Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Saturday, 9 September, 2006

صفحة من كتاب صلوات الرّبة "سْـمِِـيحْـت"

سالم محمد

"إجْمــاهِـرْ" السحرية، مدينة اسطورية تقع في كبد الصحراء، لا يعرف عنها الناس الا شذرات قليلة واهية يرددها البدو الصحراويون في حكاياتهم ايام سهرات الاعراس وسمر الختان والجنائز، ورثوا رواية هذه الاساطير عن اجداد اجداهم وجدات جدات جداتهم، يقولون بأن كل الذين ذهبوا الى "إجْمــاهِـرْ" لم يعودوا منها ليخبروننا عنها، لكن الصحراويين يصرون بأن اسطورتهم هي حقيقة كلية، كحقيقة الصحراء نفسها، وموجودة كوجود الاحجار وكثبان الرمال والماء وحليب الناقة، وهي ليست سرابا كما يردد بعض المتحذلقين من الحضر الذين عرفوا القراءة والكتابة، فأهل الصحراء لا يرون السراب كما يراه غيرهم من الغرباء، والذي لم يولد في الصحراء هو الذي يرى السراب عندما يعبرها وهو الذي ينفق من العطش... غريب.

"إجْمــاهِـرْ" كما يرددون، بلاد مخفية تقبع وراء بحر من الرمال السوداء علي صخرة كبيرة، وقد ظن بعض الشارحين ان الاشارة هنا الى حجر الفلاسفة، وبالرغم من صفة التحول التي تتصف بها هذه البلاد، الا ان الصحراويين يؤكدون بأنها تقع علي مسافة شاسعة من اي تجمع بشري، حتي وان كان خيمة راعي دائم الترحال، ولا يستطيع حتي اعتي تارقي في الصحراء الكبري قطع المسافة اليها. نسمع عن هذه البلاد المخفية من اهل الصحراء، الذين يرددون اخبارها في حفلات سمرهم ويحددون موقعها بشيء من اليقين والدقة، كذلك يشهد بوجودها بعض الاجانب ممن كانوا يعملون في الشركات النفطية العالمية في الصحراء، ينقبون عن النفط ويمدون الانابيب لتكرير النفط في الساحل، ونسمع ايضا الهنا والهناك عنها من الطيارين الايطاليين والالمان والانجليز الذين حلقوا فوق الصحراء ابان الحرب العالمية الثانية... ومن طياري شركات النفط الذين حاموا حولها عندما ظهرت لهم صدفة وفجأة من الخفاء... "إجْمــاهِـرْ" لا تراها العين الا اذا شأت هي ان تخرج من خفاءها وأن ترفع الغشاء عن عالمها الاسطوري... يروي كفيف ايطالي من "مسينا"، كان في الماضي القريب احد العاملين في شركة "ايني" الايطالية للنفط والغاز، بأن سيارته التويوتا اللاندكروزر قد تعطلت يوما في وسط الصحراء عندما كان بتفقد أثر تسرب زيت خام من احد الانابيب النفطية المكسورة، فنام ليلته في الصحراء بانتظار العون القادم في الصباح... استيقظ مذعورا في الفجر على صوت غريب يوقظه من نومه، فظن بانه في حلم، وعندما فتح عيونه رأي طيف اشبه بتمثال الهة منحوت من المرمر الابيض، يحمل صولجانا ذهبيا تجلس عليه بومة، فأقترب منه ذلك الطيف تدريجيا... لم يصدق ما رأت عيونه، ففركهما بشدة ليتحقق مما رأي، وعندما فتحهما مرة أخرى، اختفي الشبح لكنه رأى في الافق الشرقي مدينة هائلة، ناطحات السحاب تشكل خلفية الصورة التي رأها، كذلك رأى مراكب جوية تطير، وطيور ذات روؤس نساء بشريه تحلق فوقها، وقنطورات لها اوجه بشرية وصدورها فوق جسد جمل ترغي وتزبد، مدينة بها انهار فضية كثيرة وتكسوها الخضرة من كل جانب، واسوارها وقبابها وبروجها عالية تناطح قلب السماء، كأنها مشهد من مشاهد افلام الخيال العلمي، وعندما نهض ليلتقط نظارتيه ويتحقق مما رأى اختفت المدينة، لم يعد هناك في مجال رؤيته غير الفضاء الصخري وبعض الكثبان الرملية... عندما رجع الى مقر الشركة في طرابلس اصيب بالعمى بعد اربعين يوما بالتمام والكمال... لا اعرف هل اصدقه ام لا بالرغم من انه اوربي لا يعرف الكذب...

المشوق في القصة الغريبة التي تسري بين الرحل في الصحراء روايات أخرى، يرددونها دائما في مجالس سهرهم، وهي ان امرأة شديدة البياض، يسمونها "سميحت" تحكم مدينة "إجْمــاهِـرْ" المخفية... يصف الرحل "سميحت" بأنها جميلة وقوية، طويلة ممتلئة، لها عيون خضراء بحجم عيون ابقار الحليب، بضة وفاتنة، تلتحف دائما الثياب المصنوعة من مواد نادرة علي هذه الارض، وتتكلم بجميع لغات الارض الحية منها والميتة، ويقول اهل الصحراء بأنها ساحرة، طالما ظهرت للتائهين في الصحراء عند حالات متوالية للقمر، أي عند ظهور الهلال، وعندما يكون القمر بدرا وعند المحاق... كما يقول البعض من اهل العرفان من الشيوخ بأنها أخت الربة الصحراوية "تامسنا" بالرضاعة، واخبرني احد المتخصصين في ابحاث هذه المنطقة الصحراوية، بأنها ربما كانت احدى بنات امون التائهات في الصحراء، فوجودها في الصحراء يعلل مبرر منزل مملكتها في هذا المكان القصي، أو أن اسمها الذي يطلقه الصحراويين عليها، يقول صديقي المتخصص، قد يشير الي اسم احدي الربات الليبيات الاربع اللواتي علقهن الاله "باخوس اللبداوي" في السماء عقابا لهن على خيانتهن ومكرهن، عندما قمن بوضع السم له في "زميطة مخضور"، وتأمرن على تقديمها اليه لقتله وأسمائهن هي: "تاجمارت" ربة الخيل ، و"تامورت" ربة الصحراء، و"تشاردمت" ربة الشفاء و"سميحت" التي ضاعت في الصحراء مع حاشيتها وكلاب الصيد العريقة المحببة الى نفسها...

