Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Thursday, 9 November, 2006

الفطور الاخير

سالم محمد

حبل المشنقة مصنوع في وارينجتون الانجليزية من الالياف البلاستيكية الشديدة المتانة التي تتحمل ثقل عشرة من الرجال دون ان يصيب هذا الحبل ارتخاء او فشل ، اربعة الياف من اللدائن القوية ملفوفة بدقة ميكروسكوبية متناهية حول اربعة الياف اخرى من الجوت المعامل بالمواد الكيمياوية والدهون الطبيعية ، الحبل بين ايدي الجلاد لين الملمس كالحرير الدمشقي... في اخر الحبل حلقة من المعدن اللامع البنفسجي يحيط بها جلد قهوائي اللون خشن الملمس وقفل آلي به نابض من الفولاذ الشديد السواد... جودة الصنعة اتت من انجلترا التي فضلت شنق مجرميها المحكوم عليهم بالموت ، قبل الغاء حكم الاعدام فيها ، بدل تعريض رقابهم الغليظة للمقصلة التي اثر جيرانهم الفرنسيين استعمالها في اعدام المجرمين ، فضل الانجليز استعمال حبل المشنقة ورفضوا المقصلة لا لشئ الا لانها فرنسية المنشأ بالرغم من انها تحز الرأس عن بقية البدن بخفة بالغة وسرعة فائقة... توصل الانجليز الي تطوير شنق سريع ، بكفاءة عالية بعد تجارب مريرة استمرت قرون طويلة ، حاولوا عبرها تصميم أكفأ مشنقة في هذا الكون. قدم الانجليزاختراعهم الضروري لكافة الجلادين في سجون العالم ، من اجل اعدام محقق وسريع بدون الم ، وايضا للحيلولة دون نجاة المحكوم بالاعدام من الموت بسب انقطاع الحبل تحت وطأة الوزن وقوة سقوط البدن في غرفة الزلق...

طباخ السجن يقوم من نومه تمام الساعة الرابعة صباحا لاعداد "الفطور الاخير"... وضع صرة القشدة البيضاء وبرطمان العسل فوق طاولة المطبخ الرئيسة... العجينة جاهزة في الثلاجة ، يقوم باخراجها ووضعها علي المنضدة الخشبية الثقيلة بجانب الفرن ، يقطع العجينة ويضغطها علي هيئة اقراص صغيرة فوق المنضدة ويدلكها بمهارة باصابعة العشرة ويضعها في الفرن بسرعة خاطفة... يعد خبزه اليوم لضيف يختلف عن كل ضيوفه السابقين الذين عبروا البهو امام باب مطبخة الى حبل المشنقة... انتقل الى الجهة الاخرى من الموقد ليعد بيضا مقليا في السمن ويحضر شراب برتقال طازج ويغلي الماء لاعداد شاي اصفهاني صباحي محلي بسكرنبات وهيل اخضر فواح ...

ذهب الي سريره ليلة البارحة مبكرا ، لكنه لم يستطع النوم رغم محاولاته ، لقد استسلم الان لمنطوق الحكم وكان يعرف ان مصيره الموت شنقا ، لكنه لم يكن يعرف بالتحديد موعد تنفيذ الحكم... عندما اطفئت انوار العنابر عند الساعة التاسعة مساءا ، احس برغبة عارمة في قراءة رواية "الغبي" لفيودور دوستويفسكي والتي جلبها له الحرس من مكتبة السجن منذ اسبوع مضي ومازالت علي الرف دون ان يتصفحها. لقد قرأ قليلا من الترجمات العربية لبعض الرويات الروسية ، واحب روايات مكسيم جوركي وتورجينيف الملحمية كما شاهد مرة في احدى صالات سينما العاصمة فيلم "دكتور جيفاجو" واعجب كثيرا بدور البطل الذي قدمه عمر الشريف...

احس بالجوع وهو يتقلب في سريره... عندما كان يانعا ، كان يتجه يوميا في الساعات الاولي من الصباح الي موقف الاوتوبيسات بوسط العاصمة ليجلس امام بياعات "القيمر" الريفيات على صندوق خشبي ، حذاؤه العسكري يغرق في الوحل الشتوي ، متناولا وجبته الصباحية اللذيذة: قشدة وعسل وخبز ساخن مفضلا اياها علي شوربة العدس التي يشفطها الجنود التعساء قبل توجههم الي معسكراتهم وقواطعهم خارج العاصمة...

اضـاء النورالصغير بجانب السرير وتناول المجلد الاحمر ببطء محاولا نسيان جوعـه : الجـزء الاول ـ في اخر ايام نوفمبر ، وخلال دورة من الطقس الدافئ ، وفي الساعة التاسعة صباحا ، كان القطارعلى خط بطرسبورغ - وارسو يقترب من بطرسبورغ... أخذه سلطان النوم عندما قلب الصفحة الثالثة عشر من الرواية...

في الرابعة صباحا ، ايقظته أصوات وضجة حول باب زنزانته ، فتح باب الزنزانة ودخل عدد من ضباط السجن عليه حيث تقدم اكبرهم رتبة من سريره ليتأكد من أن السجين قد افاق من نومه ، فقال لهم بصوت مذعور: ماذا هناك؟ ماذا تريدون؟ فرد عليه الضابط الواقف امامه: جهز نفسك ، سينفذ فيك الحكم هذا الصباح...

سالم محمد
كالجري ، كندا
4 نوفمبر 2006


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home