Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Tuesday, 13 March, 2007

ليبيا : الذاكرة المخفية ضد ايديولوجية العـسكر

سالم محمد

ذاكرة الشعوب الفنية والدينية واللغوية متأصلة وثابثة في الوعي الجمعي ولا يمكن بأي وسيلة من الوسائل الجبرية والسياسية الفوقية مسحها بالرغم من أن الطغاة قد تمكنوا عبر التاريخ من تشويهها او تغييبها بقوة السلاح والعنف الاستعماري. هذه الذاكرة قديمة و جذرية، لان انتقال مادتها الي العقل والوعي الانساني لا تتم الا بوسائل شفاهية معتقة، وتستطيع المادة الشعبية (المخفية) ان تجد لها مكانا في الوعي بسهولة لتقيم فيه، وهذا المكان بدائي قد خصصته الحياة لهذه المادة... كما ان التلقين نفسه لا يتم الا بأساليب شعبية متمرسة عركها التاريخ والزمن ولن يتمكن احد من السيطرة علي مصادرها أو اقامة الحواجز علي معابر دخولها الى الوعي البشري أو توجيهها حسبما شاء.
نسوق هنا مثال المستعمرين الاسبان والبرتغاليين وكنائسهم الكاثوليكية وباباواتهم في محاولاتهم محو الذاكرة الشعبية للشعوب الاصلية في امريكا الجنوبية والوسطي، فبالرغم من مرور اكثر من 500 سنة علي وصول بدرو نافارو وعصاباته الايبيرية الشريرة الى القارة الامريكية الجنوبية فان الشعوب الامريكية الاصلية في المكسيك وجواتيمالا والبيرو وفنزويلا والبرازيل لازالت تتكلم بلغاتها الاصلية وتدين بدياناتها الشامانية الاولي، بل ان الديانات الامريكية القديمة قامت باستيعاب الديانات الاسرائيلية بفروعها الكاثوليكية والبروتستانتية في اديانها البدائية وحالت دون التهام الكنيسة لذاكراتها الدينية، بالرغم من ضغوط الكنيسة اللاتينية... والى اليوم، مازالت هذه الشعوب تغني الانغام وتصدح التلاوات والادعية التي غناها اجدادهم منذ اكثر من خمسة قرون مضت، ذلك كلة يحدث الان بالرغم من مرارة وقسوة الاحتلال والتوسع الايبيري في القارة الامريكية.
هذا ينطبق ايضا على الشعوب الاصلية الميزوهندية التي وقعت تحت سيطرة الانجليز والفرنسيين في القارة الامريكية الشمالية، وينطبق أيضا على الشعوب الاقيانوسية والاسترالية التي قاومت المد الثقافي الانجليزي خاصة والاوربي عامة ومازالت حتي يومنا هذا تمارس عباداتها القديمة وتؤلف اشعارها التي تذوقها اجدادهم ووضعوا القواعد والاصول لها... وحتي في أوربا نفسها، لم تستطع محاولات السويديين والنرويجيين والفنلنديين أن تمحو الذاكرة الشعبية لشعوب اللاب، التي مازالت تمارس وتعتز بطقوس دياناتها الشامانية المغرقة في القدم وتتكلم بألسنة اجدادها وهناك الكثير من الامثال في اوروبا، كحفاظ الايرلنديين والويلزيين والسكوتلنديين علي اللغات الكلتية العريقة في القدم والحفاظ على موروثهم الغنائي القديم الذي يعتزون به كثيرا، بالرغم من قسوة السطوة الانجلوساكسونية والنورماندية عليهم في العشرة قرون الماضية. في بلادنا ليبيا، ومنذ استيلاء الطغمة العسكرية على السلطة، الغيت تدريجيا تلك التوعية الرسمية التي كانت تقوم بها الدولة الدستورية قبل الانقلاب، وانتهت كليا في سنة 1973، تلك السنة التي قامت فيها السلطات العسكرية باقفال النوادي ومنع الالعاب وحرق الالات الموسيقية والكتب في االميادين العامة، ونصبت محل هذه التوعية الرسمية ابواق ومنابر التوعية الشوفينية التي اتخدت من افكار وشطحات العسكريين القاعدة الدعائية لها، وأسست طروحاتهم الشوفينية صرحا دعائيا وشطحي من اهم اوجهه اللامسئولية العقلية والروحية والشعبية، والتي اطلق عليها العسكريون زورا اسم التوعية الثورية، لكن الذاكرة الشعبية ستظل اقوى من الشطح الطغياني الرخيص، اذ أن انسانية الموروث الشعبي اقوي من كل محاولات التعتيم والتزييف الايديولوجية المتعصبة.
________________________

ـ اللوحة لسالم محمد - اوزيريس متجهما – الوان مائية على ورق ومعالجة الكترونيا – ادنبرة 2000


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home