Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Saturday, 8 July, 2006

ربّما بدلا من نعـم أو لا...

منطق التقانة الحديثة في مواجهة المنطق الأرسطي


سالم محمد

ربما الشرطية، حسب المنطق الرياضي الحديث، اقرب الي اليقين والواقع من جزم نعم و نفي لا التجريديان، وبالرغم من أن كلمة ربما قد تحوي الملايين من الاحتمالات، وهذا من طبع الطبيعة المعقدة والمركبة، الا اننا في حكمنا علي الواقع نرغم انفسنا دائما بالنظر الي الكون والحياة بمنظار ارسطو، ونلجأ في احكامنا الي استعمال لا او نعم فقط. نمارس هذا المنطق لاثبات وجود الاله، ووجود الزمن، ولا نبدل اي جهد ذهني بدلا عن لا او نعم لنجد براهينا للمشاكل الفلسفية والرياضية ولنوسع دائرة الحوار. فالقوانين الوضعية لا تلجأ الا لنعم او لا، وفي الفكر الديني خاصة الاسلامي يستأسد المنطق الارسطي ويتغول وكأنه المعيار الوحيد الذي نزن به قوانين الحياة. انت اما مؤمن او كافر ولا تستطيع ان تترعرع في الفضاء الواسع بين الكفر والايمان، وانت اسير الطقوس الارسطية دائما بالرغم من انك انسان وجزء من هذا الكون الشاسع الغريب المركب...هذا ناتج عن تحجرالعقلية الدينية المتجهمة والسطوة الفكرية الاغريقية علي كل شيء، وها انت تعيش حياة مركبة ومعقدة داخل نظام معقد ومركب في هذا الفضاء المحسوس، وعندما تريد ان تفكر فعليك ان تكون مجردا ومنطقي لا حيلة لديك الا اللجوء الى احد النقيضين: الوجود او العدم، الاسود والابيض، وكأنك لا تعيش وتتواجد بين هاذين القطبين بل فوق احد منهما لا غير... بالطبع هذه الحالة لا تمثل الواقع بل تختزله وتجرده فقط.

انظر الي هذا المثل المنطقي الشهير: اذا كان الرجال ينعمون بالخلود، وكان فلان رجلا، فانه خالد. ابهذه الطريقة يفكر البشر؟ لا بالطبع، لكنهم بهذه الطريقة يمارسون المنطق.. الرنين الذي نستطيع تمييزه بسهولة في هذا المثل السائد هو ضوضاء المنطق الارسطي الذي لا يعترف بوجود اي شيء يقع في الفضاء الشاسع بين نعم ولا او بين الخطأ والصواب...

بالطبع وبكل يقين، العقل البشري طيع، واسع الادراك، ملم بالاشياء البسيطة والمركبة في ان معا، ولا يفكر بهذه الكيفية المجردة وانما يطوع المنطق الارسطي ليختزل كل ما هو مشوش ومثير للشك ويزيح كل ماهو غير واضح و مكدرفي المشكل المراد دراسته للوصول الى البرهان الشافي عبر اسهل الطرق.

لا ادعي التفلسف ولكن معرفتي بادوات المنطق الارسطي تأتي من فهمي التقني للفيزياء وللرياضيات، وهي حسب تصوري ادوات اختزال تجريدي تعتمد الافتراض المجرد الذي يقول بأن الباب اما ان يكون مغلقا او مفتوحا وان النتيجة اما ان تكون (1) او (صفر)، واما الشيء أونقيضه، والخير أوالشر، والله أوالشيطان، والباهي أواللي مش باهي، والفعل أو رد الفعل، والحياة أوالموت وغيرها من الثنائيات الطردية التناسب التي عرفنا الكثير عنها طيلة حياتنا. هذا الاختزال الشديد لا يصلح لممارسة شئون الحياة اليومية التي هي في الواقع اقرب الى (ربما) الشرطية وابعد بكثير عن خياري (نعم) او (لا) الارسطيان... نعم، أننا لا نستطيع ممارسة الحياة بدون منطق، ولكن الحياة كثيرة التجاعيد وكثيرة الطيات وليس بمقدورالمنطق الارسطي الثنائي وحده ان يصفها ويحكم ويهيمن عليها.

