Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salem Mohammed


Salem Mohammed

Friday, 1 September, 2006

غناء المرسكاوي... من العـبودية الى كرنفالات البوسعـدية

بحث مقتضب في تطور فن الغـناء الحضري الحديث في مدينة بنغـازي


سالم محمد

سكب سال دمع الميامي ....

ارتبطت ليبيا "السوداء" منذ اقدم العصور بثلاثة معابر برية، تمتد من الساحل الليبي الي اعماق افريقيا، حيث ساهمت في تدوين التاريخ الليبي ورسم الهوية الثقافية وتأطير الصورالعرقية للشعب الليبي، وطلت الخصائص الدينية والمذهبية والسياسية للشعب الليبي بألوانها البهيجة. حتى وان انكر بعض الغلاة العشائريون والعنصريون هذة الاصول وهذه الزيجات الحضارية والمؤثرات الافريقية، الا انها شغلت عبر التاريخ ومازالت تشغل حيزا مرئيا يمتد بين حدود الطيف الليبي الاجتماعي والجيني. هذه المعابر التاريخية هي الطرق البرية الي ربطت ليبيا عبر التاريخ بعمقها الجغرافي الجنوبي ولحمتها بافريقيا، لانها كانت ذلك الموصل الحضاري الذي اخترق مستحيل الصحراء الليبية الكبرى الى السودان الغربي وحوض النيجر والتشاد جنوبا ليقيم الصلة الانسانية بين القاطنين في المناطق الواقعة علي الساحل الشمالي لافريقيا والقاطنين بالعمق الافريقي الغني بالموارد الطبيعية والثقافة الافريقية الثرية والاديان والاعراق الافريقية التي تمتد جذورها الى فجر التأريخ الانساني نفسه.

لقد عرف سكان ليبيا الاوائل افريقيا السوداء عبر هذه المنافذ البرية قبل ان يتعرف عليها الاغريق والفينيقيين والرومان في العصور الاوربية الكلاسيكية، والليبيون هم من أرشد الفينيقيين والاغريق والرومان الى أفريقيا التي أطلق عليها احد القادة الاغريق، ممن اعدوا للهجوم على الساحل البرقاوي واحتلاله، اسم ليبيا، وليبيا حسب النصوص الكلاسيكية الاغريقية هي أحدى "الاوقيانيدات Okeanides ـ" ربات السحب والامطار. تقول الاسطورة الاغريقية بأنهن نشأن من المياه العذبة وكن يحطن بوالدهن "البحر أو النهر العظيم ـ الاوقيانوس ـ Ocean" ليرفعن الماء الصافي الى السماء بينما يقوم اخوتهن الذكور باسقاط حبات المطر على الارض لكي تروي الانهار والبحار والمحيطات.

شكل الليبيون القدامى جزأ لابأس به من هذا الحيز الجغرافي الواسع، حيث اختلط ليبيو الساحل الجنوبي للبحر الابيض المتوسط بكافة اعراق السودان الغربي الافريقي مبكرا، ونتج عن هذا الاختلاط حضارة الجرمنت الليبية العريقة التي امتدت من ورفله شرقا حتي غدامس غربا ومن مزده شمالا حتي مرزق جنوبا وحضت مدينة جرمه القديمة بموقع العاصمة لهذه الدولة. هذه الطرق امتدت وتشعبت بين مصراته (سيفاله) و طرابلس (أويات) و بنغازي (يوسبيريديس) لتمر عبر الواحات الليبية في زله وسوكنه وودان وهون وغدامس وسبها ومنها الي مرزق جنوبا باتجاه حوض النيجر والسودان الغربي أو الى الكفرة ومنها الي واداي.

في العهود القرطاجية، كانت هذه الطرق شرايينا اقتصادية تنبض بالحياة، مشكلة قنوات مهمة لتبادل المعرفة بكافة اشكالها بين الشعوب، وممرات تجارية لرأس المال ووترانزيت حيوي للتبادل التجاري للسلع الافريقية التي تهافت على امتلاكها اثرياء واقطاعيو قرطاج وهدروميتوم وتجاروارستقراطية مدن طرابلس ولبدة وصبراته وابولونيا وطلميثه وقورينا، اما خلال مراحل التوسع الرومانية في الشمال الافريقي بعد تدميرهم لقرطاج، فقد زادت هذه الطرق ازدهارا وصارت تمثل مصدرا مهما لتبر الذهب والرقيق وحيوانات الادغال الافريقية وريش النعام وغيرها من البضائع التي وجدت طريقها الي روما بعد الازدهار والتوسع الذي شهدته قبل ماركوس اوريليوس، اما تجارة الرق في العهود الرومانية الامبريالية فقد كانت ايامها ضرورة اقتصادية ماسة كضرورة النفط والغاز الان في الاقتصاد العالمي الحديث.

