Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Saturday, 14 January, 2006

تـقبل البلوى عـلى أهل القرى

سالم محمد

وصل الشيخ إلى أطراف القرية منذ أيام وأستضافه أهلها بكرم ملحاح رغم الجوع والفقر الذي حاصرهم كل السنة الفائتة وسقوا بغلته وعلقوا لها علفا وفي اليوم الثاني أفتى من مدوناته للفيف منهم ممن صلى المغرب معه فوق كثبان الرمال في سنن الصلاة والزكاة والصوم وفي اليوم الثالث في شتى مصنفات النكاح والصدقات والجهاد والحج الى البيت وفي اليوم الرابع بلغ الى كل صغير وكبير في القرية خبر قدومه واقامته بينهم فوق كثبان الرمال علي الناحية الشرقية فتقاطروا الي موقع خيمته لرؤيته وأخذهم حديثه الفصيح ونطقه ولطفه واعتناؤه بأسئلتهم فدعوه الي الإمامة في جامعهم الصغير الذي توسط القرية فقبل امامتهم واعطوه ابريق وضوء وفرشا وجردا واسكنوه خلوة الجامع علي جانب القبلة. وفي الايام التي تلت اشتكوا اليه اهمال شيخ القبيلة دائم التبرم لهم بل زادوا واثاروا مسئل استحواذه علي املاكهم وزيتونهم وحكمه بينهم بالباطل والغش وارتشاؤه في كل معاملة وقتله النفس الحرام حتى صار الاقتراب من قصبته المحصنة كالقلاع يعني الحبس او خلع العيون او القتل وقامت النسوة باعداد فطورالسيد الشيخ كل صباح ـ عصيد بدبس التمر ـ و لغذاءه بازين بالقديد، وقطف "البزقليف" له الذ انواع "الكرموص اللاوي" ووصلته من العوائل ميسورة الحال صرر من "الزميطة" و"البسيسة" و"بيدون" من زيت الزيتون الذي خرج توا من ظلام المعصرة وحط عنده من امرأة ثيب تين مجفف ورمان مقشر معطر بماء الورد وقصعة "كسكسي بالعسلوز" وقـُبلة هربتها تحت الفوطة من وراء سبنيتها وامتلأت خلوته باطايب الطعام الذي حرم منه خلال ترحاله كما حرم منه الكثير من اهل القرية.

وبعد شهر استعاد الشيخ وزنه الذي قضمه السفر والترحال بل وزاد عليه الوزن حتى صار باب الخلوة يضيق عن مكمأتة لتكدس الشحوم في كشحه، وزاد صوته رخما ورقة وتعود الناس الاستيقاظ على اذانه الجميل كل صلاة فجر واصبح يصلح بين المتعاركين ويطيب خواطر من اصابهم حنق او من تمكن منهم ضغن وحسد ويفصل بين الازواج في الخلافات ويعلم الصبيان القراءة والكتابة وامور الدنيا والاخرة دون ملل او تعب اما في الليل فكان يخلد الى وحدته التي يقطعها بين اللحظة والاخرى مرور طيف المرأة الثيب امام عينية كنبؤة ضبابية خلف حجاب الى ان يحين موعد خلوده الفراش وقبل ان يتمكن منه سلطان النوم تسمعه يردد : " لو كان السعد يتنجر من عود...اننجر ستين عود من غير عودي... ولو كان السعد منك يا مسعود... يا سقام السعود سقملي سعودي".

سلمه كهول القرية حوزة الجامع ووقفه ليستنفع بهما: اشجار زيتون كثيرة وبئر ماء ودوحة فيها تين واجاص وشجرة نخيل ذكر واعطوه مفاتيح خزائن شعيرهم وعرفوا منه بان نسبه شريف ونادوه بما احبهم ان ينادونه به "الشيخ نصر" وبدأ يظهر عليهم بعمامة سوداء كبيرة فوق رأسه حتي لتظنه عندما تراه بأنه "مقاتل تارقي" قادم من تادرارت اكاكوس. سأله احد القرويين المتطفلين عن سبب ارتداءه عمامة سوداء فباح له بالسر الذي ما ان خرج من لسانه حتى انتشر في القرية كانتشار النار في الهشيم: "انني من اهل البيت"!.

شهر مضى ولم يحظى بمقابلة شيخ القبيلة الذي امعن في تجاهل وصوله وامامته الناس وفي احدى الصباحات الباكرة وصله أمر من شيخ القبيلة بالحضور الى قصبته، فلم يتأخر بل استأذن جلسائه وذهب بخفة قِط لمقابلة شيخ القبيلة الذي وجده متبرما يستشيط غضبا ويصيح في وجوه الملتفين حوله من اتباع وخدم ونساء واطفال، فهرع اليه شيخ القبيلة وناداه: يا سفتول يا زامل وليس كما عوده اهل القرية بالسيد الشيخ نصر ولم يباشر بالتسليم عليه ولا الترحيب به ولم يجلسه في المربوعة بجانبه كما توقع وقال له بغضب شديد: من انت حتى تتطاول على ملكي يابن القحبة؟ اذهب من حيثما جئت ياقواد... اذهب والا سلخت جلدك ياطحان ياتيس! غادر هذه القرية والا اطعمت جثتك القذرة لضباع الوادي.

