Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Monday, 16 April, 2007

شاعـرية السلطة

سالم محمد

لغة تائهة وماكرة وغير انسانية، عبثية وغير مسؤولة، تحكى وتتداول كالعملة في عالم منفصل بذاته، يقع فوق مقاطع شاسعة تمتد بين حدود المعقول وحدود البذاءة والتخريج والهلس. والناس، لسبب مثير للحيرة، يصدقون شاعرية السلطة بالرغم من انهم أول من يبادر بتناولها بالسخرية والاستهزاء، هذه الشاعرية هي الصورة التي اطلق عليه سقراط اسم "الكذبة الشريفة" في نقده للجمهورية الافلاطونية الفاضلة. الكذبة التي يصدقها الناس مع قناعاتهم المؤكدة بأنها كذب.

شاعرية السلطة، فن قديم اجاده كل من نيرون، وهولاكو، وصاحب الحمار، والسلطان الذهبي، وهتلر، وستالين، وبول بوت، و"الاخ العقيد" معمرالقذافي، وكل الطغاة على هذه الارض.
ما هو سر هذه الحيوية المفاجئة التي أصابت العقيد معمر القذافي؟ هل أن هذه الحيوية مصدرها عودته الى شاعريته السلطوية القديمة؟
المتابع للاحداث القادمة من "الجماهيرية السعيدة" ومنذ تسليم معمر القذافي لاسلحته التدميرية الشاملة في سنة 2003، وتفضل امريكيا عليه بالحوار والزيارات، سيجد أخبار هذه الحيوية القاراقوزية: عراك مع العرب وخروج عن صفهم، ملاسنات مع المفكرين العالميين والاقتصاديين الفطاحل، تشجيع هجرة الافارقة الى الشاطيء الشمالي للبحر الابيض المتوسط عن طريق ليبيا لاسترداد ما نهبه الاروبيين الفيكتوريين من أجدادهم، تشجيع خروج القبائل اليمنية الشيعية "البنج امامية" علي سلطة اهل السنة في اليمن، مرثيته الغريبة للرئيس الراحل صدام حسين والتي فاقت مرثية بن مزموم في الحزن الذي بدأ للناس مصطنعا ومضحكا، تأليبه للطوارق علي سلاطين الجزائر وبلدان حوض النيجر، رغبته في الانتقام من الامير عبد الله الذي صار ملكا، كرهه لشيعة لبنان، رغبته في اعادة اقتناء الطاقة النووية، دفاعه المفتون عن السفاحين تشارلز تايلورسنكوح، تجاهله التام لسوريا ومصر، هجوماته الملطفة برحيق الخوف علي الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، وترديده مقولة تطوير ليبيا لكي تصبح "نرويج" شمال افريقيا – لماذا النرويج وليس السويد؟، ودولته الفاطمية الشيعية، واهتمامه الشديد بالصلاة فوق كثبان الرمال الافريقية وامامة الافارقة الوثنيين واقامة المشاريع السياحية في ليبيا، وارتداءه للعباءة الحمراء، وازالته للتألولة العملاقة التي كانت تزين نصف وجهه الايسر قرب انفه، وتسييره اللجان الثورية في مظاهرات وهم يئنون تحت وطأة ثقل اسلحتهم الاوتوماتيكية في شوارع المدن الليبية، والاهتمام بالضحك على كل من كان اصلاحيا خجولا معتوها، وخوفه الدائم من الشعب الليبي.
ما سر هذه الحيوية التي جاءت بعد ركود وانعزال دام اكثر من تسع سنوات قضاها القذافي ابان فترة المقاطعة الدولية لنظامه في الفيافي والقفار يتمرغ فوق كثبان رمال الصحراء الليبية كالضبع المسن؟
هل هو حقا مولع بالظهور امام الصحافة كرجل لدولة، ام أنه شاعر مهرج أجاد شاعرية التسلط، يلقي النكات ويهمس بالترهات معتقدا بأنه يضحك على العالم بأجمعه؟ أم انه ممثل شكسبيري بارع يصلح لاداء اي دور.

ما سر هذا القمع الذي يوجهه للشعب الليبي تحت شعارات البروباجاندا الشاعرية مثل الثورة والجماهيرية والشعبية والشعب المسلح والكومونات والاستثمار والعائلات الليبية المحرومة من الثروة؟ هل القذافي شاعر وممثل جيد أم انه حاكم يعي بأنه شاذ السلوك وتصرفاته خارجة عن المألوف... هل يدرك القذافي تفاصيل ما يحدث حوله أم انه كيس مملؤ بالخضروات؟ هل القذافي يعيش تحت امرة أوهام صنعها هوبنفسه وتحوي جيش المنافقين الافاكين الذين يحيطون به؟ أم انه طير طليق، مفكر يقول الحقيقة ولا يبالي بما يحدث بعد ان يفتح فمه ويحرك لسانه؟ هل القذافي مثقف؟ بل هل القذافي حي يرزق، ام ان الانسان الخلاق داخله قد مات منذ زمن بعيد؟
ليس لدي الا التأكيد وبشكل عام، بأن مصدر امن وطمأنينة الثقافة الغربية هو شعور أهلها بأن بؤرة المسئولية مسلطة تجاه الداخل الانساني، فعندما يقوم السياسي أو الشاعر أو الفيلسوف أو الفنان بتعريض نفسه عن طيبة خاطرالي نقد اعداءه، مثلا عبر تقديم أيديولوجية او عمل فني او فعل سياسي فاننا نرى قيمة لهذا العمل لان المسئولية موجهة الى الداخل، ولكننا لا نرى هذه القيمة عند سياسيينا وبعض مفكري السلطة عندنا، لان المسئولية في مفاهيمنا الليبية موجهة ومسلطة الى الخارج حيث تضيع قيمة العمل وراء بؤرمجهولة بل غير موجودة، وبذلك يتشتت العمل السياسي والثقافي والفني، ليحل محله فن الشطح البروباجاندي، وايديولوجيات اللامعقول، وشعر الحماسة الوطني، والادب الوعضي الذي يحض بشكل ممل على الاخلاق. كل هذه المحاولات تسقط وتفشل كفن أوكأدب أوكسياسة انسانية، وعندما يحدث هذا السقوط، ، تضيع قيمة العمل السياسي والثقافي الذي كان من الاجدي به أن ينبع من الاعماق، بدل أن يتركز ويتمجور حول قيم هلامية تكون دائما خارج نطاق الاهتمام البشري والحس الانساني: عندها نري مقولات تائهة مثل "القائد المفكر" و "الصقر الاوحد" و "الجماهير" و " الشعبيات" و "النهر الصناعي العظيم" وافكار أخرى خارجية وسطحية لا تلامس مشاعر الانسان لا من قريب ولا من بعيد، وكما عودتنا السلطات الدكتاتورية، تحل الهبات محل العمل الخلاق وتغذق المنح لكل من رضي بأن يكون شمبانزيا مطبلا، وينتزع وهج النفس الانسانية ليشتت في الظلام من اجل حفنة من الدراهم.

وبمرارة بالغة، نستطيع ان نقول بأن البذاءة في السياسة كما هي في الادب، لغة مهمة طوعها واستخدمها الطغاة طوال التاريخ لادامة عمر انظمتهم، وبذلك يصير الابداع الانساني والمشاعر البشرية الحقيقية الضحية الاولي لهذه الشاعرية السلطوية.

سالم محمد
كالجاري – البرتا – ابريل 2007
________________________

ـ اللوحات لسالم محمد – الوان مائية على ورق – تورونتو 1988


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home