Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Mohammed
الكاتب الليبي سالم محمد


سالم محمد

الجمعة 2 اكتوبر 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

التأريخ لآلهة منسيّة (2)

سالم محمد

قرزه و قرزل


شكل ـ 1ـ نقش للرب اللواتي "قرزل" وجد في كهف بوادي مرسيط قرب مزده بالحمادة الحمراء، الدائرة التي فوق رأس الاله هي الشمس مصدر الحياة.
ـ سالم محمد 2009

الخرافة الليبية تقول بأن الله سخط "قرزه"... ونحن الاطفال نتدافع ونرفس بعضنا بعض محاولين حتى الطيران في الهواء لنتجمع كبرادة الحديد على قطبي جدتنا المغناطيس... تتكور في فصل الشتاء على عادتها داخل دارها الرطبة في "حوش الحفر"، اما اثناء الليالي الباردة المظلمة، فنجدها تتدفأ بكانون فحم وينير جلستها قبس من فتيل اوقده زيت زيتون "بوحلاسه"، نمضغ لها قضوم "التيفران" باسناننا اللبنية الصفراء ونقدمه لها وهي تبتسم بحنان ملائكي...ترانا كلنا في تنافس شديد وتراص وتدافع طفولي للحصول على اقرب مكان بجانبها والاتكاء عليها أولمس شعرها المصبوغ بلون الحناء دائما، او شد انفها وحلقها حتى نكاد ان نقطع انفاس جدتنا "قمره"... نحاول دائما الركض وراء ملامح وجهها الذي طبعت عليه ببراعتها الدرامية احداث القصة/الخرافة التي تلقيها على مسامعنا، نركز كل لهف حواسنا المتشوقة على رقص عينيها القهوائيتين الغائرتين ونبض شفتيها وحركة فمها وخطوط ونقاط وشماتها وهي تتوهج كالملائكة العجوزة تحت ضوء الفنار ونحن في صمت مطبق، نتابع حركات عينيها...

كرقص نجوم التبانة في الفجر البارد، نتلذذ بسماع صوتها الكرستالي الحنون الذي كان من الصفاء ان يرن كاجراس متناغمة وهي تخرف لنا خرافتها المحببة عن خراب قرزه، وتصف لنا العقاب الذي لاقاه سكان قرزه البؤساء المغفلين لرفضهم عبادة الله، واصرارهم على اعتناق عبادة الاوثان وتقديس الاجداد والتضرع لارواحهم والنوم على قبور مواليهم وممارسة السحر ... تتابع جدتي قائلة بأن: النساء والشيوخ والكبار والصغار والبنات والبيوت والحيوانات والنباتات واشجار العنب والتين والزيتون والقيز والازهار في قرزه وكل جذور البنومة وازهار العنصيل البري قد سخطت بسبب غضب الاله عليهم جميعاوانتقامه منهم في رمشة عين، تحجر كل شيء في المدينة العاصية حتى الاحجار... هذه الايام، يجد المسافر عبر وديان ومفازات قرزه اثار عظام اللواتيين تغطيها الرمال وتؤرخ ميدانيا وبالادلة حجم البلاء الالهي الذي نزل بهم وشدته.

حكايات جدتي تؤكد بالدليل المادي الواضح ان حبل الذاكرة الليبية لم ينقطع، و تؤكد ان كافة الخرافات في المعجم الميثولوجي الذي دونه الانسان الليبي منذ تطويره اللغات الليبية، ترتبط وثيقا بالاحدات التاريخية التي مرت بها ليبيا قبل وصول المسيحية اليها وبعدها، وان اثارها لا تنمحي كليا من الذاكرة، انما تخلد في طور لتستريح فيه، منتظرة وصول جيوش الباحثين والمنقبين في التاريخ والمهتمين بالاثار من الشباب؟