اما في العصر الحديث، وبالتحديد في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، فقد كانت طرق القوافل تخترق ليبيا من الشرق الى الغرب، ومن الشمال الى الجنوب، وكان اهم هذه الطرق طريق الحجيج الذي ربط طرابلس بالمراكز المأهولة على الساحل الطرابلسي والبرقاوي باتجاه بنغازي، ثم الاسكندرية ومنها الى مكة والمدينة، اما الطريق الحيوي الاخر، فكان الطريق القبلي الذي انطلق من طرابلس باتجاه الجنوب الشرقي الى واحتي سوكنه وزلة ثم امتد حتي جالو وسيوه ومنها الى الفيوم المصري.

بالاضافة الى الطرق التي امتدت من الشرق الى الغرب، امتدت الطرق التجارية الصحراوية من طرابلس الي غدامس وغات باتجاه كانو في نيجيريا، مرورا بحاضرة تمبكتو الاسلامية وغيرها من التجمعات الحضرية في غرب السودان، اما الطريق الثاني فكان يربط مصراته بمرزق تم يتفرع منها الى بيلما جنوبا حتى بحيرة التشاد، بينما ربط الطريق الثالث بنغازي بواحة الكفرة وهضبة تيبستي ومنها الى واداي الافريقية. كانت هذه الطرق الرئيسية تتقاطع وترتبط مع بعضها بطرق فرعية لترسم شبكة متداخلة ومعقدة من الطرق البرية في الصحراء الليبية الخالية تماما من السكان. وسط هذه الشبكة الصحراوية المعقدة، كانت حاضرة مرزق منذ نشأتها كمحطة، وحتي العشرينيات من القرن الماضي، نقطة التقاء بين الشعوب والحضارات الليبية الشمالية وبين الشعوب والحضارات الافريقية السوداء.

منذ العهود القديمة، وعبر هذه الطرق، تدفق السود الافارقة الي شمال افريقيا وجلبوا معهم فنونهم وثقافاتهم وعباداتهم وادابهم بالاضافة الى جيناتهم التي غيرت الصورة العرقية في المناطق الحضرية التي استقروا بها مثل مرزق وغات وسبها وطرابلس وبنغازي ومصراته، وساهمت هذه الحركة البشرية في نمو الموانيء علي طول الساحل الليبي، فعلي سبيل المثال كانت مدن طرابلس وبنغازي تعتمد علي تصدير المنتوجات المحلية مثل الحلفاء والسجاد والاسفنج والقمح، الا انها اعتمدت بشكل اساسي على تصدير الرقيق الاسود (العبيد) والمنتوجات الافريقية مثل ريش وبيض النعام والتبر والجلود والصودا والحيوانات البرية المتوحشة. كذلك من الواجب التذكير بأن هذه الطرق ساهمت في نشأة وازدهارالمدن الليبية القديمة في حوض الاجال وسبها والشاطيء، فالقبائل الليبية البدائية التي قطنت منطقة فزان والحمادة الحمراء وغدامس، ما كان لها ان تستقربسهولة في هذه الوديان والصحاري القاحلة لولا ازدهار تجارة الترانزيت الافريقية التي ربطتهم ببني جنسهم في الشمال الليبي وبين سكان حوض بحيرة التشاد و حوض النيجر الافريقيين، أما القبائل الامازيغية التي ساهمت في بناء التجمعات الحضرية في فزان فكانت تضم قبائل الطوارق الاوزاغن والمنغاساتن وقبائل التبو الذين خبروا واستفادوا من تجارب الشعوب الافريقية التي استقرت في حوض النيجر.

