Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Mohammed
الكاتب الليبي سالم محمد


سالم محمد

الأحد 15 فبراير 2009

في نقد العقل السياسي الليبي :

عندما يتكدس رأس المال تحت خيمة


سالم محمد

أمّا (الفتاشة) التي تبقر بطون الاطفال وتملؤها بالاحجار، فقد قال الذين شاهدوها، أن احدى ذراعيها مقطوعة في حادث سرقة، وانها تدمن التدخين.                                          الصادق النيهوم

لنتصور أن معجزة ما قد نقلتك في رمشة عين الى (أويات)، تلك "المدينة - الدولة" القديمة التي نسميها الآن طرابلس العاصمة. تستيقظ من نومك في صباحات أحد هذه الايام لتكتشف مذهولا بأنك رجعت في الزمن 2300 عام الى الوراء، وبالتحديد الى مطلع القرن الثالث قبل الميلاد، راجلا فوق احد شوارع "أويات القديمة" غير المألوفة ومحاط بأجواء مشابهة للاجواء الإجتماعية والروحية التي يعيشها أهل طرابلس هذه الايام. ستلاحظ بعد جولة قصيرة في دهاليز العقل الليبي القديم أن المعتقدات والشعارات السياسية والايديولوجية في زمان "المدينة - الدولة" الطرابلسية، مثل الحرية والديمقراطية والاكتفاء الذاتي قد فقدت معانيها ووهجها عند الناس، كما ستلاحظ أيضا بأن السياسة قد خسرت جميع الذين آمنوا بها وكل الذين ضحوا بحياتهم ومستقبلهم من أجلها. سوف تجد شعبا يعيش تحت وطأة وثقل دكتاتورية بغيضة ومتسلطة، ويحتسي مرارة ازمات اقتصادية متوالية، وتشغل حياته اليومية آفات إجتماعية وقلاقل حضارية كثيرة. سوف تلاحظ ايضا بأن الآلهة القديمة "طانيت" قد حافظت على معابدها وقرابينها من الذكور الرضع وطقوسها وكهنتها، لكنها عجزت عن ادخال الإيمان الى قلوب المواطنين وتوقفت كليا عن إلهامهم.

وسوف يتأكد لديك بأن الأباء الروحيين الذين قاموا في الماضي بالتبشير برسائلهم الدينية غير قادرين على ايصالها الى الاجيال الناهضة، فليس هناك دواء روحي معروف عندهم لمداواة الامزجة التائهة، وليست لديهم لقاحات للتطعيم ضد الشك او لمعالجة الضياع الروحي، ولا توجد لديهم اكاسير تحول دون قيام الانتحاريين بقتل انفسهم وقتل غيرهم. ستجد ايضا الاباء القدماء يقومون على تجارتهم ويعنون بممتلكاتهم في دأب مشهود له، يصنعون رأس المال ويستميتون في المحافظة عليه عبر تحالفات يقومون بعقدها مع الأقوياء من الحكام المتسلطين والساسة وجنرالات الحرب وكهنة المعابد واصحاب النفوذ من المستشارين والعساكر الاقوياء، وستجد العامة كما عرفتهم في عاصمتك الان، لا هش ولا نش.

فما الذي تغير اذن؟... لم يتغير شيء منذ تلك العصور القديمة... فالمال هو اهم محركات الحياة الانسانية والايديولوجيا كانت ومازالت مولدا لها، اما المتغير الأكبر فهو درجات وعينا بالواقع المحيط بنا... اي العقل الذي فصل الانسانية عما حولها.

انت الآن في طرابلس عاصمة "الجماهيرية" مرة اخري... فقد عدت اليها بعد ان تخلت عنك المعجزات، والقى بك الزمن في أحضان الواقع المزري الذي يعيشه خمسة مليون مواطن ليبي، حيث الابناء والقبيلة، بمساعدة خلايا (الكومبرادور) التي نامت عميقا في عسل الايديولوجيا الأخضر، يقومون جميعهم على تجارتهم ويعنون بممتلكاتهم، يصنعون رأس المال في دأب ويستميتون في المحافظة عليه عبر تحالفات يقومون بعقدها مع الأقوياء من الحكام، والساسة، وجنرالات الحرب، وكهنة المعبد اصحاب النفوذ، والعساكر الاقوياء.

