Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Tuesday, 19 September, 2006

 

مناوشات نظرية في مشكل الزمان (1)

هل الزمان خالد ومتواصل؟

سالم محمد

الرجاء منك ايها القاريء الكريم أن لا تتوقع بأنني أخفي اجابات عن أسئلة سأعرضها لك في هذه المقالة أو انني ساميط اللثام عن سر مهول يخص تعريفات جديدة للزمان في الاجزاء القادمة من هذه المقالة... أعدك الان بأنني لا أملك اجابة واحدة عن هذه الاسئلة وأعدك بأن كل ما سأظهره لك لن يتجاوز الا المزيد من الاسئلة الممتنعة التي سألقيها على كاهلك والتي ستقلق ذهنك بكل تأكيد... ربما كنت قد طرحت بعض من هذه الاسئلة على نفسك فيما مضي أو انك قد تطرقت اليها في الماضي لكنك لم تعرها أي من اهتماماتك بسبب مشاغلك و ضيق وقتك، أو ربما لم تخطرعلي بالك من قبل... سأركز في هذه المقالات علي الجانب العلمي فقط من هذا الموضوع متوجها الى كل القراء وخاصة الشعراء والادباء لقناعتي بأن المكتبة الثقافية الليبية تحتاج الى المزيد من هذه المناوشات النظرية ، كما أعد القاريء بأنني لن أدخل الى الغابات والادغال المعرفية الاخري التي اجهل عنها اكثر مما اعرفه عن تخصصي الافقي ، فمن مساويء التخصص الافقى الدقيق ، الاحاطة بالمجالات الضيقة والجهل المطبق بالمعارف العلمية والدينية والادبية الواسعة ، وأنا احد هولاء الذين اسروا في زنزانة التخصصات الافقية ، ولرغبتي في التكفير عن هذا الاثم، اقدم هذه المقالات الى الادباء والشعراء ، خاصة اولئك الذين حرموا من الغور في بواطن العلوم الطبيعية...

هل أن الزمان كان موجوداً قبل خلق المادة؟ أم أنه ناتج من نواتج خلق المادة؟ ... ام انه قد جاء متأخراً بعدها؟ ليس هناك من يملك اية اجابات لهذه الاسئلة ، فهل لديك اجابات شافية؟.

لقد حاول الانسان منذ فجر التاريخ الانساني تعريف الزمان ( والمعنى هنا هو الوقت ) ، وجاءت تعريفاته نابعة من خصائص حضاراته وتجارب مجموعاته البشرية ، فهناك من جرده الى نظم رقمية تتآلف وتتناغم مع حركة الارض والاجرام السماوية ، وهناك من فسره بصورمجردة و ألقى علية اردية روحانية ، أوصاغه في استعارات فنية ، أو وضعه في انطباعات ذهنية اسطورية.

استطيع ان اجزم في هذه المقالة القصيرة بأنه ليس هناك في العلم القديم او الحديث نظرية رياضية او جبرية واحدة تعارض مبدأ خلود الزمان ، وثبات قيمه، وخطيته ، وتواصله من الماضي عبر الحاضر الى المستقبل في اتجاه واحد ، أو كما يطلق عليه في الفيزياء الحديثة تسمية "سهم الزمان / (Arrow of Time) ، كما أستطيع ايضا أن أؤكد بأنه ليس هناك فهم شامل لطبيعة الزمان في العصر الحديث أو تعريف مغاير للتعريف الذي قدمه لنا اجدادنا البشر منذ أول عصور التدوين ، وبأننا لا نعرف الكثيرعن علاقته بالمادة أو بأبعاد الفضاء بالرغم ما جاء عنه في الاطروحات النظرية النسبية وميكانيكا الكم ونظرية الاوتار، اذ انه ليس هنالك في العلوم الطبيعية او الفلسفية وصف مغاير لما عرفناه ونعرفه عن الزمان منذ اقدم العصور، فهوعندنا مجهول المنشأ ، ظهر مع الدوي العظيم وبداية خلق الكون حسب نظريات نشؤ الكون الحديثة ، وان قيمه ثابتة متسلسلة ، وهوعداد خطي نستعمله لعد الهنيهات واللحظات والدقائق والسنوات الضوئية وأن تطبيقاته العملية لاتتجاوز الساعة اليدوية او الذرية وحساب التردد الموجي بوحدة الهيرتز.

