Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Wednesday, 26 June, 2007

 

أصول الهـنود الحمر الليبية حسب "باري فل"
وشعـبذة الدكتور خشيم
( 2 من 2 )

سالم محمد

الأحجار لا تتكلم

تطرقت في الحلقة الاولي من هذه المقالة الي العلاقة التي اقامها المشعوذ الامريكي باري فل مع علي فهمي خشيم في السبعينيات من القرن المنصرم، وما نتج عن هذه العلاقة من تشويه للتاريخ الليبي القديم، وظهور عصبية عرقية مبنية على سوء فهم لعلوم التاريخ والآثار والبحث العلمي، حيث تم استغلالها سياسيا ضد هوية ومطالب قطاع مهم من الشعب الليبي ولا زالت آثارها السلبية منعكسة على المجتمع الليبي حتى اليوم، ومن خلال هذا الالتقاء في الاهداف، وصلت هذه العلاقة الى أوجها بين الرجلين وقدم خشيم وقتها معونات استقطعت من ميزانية جامعة بنغازي الى هذا الدجال العلمي، كما ظهرت تأثيرات أراءه وبحوثه العنصرية في مقاطع متعددة من خطابات معمر القذافي وأحاديث علي فهمي خشيم، لا يزالون يرددونها حتى يومنا هذا بالرغم من انها استنتاجات باطلة لم تلاقي الا الاهمال من العلماء ووصفت بأنها ابحاث في غاية العنصرية والسذاجة قام بها هاو في علم الايبيجرافيا دون أي سند علمي يذكر.


صورة تجمع باري فل الى اقصى اليسار وزوجته الى اليمين
مع خشيم وليبيين اخرين داخل ليبيا

1. استهلال
العالم الفطن هو العالم الذي يستطيع استفزاز الاسئلة حتي تفصح عن اجوبة لها، اما علماء السلطة في ليبيا فهم مجرد شخصيات تلهث خلف هدف واحد لا يتجاوز هم اخراج العقيد من كربه الدائم وادخال البهجة والسرور عليه وارضاءه علي حساب كل القيم والمباديء الشريفة حتي العلمية منها، وتزويده بالجرعات تلو الجرعات من العلم المغشوش الذي لا يتناوله العلماء الحقيقيين مطلقا ولايحيطونه باى اهتمام في سبيل ترسيخ عقيدة القذافي المشوشة المنفصمة بالقوة بين الناس... هذا الشطط الكبير والعمل الفاضح ارتكبه العديد من الثوريين ممن اطلق ومازال يطلق عليهم عليهم في ليبيا لقب علماء وأكاديميين، ومن هولاء المقاولين الذين أدكوا الروح العنصرية في ليبيا علي فهمي خشيم الذي زود القذافي بالكثير من القصص الاسطورية الخزعبلات اللفظية وهو العارف بأن أكثر ما يستهوي القذافي هو الللهو بالكلمات وتلويكها وترجمتها وتحليلها على مزاجه الساذج مثل الجماهيرية؛ الشعبية؛ اللجان؛ الفضاءات؛ الكومونات، الحرس الثوري؛ الشيخ زبير؛ الطاوية؛ الحمامة، خنازير الجزيرة، البارك، البعث الفاطمي، اسراطين وغيرها من التسميات الفجة، أخرها ان البربر هم العرب القدماء القادمين عن طريق البر، مستندا علي كلمة بر - بر في تحاليله التي صار يرددها أخيرا في كل مناسبة تحين له حتى باتت تفاسيره عقيمة ومملة ودليل على سطحيته وفجاجته وجهله باللغات، وهو الذي لا يجيد اية لغة غير المحكية الليبية... يحدث هذا كله بالرغم من ان القواميس والبحوث العلمية وكتب التاريخ تثبت بالدليل القاطع ان كلمة البربر يونانية وتعني أول ما عنت ذلك الأسم الذي اطلقه اليونانيين القدامى على الشعوب التي قطنت المناطق الواقعة شمالي المقاطعات والمدن اليونانية، ثم استعملها الرومان بكثرة عند الاشارة الى القبائل الاوربية الجرمانية التي سكنت الثخوم الواقعة شمال الامبراطورية الرومانية، وصارت هذه الكلمة رمز واسم لكل ما هو غير روماني وكل من لم يعبد الهة الرومان ، ثم جاءت العرب ونقلتها عن الرومان بعد اكثر من ستة قرون من استعمالهم لها. ومن الجذير بالذكر ان القذافي وعلي فهمي خشيم لم يتطرقا مرة واحدة الي ربط اسم قبائل لواته البرقاوية القديمة بأسم ليبيا الذي اشتقه المصريون من اسم الليبيو القديم.

