Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Sunday, 19 March, 2006

أمازلنا نعـيش في عـصور الصيد ماقبل التاريخية؟

سالم محمد

افترض اولا أن قواعد وأليات الانتاج التي حكمت الاقتصاد الليبي منذ القدم ومازالت تحكمه حتي هذه اللحظة هي مزيج من قواعد وأليات تنتسب ـ حسب تحليلي ـ الى إقتصاد الصيد / التطييش البدائي (مصطلحات استعرتها من العامية الليبية للتعبير عن المصطلح الانجليزي Hunter-Gatherers والتطييش من العامية الليبية: طيش الزيتون اي جمع الزيتون. انا من انصار الاستعانة بقوة العامية الوصفية واستعملها هنا لترجمة مصطلح انجليزي فقط...) الذي تزاوج صدفة وبدون تخطيط مسبق مع الاقتصاد الريعي النفطي الحديث الذي نشره الطلاينة بعد احتلالهم لبلادنا، وافترض ثانيا انا مازلنا مثل سكان الجزيرة العربية والهنود الحمر والاستراليون الاصليون وسكان الاصقاع الاسيوية نعيش في عصور الصيد الماقبل - تاريخية بالرغم من استكشاف النفط والغاز في صحارينا القاحلة، وانه طيلة الستة عقود الماضية تتنازعنا قوى المقايضة الرعوية البدائية وقوى الاقتصاد الاوربي الذي يحركه الربح ومبدأ العمل مقابل أجرة، فلا نحن صيادين ولا نحن ارتقينا الى مستوي قوي الانتاج والعمالة الحديثة مثلما هو الحال في جارتنا الصغيرة تونس مثلا، او جارتنا السادية ايطاليا بافتراض تلذذنا المازوخي مع من احتلنا واضطهدنا في التاريخ القريب.

هذه مقالة قصيرة وليست بحثا في نشأة الاقتصاد الليبي ولهذا رأيت ان المطلوب مني اثباته بشأن افتراضاتي لن يتكيء الا على ما استعرته من تجربتي الشخصية التي قد تبدو مملة ولا علاقة لها بالاقتصاد وليست جديرة بالتقديم كبرهان علي ما أدعي ولكن... سأركز هنا فقط علي ظاهرة النصيحة المجانية التي يسديها لك اي ليبي سوى عرفته ام لم تعرف.

تعلمت شيئا مهما من الغربيين وهو ان النصيحة بدون مقابل لا فائدة مرجوة منها، وخلال عيشتي الطويلة معهم وتعلمي في مدارسهم شاء القدر ان صرت اقدم النصائح لهم بمقابل سخي اقتات منه والحمد لله الذي اوصلني لهذا الادراك، واوصلني الى يقين اخر مكنني من الاقتناع بأنني لو ذهبت الى بلدي ليبيا لبيع نصائحي لما اشترى احد من الليبيين نصائحي بفلس واحد ( اثتاء رجوعي الى ليبيا في سنة 2000 بعد غياب دام اكثر من 30 سنة قابلت احد اولياء الامر هناك وعرضت عليه نصائحي بدون مقابل فقهقه في وجهي بلطف وببشاشة الليبيين الطيبين قائلا : نقع شهاداتك في الميه واشربهم، وبعد هذه اللحظة اقتنعت بأن قطيعتي مع ليبيا مصدرها فينومينولوجي وليس انطولوجي).

