Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Saturday, 23 September, 2006

 

مناوشات نظرية في مشكل الزمان (2)

الزمان الاصلي والزمان المطلق

سالم محمد

قدمت في الحلقة الاولي من هذه المناوشات نبذة تاريخية عن الطرق التي خمن بها أجدادنا ماهية الزمان ومحاولاتهم لفهمه والتعريف به قلسفيا ، كما طرحت العديد من الاسئلة التي ربما رأى البعض أنها اسئلة فوقية غير جديرة باهتمام الناس ، و ربما رأى أخرون بانها اسئلة جديدة وملحة فعلا ، وتبحث عن اجابات شافية. وقد ابدو من طرح هذه الاسئلة وكأنني اما تلميذ في الابتدائية فاته ان لهذه الاسئلة اجوبة جاهزة ومؤكدة ومدعومة بالتحليل وبالمشاهدة وبالاختبار، أو قد ابدو دارسا همايونيا ينهل من العلم ويقدم الكثير من الاستفسارات وكأنه يعيش في احد الابراج العاجية لبيت الحكمة. أحب ان اطمئنكم بأنني لست هذا ولا ذاك.

انا أقدم هذه الاسئلة لسبب واحد فقط ، وهو ان هذه الامور الميتافيزيقية وهذه الاسئلة المجردة تقلقني جدا ، فأحببت ان أعرف من خلال طرحها على القراء ، مدى اهميتها لهم ، وأن أجد في نفس الوقت اجابات تساعدني على طمأنة نفسي بأن قلقي هذا اما ان يكون ظاهرة من الظواهر المعرفية والثقافية التي يمر بها من هو في سني ومبلغ حيرتي من القراء الكرام ، أو ان قلقي هذا هو مجرد قلق وجودي وهم شخصي ، لهذا سميت هذه الحلقات "مناوشات" ، لانها في الحقيقة لا تقدم طرحا نظريا اكاديميا مدعوما بالتجارب والمعادلات وغيرها من التجريدات الجبرية والرياضية ، بل تتفضل بمناوشات نظرية جاءت من هاو قلق الي جمهور من المثقفين الليبيين، وتغور قليلا في فلسفة العلم وفي المجهول وفي الطبيعة.

هنا مجموعة من الاسئلة التي قدمتها في الحلقة الاولى اعيد تقديمها لكم هنا حتي أتمكن من الربط بين ما قدم في تلك الحلقة وما سأضعه امامكم الان وهي: هل ان الزمان أبدي وكان موجودا قبل خلق المادة؟ ام انه ناتج من نواتج خلق المادة؟ هل الزمان خاصية من خصائص الكتلة والطاقة؟ وهل هناك فرق بين الزمن الكوني العظيم والزمن الكمي (الكوانتوم) شديد الضالة؟

لنبدأ اولا بتعريف الزمان الاصلي ، اذ بدأ الشك يزداد في السنوات الاخيرة حول الفكرة القائلة بأن الزمان مستمر ومتوالي كالخط المستقيم وبالامكان تجزئته الى اجزاء متناهية في الصغر الي ما لا نهاية ، وظهرت فكرة بديلة تقول بأن الزمن جزيئي أو ذري البنية والتركيب ، وأن للزمن وحدة قياس صغري مثله مثل الطاقة والجاذبية يمكن تعريفها بالوحدة الاساسية الصغري. وحدة الزمن هذه هي الوقت الذى يستغرقه الضوء لقطع الحيزالفضائي الذي يشغله الاليكترون – قطر الاليكترون – وهذه البنية الاساسية للزمن تسمي "الكرونون" ، أما الثانية والساعة واليوم والعام فهي ازمنة نسبية خاصة بالارض ولا علاقة لها بالزمن الاصلي الفيزياوي. كذلك الفضاء ، يتكون من جزيئات وذرات اساسية اصغرها قطر الاليكترون. ومع تقدم العلوم الفيزياوية ، اكتشف العلماء بأن الالكترونات هي جبال ضخمة الحجم امام الحسيمات الصغيرة الكمية التي اكتشفت حديثا والتي تعيش لفترات قصيرة جدا لا يمكن قياسها مطلقا ، وفي السنوات القليلة الماضية ازداد الوضع تعقيدا عندما بدأ العلماء بالحديث عن اوتار متناهية في الصغر تهتز دائما في عوالم لها اكثر من عشرة ابعاد فضائية وتشكل البنية الاساسية للمادة وللكون.

