Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Saturday, 24 December, 2005

أي ولع انساني متأصل في جذور السياسة؟

سالم محمد

عندما اكون علي خشبة المسرح امام الجمهور، استطيع ان اجد نفسي و"العالم كله ركح"، يقول شكسبير الذي تلعب شخصياته قدرها المتعدد الاطياف بشكل لا نهائي وبروح لا تمل التكرار. وبامكان احدنا ان يستمتع ـ وهذه حقيقة جوهرية ـ بالمناظرالباهرة للحياة السياسية العامة بدون اية مشاركة وبخضوع كامل مثل اولئك النظارة الذين يجلسون في قاعة المسرح، يتابعون احداث المسرحية وفصولها يشدهم الحوار والازياء وغيرها من حبكات المسرح، وهذه المتعة تنموا عند هؤلاء مع الوقت.

لكن، اذا اراد مواطن ما ان يكون سياسيا، ولا تعني كلمة السياسي هنا كل من يفكر بالسياسة أومن يكتب عنها وحولها بصفته مشاهدا ، بل ان يكون سياسيا بما للكلمة من معنى، فسوف تشده رغبة جامحة ويتولاه ولع شديد من اجل الظهور على خشبة المسرح ولمرات ومرات متتالية حتى يحترق او تقعده الشيخوخة عن اللعب.

والسؤال هو: اي ولع انساني متأصل في جذور السياسة؟

يقترح "ارسطو" بأنه رغبة الانسان في الالفة، وهو الحُلم الانساني ومحبة الانسان لاخيه الانسان، يجادل "روسو" معترضا، في ادانته لعصر التنوير ومبدأ السببية في السياسة اللذان سببا حسب اعتقاده تنامي وشيوع حب الذات علي حساب محبة الاخرين، اما حسب الف باء السياسة التي علمنا اياها ولي امرنا الفيلسوف، سنجد ان المسألة البالغة التعقيد امامنا هي كيفية ان نتمكن من النظر بنفس المنظار الذي ينظر من خلاله هذا الولي الي مواضيع الحياة، أو لنقل المنظار الذي يرى الطفل الثري من خلال عدساته هذا العالم؟ "هكذا فالشعوب البدوية لا تهتم بالمسرح والعروض لانها كادحة وجادة في حياتها للغاية، فهي صانعة الحياة الجادة ولهذا تسخر من التمثيل.....".

خلال حضوره الاحتفال الذي أقامته مؤخرا "أكاديمية الدراسات العليا" بمناسبة تخريج الدفعة العاشرة من طلبتها حملة إجازتي الماجستير والدكتوراه، أجاد القائد الطفل الممثل لعب ادوار شخصياته المتعددة الاطياف ببراعة وبنفس لا تمل التكرار، حيث يبدو دائما متألقا مثل الممثلين الشكسبيريين الذين يؤدون شخصيات شكسبير المسرحية او ابطال مسرحيات اريستوفانيس المرحين، وبالرغم من معرفتنا الاكيدة بان احاديثه لم تنضج بعد الا اننا بدل ان نقفز الي الركح ونمثل معه، ترانا فريقين : اما ان نفضل اللجوء الي السخرية من حفلات الزار التي يقيمها لنا في كل مناسبة، أو نهرب بشكل انتهازي عنين نحو قلاعنا التي شيدناها لحمايتنا من صراخه الطفولي ولاتقاء سهام حبه الذي ما فتيء يرمينا به والهروب من تمثيلياته الكوميدية السوداء لنجد انفسنا نصفق له بشكل هستيري ونؤدي بخسة كافة اعمال القوادة السياسية التي يقوم بها الناس عند تواجدهم في مسرحه. لقد غاب عن اذهاننا تماما بأن حاكم ايالتنا لا يزال هو نفسه الطفل الذي يرتع في نجوع سرت متغيبا عن المدرسة ومفضلا العزلة.

ينهي القذافي الفصل الاخير من مسرحيته التي اقامها في "أكاديمية الدراسات العليا" بما يلي : "الثورة ليست صراخا وشطاحا ورشاشات التي خرجنا بها في ذلك الوقت.. لكى نحاصر قاعدة/ويلس/ ونحاصر قاعدة/العدم/ وأخرجنا خمس قواعد أميركية ولنقبض على ناس خوفاً من انهم لا يدعون الثورة تنجح فكان من الطبيعي أن نقبض عليهم.. هذا شيء وذلك شيء. لكن الثورة بعد ذلك هي هذه: العلم الأكاديميات دين صحيح أيديولوجية سياسية واقتصادية صحيحة. ولهذا أنا مهما قلت لا أستطيع أن اعبر عن أملي الكبير في مثل هذه الأكاديمية إذا سارت حسب التصور الذي أقول عليه والذي أضعه في ذهني ونعتبر أننا عملنا عملا صحيحا والذين يستحقون التوسيم والتقدير الحقيقة هم الذين ساهموا في عمل هذه الأكاديمية وصالح وغيرهم. وأنا قلت لكم من بداية حديثي إذا الأكاديمية سارت حسب ما نحن متصورون عندما نجد واحدا متخرجا من هذه الأكاديمية خلاص هذا تبصم عليه وأنت مغمض والاكاديمية تتولاه".

