Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Thursday, 11 May, 2006

لعـبة البحث عـن الحقيقة

العـلم والدين وطـبيعة نظم الاعـتقاد

سالم محمد

لعبة تعريف الحقيقة ( الواقع Reality) كانت ولا تزال خصاما طاحنا ينازل فيه كل من الدين والعلم احدهما الاخر، بعناد شديد وبلا توقف منذ فجر الحضارة حتى الان، دون ان يفوز اي طرف ودون ان يهزم اي من الخصمين. يعتقد البعض ان التعادل في الخصومة مرده الى التشابه بين الطقوس العلمية التجريبية والطقوس الايمانية الدينية. وفي الوقت الذي يعتقد فيه البعض بوجود هذا التشابه بين الخصمين، يسلم البعض ايضا بان هذا التشابه هو تشابه سطحي وظاهري فقط. هذه المقالة تبحث في اوجه الخلاف العميقة بين الدين والعلم عن طريق تقصي قوى الاختلاف حول تعريف كل منهما للحقيقة. وللغور في هذا التحليل، وجب استعمال علم الرياضيات في هذه المقارنة، لان الرياضيات اقرب فروع العلم للدين من حيث انها مجردة وتتشابه ظاهريا مع الدين في الكثير من الوجوه، فلغة الرياضيات السرية البالغة الصعوبة،المجردة والعسيرة على الفهم، مثل الدين، مدجنة فقط للقلة من العارفين والمتخصصين في هذا المجال، كما انها مثل خصمها الدين، تشترط علينا شرطا اساسيا يتمثل في الانفصال كليا عما هو مادي ووجودي اذا اردنا الغوص في اعماقها وفهمها.

طبعا، نحن نعرف حجم المشقة الذي سنكابده اذا اردنا الغطس في بحر لغة الرياضيات، فنحن بحاجة ضرورية الى بذل جل وقتنا لدراستها بعمق والبحث والتنقيب في متاهاتها من اجل الحصول على درجة التأهل او "المشيخة" و"الوصول الي السر الرباني" او التمكن من حل المسائل الرياضية التي اشتهرت عبر التاريخ بالتعقيد البالغ ودوخت الكثير من العقول الكبيرة على مر العصور من فيثاغورس وجابر بن حيان الى فورييه واويلر وروليه وكاستي. الرياضيات كالاديان، يقوم المتخصصون فيها أو "الزهاد المؤمنون بها" برهن معظم وقتهم من اجل فهمها وايجاد الحلول الناجعة لمسائلها وفك طلاسمها، وتقديم قسم "الاخلاص" لها ونذر عهود الوفاء لمناهجها الجامدة المجردة، وهكذا... وهذا ايضا ينطبق علي العلوم الاخرى ولكن بدرجة أخف كالطبيعة والكيمياء والفلك والمنطق والجغرافيا.

ان التمعن فيما هو متشابه سطحيا بين العلم والدين، يقودنا بدون شك الى الاستنتاج بأن القوالب او النماذج المتشابهة التي اسستها العلوم والاديان لوصف العالم تدل على وجود أثر يتقاطعان عنده: ان ما يراه الانسان في هذا العالم من احداث (وقائع) وبني (هياكل) هو واحد سواء كان المشاهد رجل دين ام عالم ذرة، اما على المستويات العميقة الدامسة، فان رؤية الدين والعلم للطبيعة يختلفان جوهريا ويتنافران بشدة.

اول هذه الاختلافات هي الاختلافات اللغوية، فلغة العلم هي لغة "التنبؤ والتحكم في النظم" ومادتها الطبيعة، اما لغة الدين فهي لغة "الاخلاص" ومادتها الاخلاق وهي لغة وجودية، اذ انه بالرغم من التشابه الظاهري في بناء وتركيب الجمل الا ان الاختلاف شاسع البعد علي المستوى اللفظي.