وتعتمد نظرية الجاذبية "لأينشتاين" علي مفهوم " الزمان الاصلي " الذي قدمناه في الفقرة السابقة والذي يستعمل لتعريف قيمة ثابتة يمكن بها الفصل بين حادثتين ، ومن هذا الافتراض ، يمكن اشتقاق المفاهيم الفيزياوية الاخري مثل خصائص الخطوط الجيوديسكية للاجسام مطلقة الحركة ، وحقول الجاذبية بانحناءاتها ووتعدد طياتها ، وهكذا... ولقياس الجاذبية وجب استعمال "ساعة توقيت دقيقة" لقياس الوقت ، ويجب ان تكون هذه الساعة ادق ساعة في الكون ، دائمة الشغل وتابثة النبض ، لكن هذا الشرط يخفي تضارب وتناقض عميق اشار اليه "أ. ماخ" في كتابه (علم الحركة ، اصدارات دوفر صفحة 273) قائلا: ... ان قياس تغير الاشياء بواسطة استعمال الزمن يقع خارج ارادتنا ، فالزمن ، خلافا لهذا الرأي ، هو تجريد نستدل اليه من خلال ملاحظتنا لكيفية تغير الاشياء حولنا ... لكنه من الممكن قياس التغير باستعمال الحركة المنسوبة الى حركة اخرى بشرط ان تكون هذه الحركة منتظمة ومطردة ، بالرغم من ان اضفاء صفة الانتظام علي الحركة لا معنى له بل هو في الحقيقة وصف غير معقول. اذن من اللازم ان نخترع زمان أخر نسميه "الزمان المطلق " الذي هو زمان صرف ، غير نسبي وثابت وغير مرتبط بأي تغيير وغير مقيد بأية قيود ثانوية كتلك التي تقيد "الزمان الاصلي" ، ويمكن قياس هذا الزمان المطلق الصرف دون اللجوء الى اجراء اية مقارنات بالحركة ، لكن القياس المجرد لهذا الزمان على اية حال غير عملي البتة ، وليس له قيمة علمية ، ولا يمكن لاي احد منا مهما بلغت درجة علمه وخبرته الادعاء بأنه يعرف الكثير عن هذا الزمان المطلق ، فهو مفهوم ميتافيزيقي صرف... انتهى تعليق أ. ماخ.

هذه الدوامة واضحة جدا في نظرية أينشتاين: فعند قياس السقوط الحر لجسم نحن في حاجة لاستعمال ساعة توقيت ، ومن هنا نحتاج أيضا الى قياس القوانين الديناميكية التي تتحكم في وظائف هذه الساعة وكل مكوناتها الدقيقة من تروس و خلايا و دوائر اليكترونية ، ولهذا الغرض ، يقوم الناس الان باستعمال الساعات الذرية والنووية والاشعاعية في التطبيقات المتطورة في الفيزياء والتي تعتمد اساسا علي "الهياكل شديدة الدقة" للخطوط الطيفية التي يعتمد معامل نبضها على التردد الناتج من التفاعل بين دوران اليكترون ودوران ذرة السيزيوم او ذرة الهيدروجين. تردد هذه الساعة يوصف رياضيا بالعلاقة بين معامل " بلانك " الكوني الثابت ، وشحنة الاليكترون ، وكتل كل من البروتون والاليكترون.

تعتمد دقة وصحة قياس الساعة الذرية ايضا على مدى صحة تطبيق مباديء النظرية الكهرومغناطيسية على عوالم الكم الغريبة المتناهية في الصغر ومدى صدق وشرعية نظرية الكم نفسها. بالتحديد ، عندما نود استعمال هذه الساعة لقياس حقول الجاذبية ، فعلينا عندها ان نفترض بأن القوانين الديناميكية لا تتأثر بالجاذبية في مقاطع من الفضاء شديدة الصغر. اطلق على هذا الافتراض تسمية " مبدأ المساواة القوي " ، وله تأثيرات ناتجة عن الملاحظة والتدخل في التجربة (عندما يتدخل الملاحظ في تجربة تجرى علي كم اصغر من الاليكترون مثلا تكون نتائج هذا التدخل غير دقيقة وبذلك تزيد احتمالات الخطأ) ، وقد تعرض هذا المبدأ للاختبار وكانت النتائج دقيقة ومرضية ، مما يشجع على وضع الاسس العملية الصحيحة لتعريف "الزمان الاصلي" ، ولكن من الممكن ان تحدث عدة مخالفات وخروقات ، احداها الذي اكده الامريكي تي. فان فلاندرن (ساينتيفيك اميريكان ، فبراير 1976) عندما قام بتحليل حركة القمر وأدعى بأنه وجد أن معامل الجاذبية الثابت يتقلص بالنسبة الي الوقت الذري فوق مقياس زمني مقارن بعمر الكون مثلا.