2. عودة الى منهج باري فل في تشفير اللغات القديمة
لمعرفة أصول اللغات القديمة، اي قبل التأريخ، حوالي 3000 سنة قبل الميلاد وقبل اكتشاف الحديد [انجلزـ أصل العائلة] وقبل انتشار وسائط الاتصال المعروفة في عصور التدوين الكتابي، انطلق باري فل من المبدأ القائل بأن ارساء أية علاقة بين لغة وأخرى، سوي أن كانت هذه الاخرى لغة حية أو ميتة، يأتي عبر دراسة الجذورالمشتركة لهما، وبهذا فأن اية لغة حية ما هي الا فرع من عائلة لغوية قديمة تتشارك معها في الجذور، وترتبط ارتباطا مباشرا معها بمناطق جغرافية خاصة بمجموعة بشرية محددة. وقد نتج عن هذا المنهج البحثي القناعة لدى الكثير من العلماء بأن جذور العوائل اللغوية القديمة تقرب المسافة بينها وبين الفروع التي تفرعت عنها وهذه محاكاة لنظرية الجذور الجينية للكائنات الحية الحديثة.
وهذا المبدأ معتمد حاليا في دراسة اصول اللغات، ومنه انطلق زخم حركة الترجمة الاوربية للنصوص القديمة في القرن التاسع عشروبعده، وتم على سبيل المثال التعرف علي اللغة السومرية وربطها بالاكدية وبالبابلية وبالاوغاريتية والاشورية وغيرها من اللغات التي ظهرت في بلاد ما بين النهرين وأناضوليا وايران وبلاد الشام. كما تم التعرف على اللغات المصرية المتعددة ونظم الكتابة والتدوين في مصر والعراق، خاصة بعد ان عثر الباحثين في هاتين المنطقتين على رقم طينية ونصوص محفورة على الحجر مكتوبة بلغات قديمة صاحبتها تراجم مكتوبة بلغات أخرى أحدث منها وعلي الاثر نفسه مما سهل عملية التعرف علي اللغات القديمة دون الاعتماد علي التخمين والمقارنة الصعبة [حجر رشيد علي سبيل المثال].