كلمة "مسخوطة" في الدراسات والأبحاث الميثولوجية العلمية والآثارية وعند اوفيد في الميتامورفوزس وفي الالياذة والقصص الاكدي والاوغاريثى والمصري والبابلي والكنعاني لا تعني تغير الطور من الحياة الى الجماد فقط، بل تعني ايضا محاولات انسانية بدائية لفهم طبيعة الحياة والموت، كما هي الان بالنسبة لنا احدى الوسائل للاستدلال الى الكنز الوطني الذي ورثته الشعوب الحديثة كالشعب الليبي... كنز فريد من نوعه، واكداس منسية لفسيفساءات عتيقة، تحوي مشاهد تاريخية متعددة الابعاد لكنها عشوائية ومشتتة بين الفضاء الحالي والازمنة القديمة، وصور لدهور مكثفة بضباب التأويلات والمعاني ودلائل زمنية وطقسية وروحانية خلفها الانسان الليبي لنا مطمورة منذ اكثر من 1500 سنة مضت، مخفية تحت كثبان رمال وادي كعام ووادي المجينين ووادي قرزه ومركونة في طيات الخيال الشعبي الليبي حتي هذه اللحظة، رغم تشوه الصور، واختلاط الازمنة، وضغوطات الايديولوجيا السياسية والمجاعات والحروب.


شكل ـ 2ـ نقش عمره اكثر من عشرة ألاف سنة لثور هائج وانسان ملقي على الارض، من رسم حائطي في مغارة لاريسو بفرنسا.

خرافات جدتي وجدات كل الليبيين ترتبط بنتائج البحوث العلمية في العلوم الميثولوجية، فكلاهما يصب في اناء واحد،تختلط فيه معظم العناصر التي تشترطها مهمة اعادة ترتيب حوادث التاريخ الليبي، بشكل تتواصل وتتسلسل فيه الاحداث لتتفق مع نتائج الابحاث الاركيولوجية المنهجية والتحليلية... وهذا الهدف انساني ومعرفي مهمته الاساسية ازالة رهاب جمعي اصاب كل المؤرخين الليبيين قديما وحديثا، رهاب جمعي محظور بسببه الغوص في فترات معينة، بل ومحددة من التاريخ الليبي، مثل الجهل المطبق والامتناع أوالتجاهل المقصود لتاريخ الحقبة الاستعمارية البيزنطية التي سبقت وصول الاسلام الى ليبيا، تلك الفترة المظلمة من تاريخ ليبيا التي شنت فيها الة الدمار الامبراطورية البيزنطية الحرب على "تحالف قبائل لواته" فأبادت الكثير من الخلق، من اجل تحقيق رغبات التوسع لدى اباطرة القسطنطينية واعادة المجد القديم للامبراطورية الرومانية التي حكمت العالم القديم واشباع نهم الاباطرة واقربائهم للذهب والعبيد وصرارهم على جمع الضرائب بالقوة. لقد ارتكب جنود الامبراطورية البيزنطية الجرائم الفظيعة التي قضت على اخر نفس للمقاومة الليبية وقضت علي تحالف قبائل لواته وأنتهكت استقلال دولتهم الناشئة المستقلة عن نفوذ الامبراطورية البيزنطية.


شكل ـ 3ـ الاله قرزل الذي عبدته القبائل الليبية حتى القرن الرابع عشر الميلادي وبشهادة المؤرخين المسلمين ـ تصور ـ سالم محمد 2009



ان يتغرب او ينقطع الليبي عن تاريخه القديم بسب ايديولوجي او غيره من الاسباب العصرية فهذا لا يجوز، بحكم انه تنكر للاجداد، الذين يتواردون في خواطرنا ويعيشون في احاديثنا ويشاركوننا صلواتنا... التاريخ دائما يعيد نفسه... فكلما تعالت النعرات العنصرية الرومانية وتجددت الدعوة الى اعادة مجد روما الامبراطوري القديم، تعرض الشعب الليبي لاعتداءات جيراننا الشماليين من طليان وصقالبة ويونان ودفع الليبي عبر الازمنة ثمن الخراب الذي خلفته الاحلام الشوفينية. . لقد دفعت ليبيا ثمن التوسع الروماني مرارا وتكرارا، اشده عندما اخمذت الجيوش الامبراطورية البيزنطية انفاس المقاومة الليبية واجبرت قبائل لواته على قبول المسيحية، اما اخر ثمن دفعته ليبيا ودفعه شعبها فكان الدماء الباهظة الثمن التي قدمها اجدادنا لتروي التراب الليبي عند تصديهم ومقاومتهم احتلال الطليان والصقليين لليبيا في اوائل القرن العشرين.

