Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Mohammed
الكاتب الليبي سالم محمد


Salem Mohammed

Monday, 20 August, 2007

لقد مات قلبي ...

سالم محمد

ليس لدى ما أقوله اليوم، فذهني صاف وخال من المشاكل، لم أقرأ أي جريدة منذ ثلاثة أيام ولم اشاهد التلفزيون منذ اشهر ولم اتصفح مواقع الانترنت الليبية ولم أذهب الى المكتبة ولم أرد على الهاتف مرة واحدة، ولم احدث أي من معارفي أو أصدقائي، لكنني في كل ساعة اتفحص قلبي، بعدها أقول: مت ياقلبي مت... فليس هنالك افضل من موت القلوب.

موت القلوب له معنى ظريف وخفيف عندي وليس مثلما كان يعني به المتصوفة مالك بن دينار أحد تلاميذ الحسن البصري، فعندما يموت قلبك وتتحسسه لتجده ينبض نبضا عاديا، فأنت في راحة، لاتهمك القضايا المطروحة على الساحة ولا تهمك حمى الحملات الانتخابية الليبية المعارضة في الشتات أوالتحالفات الجديدة التي بدأت تطفوا على السطح بين المتضادات المتعارضة الملتوية المطوية – يقولون بأن كل هذه الفعاليات المعارضة في الخارج هي من اجل ليبيا، وان المعارضين الليبيين سيخلدون الى الراحة ويتقاعدوا بعد تحريرهم لليبيا - ولا يهمك مقدار الاموال في حسابك المصرفي ولا تهمك الاحداث في دارفور أو العراق ولا يشغل ذهنك ما يقوله القذافي في تصريحاته السودو- دبلوماسية الاخيرة أو افتتاح خزان للمياه في غريان بعد عطش طويل استمر 38 سنة أو ما يعد به سيف ملايين الفقراء والجياع والمظلومين في ليبيا، ولا تهمك أخبار الفساد في الجماهيرية التعيسة ولا قرارات اللجنة الشعبية العامة المتناقضة والمضحكة...

لقد مات قلبي، لكنه مازال ينبض، عندما اتحسسه أجده ينبض كالساعة الذرية، لكنه لا يتحدث الي كما عودني، وانا مقاطعه لانني أريد الخلود الى الراحة...

أحسد عيسى على سعادته وفرحه الطفولي.. منذ فترة، تصورت نفسي عيسى عبد القيوم راكبا القطار وأكتب مذكراته بالنيابة عنه وهو في طريق عودته من لقائه الشيق في لندن مع أولئك الانجليز باتجاه شمال شرقي انجلترا. أه لو أستطيع السطو على سعادة عيسى عبد القيوم وأفك منه مذكراته ومسجله الصغير لكي اكتب أنا عن موضوعة الهدرزة اللندنية، سوف اضيف اليها فقرات عن اصل الوجود والعدم، وسوف اكتب فيها عن بشاعة فن سيف الاسلام التشكيلي واضيف اليها القليل مما فكر "كافكا" في قوله في قصصه القصيرة التي لم تنتهي ولربما اضفت القليل من تحليلات "اوزفالد شبنغلر" عن الحضارة والتيه الحضاري الذي نحن فيه... وبعد ان اعجن وأخلط مقالة يوسف، أذهب الى عبد الحكيم الفيتوري وأسطو على اراء تعب عليها عمرا ودهرا وأضيفها الى مقالة عيسى القادمة. انا في الواقع لست متأكدا من أن الاستاذ عبد الحكيم الفيتوري مقتنع بما يكتب. ففي وسط هذه الاجواء "البوستمودرن" الليبية الفكرية المأساوية التي نعيش فيها، اصبحت الكتابة خطرة وخاصة في مواضيع الشريعة والفقه والفلسفة الاسلامية. أتمنى لك السعادة والسلامة يا أستاذنا الجليل الفيتوري.

ولو قدر لي ان أخذ من أمارير عقله وذهنه، لصنعت الغازا لا يستطيع حتي عالم الفيزياء الروسي "كيركوف" حلها... ألغاز حول نشوء الكتابة النوميدية، وعلاقة الجبالية في جبل نفوسه بالاناضول وبولينيزيا والبيرو. لرجعت في التاريخ الي الوراء 4500 سنة وأقمت مملكة في خيالي حدودها تمتد من جزر الكناري حتى واحات الداخلة. لاقمت فيها العدل وأحييت الكتابة فيها بحروف التيفيناغ ذات الاصول "التي لا ادري من اين"، وبالقرب من طروادة سأتحالف أنا و أمارير مع اجاممنون ضد كل من يهدد الاثار الموجودة في متحف السراى الحمراء وكل من ينوي شرا بالقضية الامازيغية - (امزح فقط يا أمارير)...

أطمئن نفسي دائما بالقول لها: عندما تكون شبه كويتب أو شويعر صغير و يحدث أن يموت قلبك لكنه يستمر في النبض الروتيني فأنت كاتب لا يقرأ لك أحد.

لماذا مات قلبي؟ لان هذا هو موعد موته.