3. النوميدية أو البربرية الجزائرية وعلاقتها بالبولينيزية
اعتقد باري فل خطأ بأنه قد تمكن من فك طلاسم اللغة النوميدية [من نوميديا أو بلاد الجزائر الرومانية وهي المنطقة التي شملت شمال غربي تونس وشمال شرقي الجزائر] بالاعتماد على هذا المنهج المقارن، لكنه لم يقدم دليلا واحدا على وجود لغة اخرى خاصة بهذه المنطقة ولم يقل لنا ما هي اللغة الاقدم التي اعتمد عليها في تحليلة للنوميدية، لكنه قفز فجأة الي مقارنة النوميدية بالالسنة البولينيزية التي يتحدث بها السكان الاصليون الان في بولينيزيا، وقد صرح مرارا في اوراقه البحثية بأنه تعرف علي النوميدية من خلال مقارنتها بالبولينيزية. للفائدة هنا من الواجب ذكر هذه الحقيقة وهي انه عند اكتشاف الاوربيين للجزر والشعوب البولينيزية، كانت هذه الشعوب في الطور الاول من الهمجية حسب تصنيفات انجلز في اصل العائلة.
ومن المعلوم أيضا أن الامريكي باري فل قد استعمل هذا الاسلوب المخادع مرارا عديدة وخاصة عندما قام برد أصل نقش حجري وجد في ولاية كاليفورنيا الى أصول كاثوليكية كلتية [ايرلندية]، وقد قال في بحث مطول له بأن الارلنديين هم أول من وصل الى كاليفورنيا، اي قبل وصول الايبيريين اليها بالف سنة تقريبا وهم من أعطي القبائل الميزوهندية المحلية في كاليفورنيا الحروف والرموز التي كتبوا بها لغاتهم المحلية، مما جعل العلماء والباحثين في هذا المجال يتهكمون على اطروحاته واستنتاجاته الساذجة متهمين اياه بالعنصرية والكذب، وبتفسير النقوش حسب مزاجه ودوافعه الدينية والعنصرية. وهذا الاستنتاج شبيه باستنتاجه الساذج الاخر الذي يقول فيه بأن نقوش بيتربرو الكندية هي من أصول اسكندنافيه ومكتوبة بلغة التيفيناغ التي جعلها حروف اوربية شمالية، بدل أن تكون حروف شمال افريقيه، وقاده هذا التطرف العنصري الى القول بأن الشماليين الاوربيين هم من اعطى الطوارق والبربرحروفهم، وبذلك فأن العنصر الاوربي هو فقط القادر على اختراع ابجدية، وتعامل بنفس الدرجة من التعصب تجاه الابجدية الفينيقية التي قام بتأخيرها زمنيا عن المينيوية الكريتية.
الملاحظ ايضا بأن باري فل يطلق علي اللغات القديمة في شمال افريقيا، غربي مصر، أي من مارماريكا الليبية حتى موريتانيا اسماء مختلفة منها الليبية القديمة والنوميدية والمورية. وان ربطنا الفترات الزمنية التي ظهرت فيها هذه الاسماء مع التواريخ التي تحدث عنها في بحوثه وأوراقه فاننا سنجد خطأ فادحا لا يمكن لعالم السنيات وباحث اركيولوجي فطن ان يرتكب. التاريخ يقول بأن نوميديا هو اسم الحيز الجغرافي الذي يقع عليه شمال الجزائر الحالية وقد ظهر هذا الاسم عند الاغريق الذين اطلقوه علي هذه المنطقة بين القرن الثامن والقرن السادس قبل الميلاد.

