أقوم به في حق رجل تحمل كل شيء، في سبيل وطنه، وفي سبيل عدم الانحناء للنظام العسكري المستبد، الذي حاول إغراءه وإغراء كل الشرفاء لإنها المعارضة الليبية والمعارضين..
ولا زلت أذكر عندما كنت منسقا بين عامي (92/93م) لاجتماعات الجزائر التي عقدت بين فصائل من المعارضة الليبية، ودعونا الأستاذ عبد الحميد للمشاركة. فجاءنا الرد منه بأنه معنا قلبا وقالبا، وأعطى الدكتور محمد المقريف وقتها حق تمثيله في هذه الاجتماعات، وأرسل فاكس احتفظ بنسخته قال فيه: "أنا بكوش"، في إشارة إلى انه لا يستطيع حضور اللقاء ولا التحدث.. بسبب الضغوط التي وضعتها الدولة المضيفة، وقتها، حتى يركع ويتنازل للقذافي، حتى فرج الله عنه وغادرها عزيزا غير مستسلم.
نعم لقد فقدت ليبيا ركنا من أركانها ورجلا من رجالاتها الذين عرفوا بالوطنية وحب الوطن والغيرة عليه.. وتركوا بصماته وستبقى شاهدة.. لا يستطيع القذافي ولا غيره أن يمحوها.. ولا أن يشوهوها.. فالشعب الليبي يعرف من عمل من أجل ليبيا ونهضتها.. ومن كان يعمل من أجل أن يحطم ليبيا ويجعلها في مصاف الدول المتخلفة.

رحم الله الأستاذ عبد الحميد البكوش، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ابنه وليد وزوجته وبناته وأهله وأقاربه والمعارضة الليبية والشعب الليبي الصبر والسلوان وإنا لله وانا اليه راجعون.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home