في التاريخ الانساني القيم جدا ، كان مفهوم الزمان عند معاصري جلجامش السومري اسطوريا ، يتداخل مع الكثير من الازمنة الخرافية ويرتبط بأماكن متعددة بالمدائن السومرية وبالبراري الاسطورية والعالم السفلي والعالم العلوي ، وفي النصوص التاريخية المصرية الاولى والاسرائيلية ، فله بداية ، هي بداية خلق الله للكون، اذ يفتتح العهد القديم في سفر التكوين بآية البدء الاولى كما يلي " في البدء خلق الله السموات والارض. وكانت الارض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله: ((ليكن نور)) فكان نور... وبالرغم من ان الاغريق قد أولوا اهتماما كبيرا لشرح الظواهر والنظم الطبيعية في مؤلفاتهم وفلسفاتهم، الا انهم كغيرهم من الشعوب قبلوا بتواصله وخطيته. يقول افلاطون في تيمياوس بأنه " عندما فرغ الله من تنظيم السماء والارض، جعل من الزمان صورة متحركة تحاكي الابدية" ، كما وضّف افلاطون علم الفلك بدعوته الى ان "الشمس قد خُلقت من اجل الوصول الي قياس واضح للسرع النسبية ..." ، اي ان الزمان – الوقت – هو مقياس لقياس الحركة، وقد وافق افلاطون في هذا الرأي الفيلسوف وعالم الحساب بلوتونيوس لكن سقراط عارضه بشدة وقدم تعريفا مغايرا يقول بأن الزمان هو " شيء شبيه بالارقام " ، أي لـُحيظات قائمة بذاتها لكنها متتابعة ، حيث لا يوجد ماضي ولا مستقبل ، ولا يوجد الا الحاضر الذي يعطي للزمان صفتة ، إذ أنه مجرد موصل بين الماضي والمستقبل...

وفهم اللاتين للزمن لخصها الشاعر اوفيد ، عندما كتب متحدثا بلسان فيثاغورس في "مسخ الكائنات" بما يلي: " ليس في الكون ثمة شيء ثابت ، فكل شيء في تغير مستمر يسيل كالماء ، وأشكال الكائنات عارضة ، والزمان نفسه يمضي منسابا وكأنه النهر بل اسرع ، لان ساعة الزمان العجلى لا تستطيع ان تتوقف ولو شأت . فكما تدفع الموجة الموجة امامها وتأخذ مكانها فكذلك الساعات تهرب الواحدة من الاخرى ، وتطارد هذه تلك في تجدد بلا تلبث ، ويصبح ما حدث منذ قليل بعيدا ، ثم يحدث ما لم يكن قد حدث من قبل."

خبرنا الزمن احسن خبرة، من الوهلة الاولي حتي النفس الاخير، فهو كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، كما قالت العرب ، والوقت هدية الله إليك ، كما حدثنا العالم الاندلسي بن العربي، فإن إقتصدت في صرفه أناب الله عليك ويسر لك ، وحسب رؤية (حلم) بن الفارض المصري الذي قال عنه: وعلي تفنن واصفيه بحسنه ، يفني الزمان وفيه ما لا يوصف ، وربما كان هذا التعريف الفطري المكبل في صدر وعجز النص الشعري وتفعيلاته المقيدة أقرب الى نفسي من أي من التعريفات التاريخية التي ذكرتها في المقدمة ، وليس هذا لانه التعريف الأصح ، بل لانني أكن محبة كبيرة لشاعرنا الصوفي وأعتبر وصفه للزمان أجمل ما قاله اي فيلسوف عربي أو مسلم في وصف ماهية الزمان ، فقد احاطنا بن الفارض بأن للزمن نهاية لكنه يحتوي ويحيط وينطوي على كل شيء، ذلك ما راه في حلمه عندما كان منهكاً جائعاً في احدى سياحاته في الصحراء المتاخمة للقاهرة.

