Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Saturday, 2 December, 2006

الصيف في غـريان

سالم محمد

في تحذير اذاعته الاذاعات اليوم، حذرت السلطات في مدنية كالجاري المواطنين من الخروج الى الخارج بدون ملابس واقية من البرد، وذلك بسبب موجة البرد التي تعصف بالمنطقة هذه الايام... وقد جاء في التحذير الطاريء الذي اذيع في كافة محطات التلفزيون والراديو وعلى الانترنيت بان التعرض للبرد لاكثر من دقيقتين خارج البيت قد يؤدي الي تجمد الاطراف والي الموت المحقق... وقد توقعت محطات رصد الطقس بأن درجة الحرارة ستنخفض الي 45 درجة مئوية تحت الصفر عند منتصف النهار... هذه الموجة العاتية من البرد التي تخيم على مدينتنا والتي يبلغ عدد سكانها اكثر من مليون نسمة وتقع في الغرب الكندي شبه الصحراوي جأت مبكرة هذه السنة، فقد اعتدنا علي انخفاض درجة الحرارة في شهري يناير وفبراير من كل عام حين تهب الرياح المتجمدة القادمة من الشمال الكندي على البلاد... في الواقع، لقد تعودت انا الليبي القادم من الجبل الغربي علي هذا الصقيع، ولا اعرف كيف تعودت عليه، ربما بسبب طول اقامتي في هذا البلد – يقولون بأن البدن يتأقلم سريعا مع الانواء - فقد عشت هنا منذ منتصف الثمانينيات، اولا في الشرق الكندي ثم انتقلت الى الغرب وبالتحديد في الهضاب التي تمنع عنها جبال الروكي الدفء والمطر القادمان من سواحل امريكا الشمالية المطلة علي الخليج الهاديء، لكن الجبال التي تمتد من الشمال الى الجنوب تحقن الصقيع القادم من االشمال وتسربه الينا لتجمدنا في كل موسم شتوي... وبرغم البرد القارس الشديد، الا ان مناخ هذه البلدة ونواحيها في الصيف يتحول الي مناخ جميل ومعتدل به شبه باجواء سواحل البحر الايض المتوسط الافريقية، ويذكرني مناخ هذه البلاد كل صيف بمناخ جبل غريان، حيث ولدت وترعرعت الي ان عرجت بي نوقي الى هذه البقاع المتنوعة المناخات والمتعددة البيئات... ظروف البرد القارس هنا تقودني الي غريان والكتابة عنها وتذكرها...

للاسف، فبرغم محاولاتي الدائمة في البحث عن مصادر تتحدث عن هذه البلاد فانني لم اجد الا اليسير والقليل، وانا دائما متلهف الى العودة الى غريان لكي ابحث عن هذه المصادر هناك، فلربما كانت مخزنة في المكتبات الخاصة التي تحضي وتشتهر بها غريان، فأهلها يحبون الثقافة وجمع الكتب والاحتفاء بالمكتبات الشخصية... ما وجدته عن غريان في العصور القديمة لم يتجاوز وصف هيرودوتوس العام ووصف المؤرخين الرومان المقتضب لها وشذرات قليلة وجدت في مذكرات الضباط الرومان الذين كانوا يعملون في فرقة اوغسطا الرومانية، اما المؤرخين والرحالة العرب فقد كانوا يتجاوزونها دائما لقربها من ام المدائن طرابلس وهذا يلهيهم عن تكبد مشقات السفر الى غريان عندما يكونون في طرابلس العز، كما انها لا تقع علي طريق الحج. وقد ذكرها باقتضاب ايضا الرحالة والجغرافيون العرب مثل البكري وبن بطوطه والمسعودي وليون الافريقي...

من معالم وسط المدينة التي تسمي محليا (إِتـْغَسّاتْ وتعني باللغة الليبية القديمة المركز او الملتقى) البيوت المحفورة في الارض والتي اشتهرت بها غريان منذ العصور الاولى للتاريخ وذكرها المؤرخ اليوناني هيرودوتوس في مؤلفه التواريخ الشهير، ومن طرائف هيرودوتوس التي ذكرها عن اهل غريان وصفه لهم بأنهم يتمتعون بصحة جيدة لا يتمتع بها شعب اخر على وجه الارض وأن نساءها كن يتزوجن العديد من الرجال ويتخذن عشاقا الى جانب ازواجهن كما كن يقمن ايضا يتفاخرن ويزهون بعدد عشاقهن وذلك بوضع سير من الجلد علي كواحلهن لكل رجل كن قد غنمن في غزوات عشقهن المتوالية ضد الرجال...

