Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Mohammed
الكاتب الليبي سالم محمد


Salem Mohammed

Tuesday, 4 September, 2007

من الدكتاتورية المطلقة إلى شمولية الاصلاحيين

سالم محمد

بدأ تأثير أفكار حركة (ما بعد الحداثة) يظهر واضحا داخل المجتمعات الديمقراطية الحديثة خاصة الاوربية منها، ويمكننا مشاهدة هذا التأثير بسهولة عند التركيز على ظواهر جديدة بدأت تعلن عن نفسها في هذه المجتمعات، منها المطالبة المتزايدة لقوى المجتمع بتفكيك السلطة السياسية المر كزية ونشرها افقيا علي مراكز متعددة داخل البلد، فحسب وجهة نظر الكثير من مواطني هذه البلدان الديمقراطية والمتقدمة، تبدو السلطة السياسية كغيرها من الانظمة المعقدة أسيرة للقوانين الطبيعية التي تجبرها على الانتشار الافقي بين قوى المجتمع مع مرور الزمن، وتحت ضغوط الرغبة الملحة في المشاركة السياسية ونتيجة لقوي الشد السطحي التي يسلطها المجتمع المدني على السلطة، تبرز هذه الظاهرة بوضوح تقريبا في كل البلدان الاسكندنافيه وفي بريطانيا وايرلندا والمانيا وفرنسا وكندا وايطاليا وحتى في امريكا؛ ونستطيع ايضا مشاهدة هذه التأثيرات وربطها بظواهر أخرى تنمو بشكل مضطرد كل يوم وتتمثل في التدخل المتزايد لقوى المجتمع في الفصل في المنازعات السياسية، وابعاد هذه المنازعات قدر الامكان عن الاقتصاد وحركته، وايضا من خلال التدخل الشعبي المباشر في حل الخلافات بين الاطراف السياسية المتناحرة داخل السلطة أو بين السلطة ومعارضيها.

ومن المعروف عن مجتمعات هذه البلدان الديمقراطية ان طبقاتها وفعالياتها الوطنية كانت في المئة سنة الماضية هي المحرك الاساس الذي يحرك السياسة العامة ويقرر اتجاهاتها ودرجات سخونتها، وبسبب التقلص الملحوظ في حدة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الطبقات في هذه البلدان، شهدت هذه المجتمعات خلال المائة عام الماضية نموا سريعا للهياكل الوطنية التي عملت ومازالت تعمل على الالتحاق بالعالم والتعامل الثقافي مع نظيراتها من الهياكل الوطنية في البلدان الاخرى، كذلك الرغبة الصريحة لهذه المجتمعات في التداول الحضاري مع شعوب الارض دون تدخل الدولة المركزية في هذا الامر، مما أدى الى نزع الاهمية السياسية عن الدولة والتقليل من سيطرتها ومركزيتها، خاصة عندما يتعلق الامر باحتكار الدول لاليات الاتصال بالعالم الخارجي... هذه الحيوية السياسية الفكرية التي بدأت تتجذر في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة، وهذا الانتقال الطبيعي من سطوة الدولة المركزية الي رحابة صدر دولة المؤسسات الاجتماعية متعددة المراكز هو ما يطلق عليه اليوم (عصر مابعد الحداثة).

عند التطرق الى هذا الموضوع، لم اكن انوي عرض افكار ما بعد الحداثة على الليبيين بل كان غرضي هو الاجابة على هذا السؤال: اين نحن ابناء وبنات ليبيا من عصر ما بعد الحداثة؟ والاجابة عن هذا السؤال معروفة لدينا جميعا بغض النظر عن اطلاعنا أو جهلنا بهذا المنهج الفلسفي، فنحن لم نصل بعد الى عصر الدولة الحديثة، فما بالك بالحديث عن عصر ما بعد الحداثة الذي لم تنتقل اليه الا القليل من الدول المتطورة سياسيا، أوتلك الدول التي حققت نصيبا كبيرا من العدالة الاجتماعية، فالدول الحديثة المتطورة قامت باصدار القوانين التي تشرف على تنظيم رأس المال وحمايته وحماية الممتلكات الفردية، وقامت بتدريب القوى العاملة ودفعها الى السوق، وعملت على توفيرها بأي شكل من الاشكال من اجل اعادة صنع علاقات الانتاج الاجتماعية، واخراجها من طور العلاقات التي سادت في هذه البلدان ابان الفترة الممتدة بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر ونقلها الى واقع القرن الواحد والعشرين وعلاقاته الجديدة.