هذه التعريفات الوجدانية للزمان جاءت من احساسنا وخبرتنا الغريزية به ومن آمالانا المعقودة عليه ، فهو الزمن الذي نشعر به ويحتوينا ويلامسنا من الداخل والباطن ومن الخارج.... لكن الفيزياء لا تعترف بالتقييم الانساني الوجداني للزمن بل تراه سهما، يخترق الفضاء ولا خاصية له الا التوالي الرتيب في نقاط واحدة تلو الاخري باتجاه المستقبل فقط ، اي أن لا خصائص له الا السير الى الامام ، كما أن الفيزياء تفترض وجوده ولا تقدم اي دليل أو برهان على وجوده وعلاقته بالمادة ، فكل فروع الفيزياء وكل العلوم الطبيعية وغيرها تفترض خطاً ، عليه ارقام متراتبة ومتسلسلة نحصي به عدد الحوادث الكبيرة والصغيرة والمرات المتوالية والاشياء واللحظات ونخمن عبره التصرف العشوائي للكم المتناهي في الصغرونقيس به ابعاد الكون الشاسع .

لا زال هذا القبول شائعا حتي في العلوم الحديثة. سبينوزا مثله مثل نيوتن ووالاس ولايبنتز وجاليليو لا يضعون تعريفا شافيا له بل يقبلون وصف افلاطون له وكما هو ،ونيوتن وجرين ولايبنتز يستعملونه في التفاضل وفي التكامل للتعريف بقيم اخرى ، وكأنه سهم تابث السرعة يسير في اتجاه واحد فقط هو المستقبل ، وخلصوا الى ان سرعة كتلة ما انما هي نسبة تغير المسافة التي تقطعها هذه الكتلة الي تغير الزمان، وبذلك فأن نسبة التغير في السرعة الى الزمان هي تعريف مباشر للعجلة (التعجيل) ، ونسبة التغير في العجلة الي الزمن هي تعريف لعزم الكتلة... وهكذا الى مالانهاية، وبذلك ترسخت الفكرة القائلة بأن الزمن خالد ومتواصل... اما المنظرين في القرن الماضي مثل اينشتاين وبوهر وهايزنبرج فأنهم لم يضيفوا اشياء جديدة الي تعريف الزمان الا الترحيب بفكرة اينشتاين القائلة بدمجه في الفضاء ليكون محورا رابعا من محاور الفضاء وصار جزء من قيمة واحدة تنحني تحث تأثير الكتل وتسمي "زمان الفضاء"... وهنا أستطيع أن اقدم هذه الاسئلة: هل يتسارع الزمان مثلما نعتقد بتسارع الكتلة وتعجيلها؟ هل ان للزمان عجلة؟ أوان له سرعة ، او ربما كتلة ووزن وعزم كتلي؟

ترغمني هذه الاسئلة الميتافيزيقية على الدخول في دهاليزتجريدية لست مؤهلا لدخولها، فبالنسبة لنا جميعا، يكتسب الزمان سمة التواصل والخلود، وبذلك ننتهي من الجدال والنقاش ونخلد الى الراحة. فمالنا نحن ومال الزمان؟ ولكن المشكلة اصلا هي شعورنا بالزمان، فهو ليس جامداً ولا يمكن ان يكون في اتجاه واحد حين نعيشه... نقع في شباك الحب، وعند انتظار وصول الحبيبة ، يبدو لنا الزمان ابدياً ، ونحس به قصيرا يمر بسرعة خاطفة عندما نلاقي الحبيبة... عندما نمرض أونتألم او نقع في حفرة عميقة لا نستطيع الخروج منها الا بعون يأتي من خارجها، وعندما نكون في داخل السجن، نشعر بأن الزمان ابدي ، ونصفه في احاديثنا بالثقل وبالاطالة وبالخفة وبالسرعة وبالبطء وبالانحباس والافلات وغيره من التعابير اللفظية التي تقدم تفسيرا لماهية الوقت النسبية كما نعيشها.

آخر سؤال لو سمحتوا: هل الزمان خاصية من خصائص الكتلة؟ اي هل ينحصر الزمان كله بين أزمنة كمية وبين زمن كوني؟

م. سالم محمد
بريتش كولومبيا ، اغسطس 2006
________________________

ـ اللوحات المرفقة للكاتب ، 1991 / تفاصيل من موكتيزوما ـ ألوان مائية وباستيل على ورق.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home