Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Mohammed
الكاتب الليبي سالم محمد


Salem Mohammed

Tuesday, 28 August, 2007

ليبيا ما بعد الحداثة

سالم محمد

نتيجة للظروف التي تمر بها ليبيا الان، يبدو لي بأن مفهوم ليبيا مابعد الحداثة بعيد المنال وغائما وقد يبدو الخوض فيه للبعض الاخر مجرد لهو فكري، وهذا المفهوم هنا غير مبني على الواقع الذي تعيشه ليبيا بل مبني على التجارب الاجتماعية والسياسية والمراحل التي حرقتها الدول الاخري والاطوار التي تدرجت عبرها حتي وصلت الي الدولة الحديثة، ومن تم تتجه بكل قوة نحو دولة ما بعد الحداثة. الواقع الذي نعيشه في ليبيا اليوم هو واقع لم تتجاوز فيه بلادنا طور الدولة العربية الهجينة في القرن العشرين ولم نتجاوز فيه التجربة العربية السياسية والاجتماعية التي جاءت عبر الزاوج القسري المرتب بين ايديولوجية الدولة الافتراضية الاسلامية/القومية مع الاطوار الحديثة التي وصلت اليها الدول المتقدمة، خاصة تجارب دول العالم الغربي العلمانية، والتجارب الشيوعية الاوربية الشرقية والتجارب القومية الفاشية في المانيا وايطاليا واسبانيا واليابان. هذه التجربة لا يمكن حشرها ضمن قائمة التجارب والأطوار التي مرت بها الدول العالمية الحديثة، فهي تجربة مطعمة لم تخضع لقسوة الزمن ولا الى التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي مرت بها الدول المتحضرة، بل هي جنين تشوه في المهد ونما كسيحا متخلفا... لقد استيقظنا فجأة من نوم طويل قضينا آخر لحظاته نيام تحت المظلة الاستعمارية لندخل مباشرة الى عالم الحداثة البراق المدهش المليء بعجائب التكنولوجيا والوسائل المتعددة لانتاج رأس المال وتنميته، وها نحن الان، بالرغم من اننا لم نحرق اية مراحل سياسية أو فكرية خلال سباتنا الاجتماعي، ولم نحقق حلم الدولة كما هو عليه الحال في الدول المتحضرة ولم نكرس الهوية اونحافظ عليها، سواء أكانت تلك الهوية قومية ام روحانية، نجد انفسنا في فم الحوت الرأسمالي.

الهجين المتكون من عنصر الافتراض التاريخي والعنصر البنيوي الاروبي الغربي التجريبي تبنتة الطغم العسكرية في البلاد العربية منذ اكثر من ثمانية عقود ولم تتمكن طوال هذه الفترة الطويلة من انتاج رأس المال ولا احسنت التصرف فيما كان متوفرا في باطن الارض من نفط وحديد ويورانيوم وغيرها من الخيرات الطبيعية، وهذا واضح وضوح الشمس، فمن المعروف عن الطغم العسكرية والمجموعات الدينية انعدام قدرتها على انتاج رأس المال أو تطوير الاقتصاد، فهذا من مهمات المجموعات الاقتصادية التي لم تنشأ بعد حتي هذه اللحظة عندنا، وبذلك ادى فشل الاقتصاد الى فشل الدولة الهجينة، ولم يتمكن القائمين على هذه الكيانات الفاشلة من رسم الهوية الوطنية، ولولا العنفوان العشائري القديم المتأصل في لاوعي مواطني هذه الاقاليم لما كانت هناك دولا مثل الجزائر وسوريا والسعودية وليبيا، والاسواء من هذا كله ان الطغم العسكرية التي سيطرت على الحكم في هذه الصحاري الغنية بالنفط انهمكت في تشجيع تغول مؤسساتها العسكرية على المواطن وأمعنت في سيطرتها على الدولة الهجينة الا انها فشلت فشلا ذريعا في الدفاع عن حدودها وحماية مواطنيها، بل تحولت مؤسساتها العسكرية الى مؤسسات متخصصة في مهمات مطاردة المواطن والتضييق عليه روحيا وفكريا ونهشه اقتصاديا وسياسيا وتهميشه ايديولوجيا، وتوترت الحياة الطبيعية لتصير هذه الدول الهجينة يبابا رخوا تتحكم فيه القوى الاستعمارية والعصبيات الدينية المتزمتة، وهذا ما عليه الحال الان.

الحديث عن دولة ما بعد الحداثة العربية / الاسلامية لا يفيد الا لغرض المقارنة وربما لغرض الوصول الى فهم جزئي لما حدث وما يحدث لنا الان... فالمطالبة والحث على مابعد حداثة روحانية ودينية، وما بعد حداثة شرعية وما بعد حداثة قانونية تقوم كلها علي تنظيم سير حياة الناس في العالم المعاصر هو حديث في غير محله كما يرى البعض، لانه هناك اصرار غير واع، مرصوص في ذهنية سكان هذه الدول الهجينة، يقوم على رفض فكرة تحديث الدين لانه الهي المنشأ ولا يمكن تحديثه، في الوقت الذي يرفع فيه شعار صلاحية النص التراثي في كل الاوقات، حيث انه بامكان الانسان الانتظار حتى ينتقل الى الحياة الاخرة لينال العدل الرباني، وبذلك فان الزمان وتطورة ورقيه وتشعبه لا يخص هذا القاطع من البشر الذين يسكنون هذا الركن الجاف من الارض، اما مفهوم الاستفاذة من تجارب الأخرين فهو غير مجاز على النطاق الرسمي وينعت دائما بالغرابة والشذوذ، ويشار اليه بالخصوصية المستوردة، ولكنه محبذ على النطاق الشعبي... هنا لابد من حصول فاجعة نراها الان بكل وضوح وتتمثل في تقوقع وعزل ذاتي مستمر، وتخل عن الحقوق الانسانية التي وهبها الله لكل البشر ومناداة صريحة بالاختلاف بيننا وبين بقية اهل هذه الارض، وفي نفس الوقت تقوم مؤسسات هذا الكيان الرخو الذي نطلق عليه اسم الدولة باقامة علاقات كمبرادورية مع العالم الخارجي الذي تتقيه في فلسفاتها اليومية مع التركيز الشديد الفج والوقح على الداخل، وكأن الله قد خلق عالمين، أحدهما لنا والاخر لبقية البشر، وكانت الكارثة ان أرغمتنا الدولة الهجينة على الانسلاخ عن التجربة الانسانية، وهذا خطأ فادح ستفع اجيالنا القادمة ثمنه الباهض.

سالم محمد
كالجاري، كندا
________________________

ـ اللوحة لسالم محمد – بدون عنوان – Electronic Media


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home