وعلى ذكر التاريخ والمؤرخين، حضت غريان بالذكر في المصادر التاريخية القديمة الرومانية واللاتينية اكثر منها في المصادر العربية والمغاربية... الشواهد الاثرية الرومانية مازالت قائمة الى هذا اليوم للخط الدفاعي الروماني الذي شيدته فرقة اوغسطا... في احدي الخرائط الرومانية القديمة للطرق التي ربطت مدينة لبدة بمدينة غدامس، او ما كان يسمى بالحدود الرومانية الجنوبية التي فصلتهم عن الجرمنت وامنت حماية سكان المناطق الاستيطانية التي انشأها الرومان في وادي غان وفي الاصابعة وجندوبة وفي الجعافرة وتارسين، اطلق علي اسم غريان الاسم الروماني "غاريون" اي القلعة الرومانية وسميت الاصابعة "فينازا"، ويفرن "أوري"، والزنتان "ثنتاوس"... مقولة ان التاريخ يعيد نفسه اثبت صحتها المستعمر الايطالي، فبعد اكثر من الفي سنه من استيطان الفلاحين الرومان في جبل غريان، اقام الفاشست مزارعهم الاستيطانية فوق نفس المناطق التي اقام عليها اسلافهم مزارع الزيتون زاللوز. انظر الصورة المرفقة لمزرعة ايطالية استيطانية في تغرنة، بجنوب غريان.

الاسطورة المحلية تقول بأن اسم غريان جاء من كلمتين: "غار" اي كهف، و"يان" وهو اسم اول من قام بحفر بيت في الارض وسكن فيه، ولكنني لا اميل الى تصديق هذه الرواية الشعبية السائدة واميل الي الاعتقاد بأن الاسم مشتق من لفظ روماني قديم للحصن الذي اقامه فيها جنود وضباط فرقة اوغسطا السابعة، وكلمة جاريسون الللاتينية مازالت تستعمل الي هذا اليوم في اللغات الاوربية الحديثة...

التفاصيل حول اصول السكان لم تكن وافرة ايضا... يذكر النسابة البربر وايضا عبدالرحمن بن خلدون بأن اصول سكان هذه المنطقة من قبيلة هوارة التي تنتسب الي هوار بن مازيغ وهم اخوة لقبائل نفوسة القاطنة في الشق الغربي من الجبل. أذكر ان الرئيس الجزائري السابق هواري بو مدين قد اتخذ من هذا الاسم اسما حركيا له ابان الحرب الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي...

كانت غريان في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم مدينة تعيش الانتعاش الاقتصادي الذي عاشته المدن الليبية في تلك الحقبة الهادئة من تاريخ ليبيا وذلك بفضل الخيرات الجديدة من ريع النفط وبفضل انتعاش الروح الوطنية الاستقلالية بين الليبيين ابان تلك الفترة... كانت المدرسة الثانوية الوحيدة تتوسط المدينة الجميلة وتضم قسما داخليا يسكنه الطلبة القادمين من خارج حدود ارباع المدينة الاربعة، من غدامس ونالوت ويفرن وجادو ومزده والاصابعة، ومن كافة المدن والقرى الصغيرة النائمة على سفوح الجبل الغربي ، ويقابل المدرسة القصر الملكي علي الجانب الجنوبي من الشارع العام في اتغسات، الذي هدمه الاشرار في السبعينيات ليتخلصوا من الاثر الجميل الذي كان رمزا معماريا جميلا يذكر الغراينه باستقلالهم ونضالهم ضد الاستعمار الايطالي البشع...

تابعت جريدة الاسبوع الثقافي في طفولتي متابعة جادة ومستمرة في اوائل السبعينيات، فكنت اهرع مهرولا الي دكان بسيط في وسط بلدة غريان لانتشل العدد الاخيرمن جريدة الاسبوع الثقافي من بين أكوم الحبال والبالات والمسح والاحذية البلاستيكية الصينية رديئة الصنع واكياس السكر والدقيق وعلب طماطم مصنع العزيزية، ولا اتذكر الا لهفتي لرؤية رسومات وخطوط الفنانين المصريين حلمي التوني ومحمد حجا والشعراء والكتاب الليبيين الذين كانوا يكتبون ويعملون في الجريدة. لا اتذكر منهم الان الا الشاعر الجيلاني طريبشان رحمه الله لصلتي به... من المحتمل ان ليس اكثر من عشرة اعداد من الجريدة كانت تصل "حاضرة غريان" كل اسبوع، وعندما لا اجد العدد الاسبوعي في ذلك الدكان البسيط كنت اهرع الي المركز الثقافي لاقرأها هناك... في الواقع لم اكن افهم الكثير مما يقال ويكتب انذاك في الجريدة لكنني كنت مغرما بها لدرجة العشق ولم اكن اتخلي عنها اذا ما صادفاتها عيوني في اي مكان... وفي بداية الصيف، كنت اتلهف وانتظر بفارغ الصبر عودة اخي الكبير من بنغازي لقضاء عطلة الصيف معنا في غريان برغم ولعه الشديد بطرابلس وشوارعها ودور عرضها ونواديها. عند وصوله، يفتح شنطته المملؤة بالكتب ويفرغها في مكتبتنا العامرة التي بناها هو لوحده، فأبي وامي كانا اميان لا يعرفان القراءة والكتابة و لا مودة لهما بالورق او الاقلام ما عدى ورق الحلفاء الذي يلف فيه التجار السكر واللحم والكاكاوية، أخي البكر كان طالبا للفلسفة في كلية الاداب بالجامعة الليبية في بنغازي... هنا اعداد من مجلة قورينا التي كنت اميزها من بين كل المجلات بخط عناوينها اليدوي البديع ومواضيعها التي لم تكن تهمني كثيرا ولم اكن مهتما بها.. هذا مجلد لوول ديورانت، ديوان لعلي الرقيعي، تذاكر محمد الشلطامي للجحيم، كوخ العم توم، الجريمة والعقاب و الاخوة كارامازوف، مؤلفات كثيرة لعبد الرحمن بدوي والذي كان يتباهي به اخي كثيرا لانه كان يدرسه في الجامعة... اصل العائلة لماركس وانجلز، حياتي لهتلر، اربعة مجلدات ضخمة لهيمنجواي وكتاب ازرق سميك لساطع الحصري، العقاد، السياب، الجابري، جوجول، هرمان هسه والقباني، الشابي و جيمس جويس.... الكثير من الكتب، والكثير من المجلات...