4. أبحاث الجينوم تدحض ادعاءات الفرنسيين حول الأصول العرقية لسكان شمال افريقيا
اعتقد بأن باري فل كان يركض وراء التشويق والشهرة عندما حاول دراسة عدة نصوص للغات قديمة في منطقة حوض البحر المتوسط في كريت وقبرص ومالطه وشمالي افريقيا، شأنه في ذلك شأن الباحثين عن الشهرة والمال ممن يسمون انفسهم محققي علوم ماوراء الطبيعية، أوالباحثين في مجال الاجسام الطائرة القادمة من عوالم ومجالات وابعاد أخري والتي تغص بهم برامج قنوات التشويق الامريكية، والمحققين الذين يهتمون باساطير مصاصي الدماء المدنية الحديثة وبعض المتدينين المهلوسين وأصحاب نظريات الكارثة الأنجليكان والسحرة وقراء الغيب المسلمين والهندوس والصينيين.
عند دراسة اللغات المحلية لبلدان الشمال الافريقي غرب مصر، لابد للباحث في هذا الشأن من الالمام بتاريخ هذه المنطقة المدون والحفري، فهي بدون شك منطقة جغرافية واحدة ترسم حدودها الصحاري والبحار. ومعرفتنا الحالية بتاريخ الحضارات الشمال - أفريقية قبل نشوء قرطاج قليلة جدا، لكننا نعرف أن سكانها هم من اقدم الجموعات البشرية فوق سطح هذه الارض، وأن هولاء السكان الذين يسمون الان بالبربر قد انتشروا على نطاق واسع يمتد بين موريتانيا واثيوبيا، وأنهم قد تواجدوا في عشائر متنوعة وكبيرة في هذه المناطق، لكن اصولهم لم تحدد الا منذ فترة قصيرة لا تزيد على عدة سنوات وذلك عبر أبحاث الجينوم العالمي الذي وضعهم في عائلة البحر المتوسط الجنسية وهم اقرباء للمصريين والسودانيين والسوريين والعرب واليونانيين والايطاليين والاسبان والطوارق. والمعتقد الان هو انهم قطنوا رقعة الارض هذه قبل بداية التدوين التاريخي بالاف السنين [الحضارة القفصية علي سبيل المثال]، اما الاساس اللغوي للغتهم فهو اساس سامي، ومعظم هولاء السكان يكتبون الان لغتهم بحروف عربية ويعتنقون الاسلام بالرغم من ان بعض عشائرهم كالطوارق مثلا لم يعتنقوا الاسلام او يتحدثوا بالعربية الا مؤخرا وبعد القرن الثامن عشر الميلادي فقط.
وحسب بحوث الفرنسيين في القرن التاسع عشر، فأن الطوارق من الاجناس الاوربية البيضاء بسبب شعورهم الشقراء وعيونهم الزرق وتمتعهم بطول القامة وهذه من الصفات الوراثية الاوربية [أنا اعرف الكثير من الطوارق ولم ارى في حياتي طارقيا واحدا ابيضا ببياض الاوربيين]، لكن بحوث الجينوم الانساني الحديثة اتبثت أن الفرنسيين لفقوا هذه الصفات لهولاء السكان لضمان عدم مشاركتهم في مقاومة الاستعمارالفرنسي وتوسعه في شمالي افريقيا، اما بعض المختصين الامريكيين فيقولون بأن حروف التيفيناغ ماهي الا رموز قريبة الشبه بالرموز الحسابية كان قد اخترعها الفرنسيين في القرن التاسع عشرمن أجل السيطرة علي شعوب المنطقة واثارة البلبلة الثقافية والقضاء علي المقاومة المنيعة التي ابدتها هذه الشعوب ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في شمال افريقيا.
للتيفيناغ الطارقية ابجدية ساكنة، قد اشار اللغويين الفرنسيين بأن التيفيناغ تتشارك مع البربرية في أكثر من نصف حروف ابجديتها، و أعتبروا التيفيناغ مجرد فرع من الابجدية البربرية (سموها النوميدية)، لكن باري فل كان يعتقد غير ذلك. فالاعتقاد السائد هو أن كل الكتابات البربرية منذ العصور الرومانية وحتى استعمال العربية في التدوين بعد دخول الاسلام الى المغرب الكبير كانت تدون بالتيفيناغ، ووجدت العديد من النقوش والرسومات في مناطق بالشمال الافريقي افترض الباحثين بأنها نقوش مكتوبة بلغة بربرية، وجاء باري فل محاولا اثبات ان هذا الافتراض غير صحيح وقد حاول عن طريق بحوثه تقديم اعتقاد جديد يتمثل في أنه لم تكن هناك حروف أوأي من أنواع الكتابة عند سكان المغرب الكبير قبل قدوم الرومان الى الشمال الافريقي واحتلاله وان الكتابة النوميدية لم تكن موجودة اصلا ولم تكتب البربرية بها حتي وصلتهم هذه الحروف من غزوات الاوربيين الشماليين من الترويج والسويد في محاولة منه لربط الاكتشافات الاثرية قي شمال امريكا بالاوربيين الشماليين وهذا خطأ كبير لا يعتمد علي اي دليل علمي بل على امنيات هاوي في علم الايبيجرافيا.