تتسأءل وانت ترتشف الشاي الصيني الاخضر الذي لم يكن معروفا لدى مواطني أويات وبرنيق ولبده وقورينا وقرطاج قبل اكثر من 2300 سنة مضت - تتساءل: هل ان معارضة النظام القبلي الظالم في ليبيا موقف اخلاقي؟ لقد فهمت الان معنى ركود الايديولوجيا ولاجدوى المعتقدات والشعارات السياسية، وفهمت أيضا معنى شلل العقل السياسي الليبي نفسه. انه سؤال بسيط وممتنع في نفس الوقت، اما الاجابة عليه فهي:- معارضة النظام الليبي موقف اخلاقي لا يستطيع الوسطاء التجاريين نسبته اليهم، لانه لامحل لاسواق التجارة والربح والسمسرة في ساحة العمل الوطني.

في ليبيا - وطوال الاربعين سنة الماضية - ضهر كائن مسخ ومشوه يمكن اطلاق تسمية (الكومبرادور) عليه، وان لم تصح التسمية بالكامل، فالكومبرادور وسيط تجاري متحضر حسب التعليلات الآدابية الاشتراكية، همه الاساسي الربح على حساب الوطن، لكنه يظل متحضرا وواعيا، على دراية بالتاريخ والجغرافيا والفكر، ويساهم بعنفوان في تحريك الاقتصاد الوطني في البلدان التي يتواجد فيها عن طريق وساطاته التجارية التي تؤدي في اخر المطاف الى تعزيزالمكاسب العامة، وتوفير فرص العمل للمواطنين، وبالتالي احلال الاستقرار الاجتماعي الذي يمكنه من اقتطاف مزاياه المتعددة، لكن دور السمسرة الذي يقوم به يضل محل ريبة.

الكومبرادور الليبي الحديث كمبرادور مشوه ولد في "عصر الجماهير" دون ان تربطه صلة رحم بالوسيط التجاري الليبي القديم الذي نشأ ونما في طرابلس وبرقة وفزان منذ العصور الاغريقية والرومانية، وترعرع تحت الظروف التاريخية المتنوعة التي مرت بها هذه الاقطار. اما هذا المسخ الجماهيري فقد ولد تحت خيمة القبيلة وتوكأ على مساند ايديولوجية "الغزو" وقواعد النهب القبلي التي يفضلها الصعاليك وتتلمذ على أيادي فلاسفة السرقة والسطو الذين استعانت بهم القبيلة عندما أحضرتهم في جرابها بعد سنة 1969 للقضاء على الامل الليبي والشخصية الليبية، وبسخرية الصادق النيهوم (فتاشة) حقيقية تبقر بطون الاطفال الليبيين وتملؤها بالحجارة... قارن بين الوسيط التجاري في تونس وبين المسخ التجاري في طرابلس، فتونس كانت دائما توأما لطرابلس في رحلاتها التاريخية والفكرية والتجارية منذ مطلع التاريخ، لكن هذا الوسيط التجاري في طرابلس سقط الى الحضيض بعد ان همشته دولة القبيلة كلما ظهر من مبيته ليتيح الفرصة لظهور المسخ الذي نعنيه بالتحليل، بينما نرى كمبرادور تونس يساهم بجدية في بناء البنية التحتية للجمهورية التونسية الحديثة.