المنطق الارسطي هو المنطق الثنائي المجرد الذي نستعمله في دوائر العقل الالي وفي انظمة التحكم الالكترونية التي ترى العالم بعيون الرقمين صفر وواحد او دوائر التحكم الهندسية التي تعتمد نعم او لا، اما المنطق المجعد(*) فهو منطق اعشى يحتوي علي الكثير من الطيات الواقعة بين صفر وواحد وبين لا ونعم، وهو اقل تحديدا ولزما للعقل البشري لانه يرى العالم كما يراه الانسان ولا يختزله ويجرده الى قيمتين فقط بل يتمطط ليشغر الفضاء الشاسع بين الصواب والخطأ. على سبيل المثال، نوجه هذا السؤال: هل ان نصب الحرية في نيويورك عال؟ نعم انه اعلى من تمثال ديفيد للنحات ميكيل أنجيلو ولكنه اقصر من فندق برج العرب في الامارات العربية، وتمثال السيدة "الحرية" في اللونج ايلاند بنيويورك ربما كان قصيرا في بعض الاحيان وربما كان عاليا في احيان اخرى او انه شاهق الارتفاع وقصير في نفس الوقت ويعتمد البرهان هنا على المستوي الذي ننظر منه الى هذا النصب.

المنطق الطبيعي يتواجد ضمن الاطر الانسانية الطيعة والتي تتناقض طبيعيا مع المنطق الارسطي بأطره الثنائية العسيرة الملزمة، فهو في الواقع نظام مقارنة. مثلا، ان عبارة او جملة ما قد تكون خاطئة كليا او صحيحة كليا او ان فيها شي من الصحة او بها بعض من الخطل، وشيء ما قد يقع جزء منه ضمن مجال وجزء اخر منه ضمن مجال معاكس ومغاير للمجال الاول، هنا تأتي اهمية استدعاء البرهان الشرطي الذي يكون اقل حدة من البرهان الارسطي الثنائي وهذا يناسب التفكير الانساني الحديث المتشعب... اذن بما ان بعض الرجال صلع، وفلان رجل، فمن المحتمل ان يكون فلان اصلعا...

لنعد قليلا الي الوراء وبالتحديد في بداية عقد الستينيات من القرن العشرين حين بدأ عدد من علماء الرياضيات والكومبيوتر بالبحث في مجال المنطق الرياضي المتعدد-القيم متجاهلين المنطق الارسطي وقواعده المتحجرة خلال فترة البحث، وأدى هذا الجهد الدؤوب الى نتائج خصبة ساهمت في ولادة علم "المنطق المجعد" او "المنطق الاعشى" Fuzzy Logic. الاب العلمي لهذا المنطق الجديد هو مهندس الكهرباء البروفيسور زاده من جامعة كاليفورنيا في بيركلي والذي تمكن من تطوير حساب تفاضل شديد الغرابة وتمكن من ضم عناصر منطقية موضوعية جديدة الي المنطق الرياضي الكلاسيكي مثل المصطلحات "معظم" و "كثير" و "قليل" و "نادر" وحرر المنطق الرياضي من القيود التي فرضتها عناصرالمنطق الارسطي العتيقة، وبذلك تمكن مهندس كهرباء بسيط من تمثيل الحقيقة بقيم تقع بين الصفر والواحد، وهذه المحاولة اثارث الفلاسفة الكلاسيكيين واغضبتهم، فبالرغم من ان المنطق الجديد هذا قد نال اطراء واعجاب عدد كبير من علماء الرياضيات والمهتمين بفلسفة العلوم والتقنيين، الا انه نال ايضا نصيبه الكبير من النقد العنيد المتعجرف، لا سيما ان معظم نقاد هذا العلم الجديد هم من الفلاسفة الكلاسيكيون الذين يعارضون مهندس الكهرباء النبيه، متحججين بان ادخال عناصر موضوعية الي نظام من المفترض ان ترتكز مهمته على التجريد والاختزال والتخلص من اي شوائب قد تسبب التعكر والغشاوة هو خطأ كبير، وطارحين الاعتراض التالي: كيف من المنطق ان نطلق حكما بشأن جمال امرأة؟ هل هي جميلة بنسبة 25 % ام بنسبة 75% او ان رجلا ما قد يكون طويلا او قصيرا؟

