Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Wednesday, 2 May, 2007

عـلى مشارف الحدود بين المعلوم والمجهول

سالم محمد

الاكتشافات اليومية في العلوم الحديثة لا تظهر عبر الغوص في المجهول او نتيجة للتضرع والدعاء المتكرر والصلوات، ولا تظهر بسبب وصفات سحرية، بل تتحقق عبر المشاهدة والتجربة في مكان يقع عند أقصى الحدود الضبابية "للمعلوم" وعلى ايدي القليل القليل من الملاحظين الذين يملكون عيونا تستطيع خرق الضباب وبشكل اكبر وأكفأ بكثير مما تستطيعه عيون وبصيرة الانسان العادي منا. والسؤال الذي اود طرحه اليوم هو: ماهو المعروف في مجال العلوم اليوم؟ والاجابة الوحيدة هي: لاشيء!.

عندما يقول الشخص العالم بأن شيء ما معلوم؛ فهو يعني بأنه يستطيع أن يميز علاقات محددة وثابثة الحدوث: أي أنه عند قيامه بالنظر الي أحداث متتابعة تؤدي به الى الادراك أو "ادراك الفكرة" بأن اسبابا معينة تعمل هنا، وهذه العلاقات الثابثة الدائمة الحدوث تؤدي الى الاقتراح والاعتقاد بأن ثمة ظواهر ناتجة عن قوانين ما.، وهو استدلال نير معترف به في العلوم الطبيعية وكأنه عقيدة دينية، ويرتكز على ايمان شديد لا يقبل المجادلة: فالظواهر الطبيعية تخضع الى "قوانين الطبيعة"، واصولها مضغوطة ومدكوكة بشدة داخل دهاليز واعماق الوعي البشري.

ولنضرب مثلا عن المشاهدات والتجارب التي تحدث في المكان الذي يقع عند أقصى الحدود الضبابية "للمعلوم". فاذا نظرت الي يديك ستجد بانهما تتشابهان كثيرا، بل ان كل يد هي صورة طبق الاصل للاخرى وكأنها انعكاس في مرآة، ولكنهما في نفس الوقت مختلفتين عن ايادي بلايين الناس الاخرين... كيف لهذا الاتقان ان يتم؟ كيف تكون ايدينا متشابهة، بينما لا شيء اخر في هذا الكون يشبهنا؟

الاجابة الطبيعية القصيرة الشافية هي ان الجينات الوراثية هي مصدر هذا الاتقان. فمنذ اكثر من نصف قرن وصل العلماء والباحثين الى قناعة مفادها أن الجينات مسؤولة فقط عن تجهيز اجسامنا بتفاصيل زخرفية صغيرة وتافهة، لا أكثر و لا أقل.. هكذا كان الاعتقاد السائد حينها: تفاصيل ثانوية صغيرة ليست رئيسية، تؤدي الى جسم بشري كامل، شكله العام مقرر سلفا، اما ما يحدث بين هذا وذاك فلم يكن معروفا!!! الفضل في حل هذا اللغز وتقريب الهوة بين التفاصيل التافهة والجسم الانساني الحي المكتمل يعود الي اولئك القليل من الملاحظين الذين يملكون عيونا تستطيع خرق الضباب المعرفي، وبسبب تأثير علم البيولوجيا الجزيئية علي كل من علمي الكيمياء الحيوية والجينات، تغيرت هذه القناعات البالية والتصورات القديمة.

البروتين في المعتقد العلمي الان هو مادة البناء الاساسية التي يعتمد عليها الجسم، والاحجار التي يبنى بها البروتين هي "الاحماض الامينية"، وزخرف هذا البناء يحدد خواص البروتين كلها، وهذا الزخرف هو مثار الاهتمام الشديد لدى الباحثين الان، فقد وجدوا بأنه محكوم من طرف عائلة من الاحماض تسمى "الريبونيوكليك"، وتقوم عائلة اخرى من الاحماض تسمى "ديوكسي نيوكليك" بالاشراف على استخلاص احماض "الريبونيوكليك"، وعائلة الاحماض الاخيرة تقطن داخل مواقع محددة في مركز الخلية... انها بالتحديد هذه المواقع الكروموزومية لحمض "الديوكسي نيوكليك - النووي" التي يسمونها الجينات وهي المسؤولة عن التوافق بين ايدي الشخص الواحد والاختلاف الكوني الكبير بين شخص واخر.

الطرافة في الامر ان الجينات هي نفسها بناء هرمي مثل البناء الهرمي لحكومات الدول الحديثة، فهناك مجموعات جينية تتعاون مع بعضها لتفرز مجموعة هائلة من النتائج، وهناك جينات تتحكم في أوقات وفعاليات ونشاطات جينات اخرى، وهناك جينات تهتم فقط بانتاج الهرمونات التي تقوم بدورها في انتاج تغييرات درامية في الجسم، وباختصار، نظام بالغ التعقيد يتكون من نظم ثانوية اصغر شديدة التشابك وتتحكم في الحياة كلها. اذن نستطيع القول بأن البناء البدني للانسان يتم التحكم فيه من قبل الجينات، وهذا القول يعتبر الان اكثر وضوحا من التعبير القديم بأن الالهة تتحكم في بناء الجسم الحي.

في الماضي القريب، كان علماء الفسيولوجيا البشرية يقولون بأن فسيولوجيا تطور الاجنة غير قابلة للفهم ومن المستحيل على البشر ادراك خفاياها، ولكن عندما تدخل علماء البيولوجيا والتحقوا بطابور الباحثين في هذا الحقل والمهتمين بهذه العلاقات، وعن طريق الاهتمام بدراسة الاحياء الدقيقة والهلاميات والفطريات بمختلف انواعها والحشرات الصغيرة مثل النمل والصراصير، اكتشفوا بعض العلاقات العامة المسئولة عن تطور الاجنة والتي تقوم بهذا العمل الغامض. وفي كل خطوة خطوها ومشاهدة سجلوها، وجدوا ان تحليل البروتين يتم تحت تحكم الجينات وانظمتها الجينية الفرعية التي اشرت اليها مسبقا.
ان مجرة الجينات داخل كل جسم حي هي مجرة هائلة لكنها خاصة بسكنى كائن واحد فقط، فليس هناك ميت أو حي واحد له جينات مطابقة لجيناتنا الخاصة بنا وليست هناك مجرة واحدة لكائن حي أو ميت في هذا الكون مطابقة لمجرة الجينات التي في داخل كل منا، وبعض أو معظم هذه الجينات هي المسؤولة مسئولية مباشرة على نمو البدن الذي تسجن في داخله نفس كل منا، ولذلك فانه ليس من الغرابة في شيء أنه خلال فترات التكامل هذه والتي تنتهي بالشكل الجسماني الكامل، ان تظهر لنا اياد متشابهة كليا.

سالم محمد
كالجاري ـ كندا
ابريل 2007
________________________

ـ اللوحة المرفقة لسالم محمد – الصياد 2 – الوان جواش علي ورق - 2002


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home