وثائق الكفاح الوطني الليبي ضد الاستعمار الايطالي والفرنسي تشهد وتؤكد على ان التجار الوطنيين الليبيين من المسلمين في طرابلس وفزان والتجار البرقاويين والسنوسيين هم من ساهم في دفع عجلة الكفاح الشعبي، خاصة في طرابلس وفزان ابان الحرب الليبية الايطالية الاولي 1911ـ1923 وفي جوف برقة ابان الحرب الليبية الايطالية الثانية 1923ـ1933، وذلك بتوفير السلاح من مدفعية وبنادق وسيوف وخيل وتوفير الذخيرة والمؤن من تمر وشعير وأطعمة، الى جانب المساندة الروحية والفكرية والمعنوية، وتحمل التجار الوطنيين الليبيين اعباء النضال مثلهم مثل المجاهدين الذين واجهوا القوات الايطالية والفرنسية بصدورهم العارية.

اما الوسيط التجاري المفبرك في ليبيا، والذي نراه يتحرك داخل ملعب الاقتصاد الليبي فانه لم يرتقي ويتطور بعد الي المستوى السياسي الحقيقي الذي يؤهله ليصبح كومبرادورا حقيقيا، فهو الى جانب نفعيته متخلف وقبلي ويتمتع بخنوع للسلطة، ولا تجوز باي حال من الاحوال مقارنته باية كمبرادوريات ظهرت في أوربا الغربية أو في تونس والمغرب، ويمكن القول بأن الكمبرادور المسخ في ليبيا قد اقترف جرما وقبل القيام بدور تخريبي لا يمكن مقارنته الا بالدور التخريبي الذي لعبته اللجان الثورية. لقد اسقطت القبيلة الشرعية الدستورية التي كانت قائمة بعد الاستقلال واستبدلتها بالشرعية الثورية التي تنبع من قواعد الغزو القديمة واستحلال خيرات الاخرين عن طريق القوة وتهديم مؤسسات الدولة الوطنية، ثم تلى ذلك عملين ظالمين لا علاقة لهما بالمراحل السياسية والاجتماعية التي مرت بها ليبيا وهما: حرمان المواطن من حريته الاقتصادية وتطوير رأس ماله والحفاظ عليه، وحرمانه من حرية التعبير السياسي والفكري وبناء مؤسسات المجتمع المدني. وفي خضم محاولتهم لعسكرة الدولة والسيطرة عليها، اتجه جنرالات القبيلة اولا الي تحطيم الادارة والدولة، ثم القضاء الكامل على بناة ورعاة الاقتصاد الليبي، مما سهل لهم الاستحواذ والسيطرة على الدولة ودخلها، والقضاء على الاصوات المثقفة والطبقة الوسطي التي شملت التجار، فانهارت النقابات وسقطت تجارب المجتمع المدني التي بدأت في الخمسينيات كما سقط الاقتصاد الوطني، ليطل علينا وسيط نفعي يبغضه الشعب الليبي ايما بغض.

لقد اثبتت الايام جليا بأن من واجه ومازال يواجه جنرالات القبيلة حتى هذه اللحظة ليسوا هم الوسطاء التجاريين الذين (يساوون وزنهم ذهبا) بل هم من المثقفين وموظفي الدولة والطلاب والشباب. لقد اثبتت الايام بأن هولاء السماسرة من أشباه التجار لا عقل لهم، يختبؤون في حفرهم منتهزين الفرصة للعودة الى تجاراتهم كلما أذن لهم العسكر بذلك، وهاهم الان بعد أن ارغمهم نظام القبيلة على لعب دور الشريك الوسط بينه وبين الاجنبي يرضون التخلي عن لعب دورهم الوطني المعهودين به ويقبلون لعب دور الكمبرادور المستلب، وبعد 40 عاما من الغزو والسرقة هاهم الان يساهمون بشكل مباشر في ايقاظ الخلايا النائمة من اخوانهم السماسرة النفعيين زراع الفساد للاجهاز على ما تبقى من موارد الوطن وقبر الاقتصاد الليبي الذي تجاوز عمره اكثر من 2300 سنة تحت خيمة.

سالم محمد
كالجري / فبراير 2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home