Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Thursday, 9 November, 2006

طرابلس... في العـلاقة بين فوضى ورومانسية المدينة المفقودة

سالم محمد

لكي نفهم خيمة القائد بصورة صحيحة، من المفروض علينا ان نتأملها عبر سياق له زاويا عظيمة الانفراج... وبغض النظر عن الرتابة التي تحيط بهذا الرمز المعماري، فهو ليس رمزا شاذا ومتناقضا وغريبا في تضاد مع المحيط الذي هو حوله، بل هو جزء من المدينة الجماهيرية التي استنبطها خيال القائد لتحل محل المدينة الليبية المعاصرة، المدينة التي أرغمنا ان نتنكر لها ونكرهها مثلما كرهها ومقتها هو... ان ازالة الاثار المعمارية وتهديم البنايات القديمة التي تخزن في عناصرها المعمارية مدلولات تاريخية وتعكس صورا سياسية قبل- قذافية اصبح شيئا أشبه الى الادمان الوطني على التهديم منه الى البناء في طرابلس خلال عقدي السبعينيات والثمانينات من القرن العشرين... فرض على المعمار المدني الذي خلفته السلطات الايطالية وسلطات الاستقلال بعدها ان يتعرى امام النسق المعماري الجماهيري القادم من ظلمة العلاقة القاتمة بين الحرمان والصحراء وردهات الثكنات العسكرية، وكان علي عادة تكرير الانماط المدنية والمعمارية السابقة ان تختفي حال وصول القائد، فالشوارع والميادين صارت موسومة بالطابع الفوضوي الجديد مثلما كانت منذ فترة الاستقلال موسومة بغياب اللمسة المعمارية الليبية وغياب المدينة الليبية التي كانت عناصرها تتخمروتموج في خيال وافئدة الوطنيين والوطنيات بعد الاستقلال...

طرابلس لم ترتقي يوما الى مستوى رومانسية اسمها الجميل، فقبل وصول خيمة القائد اليها، كانت الشوارع تتغيربسرعة، وتتوسع وتمتد في كافة الاتجاهات دون الالتفات الى ساكنيها الذين تعودوا الانتماء الى مساجدها واسواقها وبيوتها المتراصة وباحاتها القديمة، وهاهي الان تتململ تحت وطأة الزحمة، ففي الصور الفوتوغرافية الملتقطة في الخمسينيات، تبدو طرابلس قديمة باسواقها الملونة، ومناراتها الاسطوانية والمربعة واقواسها الرومانية وافق سمائها الزرقاء الذي اخترقته المنارات البيضاء والمباني الايطالية، بيوتها منكفئة علي "وسط الحوش" الداخلي وحاراتها الضيقة مغمورة بالظل وفواح ازهار البرتقال والياسمين والحندقوق، طرابلس المشموم هذه نفيت الى مكان مجهول... هناك شئ ما في طرابلس الحالية يذكرك بأن النمط المعماري العالمي المزعج هو السيد فيها بالاضافة الى شيوع وسيادة النمط الفردي العشوائي الذي يرفض ان يُخضِع استعجاله وتوتره لشروط وقواعد التخطيط المعماري والمدني، بل يتجنبها بسبب حب القائد لكل احتمالات الفوضى وولهه بالعشوائية...

لقد استبدلت طرابلس جلدها الستيني بقماش خيمة لا سمات ولا خصائص له غير لونه البازلاءي ورائحة الخيمة الكريهة، لكنها لحسن حظها حافظت على اسمها الرومانسي، وصارت متروبول ليبي بلا هوية، يسكنها الان مليون مواطن بعد وصول الخيمة اليها... مليون شخص او اكثر حلوا محل 120 ألف ليبي وليبية كانوا يقطنونها ويشغلون واحات ضواحيها في الستينيات، وبذلك فأن الاغلبية الساحقة من سكان هذه الخيمة المتروبوليتانية لم يعرفوا السكن في مدينة قط من قبل.