اذا ما تم تأكيد هذه النتيجة عن طريق اعادة هذا الاختبار ، فانه علي الفيزياويين اما ترميم واعادة صياغة نظرية الجاذبية لاينشتاين والتي تضفي الثبات علي معامل الجاذبية ، أو وجوب اضافة تصحيحات كوزمولوجية علي احد المعاملات الداخلة في تركيب المعادلة التي لها علاقة بتمدد الكون. في ضوء هذا التحوير ، فان فيزياء العوالم الصغيرة (الكم) تتغير مع مرور الزمن ومن الاحتمال ايضا ان يكون الفضاء هو الاخر معرض للتغير مع مرور الزمن ، لاسيما ان الكون غير متجانس ، وهذا لن يؤدي الى صناعة ساعة توقيت صحيحة. بعبارة اخرى ، لا يتطابق الزمان الذري او يتفق مع زمان الجاذبية. وللايضاح فان زمان الجاذبية هو الوقت اللازم لدوران جسمين تربطهما قوة الجاذبية ، مثل الارض والقمر ، اما علاقة هذا بطرح أ. ماخ فأنه يقود الي الاعتقاد بأن مفهوم الزمان الاصلي ، هذا الكيان النسبي ، انما هو مفهوم غير نافع للوصول الى اجوبة مقنعة.

من هذا نخلص الى ان البحث عن نظرية تعامل فيها كل ساعات التوقيت بمبدأ قائم على اساس واحد ضروري الان ، فهناك ازمنة مختلفة وازمنة متساوية ، كل واحد منها ينتسب الى الية تفاعلية مغايرة: ففي الظروف العادية ، كل الساعات تنبض وتتفق مع بعضها من ناحية الدقة وتؤدي الى تحديد الوقت الاصلي ، لكن المشكل هنا يتلخص في اننا نعرف كيف نصف تفاعل ديناميكي فقط عندما نقوم بنسبته الى متغير زمني معروف لنا مسبقا, وبدون هذا المتغير لن نستطيع ذلك.

ونخلص ايضا الى ان الزمان (وربما الفضاء ايضا) التابع للعوالم الكبيرة التي يزيد قطرها علي قطر الالكترون قد يختلف عن الزمان التابع للعوالم الصغيرة كعوالم الكم وعوالم الالياف الدائمة الاهتزاز، خاصة اذا ما توصلنا قريبا الى ان قوانين الجاذبية والكهرومغناطيسية لا تنتمي الي العوالم الصغيرة ولا تنطبق عليها وهذا احتمال وارد ، وان لهذه العوالم قوانينا اخرى خاصة بها لا نعرف عنها شيئا حتى هذه اللحظة.

في الختام ، اعود الى سؤال واحد من اسئلتي التي قدمتها للقاريء الكريم: هل ان الزمان أبدي وكان موجودا قبل خلق المادة؟ طبعا ليست لدى اجابات شافية ونهائية علي هذا السؤال ، ، ولكنني استطيع الحدس بناء علي احساس قديم ، اميل فيه الي الاعتقاد بان الزمان ملازم للمادة والطاقة وظلها "الانتروبي" اكثر من ملازمته للفضاء ، وربما كان الزمان احد ابناء المادة و الطاقة، وان صح حدسي هذا فان الزمان ابدي.

سالم محمد
كالجاري، كندا
سبتمبر 2006
________________________

ـ اللوحة المرفقة لسالم محمد / موكتيزوما / ألوان مائية وباستيل على ورق ، 13 X 17 ، 1991
مصادرعامة :
- جي. ج. ويدرو ، ما هو الزمان – بالانجليزية – اصدارات اكسفورد يونيفيرستي برس ، طبعة 1972
- د. كاسيدي ، حياة وعلم فيرنر هايزنبرج – بالانجليزية – اصدارات فريمان ، طبعة 1992
- أ. ماخ ، علم الحركة ، اصدارات دوفر، طبعة 1948
- ر. بنروز ، اشباح العقل / في البحث عن علم الوعي المفقود – بالانجليزية – اصدارات فنتج ، طبعة 1994
- ب. ديراك ، نظرية النسبية العامة – بالانجليزية – فلوريدا ستيت يونيفرستي ، اصدارات وايلي انترساينس ، طبعة 1975
- أ. بوتون ، افلاطون ، – ترجمة ب. جويت / بالانجليزية – اصدارات تي اس بي ، طبعة 1999
- ديوان ابن الفارض – تحقيق فوزي عطوي ، اصدارات دار صعب ، بيروت ، طبعة 1980
- الكتاب المقدس ، العهد القديم والعهد الجديد ، اصدارات دار الكتاب المقدس بمصر ، طبعة 1999
- مسخ الكائنات ، اوفيد ، ترجمة ثروت عكاشه ، اصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب ، طبعة 1984
- دوريات ومجلات اخرى


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home