Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Mohammed
الكاتب الليبي سالم محمد


سالم محمد

الأحد 8 فبراير 2009

الرمز في العقل السياسي الليبي الحديث

سالم محمد

الكثير من المهتمين بالمأزق الليبي يشيرون الى الهوة الواسعة التي تفصل بين ما تقوله الدولة الليبية (القبيلة) الدكتاتورية في بياناتها العامة وبين ما أكتشف امره ومما صدر عنها "بطيبة خاطر" ، وبين مايدور وراء الركح وما يشيعه أهل الصفوة في الجلسات الليلية الخاصة، والذي سرعان ما يطفح الى الشارع في تباشير الصباح الاولى. لدينا مأزق كبير بين ايدينا...فالحل المنطقي يتجسد في تخفيف هذه الهوة وتقريب المسافة بين هذا المنظور وذاك.

الكثير يتقدم الينا عبر الاعلام الشعبي الليبي المتواجد في الداخل وفي الخارج بنظرية مفادها ان هذه الاشاعات المضادة التي تجري وراء الكواليس والبيانات الحكومية التي تعلن عنها السلطة انما ذكاء شيطاني يعمل لتجسيد رغبات العسكر القائمين على الحكم في ليبيا في المزيد من النهب، وتخف صريح وراء البيانات المعلنة، ومحاولة لتهيئة العامة للقبول بالانماط الجديدة في الحكم والتي يودون فرضها والزام الناس بها في المستقبل القريب. وهذا حسب نظر هولاء انما ذكاء شرير مهمته توجيه التطور داخل الاعتقاد العقلاني الشعبي نحو بؤرة ضيقة ومحاصرته من خلال ادامة المعتقدات التي ارتقت وترسخت في الذهنية الشعبية منذ عام 1969 والمتمثلة في جبروت السلطة الذي وصل الى حدود الهية وقدرتها على الردع السريع، والهالة الاسطورية التي للامن العسكري الليبي وقدرة عناصره على معرفة الهمسات وكشف النوايا والتخلص من الافكار التي تخطط للتغيير أو الانقلاب، وبشكل "هومري" يصور هذا المعتقد الفولكلوري السلطة العسكرية وكأنها تيليباثية ومن عالم آخر، بل تحظي بمراتب ربانية عند الذين تملكهم الرهاب السياسي.

الذين يخرجون علينا من ثرثاري القبيلة بالبيانات والمؤتمرات الصحفية هم في سباق دائم ومحموم مع الزمن لتفنيذ هذه الاتهامات التي يقولون مرارا وتكرار بأنها كاذبة ولا تمت الى الحقيقة بصلة، وهذه الاتهامات كما يؤكد جهابذة اللجان الانفصاميين لا تخرج عن كونها مرضعات لنوايا شريرة صادرة عن "كلاب ضالة" همها الاستحواذ على السلطة وتسليم بطون وفروع جماهيرية "الزهر والحنة" الى اعداء الشعب والطامعين الامبرياليين والصهاينة اعداء الثورة الجماهيرية.

هذه المناظير المختلفة تدل على وجود بنية رمزية ايحائية في مسلسة الحكم الطويل في ليبيا ـ ومن العادة ان تعتمد الرموز الايحائية على التوازي بين مستويين من المعنى ـ المعنى المفترض من قبل السامع المتابع، والمعنى المطروح في الرواية الرسمية. وفي هذه المسلسة الطويلة لا تظهر افكار جديدة بل حكايات مكررة لا تتجاوز اتهامات الخيانة، والتخفي، والمؤامرة، والمماطلة، والانتماء الى "ميتاكوندريا" غير ليبية مصحوبة بدافع قوي لكنه مستهتر لاظهار الحقيقة على عواهنها وكشف سر البناء الباطني الذي يقبع عميقا في الخفاء تحت البنية السطحية الظاهرة.

المحاولات التي تجري لوضع المستويين في طابور واحد وايجاد وصلة بين ما يبدو حاصلا فوق السطح وبين ما هو حاصل بالفعل في العمق يجب ان تتواجد في كل المستويات التي نطلق عليها رمزية أو حكاية السلطة الفولكلورية في ليبيا: يجب ان تتواجد في اوساط الباحثين عن آثار وحفريات الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الدحض، وفي اوساط المنقبين عن الذاكرة المفقودة للحكم والشهود القدماء وبين مصدري نظريات المؤامرة الذين يغرقون انفسهم في الوثائق التي اصدرتها القبيلة العسكرية منذ اكثر من 39 سنة مضت، وبين الذين يصرفون جل وقتهم لتكذيب الروايات "المغرضة"، وبين اولئك الذين يخصصون كل طاقاتهم من اجل اظهار الحقيقة الساطعة التي تدل على وجود بنية باطنية وعميقة، وأخيرا بين اولئك النظارة من عامة المواطنين والمواطنات الذين جربوا في محاولة قاسية وبطرقهم الذاتية الربط بين عناصر جاءت من تجاربهم الفردية، في محاولة شجاعة للتوفيق بين ما هو روتيني ممل تعبنا من ترديده وبين ما هو مثير واسطوري في مسع حقيقي للفصل النهائي بين الخيال الجامح وبين الحقيقة المطلقة.

الصعوبة التي تواجه هذه المحاولات والاجتهادات معقدة ومركبة، ذلك بسبب طغيان الرمز وان الرمزية في الرواية السياسية تبدو وكأنها توجه سهمها باتجاه الوضوح (الشفافية) والغموض (الطمس) في ان واحد معا، وكل ناتج يعتمد على الآخر... والالغاز ـ ليس حصرا تلك الالغاز التي تقبل التشفير وحسب ـ تبدو وكأنها احدي أهم وظائف الرمزية السياسية، ان لم نقل الوظيفة الوحيدة، ... من منا يستطيع التشكيك في ان المزيد من خلط الصور وتعقيد التصورات والرموز سوف يساعد هذه الوظيفة الوحيدة؟ فالمزيد من التصورات والاشتقاقات سيؤدي الى ظهور حروف ورسومات واضحة، والمزيد من الالغاز المبنية بناء محكما سيؤدي الى المزيد من الاثارة والتشويق.

رجوعا الي البنيتين في هذه السيرة الفنطازية السياسية الليبية، والرغبة الدائمة في استقطاب طرفي الروايتين المتناقضتين، يبدو، وبشكل منطقي وواع، بأنه هنالك دليل قاطع على وجود ثلاثة لاعبين في هذه المباراة، يبدو بأنهم ـ مثل بروتيوس ـ قد دخلوا من المداخل الجانبية، بينما كان جل اهتمامنا منصب على لاعبين ثانويين منهم اللجنوي والمناضل والحاوي والمنظر والشاويش والمتحول والحزبي والقاتل والعقائدي والوطني وممن يلبس طاقية الخفاء، والمتشبه بالعلماء وهكذا... بينما ساهم ثلاثة لاعبين دخلوا خلسة من الابواب الجانبية في حبك عقدة الرواية، لانهم يلعبون بصمت بمحاذاة اطراف الركح.

انه الوقت المناسب للتهليل لهم بأسمائهم الحقيقة:
1. صاحب الكذب المخاذع / ابن رب الارباب والرجال وحاكم العالم وحاميه.
2. صاحب المصائد الماكر / الذي لا هيئة له ويعشعش في ضمير الرجال وعقولهم.
3. صاحب الركح والخمر والانجاب / الذي يتدخل كلما طالب النظارة العامة بالافصاح عن هوية هذا الثالوث.

سالم محمد
كالجري / كندا ـ 6 فبراير 2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home