Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Wednesday, 25 April, 2007

مناوشات نظرية
في مشكل الفضاء ـ الزمن

سالم محمد

يعتقد البشراعتقادا جازما أقرب الي الايمان منه الي المشاهدة المباشرة والخبرة بأن الانسانية قد اكتشفت ماهية الوجود، فهو: فضاء بثلاثة أبعاد وزمن.
لقد دخل هذا المفهوم في المخيلة الشعبية بدون اذن مسبق حتى أنه بات يلقن للتلاميذ في كافة المدارس الموجودة علي سطح الكرة الارضية، ويقرر في كل كتب الفيزياء من مرحلة الثانوية العامة حتي ما بعد مراحل التخصصات الدقيقة، وعندما يلتحق تلميذ ما بالجامعة ليتخصص في احدى فروع الفيزياء، يجد هذا النص المقدس امامه كالجبل ليدرسه بتفصيل واسع ضمن مقررات النسبية العامة ومناهج الحركة ونظرية الموجة. كل كتب القيزياء تصف الوجود بأنه مكعب من الفضاء يستحم في نهر من الزمن!
الوجود اذن، وحسب العلم الحديث، هو فضاء آني مجسم له ابعاد (س، ص، ع) ويسبح ضمن تيار ذلك السيل المستمر (والثابث) الذي نسميه الزمن، وفي اتجاه واحد فقط: نحو المستقبل، أما الماضي فهو مجرد ذكريات غلقت في الوعي البشري والجيني وكتب التاريخ وقصص الغولة والعمالقة وقلوب المحبين والعاشقين، وكما يقول المثل السوداوي الالماني لوصف هذا السيل الذي لا يتوقف: " قريبا سيكون الحاضر ماضيا".
هذا الاعتقاد الحديث والشبيه بالايمان الاعمى ربما كان وليد مجموعة من المعتقدات البشرية القديمة التي كان الحدس البشري يعمد الي تخمينها والتأمل فيها وتطويرها وتجريدها حول جلسات النار والشواء او تحت نور القمر، ومن هذه المعتقدات ضهرت افكارا متنوعة لدى كل الحضارات البشرية منها: ان الوجود مبهم وغير نوعي، الوجود غير موضوعي، وهو فوق التصور الانساني، أوأنه هلامي وقديم " قدم الزمن نفسه"، او انه من صنع الالهة القادرة على تقويضه متي غضبت... وتطورت هذه الابعاد الفكرية عبر القرون لتصل ذروتها عند جاليليو جاليلي واسحاق نيوتن بعد اكتشافهم للجاذبية وترتيب نيوتن لقوانينها الطبيعية في كتابه "برنكيبا ماثيماتيكا" – هل ما زلنا نتذكرقصة التفاحة التي سقطت على رأس نيوتن وقصة الريشة التي كان جاليليو يعاود رميها من اعالي برج بيزا؟ - ، ثم قفز هذا التصورقفزة كونية علي نوابض العبقري اينشتاين الذي قوض بنسبيته العامة كل الاسس الفكرية الكلاسيكية والنيوتونية ليضع محلها مصطلحا جديدا سماه نسيج الفضاء-الزمن.
مرحبا بكم جميعا اذن، فنحن الان في فضاء له ثلاثة ابعاد وبعد رابع هو الزمن (أو بالاصح سهم الزمان) الذي يسير باتجاه المستقبل، حيث تنحني كلها تحت تأثير الكتل الكوزمولوجية الضخمة، وتمتصه الثقوب السوداء (؟؟؟ وكأنالثقوب السودهء خارج الوجود)... وبالرغم من هذا التعريف الكاسح والغامض، مازال هناك العديد من الاذكياء ممن هم في مستوي اينشتاين الذهني وممن ناصب النسبية العداء منذ ظهورها في بداية القرن العشرين يصر على ان وجودنا - كوننا- محدود ضمن عدة عوالم اخرى لكل منها وجود خاص بها كما تقول افتراضية الاكوان المتعددة، او انه وجود كمي محاذ أو مواز للوجود الذي نحن فيه كما تفترض نظرية الكم، او انه مجرد وهم في اللاوعي كما ادعى احد الشعراء الفوضويين مرة، او انه شيء ما يقع خارج كافة الحدود التي بامكاننا تصورها او عقلنتها وهو اسمى من البرهان والمحاججة كما يقول الأكليروس الطقوسيين.