اما ثاني هذه الاختلافات فهي اختلافات تتصل بتحديد ماهية الواقع والحقيقة. فمعظم الاديان تؤمن - عن طريق الافتراض - بأن طبيعة الاشياء واقعية وحقيقية وتسلم بالواقع. هذا الافتراض الديني يسير في اتجاه معاكس لخط سير العلوم التقليدية التي تتجه دائما باتجاه اكتشاف الواقع عن طريق المشاهدات الحسية والمنطق الرياضي، حيث يهتم العلم اولا باكتشاف واقع الاشياء وتعرية التراب عن الحقائق، اما الدين فيسلم بوجود الواقع، ولهذا نسمع دائما العلماء الطبيعيون يطالبون رجال الدين بالتخلي عن ادعاءهم امتلاك ناصية الحقيقة، او على الاقل اسقاط ادعاءاتهم التي تقع خارج نطاق الالتزام والايمان الشخصي. وفي هذا الشأن، يردد علماء الرياضيات بشكل خصوصي بأن مكونات الواقع التي يؤمن بها الدينيون هي نفس المكونات التي وردت في الاساطير القديمة، مؤكدين على ان معتقدات العلم بشأن الكون هي معتقدات مفهومة وشاملة ومعقولة ، وهذا الاعتقاد العلمي لا يلقى التقبل والموافقة من معظم الاديان.

ثالث هذه الاختلافات يتمحور حول تعريف النموذج. فبالرغم من ان النماذج (القوالب) الدينية والعلمية متشابهة ويستعملها الانسان من اجل تنظيم الصور وصياغة الانطباعات الذهنية التي يفسر بها تجاربه الحياتية، نجد ان القوالب الدينية تستعمل ايضا لاستحضار مواقف خاصة، واثارة سلوك متميز، فهي تشجع الافراد علي العيش وفق حمية معيشية تم تجهيزها مسبقا من قبل العارفين، وتؤطر الالتزام بخطط عمل سياسية مصممة سلفا، كما ان الانطباعات والصور الدينية المصاغة من هذة القوالب الدينية تهتم باستسلام الفرد والتزامه بمقدسات مفترضة يستنبط منها رجال الدين مكاييل لقياس مستويات الاخلاق والطهارة الشخصية. تضاريس هذه القوالب والاستنباطات الدينية الناتجة عنها كانت دائما غريبة عن القوالب والنماذج العلمية، فالشعارات الدينية المرفوعة واضحة وصريحة تتمحور حول هذا المفهوم: تقبل وسلم بهذه القواعد وفكر بالطريقة التي نفكر بها وسوف ترى بأنها فعالة، اما العلم فلا يرفع اية شعارات مماثلة، والاختلاف بين العلم والدين على المستويات الدقيقة هذه واضح وصريح هنا.

الاختلاف الرابع ينبع من ان كل الصيغ والنماذج العلمية تخضع الي كوابح وقيود واليات دحض وتثبت او تنفي صحة الصيغ وكوابح اخرى لها علاقة بالتحريف العلمي والغش الاكاديمي واخرها التأثير البالغ للنظريات علي مسار المشاهدات الحسية للطبيعية. علي الجانب الاخر من الضفة، ليس هناك وجود البتة لاي من هذه الصيغ والنماذج لتقويم الاديان وكبح ودحض ما هو غريب فيها.

خامس واعمق هذه الاختلافات يدور حول المنهج. فاللعلم منهج بامكان اي فرد ان يتقصى خلاله ماهية الاشياء، وذلك عبر تسجيل الملاحظات، واقامة الفرضيات، واجراء الاختبارات العملية واعادة تكرارها حتي يتم ثبوث او نفي صحة الافتراضات، وكما يكون للعلم منهج، للدين منهج ايضا هو منهج التنوير القدسي الذي لا يقبل اعادة الاختبار وأبوابه ليست مفتوحة لكل من شاء التحري.

من هذا، نستنتج ان الدين يقدم اجراءا بديلا لكيفية بناء الحقيقة وتشييد الواقع وان هذا الاجراء مخالف جذريا للاجراءات المتبعة في مناهج العلوم، وهنا يأتي السؤال الملح للمتمعن في هذه الاختلافات: لماذا تتنوع أصناف المعرفة الغير ـ علمية، خاصة في ضوء ادعاء كل الطرق الدينية بأن صنف الدواء التي تقدمه للانسانية هو وحده الدواء الشافي لها؟ بالتأكيد ليس هناك في العلم اي ادعاء مشابه.