هذا معناه ان الطالب في هذه الاكاديمية ـ والطالب هنا هو كل مواطن ليبي ـ ما هو الا رخامة لينة تشكلها يد الفنان القدير الموهوب الحاكم حسبما شئت، وبنفس الابداع الذي صقل به الاجيال التي ولدت بعد الستينات في ليبيا، هذه الاجيال التي تبدو لنا نحن المتفرجين الكسالى مهمشة مدمنة علي اظهار السخرية الانتحارية التي وللاسف لم تتطور بعد كل هذه السنين لتصبح نكتة مثلما فعل المصري او اللبناني او التونسي بدواوين سخريتهم من حكامهم.

المشكلة الرئيسية هي النظر الى السياسة بعين ملؤها التذمر والسخرية ـ باعتبار ان السياسي كاذب بالفطرة، ومخادع وامعة وله عدة وجوه ويغش عندما تناط به مهمة "السطا" عند توزيع الورق ـ هذه الرؤية مشوشة وسطحية تحول دون تفسير المسألة بعمق، وقد تتحول هذه الرؤية في معظم الاوقات الى مواقف مقدسة، وفتاوي تفترض ان المتفرج الساخر الجالس علي الكرسي لا علاقة له بهذا القبح الذي يجري على الركح.

يستطرد ولي امرنا في كتابه الاخضر الذي كتبه عندما كان في بداية طفولته الايديولوجية ويقول: "المعرفة حق طبيعي لكل انسان، وليس لاحد الحق ان يحرمه منه بأي مبرر"... "ان الجهل سينتهي عندما يقدم كل شيء على حقيقته... وعندما تتوفر معرفته لكل انسان بالطريقة التي تناسبه." و"التعليم المنهجي المنظم هو تجهيل اجباري في الواقع للجماهير."

طامة ليبيا الكبري هي قدرة هذا الحاكم المدهشة علي السيطرة التامة علي عقول النظارة، وذلك ليس بشدهم الي جدل منطقي او تحليل ايديولوجي بديع او فكرة سياسية متنورة، بل بتشجيع وتحريض المتفرجين ـ حتي اذكى الاذكياء منهم ـ علي التفكير بسخرية تؤدي الي اللجوء الى ارضيات اسسها عدم الاهتمام واللامبالاة، واستعمال حنكته الطفولية في دفع من لا يفكر بسخرية الى التعويض عنها بالانتهازية، وبذلك يستبدل بعض المشاهدين المشاركة السياسية الفعلية بحائط نفسي يقيهم من "محبة القذافي وحنانه وابوته المفرطة" التي يعلنها علينا يوميا عبر التلفزيون وبشكل مكرر. القذافي ممثل اعطته التجربة القدرة علي شل من يتابع حركاته وايماءاته وعباراته التي يلقيها فوق الركح، وهو الممثل البارع الوحيد الذي يجمع بين الجاذبيتين : السياسة كفن والتسلط كمحبة وهو بدون ادنى شك يعرف انهما وجهان لعملة واحدة يرسم بهما واقع الحياة في ليبيا. وهذا الرأي ليس مبعثه انتقاد الحكم او رسم رسما كاريكاتوريا لهذه الحالة، بل هو النتيجة المنطقية لكل من أخذ كلام العقيد القذافي (او نظرياته) محمل الجد وبالقيمة التي يستوجبها.

في مذكراته النرجسية المعنونة "القذافي رحلة 4000 يوم من العمل السري" والمنشورة من قبل شعبة التثقيف بملتقى رفاق القائد نجد لمحات عن القائد عندما كان طفلا: "حبب الى معمر القذافي الوحدة والتأمل منذ نعومة اظفاره، فكان غير محب للعب كثيرا مع اطفال اهل النجع وربما كان ذلك بسبب الطريقة التي عامله بها اهله منذ صغره وكثرة اعتمادهم عليه لانه لم يبقى له على قيد الحياة من الاخوة الذكور احد...الخ"... "اهتم به والده منذ الصغر وحرص على تعليمه حيث اتفق مع الفقيه الذي كان يتنقل بين النجوع ليعلم الصبيان كي يأتي الى نجعهم ويمكث معهم فترة ليتعلم على يديه. وفعلا تعلم الطفل معمر على يدي ذلك الفقيه مبادئ القراءة والكتابة... وحيث انه كان متميزا بين الاطفال لذلك كان الفقيه دائما يجلسه بجانبه ويعهد له الاشراف على دروس بقية الاطفال."

اننا امام طفل اجاد الصراخ واتقن فنون التحكم في الناس بلعب دور الطفل علي ركح المسرح وبتكرار ممل سيؤدي ببلادنا الى الجحيم ان لم نعتلي خشبة المسرح ونلزمه السكوت بدل الهرب المتواصل من صراخه. أنه يتحدث عن البحث العلمي وثأهيل الاجيال القادمة بعد ان امضي 37 سنة في السلطة المطلقة قضاها في تهشيم العلم والاجيال الشابة والجامعات والمعاهد العلمية، وبدد ثروة النفط من اجل الحصول علي القنبلة النووية واجهاض منابع الماء في الصحراء لتشفطها رياح القبلي. ولع القذافي المتأصل في جذور السياسة هو الضحك الطفولي علي الناس بأسم التفكير الاستراتيجي.

سالم محمد
كالجري ـ كندا
________________________________________________

ـ اللوحة المرفقة للكاتب، مواد مختلطة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home