انا الان أسير حيرة شديدة... فكلما طرقت باب هذا الموضوع المعقد في العلوم الطبيعية، أجد بأن الايمان وحده لا يسعفني للوصول الى الحقائق التي انشدها، وأن الاعتقاد وحده لا يجلب الراحة للنفوس المتلهفة الى معرفة الحقيقة، فلا علاقة هنا للايمان بالتجربة والمشاهدات، وبامكان الانسان ان يكون مؤمنا بشي ما، وان يمارس التجربة والمشاهدات في نفس الوقت، لكن الخلط بينهما هو كالخلط بين الحاضر والمستقبل.
وبدل الخوض في سيادة الايمان علي التجربة العلمية والمشاهدة أو غلبة احدهما على الاخر، ومن اجل ازاحة غشاء جهالتنا قليلا، لابد لي من تقديم هذا السؤال: هل أن التعريف الحديث الذي نطلق عليه نسيج الفضاء-الزمن هو تعريف مناسب يعبر تعبيرا حقيقيا عن الوجود؟ بكل تأكيد لا أعرف الاجابة، وليس لدي الا الشك والاسئلة، فعلي قبس الرجاء لمحت نفسي كما يقول الشاعرالعربي..
بدون ادني شك، اعطتنا النظرية النسبية تفاصيل العلاقة النموذجية بين الفضاء والزمن، وأقنعتنا ايضا بأمكانية رؤية كل أحداث المستقبل السائرة باتجاهنا عبر ملاحظات تنقل الينا من قبل مشاهد اخريتحرك في الفضاء، وفي نفس لحظة الحاضر التي نعيشها أو بالقرب منها، و النظرية النسبية تحاول تقديم برهان ساطع لنا مفاده أن سيل الزمان قد تم الغاؤه بهذه التجربة، لكن العلاقة بين الحدثين – حاضرنا ومستقبلنا – ما زالت باقية.
هل نستطيع القول بأنه من المحتمل ان أبعاد الفضاء الثلاثة هي مجرد احدى تلك الوسائل المتعددة التي نجهلها الان والتي بأمكاننا وصف وجودنا بها وكل ما يحيط بنا؟.. من المؤكد ان النظام الذي نعرف عبره الكون والوجود اليوم ما هو الا نظام جبري اخترعه الانسان وله علاقة بنوع معين من الهنسة الوصفية التي نصف بها الاشياء منذ ان بنيت الزقورات والاهرام الاولى.
ان مفهوم انسياب الزمان يبدو وكأنه مفهوم عصي على الفهم وغير مناسب لوصف الوجود الطبيعي الذي لا ماض له، ولا حاضر له، ولا مستقبل له، ذلك الزمان الكينوني المجرد المبهم.. ومفهوم الفضاء الان، ربما كان هو الاخر مفهوم غير مناسب، فلابد من وجود نظام جبري جديد (بالامكان اختراعه وتطويره مثلا) شرط ان تكون قوانينه سهلة ويكون قادرا على وصف العلاقات بين الاحداث. وربما اتاح لنا هذا النظام الجبري الجديد التمتع برؤية النظرية النسبية كبناء مرئي واضح وليس كشيء بالغ التعقيد وغير واضح.. بناء يتيح لقوانين الفيزياء مأوى حقيقي هنا، لا ان تكون مجرد اضافات تضاف عنوة، بحجة ان الامر الواقع يرغمنا على اضافة القوانين الفيزيائية لتعبئة الفراغات المبهمة، نظام جبري جديد يؤدي الى تعريف موضوعي، ومن المحتمل تعريف عظيم للوجود دون الاعتماد فقط على المفاهيم الغريبة للفضاء والزمن.

سالم محمد
كالجاري ـ كندا
ابريل 2007
________________________

ـ اللوحة العليا – سالم محمد "Praise for Gunter Grass" 8*5، الوان مائية علي ورق مضغوط، كالجاري، 2007.
ـ أللوحة السفلى – سالم محمد "Dimensionless Donut" 8*5، الوان مائية علي ورق مضغوط، كالجاري، 2007.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home