علماء الاحصاء كان لهم ايضا نصيب وافر من النقد والمعارضة التي وصلت الي اكبر درجات الاستعلاء الاكاديمي. يقولون بأن نتائج المنطق الجديد قديمة قدم الرياضيات والاحصاء، وبالامكان استخلاصها بكل سهولة باستعمال الطرق الاحصائية والاحتمالات التي اثبتت الايام والاختبارات المتكررة صحتها... وبالرغم من الطاقة القوية التي يحتويها هذا النقد وحجم الازدراء الاكاديمي لهذا المنهج الجديد الا انه قد سطر نجاحا مذهلا في مجالات التقانة كبرمجة الكومبيوتر وتصنيع دوائره العقلية، فمن تطبيقاته الان استعماله في كاميرات التصوير السينمائية للحيلولة دون اهتزاز الصورة وطوره اليابانيون للتحكم في احتراق الوقود في محركات الاحتراق الداخلي والتوربينات والمولدات الكهربية وتمكنوا من تسجيل كفاءة احتراق عالية لم تسجل من قبل... وكذلك بدأت برامج المنطق المجعد في فتح الطريق امام تطوير المقذوفات والطيران ونظم التخميد الديناميكي، اما في الصين فتجري تجارب في هذا المجال لتطوير اساليب التخطيط العمراني وتقليل ثلوث البيئة، كما قامت شركة مايكروسوفت باستعماله في برامج التعرف علي النطق البشري وفي البرامج الامنية ونظم التحكم الصناعي، وفي كندا بدأ تطبيق هذا المنهج في تشخيص الامراض... ولان المعلومات الداخلة INPUT الي هذه الانظمة تحوي درجات عالية من الغشاوة، صار من المستحيل الاعتماد علي المنطق الارسطي للحصول على اجابات واقعية، واثبت النظام المنطقي الجديد تفوقه وقربه الى الواقع و نجحت نتائجه في المزاوجة بين الطيعة الانسانية والسرعة والكفاءة اللتان توفرهما لنا الانظمة الالكترونية الحديثة.

بقي ان نشير الى ان العلوم الانسانية والدينية والفلسفية مازالت لم تستفذ من نتائج هذا العلم الجديد وذلك لعناد الفلاسفة التقليديين الذين تأسرهم الانطباعات القديمة بأن لا علاقة للتقانة بالتنظير العلمي والفلسفي وان المنطق لا يحوي اية عناصر موضوعية وسطية تسد الفراغ الطبيعي بين العدم والخلق، وهذا بالتأكيد هراء فلسفي.

سالم محمد
كالجاري، كندا
7 يوليو 2006
__________________________

(*) لم اجد ترجمة عربية مناسبة اوضح من المنطق المجعد / الاعشى / متعدد الطيات لترجمة اسم هذا الفرع من فروع الرياضيات الحديثة Fuzzy Logic ، والكلمة الانكليزية حسبما اعتقد تدل على ضعف النظر كما كان الاعشي ضعيف النظر وانا لست مصرا على هذه الترجمة لانني لست ملما بالفيلولوجيا ولا بعلوم الكلام وربما كانت هناك ترجمة عربية افضل لكلمة Fuzzy. أما كلمتي مغبش و معكرش فهن افضل الكلمات المرادفة لهذا المصطلح.
- اللوحات المرفقة لسالم محمد. الوان مائية علي ورق – Digitally processed utilizing Adobe Illustrator CS


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home