لقد تجاوز عصر ما بعد الحداثة العلاقات التقليدية التي ربطت رأس المال بآليات الانتاج كما صاغتها الماركسية، فآليات الانتاج في عصر ما بعد الحداثة ليست مهمة او ضرورية لانتاج رأس المال، ونرى هذا يحدث الان بوضوح في امريكا واليابان وأوربا، وهذا يقودنا الى الحديث عن واقعنا المؤلم الذي لم نستطع فيه حتي تحقيق ابسط المتطلبات لبناء الدولة العصرية الحديثة، فعبر 38 سنة من حكم الطغمة العسكرية البدائية لليبيا، نرى انعدام اقل مظاهر الحداثة السياسية في البلاد، فلا توجد حتى الان اية قوانين تنظم رأس المال أو تحمي الملكية الفردية أو تشريعات تهتم بتوفير القوى العاملة وسوقها، بل نرى تشريعات قمعية دون مستوي ما كان سائدا في المجتمعات البدائية من تشريعات ولا ترقى حتى الى مطالب حمدان بن قرمط في نشر العدالة، بالاضافة الى ترسخ مفاهيم قبلية تسير عجلة الاقتصاد، ومركزية سياسية وايديولوجية شديدة التحجر لم تشهدها اية دولة في التاريخ.

من الضروري والمهم طبعا ان نخرج من أزمة الحكم السياسي البدائي في ليبيا، ومن الطبيعي ان نبحث عن طريق جديد يؤدي بنا الي العصرنة والتمدن، لكنه من المهم ايضا تجنب وقوع بلادنا في تجربة مساوية لتجربة القذافي في الحكم، واعني هنا التجربة المطروحة الان والتي تعتمد فلسفة الاصلاح التوفيقية كمنهج للخروج من المأزق، ففلسفة الاصلاح هي فلسفة تتضمن مفاهيما تقليدية ودون ـ عصرية، لا تهتم مطلقا بتنوع علاقات الانتاج الحديثة مع طلب السوق، ولكنها تشجع التحول الرأسمالي السريع... لا بد من الوقوف قليلا هنا عند التجربة الاوربية والامريكية التي يريد دعاة الاصلاح تكرارها في ليبيا، مع ان الايام اثبتتت فشلها في البلدان المتحضرة، فالشركات الكبيرة في البلدان الرأسمالية الغربية واليابان والبلدان المتطورة الاخري والتي نشأت تحت ظل ورعاية الدولة الحديثة في مطلع القرن العشرين بدأت تتفسخ وتتحلل، والاهم من هذا ان الوظائف الثلاث للدولة الحديثة والمتمثلة في الدفاع عن الدولة ضد العدوان الخارجي، ومراقبة الامن الداخلي، والحفاظ علي حقوق الجنسية والمواطنة والهوية قد تعرضت للتسيب والاهمال في هذه الدول، وضعفت العلاقة بين المؤسسات العسكرية والدول بسبب تفكك سطوة المركزية الاقتصادية في هذه البلدان، وايضا بسبب تعدد مصادر القرار الاقتصادي، وازدياد حالة القلق من الصرف العسكري وتبذير المؤسسات العسكرية، وعدم تمكن هذه الدول من اشباع النهم العسكري وعجزها عن الايفاء بتخصيص مقادير مالية ضخمة لوضعها تحت تصرف العسكر.

وهناك ظاهرة اخرى هي ظاهرة انتشار الاسلحة الذرية والنووية في العالم. هذه الظاهرة جذيرة بالتحليل في هذا العصر الجديد، فقد تسبب انتشار السلاح النووي في العالم في انخفاض معدل الكراهية والعداء بين الدول المتحضرة التي تمتلك هذه الاسلحة الفتاكة، زد على هذا قدرة وسائل الاعلام المستقلة على النقل السريع والفوري لاخبار التقاتل والحروب في العالم كله، مما جعل من استعمال القوة لفض المنازعات واللجؤ الى العنف من قبل الدول مصدرا لقلق شعبي عظيم يؤدي دوما في هذه المجتمعات الى نتائج سلبية وضارة بالدولة الحديثة، كما يعرضها للنقد المتواصل ومسآلة القوي السياسية المعارضة والقادرة على تحريك هذه المجتمعات ضد الحكم.