تسلل الشيخ نصر بنفس الخفة التي جاء بها كالذئب من القصبة دون ان يلتفت مسرعا نحو الجامع حيث لفلف ما استطاع جمعه في دقائق قليلة في صرة وقفز فوق ظهر بغلته واتجه الي خارج القرية محتميا بطوابي(*) "الهندي" الكثيفة ولم يسعفه الحظ في الهرب اذ قابله ذلك القروي الملحاح المتطفل بأسئلته وسأله: الى اين ياشيخنا؟ فلم يرد عليه الشيخ فزاد القروي في الحاحه وشد ذيل البغلة بقوة في محاولة لايقافها وعندما لم تستطع البغلة التقدم شبرا واحدا بدأ القروي يصيح بصوت عال مناديا اهل القرية بأن يأتوا وما هي الا دقائق حتى احتشد الناس حول الشيخ وبغلته وانزلوه من فوق ظهرها ولما رأوا الذعر في عيونه بالغوا في تهدئة روعه وعندما عرفوا منه سبب هروبه وذعره طلبوا منه ان يتولى مشيخة قبيلتهم وبايعوه شيخا علي قبيلتهم وحملوه فوق اكتافهم سائرين تجاه القصبة دون مشاورته والتحق رجال وشباب وشيوخ القرية بقافلة المبايعة والنساء ينظرن من كوات البيوت بفضول بعضهن يزغردن بينما الشباب والرجال يرددون بالروح بالدم نفديك يا شيخ نصر... الموت لشيخ القبيلة... واندفع الحشد الثائر تجاه القصبة ليحطموا ابوابها الثقيلة المصنوعة من اخشاب شجر الزيتون الصلدة وتمكن حفنة من الرعاع الاقوياء الوصول اول الامر الى مربوعة شيح القبيلة ليجدوه نائما فجردوه من عباءتة والقوا به في صحن القصبة ليمزقه شباب القرية اربا ثم نصبوا الشيخ نصر شيخا لقبيلتهم واعطوه كل ما ملكت ايمان شيخ قبيلتهم المغدور به من نساء وغلمان وشياه وحمير وذهب وشعير...

ومرت السنين تلو الاخرى وتحول(**) الشيخ نصر الى شيخ قبيلة دائم التبرم واستحوذ على املاك القرويين وزيتونهم وحكم بينهم بالباطل والغش وارتشى في كل معاملة وقتل النفس الحرام حتى صار الاقتراب من بيته المحصن كالقلاع يعني الحبس او القتل... عندها وصل شيخ جديد الى اطراف القرية واستضافه اهلها بكرم ملحاح رغم الجوع والفقر الذي حاصرهم كل السنة الفائتة وسقوا فرسه وعلقوا لها علفا وسأله احد القرويين المتطفلين مستفسرا عن سبب ارتداءه عمامة سوداء فباح له بالسر: "انني من اهل البيت"!.

سالم محمد


(*) اللوحة "طابية عند الحدود الدولية بين قريتي البراشيش وبنيحي" الوان مائية علي ورق، سالم محمد، تورونتو 1988
(**) يجب ان نعترف بأن الديمقراطية غريبة عنا، وان دفوف حقوق الانسان وايقاعات المجتمع المدني النزقة تكاد ان تصيبنا بالطرش لاننا لم نتعود سماع هذه الموسيقا، فمثلما لم يتعود الليبي او العربي الاستماع الي الموسيقي الكلاسيكية الغربية الحديثة ولا يريد الاستماع الا الى الموسيقي الشرقية و اخواتها، فهو لن يستمع الي نشازنا السياسي عن الديمقراطية الغربية وحقوق الانسان والمجتمع المدني. الموسيقى الشرقية قديمة وتعتمد انظمة بابلية واغريقية تم تقسيم النغمة فيها الي ارباع وبذلك قسمت المؤثرات البيئية والتاريخية الاذن العربية الشرقية الى ارباع وانقسم الدماغ العربي بدوره الي ارباع هو الاخر في الوقت الذي استغنى الغربي فيه عن الاستماع الي نصف الفسيفساء الصوتية التي يشغل الشرقي ذهنه بها. وان نجح الموروث والتاريخ والبيئة في جعلنا علي اختلاف في الطريقة التي نستمع بها الى الاشياء فانه قادر على جعلنا نختلف في الطريقة التي نرى وننظر بها الاشياء... فحواسنا تختلف عن حواسهم، ولا اعني هنا أن هذه الاختلافات فسيولوجية بل اعني ان الاحساس بالمؤثرات الخارجية مختلف وذلك بسبب تأثيرات البيئة والثقافة والمعرفة المحلية... وان كانت الديمقراطية الغربية غريبة عنا فما هو المرادف لديمقراطية الغرب عندنا؟ وما هو المرادف لحقوق الانسان عندنا؟ وما هو المقابل للمجتمع المدني الغربي لدينا؟ لا اعرف...


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home