في اول صيف لي بعد الاعدادية، ذهبت الى بريد تغرنه وارسلت ثلاث رسائل: الاولي الى برنامج ما يطلبه المستمعون في الاذاعة الليبية طالبا الاستماع الي اغنية عبد الحليم حافظ "فوق الشوق" واهديتها الي كل جيراني واولاد خالتي واولاد عمي ، ورسالة اخري الي محطة البي بي سي الانجليزية ليبعثوا لي مجلتهم والثالثة الي الصين ... والله لا اتذكر في اي جهة كانت الصين، هل كانت اقرب من مصر الينا ام انها بجانب العراق، وبالفعل وصلتني حزمة من الجرائد الصينية كلها بالعربية ووصلني معها ايضا كتيب انيق الطباعة يحوي مقتطفات من اشعار ماوتسي تونع الذي كنت اكن له محبة صافية لا اعرف مصدرها، وحتي كبرت لم اكن اعرف عن ماو تسي تونع غير انه شاعر...

كان للصيف في غريان مذاق خاص، فوصول اخي من بنغازي كان ايذانا ببدء موسم القصص والحكايات والروايات الروسية والمصرية والامريكية والانجليزية والفرنسية... من الروس كنت احب جوركي ودستويفسكي، ومن المصريين كنت احب يوسف السباعي واتجاهل المنفلوطي ويوسف ادريس، ومن الامريكان كنت احب همنجواي وسومرست موم ومن الانجليز برونتي وكنت لا اطيق مسرحيات شكسبير، خاصة مسرحيته تاجر البندقية التي كانت وقتها من مقررات الدراسة الثانوية، ومن الطليان لويجي بيراندلو وروايات البرتو مورافيا، ومن الفرنسيين احببت روايات الكسندر دوماس ونفرت من كتب سارتر وجان بياجيه وسيمون دو بوفوار، اما حبي الاكبر فكان لخليفة التكبالي وقصصه القصيرة ويتبعه في ذلك الطابور ولع غريب بمسرحيات تشيكوف وهنرك ابسن، ثم كليلة ودمنة لابن المقفع وسيرة عنترة بن شداد للحديدي وكتاب قديم للسحر استعرته بدون اذن من خالي الذي كان يدرس الهندسة في بريطانيا ومجلد اصفر مهتريء لكتاب الف ليلة وليلة كنت اخفيه في مكان امن بسيارة قديمة صدئة خلف ورشة ابي...

وكان للصيف في غريان مذاق خاص لانه موسم "الكرموص" والعنب واللوز والانجاص والخوخ وموسم كرة القدم والتطاحن الشديد بين فرق كرة القدم القادمة من البراشيش وبن يحى واولاد حزام اللذين لم يكونوا يجيدون لعب الكرة وفرق النطاطات والسقايف الذين كانوا يفوقوننا تمرسا وحنكة... وبعد انتهاء المباريات كنا كالجراد الصحراوي نهاجم اشجار الفواكه التي في طريقنا لنملأ بطوننا الفارغة بثمارها ونسد ضمأنا وكانت النتائج مؤلمة احيانا ففي احدي المرات اصابني حجر طائش في كتفي ارسله علينا حارس من حراس مزرعة اجليلية، حتى اظلمت الدنيا في عيوني، وظننت بأنني قد انتهيت.

سالم محمد
كالجاري، كندا – ديسمبر 2006


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home