وقد أعقب هذه الابادة فترة مظلمة تمكن البيزنطيين خلالها من احتلال لواته كلها واخضاع السكان لسلسة من القوانين ذات الطابع التبشيري ـ منها من يحرض اللواتيين على اعتناق المسيحية والتخلي عن عبادة الاله قرزل وبقية الاوثان الليبية... ولم يمر طويل الوقت على اعتناق اجدادنا المسيحية مرغمين حتي وصل الاسلام الى شرقي ارض لواته واستقبلته القبائل بالترحاب واعتنقت الناس الدين الجديد الذي اعتق رقابهم من أذي الاستعمار.

لنعد الى الخرافة الليبية، فهي مخزن معبأ بالطلاسم والاسرار التي حاكها الزمن ونسجها في المخيلة الشعبية الليبية، فمثلما علمتنا الميثولوجيا وساعدتنا على فهم انتشار الظاهرة القومية والدينية المعاصرة والغوص فيها وفي معانيها ورموزها الفنية والفلسفية ودوراتها الزمنية، فانها أيضا تعلمنا وتساعدنا على الاستيعاب والاستفاذة من موسوعية التجارب الروحية لأجدادنا اللواتيين وتمكننا من رصف الطريق الي الازمنة القديمة.


شكل ـ 4 ـ خارطة تبين لواته وطرابلس ـ سالم محمد 2009


لاشك أن المشاهد والصور التي توفرها لنا خرافة السخط الليبية اتية من مكان مظلم، عميق، داخل الذاكرة لانها تتناسب تماما مع المشاهد والصور الدينية العصرية، وأن الميثولوجيا تؤكد مثلما اكدت من قبل، ان الدين محفز أولي للانسان، وهو مثل العلم وشتى انواع الفقه الانساني واشكال المعرفة محركات اولية للحياة الانسانية منذ قديم الزمان، وهذا على العكس تماما مما يتبجح به محللي الظاهرة الدينية الحديثة، لانه باختزال هذة الظاهرة المتأصلة في الانسان الى اساسيات اولية... وغموض... وفهم سطحي، لا يعني مطلقا ان الالهة القديمة ستغيب من حياتنا كليا، بل على العكس من هذا تماما، سيكون وجودها مستمرا بيننا، تلعب كافة الادوار وتمارس التخفي وبسحرها تلقي الضوء على الظاهرة الدينية، بل ربما تحتويها احتواء كاملا.

يقول بعض المؤرخين المعاصرين ان سكان شمال افريقيا قد استوردوا جل دياناتهم من محيطهم الخارجي باستثناء ديانة واحدة هي عبادة الرب قرزل عند الليبيين الشرقيين او شعوب لواته القديمة، ويذكرون ايضا بأن هذا الاله الوحيد لم يكن من صلب ليبي مئة بالمئة، فقد ولد بعد نكاح الاله المصري الاعظم " امون " لبقرة ليبية؟ والدلائل التاريخية تؤيد الاستنتاج بأن البقرة الهة محلية هي الاخرى ـ فقد تضرع الليبيون للاله المصري امون قبل ان يتضرعوا لقرزل، كما تضرعوا وقدموا القرابين واقاموا الطقوس السرية والعلنية لكل من بعل الذي جاء من اوغاريث السورية وإيل الكنعاني/الاسرائيلي وطانيت القرطاجية وأبولو وزوس الاغريقيان ولجوبيتر الروماني والمريخ وزحل وغيرهم من طوابير الالهة التي قدسها الانسان منذ قديم الازل... حتى عبادة الالهة الفارسية " مثرا " وجدت لها موطيء قدم داخل هرم الالهة التي عبدها اجدادنا القدماء والتي تركت لقاها الاثارية، والروحية والطقسية في كل مكان داخل بلادنا وبين اهلنا، اما ما بقى من عبادة قرزل اللواتي، فمازلنا نراه في الاضرحة والطقوس التي يقيمها الليبيين لما نسميهم الان بالمرابطين والاولياء وحب الليبيين للشعوذة والسحر.

الى اللقاء في الحلقة الثالثة والاخيرة.

سالم محمد
كالجاري ، 29 سبتمبر 2009


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home