وهذا يقودني الى الاعتقاد بأن القفز من الدولة الشمولية البدائية النرجسية المتحجرة، كما هو الوضع في ليبيا الان، الي الدولة التي تنتهج مزاوجة الاصلاح مع خبرة النموذج الغربي سيؤدي الى كارثة شديدة ربما كانت اشد من كارثة التجربة الدكتاتورية القذافية، ولم يعد امامنا الا الاختيار المر، وهو ان نخضع انفسنا الى شروط وقوانين التطور التدريجي البطيء ونبني الدولة الحديثة التي نحاول فيها توسيع نشر السلطة داخل مؤسسات المجتمع بشكل افقي وفي كل تجمع سكاني ونأخذ بالمتغيرات التي طرأت في العالم الغربي ونستفيذ منها مثل اتقاء شر الشركات الاحتكارية الكبرى، والحد من التبذير والصرف العسكري، والابتعاد عن حيازة الاسلحة النووية، وتشجيع المواطن على حب بلاده وآداء واجب الدفاع عن وطنه، والعمل على استتباب الامن داخل الوطن وحماية المواطن وحفظ حقوقه والحفاظ على هويتة وجنسيته، وهذا كله يأتي عبر احترام حقوق الفرد الشخصية وحرية اختياره وحقه في التملك والتطور الاقتصادي والفكري.

ان تفتيت الدولة المركزية في العالم الديمقراطي المعاصر يجري الان على قدم وساق بسبب انتشار المؤسسات المستقلة التي تحكم نفسها بنفسها مثل البلديات والمقاطعات والحكومات المحلية، وبسبب الحد من الصرف العسكري واعادة تسويق وخصخصة مؤسسات وشركات الدولة المركزية، وبسبب وجود الاعلام الحر، وتمكن الشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة من التحكم في جزء من السلطة، وبهذا ظهرت الدولة اللامركزية في بلدان العالم المتحضر.

أما في بلادنا، فان الدولة هي عصابة منظمة تحتكر وسائل العنف الشرعية ضد مواطنيها من خلال المؤسسة العسكرية الهمجية التي ليس بامكان الشعب تفتيتها أو تقويضها لانعدام مؤسسات المجتمع المدني، وانعدام المؤسسات الصناعية المستقلة، ولهذا لا توجد عندنا علاقات حيوية بين الدولة ومؤسساتها العسكرية من جهة وبين الشركات والمؤسسات الصناعية المستقلة، لان لاوجود للاخيرة بالاصل، وصار بذلك أمر تفتيت هذا الاحتكار الدكتاتوري للسلطة امرا صعبا للغاية... وهذا هو السبب الاول في نظري لظهور فكرة الاصلاح التوفيقية التي نتجت من واقع العجز الكامل امام قوة وتفرد النظام الشمولي بالسلطة، هذا النظام الذي يحتكر كل وسائل اتصال المواطن بالخارج ويتدخل بشكل بوليسي فج في حياة الناس ويمنعهم من التفرغ الى تنشيط انفسهم اقتصاديا وفكريا، وبهذا نجد ان فكرة الاصلاح التوفيقية ماهي الا فكرة نابعة من رغبة عناصر محتارة داخل الدولة الشمولية نفسها وعناصر انتهازية سلطوية تتبنى القمع الفكري والديني في الاستيلاء على الحكم، وليست نابعة من قوي المجتمع بأكمله ولا من الحاجة الى تفتيت الدولة الدكتاتورية البدائية... ان الغرض من استراتيجية الاصلاح لا يتجاوز انقاذ ما يمكن انقاذه من الطبع الدكتاتوري القديم، لان اصحاب مشروع الاصلاح هم شموليين ودكتاتوريين ويقفون موقفا معاديا لمبدأ عصرنة الشعوب وتمكينها من التقانة والتصنيع ومساعدتها على الدخول الى عصر الدولة الحديثة، فما بالك بدخول معركة ما بعد الحداثة.

سالم محمد
كالجاري، كندا
1 سبتمبر 2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home