5. الليبيون عند باري فل
وقد حاول باري فل اشاعة اعتقاد اخر سوقه الي علي فهمي خشيم وفريقه من الليبيين مفاذه أن العشائر التي قطنت الجزء الشرقي من المغرب الكبير [يسميها المورية الشرقية نسبة الى موريتانيا التي ضمت غرب الجزائر و المغرب الحالية، وهذا اسم خاطيء كان من المفترض ان يكون الافريقية نسبة الى اقليم افريقيا الروماني الذي ضم طرابلس وتونس أو الليبية نسبة الي اسم ليبيا الذي كان يطلقه الاغريق على الشمال الافريقي كله من موريتانيا غربا حتي برقه شرقا] لم تكن لغتها معروفة حتى جاء هو وقام بفك طلاسم اللغة النوميدية وربطها بها... ويقول في كتاباته ايضا بأن أصول الليبيين غير معروفة تاريخيا، فدلائله تحاول أن تسوق الفكرة التي جوهرها أن هذه البلاد كانت دائما مأهولة بالسكان منذ مطلع التاريخ ولكنه لعدم وجود قرائن أو نقوش تقود الى ربط تواجدهم علي هذه الارض بفترة زمنية محددة، فأن أصولهم التاريخية مجهولة.
هذا الافتراض يتجاهل الحقيقة التي مفادها أن الانسان القديم الواقف قد تواجد في مجموعات تضم 50 الى 100 فرد في حوض فزان منذ اكثر من مئتي الف سنة وانهم قد قدموا لمصر القديمةمنذ اكثر من 5000 الاف سنة 9 من أصل 15 آلهة مصرية وقدموا بوسيدون وأثينا الى الاغريق، وباخوس الى الاغريق والرومان، وكانت حتفراش زوجة خوفو باني الهرم الاكبر ليبية حسب المصادر المصرية القديمة، اذ قام المصريين برسمها علي هيئة امراءة بيضاء البشرة. كذلك وجب أن نضيف بأن المصريين القدماء كانوا في أغلب الاحيان يصورون الاميرات ونساء النبلاء ببشرة بيضاء وشعر أحمر.
ومن الاخطاء الكبيرة التي وقع فيها باري فل الاعتماد كليا علي تحليللاته اللغوية الساذجة ومقارباته وتفسيراته الشخصية للمكتشافات الاثرية دون الاعتماد علي مقارنة اراءه بأراء وبحوث واكتشافات قدمها علماء حقيقيين غيره، وقد أدي جهله بالمكتشفات الاثرية والتاريخ واللغات القديمة، شأنه في ذلك شأن فهمي خشيم، الي استنتاجه بأنه استطاع بناء التاريخ الليبي القديم رجوعا للوراء حتى 1500 سنة قبل الميلاد. والحقيقة ان قدماء المصريين قد أشاروا الى القبائل الليبية في مسلاتهم ونقوشهم قبل هذا التاريخ بكثير، واشارت اليهم والى بلادهم النصوص التوراتية والجغرافيين القدماء والاساطير الاغريقية.
يقول باري فل بأن هولاء الليبيين أو (الموريتانيين / المور) مثلما سماهم هو، وبالاعتماد على الروايات الغير مؤكدة في تواريخ هيرودوتس التي تقول بأنهم كانوا من أعظم بحارة العالم القديم وأعظم المكتشفين آنذاك، بأن أحفادهم ولغتهم و حروفهم ما زالت تستعمل حتى يومنا هذا في "بولينيزيا" وشهرة الليبيين كبحارة متمرسين في التاريخ القديم كانت الرابط الوحيد الذي قدمه لنا باري فل للبرهان على أن الليبيين قد وصلوا الى بولينيزيا بالقرب من نيوزيلنده واستراليا في ذلك الوقت المبكر من التاريخ الانساني وأعطوا حروف لغتهم لهولاء البدائيين الذين لم يكتشفوا استعمال الحديد وكانوا لا يزالون في الطور الهمجي الاول عندما وصل الانجليز الى جزرهم مؤخرا.
وفي تناقض صريح مع اعتقاده هذا، يرجع باري فل ليقول بأنه عبر دراسته للنصوص والكلمات والقواعد النحوية والدراسات الايتيميولوجية عثر على أثر لهذه اللغة في قواعد وأصول لغة "أورو/ربما كان يعني اريدو"، وهي لغة قديمة تكلمتها عشائر "الهيتيين" التي كانت تقطن في المناطق الواقعة شمال غرب العراق وتركيا في الالف الثاني قبل الميلاد. لكنه من الطريف ايضا بأن البناء اللغوي للغة "أورو" هو هندو-اوروبي، وأن الكثير من الفاظ هذه اللغة مأخوذ من العموريين ربما عن طريق الإتصال المباشر معهم وبسبب الجوار الجغرافي، وهولاء جنس سامي سكن منطقة الفرات الأعلى، وبعيدين كل البعد عن المغرب الكبير. ومن الجذير بالذكر أن باري فل يعتمد اساليبا ملتوية لاثبات صحة رأيه، فهو يقوم دائما بتقديم اي تشابه بسيط في حرف واحد أو في كلمة واحدة بين لغتين على انه رابط يربطهما برباط الاخوة والعائلة والجذور.
وفي تناقض ثالث، يقول باري فل بأنه خلال العصور "المينيوية" وتحت ظروف غير معروفة، ظهر استعمال اللغة النوميدية في المناطق إلى الغرب من مصر، وظهور لغة وانتشارها الواسع والسريع يحتاج إلى هجرات جماعية كبيرة، وقد تم الافتراض بأن تجارة بحرية قد قامت في العصور المينيوية، وأفترض أيضاً بأن الكتابة النوميدية قد ظهرت إبان هذه الفترة وصارت تستعمل في ليبيا والى الغرب منها، كما اعتبر هذه اللغة منشقَة عن المجموعة " المينوية A" وقد ادعى بأنه تحقق من مجموعة من نقوش هذه اللغة ولكنه لم يحدد بالضبط اللغة التي تكلمها ونقش بها الليبين لغتهم قبل وصول النوميدية/ المورية كما سماها، ولم يبين نوع النقوش التي عثر عليها لبناء هذا الاستنتاج.

