Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Mohammed
الكاتب الليبي سالم محمد


سالم محمد

السبت 27 ديسمبر 2008

الغوص في الاسطورة

سالم محمد

المسافة بين " سيدي برشوش" و " وسيدي موسى " ليست بالقصيرة، فعندما تكون عائدا الى بلدك مشيا على الاقدام عبر حقول الزعفران البري الناعس وعباد الشمس وزهور الدخان البيضاء اللون سيقع بصرك على حوش حفر سقيفته مازالت قائمة تظللها غصون كثيفة وتحجبها عن النظرالأشواك وقصب الغاب وزيتونة " زقطير" تسكن وسطه، وإن تكن الغولة " أكوكوات" وقريباتها والسعالي قد سكنت هذا الحوش من قبل في قديم الزمان. سوف يأسر خاطرك هذا القوس القديم وتشد نظرك ازهار تلك الاشواك البرية التي تتسلق احجاره وبابه المصنوع من خشب الزيتون، واعشاش القنابرالكثيرة فتجعلك تحس براحة غير مألوفة ممزوجة بخوف وجودي عميق يتسرب اليك من كهف مخفي في روحك. هوارة الميثولوجية الضائعة هي قوس حوش الحفر الذي أمامك.

حول هذا المكان، وطيلة النهار- خاصة في القايلة ايام العنصرة - يمور الوادي المقابل بالغيلان والشياطين والمردة عديمة القرون أشهرهم المارد الذي يطلق عليه الرعاة ذوي الجرود الرثة ومزارعي التبغ الجفاة اسم "أكوكو"، أما في الليل، قتأتي الغولة " أكوكوات" وقريباتها والسعالي الرقاصات لقطف زهرات الزعفران الناعسة من احواض الزيتون الجهلي، والتهام "الحرشاي" ومطاردة الخفافيش التي تعيش في المكان ونبش اعشاش العصافيرا دون ان تستطيع الدخول الى الحوش.

يذكرني زعفران هواره بنبات " الياس " الذي اذا لمسته يد آدمية يموت منتحرا في الحال. ألا ليت لنا الانفة التي فقدناها منذ وقت طويل بينما احتفظ بها الزعفران البري... لنعد الى موضوعنا... الغيلان في هذا الوادي كثيرة الاجناس، منها الذكور المردة التي تتجسد في صورة مخلوقات بروؤس كبيرة ومخالب معدنية حادة، وهناك الغولات الانأث اللواتي يظهرن في هيئة ديوك بلا ريش في العنق، وهن ـ يجب أن تصدقني هنا ـ في نفس الوقت صدوقات وشريرات وغوانج، وهناك المردة التي لا قرون لها وأخري بقرون كبيرة مثل قرون صخل هائج في جوف الصحراء.

يروى أن راعيا رثا يدعى " إمعاند" وابنة له ترافقه اسمها " أسميون" قد نزلوا يوما بهذه السقيفة دون اذن من الناس السفلى، فألقى ظهور الراعي المفاجيء الذعر في نفوس الغولة والسعالي اللواتي كن يرقصن على ايقاع الطبول والدناقي، فهربن فزعات من السقيفة الى وسط الحوش، غير انهن سرعان ما فطن لهذا الراعي الرث وعدن لمواصلة رقصهن حول الحفير، فبدأ يسخر منهن ويكيل لهن السباب والشتائم البذيئة ولم يغلق فمه القبيح حتي اطبقت عليه الغولة أكوكوات فمسخته و حولته الى زيتونة زقطير برية و مسخت ابنته أسميون وحولتها الى قنبرة ومنها جاءت كل القنابر التي يعج بها المكان.

مازالت المسافة بين السيدين مثلما كانت منذ عهود سحيقة، مرصعة بحياش الحفر ومطامير الشعير العميقة التي تصل الى جوف الارض وحفر اخري ومصائد لا تراها العين البشرية تحفرها الغولة في هذه الطرق لكي يقع فيها ذكور هواره البالغين الذين يتزايد عليهم الطلب الشديد من بنات الغولة للزواج منهم، وذلك لتفشي العنوسية بينهن، بعد ان زاد في الوادي عددهن عن اعداد الذكور المردة.

سالم محمد
كالجاري في 24 ديسمبر 2008
________________________

- الصورة لمصطفى علي اسكندر لحوش حفر في غريان


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home