النصح مجاني عندنا وليس له تبعات قانونية او مهنية، اما في العالم الغربي فالنصيحة ان كانت خاطئة وأدت الى نتائج عكسية او تسببت في خسائر اي كان حجمها فانها قد تقودك الى السجن اوالقضاء عليك مهنيا. يقول الشاعر: ناصح يعظ النساء... فيحرم الصهباء صبحا ويشربها على عمد مساء. والشاعر العربي يقصدنا نحن، انا وانت ياسيدي الذكي وانتِ ياسيدتي الالمعية، فهو يتحدث الينا جميعا دون تفريق لانه عرفنا وخبرنا حذاقا شطارا وملعَبية. نحن نعرف كل شيء وخبراء واصحاب تجربة في كل الشؤون الارضية والسماوية منها والباطنة والظاهرة، في الحساب والفلسفة وفي الشعر والعروض، في السياسة والدبلوماسية، في التكتكة الانية والاستراتيج المستقبلي في التعبئة الروحية والسوق النضالي، نستطيع بدقة التفريق بين الهزام والسيكاه، وبين الانتروبولوجي والفينومينولوجي وبين مينوتات سيجموند فرويد وماكروات السيدة بلافاتسكي وبين الناقص والموجب، ولن ازايد او ابالغ، سمها ونحن نعرفها، اديان، لغات، هندسيات، طبيات، تجارة، ربح سريع، فن، نقد بنيوي، مزايدات رخيصة، شعبذة، هندسة كم، جوسسة وتحضير ارواح، سمها ونقول لك نحن نعرفها: ولذلك تجدنا نقدم لك النصيحة وكأننا الدجاج الذي يضع البيض. نقدمها لكل من هب و دب وكل من طار وسبح، متروسة عقولنا بالمعلومات التي لا تستطيع ادمغتنا حفظها ولهذا نحن مرغمون على تفريخ النصيحة تلو النصيحة وما فاتنا الا اننا لانقدم النصح لانفسنا فالدجاج لا يأكل بيضه! واننا لا نطالب باجر مقابل هذه النصائح لان لاوعينا الغائب (وهو غيبي وديني في مجمله) لا يعترف بالاجر، فالاجر نعرفه غربي ـ يهودي المنشأ، ولا نعترف الا بعطايا وهبات ومكرمات ولي الامر والحاكم والمالك الغني، فنحن ننتظر مكرمات راعي الرعية دون ان نشتغل عنده.

الناصح والناهي عن شرب الخمر في الصباح هو نفسه الذي يذلقها في حلوق السامرين معه في المساء، صياد بدائي متحرر من المسئولية وفوضوي لا يستطيع التحرك بدون رفقة البديل المناقض ومغطي بتوأمية المذاهنة والتحرك بخفة بين محيطات الصدق وقارات الكذب والكثير الكثير، قلبه يخفق لفؤادين، يحب ويكره في وقت واحد، يبكي ويقهقه في ان معا، يبني ويخرب ما بناه ويسلم شعوره في اية لحظة لمن لا يصونه. ونصائحه بدون مقابل اذ من السهولة ان تنقلب نتائجها الي كوارث ليس هو بمسئول عنها.

هذا يقودني الي تقديم هذه النتيجة: اننا معشر الليبيين نجيد النصح ولكن لا نتحمل تبعاته. والذي يشك في هذه النتيجة عليه بقراءة الناتج الثقافي والديني الليبي ولن يجد سوي النصائح "الريجالو".

ما هو السر وراء النصح المجاني؟ هل له علاقة بالمتراكم الماورائي والديني والبيئي عندنا ام ان له علاقة بمحركات الانتاج ام باقتصاد الصيد البدائي وقوانين الاقتتات من الطبيعة الذي اتسمت به حياتنا الليبية؟ لاحظ انه عندما نقدَم النصيحة فاننا نقدمها بدون مقابل مادي، وعندما يقدمها المتخصص الياباني او الاوربي او الغربي فانه يتقاضى اجرا بالمقابل ولكن بتبعات، وهذا يقودني الى الاستنتاج بأن مكمن الفساد الاداري عندنا هو فرض الاستعمار الاوربي مبدأ الاجرة الغربي علينا فرضا مما اجبرنا علي ترك العمل بمبدأ العطايا والمكرمات الطبيعي الذي تعاملنا به طيلة تاريخنا وقبلناه اجتماعيا واقتصاديا كعلاقة بينة بين الحاكم واولاده من جهة وبين العامة من الناس من جهة اخرى، وكل هذا لسبب اقتصادي بحث مصادره اننا لسنا ربحيين في نظرتنا للحياة لاننا قليلي الانتاج والموارد ولاننا لانزال نعيش حياة الصيد وتطييش المنتجات الطبيعية، ولانوظف قيمة للعمل. هذا يقودني الي سؤال جديد: امازلنا نعيش في عصور الصيد ماقبل التاريخية؟