6. استغلال باري فل لاساطير "اهل البحر"
يصر باري فل كعادته بأن شعوب الشمال الافريقي قد جاءوا من البحر، متغافلا بأن مسارب الهجرات البشرية لم يكن من البحر أو من الشمال بل عبر البر ومن الجنوب حيث ظهر الانسان الواقف ثم الانسان العاقل في بطن أفريقيا ومنها توسع في باقي اطراف الارض، وقد وجد العلماء الالمان تجمعات بشرية كبيرة في بودرنه بحوض فزان يرجع تاريخها الي المئات من الاف السنين. هنا لابد من الاشارة الي قصص أهل البحر التوراتية وتأثر باري فل بها، فقد ذكرت الأثار المصرية بان الفرعون المصري "مربنتاح" قد قام برد هجوم شنته على أرض مصر العشائر البحرية أو " أهل البحر/ ربما الهكسوس" وقد ذكرت هذه الأثار بأن الليبين كانوا قد تحالفوا مع " أهل البحر" في هجومهم على مصر. وفي سنة 1182 قبل الميلاد حاول أهل البحر مرة ثانية الهجوم على مصر وتقدموا عبر سوريا وفلسطين باتجاه مصرحيث هزمهم المصريين على الحدود مع غزه بقيادة الفرعون رمسيس الثالث، وفي هذه المرة، قاتل الليبين إلى جانب المصريين لرد أعتداءات أهل البحر على مصر. وقد استقرت هذه المجموعات في جنوب فلسطين بعد هزيمتهم أمام جيش رمسيس الثالث وجاءت تسمية فلسطين من إسم هولاء القوم، وقد صورت المدونات المصرية الليبيين ( التحنو والليبو) بأنهم قوم يضغطون بإستمرار لاحتلال الدلتا المصرية في هذه الفترة التاريخية. وفي سنة 945 قبل الميلاد تمكنت القبائل الليبية من احتلال مصر عبر إنقلاب قصر قاده شيشنق وقد حكمت أسرته مصر من بعده حتى ثم التخلص منهم في سنة 130 قبل الميلاد ليعود الحكم بأيدي المصريين.
يستنتج باري فل من هذه المقاطع التاريخية بأنه خلال هذه الفترة، تأثرت اللغة الليبية باللغة المصرية تأثراً بالغاً، حيث استوعبت الكثير من الكلمات المصرية حتى صارت اشبه بلهجة من لهجات اللغة المصرية. ولكنها حافظت على عادة الكتابة بالحروف النوميدية، وعلي البناء النحوي للغة النوميدية ذات الأصول الاناضولية العميقة. هذا مما لا شك فيه استنتاج يتعارض مع بقية اراءه حول اصول الشعوب الليبية.
وقد قام هذا الفرعون (لم يذكر باري فل من هو هذا الفرعون!!! ولربما كان يقصد الفرعون الليبي شيشنق أو أحد أفراد أسرته المالكة من بعده) بتمويل رحلة بحرية استكشافية للدوران حول أفريقيا، عمادها البحارة الليبين والفينيقين، وأغلب الظن انه قد اعتمد على نص هيرودوتس في كتابه " التواريخ" الذي يروي قصة انطلاق رحلة استكشافية مولها فرعون ليبي وانطلقت من البحر الأحمر ودارت حول أفريقيا ورجعت من مضيق جبل طارق بعد ثلاث سنوات من انطلاقها. كما يذكر بأن الادارة الليبية قد امتدت من الحدود الغربية لمصر حتى المحيط الاطلنطي ولكنها لم تكن تشمل المدن/ الدول الاغريقية في برقه والفينيقية في طرابلس وقرطاج وقادش على شاطيء البحر، هذا بالرغم من انه لا يوجد دليل اثري أو تاريخي واحد يؤكد بأن ادارة واحدة كانت تسير امور منطقة شمال افريقيا كلها، باستثناء ادارة الملك جوبا وغيره من الملوك الذين تمتعوا باستقلالية خاصة عن الاغراب المستوطنين في السواحل، لكن ضمن منطقة صغيرة بين تونس والجزائر فقط، وهذا أحد الاستنتاجات الخاطئة التي وقع فيها باري فل والذين تأثروا باستنتاجاته امثال علي فهمي خشيم.
يعتقد باري فيل بأن البحارة الشماليين كانوا جزء من "أهل البحر" خلال العصور "المينيوية" وقد انتهى بهم المطاف الى الاستقرار في ليبيا وانصهروا بالبربر وصاروا جزأ من الليبين وجلبوا معهم أبجديتهم التي أتخدها البربر وسيلة لكتابة لغتهم القديمة. وبعكس هذا الاعتقاد يقول نقاد باري فيل بالاعتماد علي معلومات اكيدة عن طرواده ومن هومر ووصفه لاهل البحر بأن هذا الرأي غير مقبول وحتى وإن كانت للشماليين مشاركة في تركيبة "أهل البحر" فانها قليلة أو لم تحدث مطلقاً.