أخبرني صديق عربي سافر الى بلده مؤخرا عن معاناته القاسية التي تعرض لها بسبب زيارته التي اراد بها رؤية والدته المريضة، وقد ذكرتني معاناته بما يحدث لليبيين المسافرين الى وطنهم أو الراغبين في العودة النهائية الى وطنهم. فعند نزولك بأي مطار عربي ودخولك صالة القدوم، أو عند وصولك الي بوابة حدودية لبلد عربي ينتابك شعور غريب أسميه "رهاب فقدان الحرية"، أوالذعر الناجم عن التواجد في بوابات الحدود العربية، بالرغم من ان مصادر علم النفس لا تدرج هذا النوع من الرهاب بين رهاباتعا المتعددة.

كتب عن هذا الرهاب الدفين بدقة الكثير من الزوار الاجانب ورأيناه في أفلامهم وقصصهم وتقاريرهم، وتحدث عنه العرب المهاجرين الذين عادوا في زيارات قصيرة الي بلدانهم الاصلية من بلدان المهجر، وهو شعور يمكن وصفه بأنه مزيج قوي من الخوف والتقزز وخليط من الضيق والرهبة، وخوف انساني قديم شبية بالشعور الذي ينتاب زوار السجن لرؤية قريب أو صديق سجين. أنت بالتأكيد لا تريد أن تبقى هناك مع من تحب داخل هذا السجن، ولا تريد البقاء اكثر من المدة المحددة للزيارة. عيون الحراس الغلاظ تتبعك لتؤكد لك بأن هذا المكان يختلف عن كل الامكنة الاخرى على سطح الارض فلا حرية فيه، وزيهم الرسمي يتغلغل في أحاسيسك ليستولي عليها، فيذوب شعورك بحريتك سريعا بمجرد ان تطأ أرجلك أرض السجن، فحتي وان كنت في زيارة قصيرة، وجب عليك ترك الشعور بالحرية الذي تحمله معك اينما كنت في الخارج.

البلدان العربية ليست سجونا بالطبع لكن بوابات عبورها وصالات الوصول في مطاراتها توحي للزائر بأنها أمكنة تفقد فيها الحريات في ومضة خاطفة، فالشرطة والجمارك بقيافاتها الرسمية تجسد العدوانية البشرية البدائية - هل ان اللباس العسكري العربي والقيافة الرسمية أشياء غريبة عن مجتمعاتنا وهي المسؤولة عن هذا الرهاب؟ أليست المطارات العربية وبوابات التفتيش الحدودية هي دائما اقرب النقاط للسجون وغرف الاعتقال والتعذيب. وعندما تنزل اي مطار عربي فانك متهم ومدان حتي يتم ختم جواز سفرك بختم الدخول. هل ان الحرية بمفاهيمها في الغرب غير موجودة عندنا، أم أن لنا شيئا شبيها بها لانعرف ماذا نسميه؟ عقدة الخوف من الاجنبي الذي يحيك المؤامرات والعربي الذي يتواطأ مع الاجنبي لخيانة بلده. هل لان المطار مازال يمثل المسلك للوصول الي مضارب القبيلة؟ نعم نحن قبائل لديها مطارات ونقاط عبور حدودية ولسنا مثل الاخرين.

البلدان العربية ليست سجونا بالطبع فداخل المدن العربية تجد ما شئت وما اشتهت نفسك من المخذرات والمسكرات والموبقات، وفي المدن العربية تجد البغاء الرخيص، وتجد كل الاشياء التي تجدها في المدن الغربية الكبيرة، وتجد السلاج بأنواعه والغش والسرقة وكافة الافاث التي تعاني منها المدن الحديثة، لكنك لا تجد المدينة نفسها، فالمدينة غير رسمية، وغير أخلاقية، ومليئة بالغرباء المتوحشين، فقد كبرت القبيلة لتصير مدينة هامشية، مداخل مضاربها في المطارات ونقاط الحدود، المملؤة بالعيون المحدقة وبالبزات الرسمية التي احضرها الغرب ليلبسها القبليين الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة...المدينة هي التوسع العشوائي الغير مدروس للمضارب، والمطارات هي المسالك لهذه المضارب، هذه المسالك التي تركتها جيوش العالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية ليتولى أمرها ابناء القبائل المتوجسين خوفا من قدوم الاجنبي أو العربي الخائن العائد...

ثقافة المرابطين الذين يرابطون بالمطارات ونقاط العبور الحدودية ثقافة قديمة من مخلفات الحروب الصليبية، حينها كان المرابط يرابط في علوته منتظرا قدوم الفرنجة المعتدين، والان وفي عصر العولمة ما زال هولاء الفرنجة يأتون زرافات ووحدانا للانقضاض علي الارض والعرض والدين. المطارات ونقاط الدخول في العالم المتحضر هي منشأت لتقديم الخدمة للمسافر وليست رباطا للحفاظ علي استقلال الوطن. نشأت هذه الظاهرة أولا في مصر بعد الانفصام القومي فيها وترعرعت لتصبح غولا في العراق وسوريا واليمن والجزائر وتونس وليبيا وكل البلاد العربية. قبل الوصول الى اي مطار عربي يجب أن يكون لديك معارف لاستقبالك وأخراجك من هذا الحبس الاحتياطي، أو يجب أن تتوفر لديك الشهود اذا تم اعتقالك. وصالات استقبال الزوار وصالات الدرجة الاولي ليست للقادرين على الدفع بل لابناء رئيس الدولة وحواشيهم وأنيساتهم والاعضاء المتقدمين في الحزب.

سالم محمد
كالجاري، كندا
16 اغسطس 2007
________________________

ـ اللوحة لسالم محمد – الوان جواش على ورق بعنوان "خلق ليبيا" – يونيو 2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home