مسخ الكائنات الذي نطلق عليه العاصمة الان اخذ شكله الحالي في التكون بعد بداية عقد التسعينيات الماضية، حينما تخلص القائد ونظامه الطاغية من كل انواع المعارضة السياسية الشعبية منها والعسكرية، وبعد هزائمه التاريخية في حروب التشاد، ومشاريعه الكولوسولية: مشروع النهر ومشروع الحديد والصلب والسكة، وكوابيس الحصول على القنبلة النووية والتسلح والتصنيع الحربي... وبالرغم من كل اضغاث الاحلام الثورية التي باءت بفشل ملحمي كاريكاتوري، لم يقم نظام القائد حتي السنة الفائتة بالتفكير في وضع أساس للبنية التحتية لمدن كبيرة مثل طرابلس العاصمة وبنغازي، وها هو القائد بعد 37 سنة من دحرجتة الامة الليبية خلف اوهامه الرهابية، لايزال متمسكا بتلابيب الحكومة الايطالية متسولا اياها ببناء طريق ساحلي له، كانت قد بنته ابان احتلالها لليبيا، وكان بامكانه اعادة بناء هذا الشريان الحيوي بسرعة كبيرة وبسواعد شباب ليبي في ستة اشهر فقط.

بعد اكثر من عقدين من استيلاء القائد علي الحكم والتخطيط لهذه المشاريع الضخمة، صار نظامه يتنعم بحرير الاستقرار وباتت زمرته من الاميين الاغبياء متحدة وواثقه من نفسها، وهذه شروط مضمونة وضرورية لاعلان الحرب علي الدول الكبرى، واسقاط طائراتها المدنية، واقلاقها في اذغال افريقيا وامريكا اللاتينية والفلبين، وها هو الاوان قد حان بعد كل هذه المغامرات الي ضربة ماكنة يتلقاها من جميع الامم، لتقعد الامة وتكبل الشعب الطموح، و تزيد من عناده، فصار يطالب بالامارة على قارة افريقيا بأكملها، وعين نفسه احد حكمائها ونصبت الخيمة في كل مكان، حتي في عقر دار الاوربيين بروكسل...

الان بدأت تظهر علينا فورة وحمى المشاريع الكبيرة مرة اخرى، وبدأ أمل ايجاد المدينة المفقودة ضعيفا وواهيا في مناخ الفوضى والعشوائية التي يصر القائد على اشاعتها بيننا بالقوة: مدينة الربع مليون في شرقي طرابلس، تحديث بنغازي، مشروع الهضبة الشرقية، مشروع زواره – فروه، اعادة بناء جادو، وربما قطار تحت الارض ايضا ومطارات في الهواء وغيرها... وياللحماقة، فالكثير من المباني والعمارات والمساكن يقوم بتصميمها اجانب يجهلون الف باء التاريخ الطرابلسي،... وبالرغم من هذا كله، وبما ان المناخ الذي يعيش فيه الانسان هو أهم واول المؤثرات التي تؤثرعلى طباعه و احساسه بالانتماء الى المجتمع، فانه من المسلم به القول ان الطرابلسي الذي سيعيش في هذه البنايات العصرية المقترحة لن يكون الطرابلسي نفسه الذي عاش الحرمان تحت خيمة القائد طيلة الثلاثة العقود المنصرمة، ولن تربطه اي صلة كانت مع الطرابلسي الذي سكن المدينة القديمة والف الحياة في الواحات المحيطة بمدينته الرومانسية المفقودة... ولكم تمنيت ان اعرف ماهي هذه المدينة الرومانسية المفقودة... واين هي طرابلس؟

سالم محمد ، (مهندس استشاري)
كالجري، كندا
11 نوفمبر 2006
________________________

(1) اللوحة مقتطف من رحلة التيجاني/ بالخط المغربي، حبرصيني علي ورق الارز، - 8x5 inches - سالم محمد 2006
(2) الصورة المرفقة لمصور انجليزي مجهول التقطها في سنة 1936 وتم نشرها في المجلة الانجليزية "جيوغرافيك ماجازين" المصورة لسوق منتجات زراعية بناه الطليان في طرابلس بعد انتهاء الحرب الليبية الايطالية الثانية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home