انه لمن الحكمة ان يعترف ويتقبل اهل ليبيا الحقيقة التاريخية التي تؤكد بان بعض اجدادهم وحتى وقت قريب قد كانوا تجارا للرقيق الافريقي الاسود وأنهم قد مارسوا هذه التجارة وعملوا وسطاء للرومان وللعرب وللاتراك الذين استعمروا ليبيا وسال لعابهم للارباح الضريبية التي كانوا يجنونها من تجارة الرق. ان اثار الجماجم والعظام البشرية والقيود الحديدية وعظام الجمال والدوائب التي نفقت عطشا خلال رحلات العبودية المشئومة مازالت مبعثرة على جوانب هذه الطرق البرية الصحراوية وشاهد علي المأسي الانسانية التي تعرض لها الرق الافارقة بسبب الطمع البشري في الثروة والتكالب وراء الربح السريع الذي جلبته هذه التجارة. وبالرغم من ان طرق الالام الافريقية تمثل وصمة عار في جبين الانسانية، الا ان الليبيين لن يتحملوا وحدهم المسئولية علي تجارة الرقيق الافريقي، لان تزايد الطلب على الرق كان مصدره المجتمعات والحضارات الاوربية، ونهم الامبراطوريات التي توالت علي حكم ونهب واستعمار ليبيا، والدليل علي هذا الاستنتاج هو ان تجارة الرقيق عبر هذه المعابر الصحراوية وهنت وتقلصت بمجرد احتلال الانجليز والفرنسيين لغرب افريقيا والسودان الغربي الذي اطلقت عليه فرنسا فيما بعد اسم السودان الفرنسي وافريقيا الاستوائية، وبالاخص عندما شيد الانجليز الخط الحديدي الذي ربط بين حوض النيجر والساحل الغربي لنيجيريا، حتى ان هذه الطرق اشرفت علي النهاية واصاب الضمور حركة ترانزيت العبيد بين افريقيا والساحل الليبي، بينما استمرت السلطات والشركات الاوروبية وبالاخص الانجليز في تشجيع تجارة تصدير الرق الى اوربا وامريكا. وبالرغم من هذا التحول، استمرت تجارة العبيد في ليبيا بشكل اخف حتى منتصف القرن التاسع عشر عندما اصدر السلطان العثماني قانونا يحرم المتاجرة بالرقيق الافريقي، وبذلك اجبر تجار الرق علي تهريب الاطفال والصبيان والصبايا سرا من مرزق ووداي الى طرابلس وبنغازي ولم تنقطع عمليات التهريب هذه حتي نهاية الحرب العالمية الاولي، اما مرزق فقد استقبلت اخر قافلة محملة بالعبيد الي الساحل الليبي في سنة 1929.

من الواجب هنا ان نقف قليلا لنتمعن في نظرة المجتمع المسلم الأبيض للسود، ونتمعن في الصورة الوجدانية المتناقضة للمجتمع تجاه الزنوج. هذه النظرة الي الزنجي غذاها أدب شعبي شديد الغنى ورسخها في الذهنية الاجتماعية للمسلم الابيض، ففي الوقت الذي كان يُعزى فيه للاسود الزنجي ملكة الوقاية من أشرار الأمراض خاصة قدراته الخارقة على مداواة الصرع والجنون، حيث وهبت المخيلة الجمعية الشعبية للزنجي الافريقي (الطليس) القدرة على ازالة المواجع والمصائب من بدن المريض، على سبيل المثال، لتحل في بدن الاسود ويتكفل هو وحده بألام المصاب، موجها امراض ومواجع غيره نحو بدنه، ذلك لانه يحضى بقدرات خارقة على التحمل والمكابدة. في نفس الوقث كان المجتمع يُلصق بالاسود الزنجي تهمة السحر والتحكم في الارواح الشريرة والقدرة علي التحدث مع الشياطين والتعامل مع الارواح التي تسكن في خفاء العالم السفلي، وينسبون لللاسود كل ما له علاقة بالشعبذات وإبعاد الشر والأمراض.

هناك ايضا صورة اخري للزنجي في المخيلة الليبية تتعارض مع قدراته الغيبية، وتتأكد في حضور الزنجي الدائم والمتكرر لمناسبات وطقوس الزواج الليبية، وفي تفضيل الاغنياء وميسوري الحال من اهل الحضر خادمات البيوت السوداوات. بدون شك، هذه الصور تعكس موقفين اجتماعيين متضادين، هما الاحتقار المبالغ فيه لكل ما هو اسود البشرة، وسيل من العطف والرأفة عتى كل ما هو اسود. وبالرغم من اعتراف المجتمع الليبي بالقوة والخصوبة الجنسية والجسدية للأسود، وبورعه الشديد وايمانه بالخرافات واجادته الغناء والرقص واتقانه فنون الفكاهة والتهريج، الا ان هذا المجتمع، كان مصرا على اعتبار الاسود ناقصا، معدوم الغيرة الاخلاقية، لا قيمة للشرف عنده، ولا شخصية له، وقليل الذكاء.

