Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Saturday, 31 March, 2007

عـندما يبرد فنجان القهـوة
عـن مفهوم النهـاية في العـلوم الطبيعـية

سالم محمد

قوانين التشتت في العلوم الطبيعية تفيد بأن الانظمة تنهار وتفقد تماسكها مع مرور الزمن وأن لكل شيء نهاية حتمية. فنجان القهوة يبرد وتتلاشى حرارته لتنتشر في المكان المحيط به، ينفذ وقود الشمس فتتحطم وتتحول الى جبل من رماد، يموت الانسان وتتلاشي سخونته الانسانية بعد ان كان قد امتلك العقل والضمير والوعي والجسم الممتليء بالشحوم والغرور والرغبات، تفسد الدول وتضمحل بعد اسباب السطوة والتوسع والقتل وشن الحروب وبناء الحضارة، تنهار عزيمة الانسان المقاوم تحث الضغوط وتحديات الحياة... هذا هو مصير الانظمة الطبيعية التي كتب عليها ان تضمحل وتتلاشى بعد ان نمت وشبت، ثم كبرت وهرمت.

ليس امام فنجان القهوة الا ان يبرد وتتلاشى حرارته لتتدنى وتنخفض الى مستوى درجة حرارة المكان المحيط به، فمن المستحيل ان يقوم عكسيا باسترداد كمية الحرارة التي فقدها من المكان المحيط به، ليسخن من جديد ويتمتع بدرجة حرارة اعلى من المكان الذي حوله، والطائرة التي تسقط من السماء على الارض لتتحطم مكوناتها الى فتات، ليس بامكان مكوناتها ان تتجمع مرة اخرى لتحلق في السماء مثلما كانت تطير قبل سقوطها، فهذا هو قدر الانظمة الطبيعية، البسيطة منها والمعقدة، أن تتلاشى وتتفتت... حتى وان استطاعت ان تلتف على هذه القوانين مثلما استطاعت الانظمة الطبيعية الحية الالتفاف على هذه الحتمية القاتلة بالتنوع والارتقاء، لكن حتفها قادم في الطريق ومع مرور الزمن حتى وان تنوعت وارتقت لتتمرد على هذه الحتمية.

عند القاء نظرة تاريخية علي قوانين النهاية سنجد بأنها ظهرت مبكرا بشكل مفاهيم بسيطة في الفلسفة الانسانية ومنذ اقدم العصور. فقد تناولها الفلاسفة الاقدمون بالشرح والتحليل حتى جاء عصر البخار ابان المراحل الاولى من الثورة الصناعية في اوربا الغربية... وعبر التأمل في الظواهر والمشاهدات التي لازمت انتشار العمل بالبخار وانتاج الطاقة والشغل عبر استخدامه اليومي في الصناعة، عندها كان من الضروري العمل على استنتاج علاقات رياضية وفيزيائية تربط بين ضغط البخار ودرجة حرارته وحجمه، فظهر علم جديد هو علم الميكانيك الحراري (الثرموديناميك) الذي طور عبره العلماء والفلاسفة الطبيعيين مفهومي الطاقة والانتروبيا ومنه ظهرت قوانين الثرموديناميك الحرارية الثلاثة لتتبعها متناقضة "كلاوسيوس" المشهورة التي تفيد بأن الانظمة الحرارية في طريقها الى التشتت والتفسخ دائما، وبذلك كان هذا العالم هو أول من ضرب المثل بفنجان القهوة الذي يسلب محيطه منه حرارته دائما، وهو اول من اشار الي حتمية فناء الانظمة الطبيعية.

ومفهومي الطاقة والانتروبيا في الميكانيك الحراري هما تجريد صارخ التعقيد استطاع المهتمين بالقوانين الطبيعية عبرهما من هضم الملاحظات التي نشاهدها يوميا عن الطاقة والشغل والحركة، حتى ان علم الحرارة (الثرموديناميك الكلاسيكي) سمي بعلم الطاقة والانتروبيا، لانه العلم الذي اهتم بخواص المادة عند انتقالها من طور الى اخر واهتم بالمشاهدات التي صاحبت هذه العمليات، ومن هذه المشاهدات جاءت المفاهيم الجديدة مثل "الانثالبي" و"الانتروبيا" التي لم تكن معروفة قبل الثورة الصناعية.

أما اقرب وصف للانتروبيا فهو انها (ظل الطاقة) الذي يلازمها كما يلازمنا ظلنا، وبهذا فأن وجود احداهن يدل على أثر للاخرى، ولتجريدها لا يمكن وصفها الا بالوصف الميكانيكي الذي يقول بأنها العلاقة بين كمية من الحرارة التي انتقلت الى جسم ما ودرجة الحرارة التي تم بها انتقال هذه الحرارة. وحسب معضلة أو قانون "كلاوسيوس" فان الانتروبيا تزداد باضطراد دائما، وان لم تزداد و كانت في حالة الخمود الكلي فان درجة حرارة هذه المادة تساوي صفرا اي انها قد ماتت، وبذلك فان التشتت هو قدر ومصير كل الانظمة، فبازدياد الانتروبيا تتفتت وتتلاشي الروابط التي تربط النظم ببعضها.

هنا يحضرني هذا التشبيه اللغوي للانتروبيا والذي اجده معبرا عنها في عجز بيت من الشعر العربي هو: وهل يصلح العطار ما افسد الدهر؟ اذ انه مع مرور الزمن تزداد انتروبيا الاجسام والمحيط الذي يحيط بها او تستمر كما هي بدون ازدياد لكنها لا تنقص ابدا، وكل شيء مصيره الى الانفراط، وهذا ينطبق على احتراق الوقود في محركات سياراتنا، وبرودة فنجان قهوتنا، وينطبق ايضا علي العمليات الحيوية داخل اجسامنا وادمغتنا، اذ ان تجدد الاشياء هو الطريق الى النهاية الحتمية، حتى اللغة، فهي في طريقها الى التشتت، والحكومات، والرياضيات والفلسفة والمادة والكون نفسه... كل النظم والتفاعلات الطبيعية في طريقها الى الفناء.

لماذا كتب على الاشياء ان تنتهي؟ هذا هو السؤال الوحيد الذي يحتاج الى اجابة، فلا فائدة من ايقاف او تعطيل هذه الحتمية، كل ما على الانسان فهمه هو لماذا تفني الاشياء؟ وهذا من الاسئلة الميتافيزيقية.

سالم محمد
كالجاري، كندا، 28 مارس 2007
________________________

اللوحة لسالم محمد ، ديجيتال ميديا، بدون عنوان ، مارس 2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home