أخلص الان الى الفكرة(*) التي تقول بأن لا العلم ولا الدين قادران على تقديم المنتوج الذي يرضي جميع المستهلكين، فالسلع المعروضة في السوق لا تلاقي طلب الجميع، اذ انه في كثير من الاحيان لا يتمكن الايمان وحده من حل المشاكل العملية اليومية، والانسان لا يستطيع تطويع الايمان لتحقيق المطالب التي يرجاها. على سبيل المثال، لدى الانسان الرغبة النفسية الشديدة في الحصول على ضمان بالامان والطمأنينة، وبذلك يتجه الى الدين ويقرأ الاساطير ويؤمن بالاديان التي تؤسس وتبشر بوجود كائنات لها قدرات فوق- بشرية، حنونة رحيمة ومحسنة لن تتوانى في تقديم وضمان الحماية والامان لطالبيها، اما العلوم ببياناتها الخفية الغامضة والخطرة عن الثقوب السوداء، وفناء الكون في جهنم حراري، والنشوء والارتقاء من صلب كائنات وضيعة وبدائية، والمحارق النووية، وانفلونزا الطيور وضمور البيئة وغيرها، هي تصريحات علمية مبهمة لا توفر اي امل في الطمأنيتة ولا تسد الاحتياجات والمطالب الانسانية البدائية في السلوي والامان، وبذلك يفقد العلم باستمرار زبائنه المستهلكين الي منافسه الدين حتى صارت سوق الايمان والاعتقاد مزدهرة لان الايمان مفيد وضروري للحياة وللتناسل والتطور.

قد توقظ الملاحظات المذكورة اعلاه بعض الذين يمارسون العلوم التطبيقية والنظرية المجردة اوما نطلق عليهم اللادينيين من نومهم، لان هذه الملاحظات تشكل خطرا يهدد الاعتقاد او الرأي القائم على ان اكتشاف الحقيقة ممكن فقط عبر امتلاك وتطويع ادوات العلم المتجردة والموضوعية المحسوسة، ودليلا على انه من الممكن ايضا الاعتماد علي ادوات وهمية ذاتية وغير موضوعية، او افكار رومانسية دينية وروحانية لا تدركها الحواس لاكتشاف ولتدوين الحقيقة.

وفي الختام، اذا قبلنا بوجود بدائل ونظم اعتقاد مفيدة ومساوية، فاننا مساقون بتصلب متعذر تغييره، في مسار دائري الى الخلف، الى الموقف القائل بانه هناك الكثير من الحقائق البديلة وليس فقط حقيقة واحدة ضمن مجال العلم، ولكن ايضا خارج مجال العلم، وان صنف الحقيقة الذي اخترناه، تملى أوامره حاجاتنا النفسية الانسانية وليس فقط اختياراتنا المنطقية العقلية. وبدون شك، لا توجد هناك اجابات مكتملة، بل المزيد من الاسئلة، لكن المهم في هذا الوقت ان يستمر العلم في توفير اجراءات تمكننا من البحث عن حلول لجزء كبير من هذه الاسئلة، وأن يدرك الانسان، سواء كان انسانا متدينا مؤمنا بالله او عالم رياضيات لاديني ان القاعدة الوحيدة في لعبة البحث عن الحقيقة هي تحاشى السقوط في اكبر الاوهام الانسانية... الا وهو الوهم الذي يدعي بأن "الحقيقة واحدة"...

سالم محمد
كالجاري ـ مايو 2006
________________________________________________

ـ اللوحات للصديقة المهندسة برانكا يوفانوفيتش – مرفقة باذن من الفنانة.
ـ اللوحة الاولي "الساحل الشرقي" الوان اكريليك على قماش East Coast, Acrylic on canvas 36x20
ـ اللوحة الثانية "في مكتمل الحياة " الوان اكريليك على قماش In a Full Life, Acrylic on canvas 30x40
(*) قرأت لجون كاستي مؤلفه الكبير " الحقيقة تسود: تصور العالم عبر الرياضيات " والمتكون من جزئين في بداية التسعينيات، وانقطعت بعدها عن قراءة الاعمال الرياضية لمشقة هذا النوع من القراءة ولاكتشافي في الكبر ولاول مرة اعمال الفقهاء والمتكلمين من الصوفية، فانكببت على قراءة سير الحسن البصري وايوب السختياني ومالك بن دينار وشقيق البلخي وغيرهم. وخلال شتاء هذه السنة القارص في كندا، اخرجت مجلدي كاستي ونفضت عنهما التراب وقرأتهما. كانت فاجعتي كبيرة عندما اكتشفت بانني لم اعد استوعب مثل هذه المواضيع، وكانت فرحتي بحجم فاجعتي عندما انتهيت من كتابة هذه المقالة التي هي بكل صدق ملخص بالعربية لافكار كاستي وله مني العرفان والشكر، والاعتذار على ما اقتبسته من افكاره، وللقراء الكرام الشكر على متابعتهم لما ورد في هذه المقالة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home