7. اللغة العربية في شمال افريقيا قبل الاسلام
ويعتقد باري فيل بأن آخر موجة من الهجرات إلى شمال أفريقيا قبل التوسع الروماني فيها قد جاءت من شبه الجزيرة العربية وتحول هولاء الرُحل الى أتباع للفرعون الليبي ولكنهم تبنوا الكتابة بالنوميدية، وحقيقة الامر ان هذه الهجرات غير مؤكدة وليست مسجلة في أي نقش تاريخي، وانما أوردها باري فل لارضاء فهمي خشيم والقذافي وما كانت الا أراء ملفقة وخدمة في مقابل الاموال التي نهبها فهمي خشيم من خزينة جامعة بنغازي واعطاها لهذا الدجال بموافقة من القذافي نفسه. تحليلات باري فيل للنقوش النوميدية التي وجدت في ليبيا كلها تحليلات ساذجة إستدل منها على ان ليبيا أستعملت اللغات المغربية (المورية)؛ وأن هذه النقوش قد بينت بان معظم اللغات النوميدية في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب قد كتبت بخط عربي بدائي (؟) سماه الحروف المغربية؛ وان معظم النقوش النوميدية التي كتبت في الجزء الغربي من شمال أفريقيا هي لغات أمازيغية (بربرية)؛ لكنه يرجع ويقول بأنه لم يستطع أحد حتى الأن حل ألغازها بالرغم من معرفة هولاء المشفرين باللغة البربرية.
يقول باري فل ايضا بأن استعمال النوميدية ظل شائعا في ليبيا دون غيرها وتوسع في الألف الاخير قبل الميلاد ليشمل نمط الكتابة في تونس وتقريبا حتى 500 بعد الميلاد في المغرب. وهذا الاكتشاف التي توصل اليه باري فل حسبما صرح هو قاده الى الاعتقاد بان المتكلمين بالعربية قد تواجدوا الى الغرب من مصر قبل الاسلام، ويستشهد على ذلك بالمؤرخ الروماني سالوست الذي عاش في القرن الاول بعد الميلاد والذي أفاد بان الليبين ينحدرون من قبائل أناضولية وكانت لغتهم مشابهة للغة الفينيقية. وللحقيقة فان المصارد الاغريقية أجمعت على ان غزة هي أصل السكان الليبين، لكن هذا الامر كان يسبق ظهور اللغة العربية بالاف السنين، وهذا هو الخطأ الكبير الذي وقع فيه باري فل حينما قال بأن الحروف العربية قد سادت في شمال افريقيا، وان الليبين قد استخدموا العربية قبل وبعد التوسع الروماني في ليبيا. [أول النقوش المنقوشة بالعربية الشمالية ظهرت في 400 بعد الميلاد وبعد انقسام الامبراطورية الرومانية.