الان في العصر الحديث اجبرتنا الالة الاوربية الغربية علي التعامل بمبدأ الاجرة مقابل العمل، وصارت الوظيفة عند الدولة الوطنية المازوخية ـ بنت الدولة الاستعمارية السادية ـ بدل وظيفة الصيد ـ تعني اجرا لا مقابل له غير عارفين بان هناك علاقة للاجربالقانون وبالمسئولية. لقد ساهم المستعمر الغربي في هذة الازمة، فقد احظر العثمانيون الاتراك كتبتهم وادارييهم معهم ولم يقحموا الليبيين في ادارة شئون دولتهم، وكذلك المستعمر الايطالي الذي استغني عن العمالة الليبية كليا باستثناء اعمال السخرة التي فرضها على الشباب واسري الحرب ايام الاحتلال الايطالي لبلادنا وتشجيع الصناعات اليدوية التي اتقنها اليهود والمالطيين، وعندما ترك المستعمر بلادنا انكفأنا الي علاقات الانتاج القديمة ليأتي ثالوث النفط ـ العسكر ـ الدولة الوطنية ويدخلنا في متاهات الحياة الحديثة وما كان الناتج الطبيعي لقبضة هذا الثالوث الا الهوان والفقر المتوقع الذي نغوص فيه الان. فنحن لم نعد صيادين بدائيين ولسنا عمالا او موظفين في دولة حديثة!

انظر الى رؤسائنا واولياء الامر عندنا، تراهم دون وعي منهم يقومون بالاعتماد علي الموروث القديم ويستعملون العطايا والمكرمات كوسائل لدفع المقابل، لقناعة في داخلهم بان لا احد يعمل عندهم وان خيرات البلد وخزائن الدولة وعوائد النفط لهم ومسئوليتهم التاريخية تنحصر فقط في اغداق مكرماتهم وهباتهم علي من يشاءون من الناس، اما دفع اجر العاملين فهو ليس من ضمن مهامهم، لان الجميع رعاة او يمتهنون الصيد ويقتاتون من جمع غلال الطبيعة مما يجعل من قانون 15 خير وسيلة للتعامل مع ملايين الكسالى من هولاء الصيادين الرعاة!!!.

لقد نسيت ايضا ان اضيف افتراضا ثالثا وهو ان العقيد معمر القذافي الذي طرح وروّج للمقايضة طويلا في الثمانينات والتسعينات ودفع بقوة تجاه الغاء التعليم الابتدائي انما كان يطرح نصا اقتصاديا وايديولوجيا يصلح لمجتمع سادت فيه الصفة الرعوية البدائية مما مكنه بنجاح دغدغة عقلية الصياد البدائي وتهييج مخيلته وانه قد نجح فعلا في تطبيق افكاره لمعرفته أن المجتمع الليبي لم يتطور بعد حتى الى مستوى مجتمعات متخلفة مجاورة، وللبرهان علي استجابة المجتمع لافكاره انظر نسبة الليبيين العاملين قي الدولة فقد بلغت اكثر من 25% من مجمل عدد السكان، اي ان اكثر من 100% من مجمل الاصحاء القادرين علي العمل في ليبيا يعملون في وظائف تغدق عليهم هبات من الحاكم دون ان يقوموا بأداء اي عمل كما بلغ عدد العاملين في كافة قطاعات الامن والبوليس والمخابرات اكثر من ربع مليون مواطن.

سالم محمد
بورت دوفر، 15 مارس 2006
_______________________________________________

Photo: modern hunter-gatherer site near Yefrin


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home