"سميحت" تستطيع الرؤيا في اتجاهات ثلاثة في الوقت نفسه، يقول الشيخ العارف... وهو يقدر عمرها بأكثر من اربعة الاف سنة، اي انها اكبر سنا من ربات الفنون بنات الاله "أجنا"... تحب الحياة والجواهر النفيسة وقد جمعت اكثر من مليون قطعة من الجواهر ولديها جبال من تبر الاوراغ، ولو قيس غناها وثروتها بمقياس فوربس لكانت اغني من بيل غيتس صاحب المايكروسوفت... لا اعرف كيف عرفوا كل هذه المعلومات عنها وعن مملكتها بالرغم من ان لا زئر لبلادها قد رجع ليخبرنا بذلك... امر غريب.

تستمر الرواية: لها من العشاق عدد كبير من الرجال ولكنها تفضل مرافقة كلابها بدل عشاقها، يستطرد بعض الشيوخ، يستهويها نكاح الشباب الغض الذي يبلغ من العمر سن العشرين أو اقل أحيانا، ففي كل ليلة يواقعها شاب وسيم، ليتحول بعد ذلك الى كلب صيد عريق بعدما كانت قد ملت من حضوته ومجاراته لتقترن بغض أخر اكثر وسامة من الاخير، وهي تنجب من الاطفال الكثير وحملها لا يشبه حمل النساء على هذه الارض (؟؟؟). تضطهد اهل الصحراء الذين يحاولون الدخول أو التسلل الى مدينتها وتحولهم الي كباش يستأنس بها سكان مدينتها ليقدموا بعدها الي مذبح جدها امون في مناسبات العيد... اهل المدينة كلهم من اقرباءها و من اولادها وبناتها، وببلادها خلق كثير، يعبدونها ويقيمون لها المعابد والصلوات كل يوم وليلة ويسترزقون مما يهب لهم الاله امون من خيرات كثيرة.

كل سكان المدينة يحفظون عن ظهر قلب كتاب صلواتها المقدس المسمى "الحل النهائي" ، ولا يجادلها احد في محتواه فقد خبروا صحته مع مرور الدهر، وهم متضامنين يحبون بعضهم بعضا ولا يعرفون الملكية الخاصة لان جميع الاشياء قد توفرت لديهم وليست عندهم حاجة، ففي الحاجة تكمن الحرية، كما يقول فلاسفة الصين القدماء، وبذلك هم لا يعرفون معنى للحرية الفردية، واليمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني، بل لا يعرفون حتى معنى حرية الاختيار... فيهم الاطباء والمهندسون والعلماء والكتاب والشعراء وتعج مدينتهم بأهل الفن خاصة عازفي "المقرونة" وراقصي "الكسكا" والفلاسفة والشعراء... وهم جميعا متساوون في الحقوق والواجبات وينظمون انفسهم في "كومونات" شعبية يبلغ عددها 3000 كومونة. يقول اهل الصحراء حسب القصص التي يرددونها، بأن الطاقة النووية هي التي تغذي مدينتهم ولديهم من الاسلحة النووية والكيمياوية الفتاكة ما هو قادر علي نسف كوكب الارض في 7 ثواني... لا اعرف من اين يأتي هولاء الصحراويين بهذه الاخبار... عجيب امرهولاء الصحراويين... كيف عرفوا كل هذه التفاصيل الدقيقة؟.

هذه صفحة من كتاب الصلوات المسمى "الحل النهائي" وجدها خارج اسوار المدينة احد تجار الملح من اهل الصحراء منذ ازمنة سحيقة وسلمها الى شيخ قبيلة صحراوية عريقة ، ليتوارثها احفاده من بعده. تبدو الوثيقة الورقة متآكلة بسبب عمرها السحيق ولقد اطلع عليها صديقي المتخصص بل اخذ صور لها، نرفقها هنا للتوضيح فقط وليس لغرض الدراسة العلمية والتمحيص الفضولي الزائد عن اللزوم.

يقول صديقي المتخصص بأنك عندما تمسك بهذه الورقة العتيقة ينتابك شعور بالسمو، او كأنك تستمع الى "سكيرزو" لسوناتا حزينة ومجهولة المؤلف... أوتار البيانو في شجار دائم مع بعضها البعض، القرار يسطو على حلاوة الجواب، والجواب يسرق نفحة القرار، الكمنجات تنوح من شدة التوتر والالم، واصابع العازف ترسم لوحة معقدة من الانغام الجميلة والحزينة في ان واحد، بعدها ينتابك نوع من الهدوء الذي تشعر بعده بأنك خالد وأبدي... انظر الى الصورة المرفقة في اول الموضوع فهي تفصيل من أحد (؟) السطور بالوثيقة. والذمة على المتخصصين في هذه الامور والرواة من الصحراويين.

سالم محمد
كالجاري، البرتا،
سبتمبر 2006


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home