8. ملاحظات أخيره
بنى باري فل اعتقاده على أن أصل البربرية(النوميدية) المغاربية اناضولي وله علاقة باللغات والكتابات (المينوية) بناء على الافتراض بأن جزيرة قبرص هي موطن اللغة المينيوية، وبذلك جعلها صلة الربط بين "أهل البحر" وأناضوليا وليبيا، والحقيقة أن المينوية هي الحروف التي استعملها سكان جزيرة كريت ولها جذور فينيقية.
ادعى بأن كتابة السكان الطوارق الرحل في شمالي أفريقيا ظهرت في نص من عصر البرونز عثر عليه في كندا بمنطقة بيتربورو في اونتاريو، ورد مصدره الى شمالي أسكندنافيا أنه قريب من النقوش الموجودة قي بوسلان بالسويد ووضعه في نفس عمر اللغة المينيوية القادمة من جزيرة كريت. هذا الادعاء يتعارض كليا مع الحيققة العلمية التي تؤكد بأن الاوربيين الشماليين – خاصة الاسكندنافيين - لم تكن لديهم أنظمة حروف للكتابة حتى استعملوا الكتابة الروينية خلال العهود الرومانية ما بعدها، الا أن باري فل ربط نقوش بيتريورو الميزوهندية في كندا وحروف التيفيناغ والشماليين ووهنود أمريكا الحمر ببعضهم البعض دون ادني دليل. وبالفعل قام الخبراء من البلاد السكندنافية بمعاينة الاثار الموجودة في بيتربورو وربطوه بالنقوش الاسكندنافية لكنهم لم يقولوا بأن النقوش هي نقوش مكتوبة بالتيفيناغ، ولم يدعوا بأن الاسكندنافيين كتبوا لغتهم بحروف التيفيناغ.
وبناء على استنتاجاته هذه، أصر باري فل على أن مواقعا أثرية في المانيا واسكندنافيا تحوي المزيد من النقوش المكتوبة بحروف التيفيناغ، كما انه نسب نقوش بدائية وجدتً في جزيرة أيرلندا وفي كهف لاسو بفرنسا لحروف التيفيناغ حتي يبرهن بأن الكلتيين القدماء كانوا على اتصال بشمال افريقيا وربما كانوا مصدر الحروف التي استعملها البربر والطوارق، كما ادعى بأن حروف التيفيناغ الاسكندنافية قد وجدت ايضا على قطع نقود قديمة اكتشفت في الجزر البريطانية تعود الى العصور الوسطى، وعلى نقود الفايكنج في الدنمارك.
يبقى أن نقول بأن الحكومة الليبية والدكتور خشيم، وربما لغرض في النفس، هم الوحيدين في هذا العالم الذين اتفقوا وناصروا أراء باري فيل، وأعتقد بأن القذافي نفسه قد أستقى أراءه من فرضيات باري فل حيث صرح مرارا وتكرارا بأن الليبين قد وصلوا الى أمريكا في العصور القديمة قبل غيرهم، وأن البربر مهاجرين من الجزيرة العربية ومن الصعيد المصري وأن لغتهم القديمة هي لغة بروتوعربية... أما المتخصصين الأمريكان فأنهم يرفضون أراء باري فيل رفضاً قاطعاً ولم تلاقي استنتاجاته اي ترحيب من المؤسسات العلمية في اوربا ايضا بل لاقت النقد العنيف واتهم بالعنصرية والشعبذة العلمية.

م. سالم محمد
كالجاري، يونيو 2007
________________________

• ملاحظة: المصادر عديدة ومتوفرة لمن أراد الاطلاع عليها.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home