العبيد أوالرق الذين ارغموا على الانفصال عن بيئتهم الافريقية، والذين لم يتمكن تجار الرق من بيعهم وتصديرهم الى اوروبا أوامريكيا، استقروا بشكل كثيف، في المناطق الحضرية كالمدن وفي المناطق الزراعية والرعوية الليبية وبين العشائر،. أما الذين استقروا بين العشائر الليبية البدو الرحل و شبه الرحل، فقد واجهوا النظم العشائرية والقبلية الصارمة، والتمييز العصبي المستشرى بين البدو، ولم تمكنهم هذه الحواجزمن الانضمام الي القبيلة والفوز بحمايتها، كما فازت بها مجموعات المرابطين والمهجرين من عرب الاندلس والمغاربة في اوقات سابقة، فاضطرالافارقة الي اللجوء الى المناطق الحضرية ليقطنوا بها، ولذلك نجد ان معظم ذوي البشرة السوداء في ليبيا يسكنون المدن المنتشرة علي الساحل الليبي. هولاء كانوا يشكلون الفئات المغيبة والوضيعة في المجتمعات الحضرية الليبية، خاصة التي تركزت في مدينتي طرابلس وبنغازي. كانت مجموعاتهم تقطن الضواحي والاحياء الفقيرة المملؤة بأكواخ الصفيح والعشش، مهمشة وليست مؤهلة للقيام بأية اعمال حرفية، مما ارغمها علي اللاانتماء الحضري والتحول الى الفساد و والبغاء والشعبذة والعمل كخدم في المنازل والغناء والرقص في الافراح. تحت وطأة كابوس وبؤس هذا الوقع الاجتماعي القاسي، أطل علينا المرسكاوي البهيج من رحم المأساة الافريقية، ولا شك بأن المرسكاوي البدائي جاء عبر كرنفالات البوسعدية (البوسعدية هي التسمية التي اطلقها سكان شمال افريقيا العرب علي الرقص والطقوس الشامانية الافريقية) وهو ذلك النوع من الغناء الذي انشدته وغنته الإماء الزنجيات اللواتي تحولن الى خادمات في المنازل أو عاهرات سوداوات، وانشده العبيد (الشواشين) الذين اعتقهم ملاكهم (عبيد كاباو وغيرها من التسميات المحلية). كان المرسكاوي اول الامرمرتبط بالتقاليد الإفريقية التي أدخلتها هذه الأقليات السوداء الى مرزق والى الكفرة، وعندما الغيت العبودية في ليبيا ابان العهد العثماني الثاني، انتقلت الي المدينة حشود كبيرة من العبيد لتضخ دماء جديدة في شرايين التجمعات العرقية الافريقية المهمشة التي تأثرت عبر مضي الوقت بالعادات الليبية وانصتت للشعر الشعبي الحضري وللموسيقى الليبية السائدة انذاك.

فن الغناء المرسكاوي او "المرزقاوي" الذي اشتهرت به بنغازي، ولد من العلاقة الطبيعية بين العبودية، والطرق الثلاث التي ربطت المدن الساحلية الليبية بحوض النيجر ووداي والتشاد، والنظرة الاجتماعية المتدنية للافريقي الاسود، والموروث الغنائي الشعبي في المدن الليبية. فالموروث الثقافي الافريقي من فنون وغناء وصلوات وتمائم وسحر وشعوذة وقصص وخرافات، تزاوج عبر القرون مع الموروث الشعبي الليبي من رقص وشعر حضري وغناء، لكنه لم يكن الا زواج استعلائي أطرافه غير متكافئة، الا ان الثقافة الافريقية كانت اقدم واسبق من الثقافات الامازيغو-عربية واكثر التصاقا بالطبيعة والارض لانها جاءت من رحم ثقافة زراعية مستقرة، وبذلك كان تأثيرها كبيرا وبينا على الثقافات الشمال-افريقية، اما الجانب الاخر فهو ان الديانات الطبيعية الافريقية كانت بدائية وبسيطة، فهي اسهل علي ادراك وفهم البدوي من الديانات الفينيقية والاسرائيلية البالغة التجريد، هنا كان نصيب الثقافات الافريقية التأثير الكامل علي ثقافتي التنقل والبداوة الليبيتان.

هنا يأتي عامل مهم اخر الا وهو مدينة بنغازي. هذه المدينة الكوزموبوليتية التي حضنت الجميع اكثر من غيرها من المدن الليبية، فهي التي استقبلت من طردتهم القبيلة، ومن ارادوا الفكاك من قيود العشيرة، والهاربين من شروط الولاء الصارم للطرق الدينية، وكل من اثر البقاء والاستقرار في المجتمع الحضري، بدلا عن التنقل والترحال، والمهاجرين الحرفيين من مصراته وطرابلس والخمس. تحت سقائف بيوت هذه المدينة ايضا عاشت الاقليات اليهودية الحرفية والاقليات الصناعية والتجارية من اليونانيين والمالطيين والايطاليين والاتراك والكرغلية والسلاف، وهي المدينة الاولى التي مسحت دموع العبيد الافارقة، واعتقتهم من عبوديتهم، واطلقت العنان لابداعاتهم وبشاشتهم وانسانيتهم وحناجرهم التي شرخها الكحول الرديء واهلكها التبغ الرخيص، وشبقهم الذي اثارته عيون السماح وابتسامات الجميلات البنغازيات. بنغازي هي الواقع الليبي المتحررمن القيود المذهبية والعرقية والقبلية. وسط هذا المناخ، حصل ذلك التلاقح الثقافي بين فنون الحضر وفنون السود والموروث الغنائي الطرابلسي والافصاح الشعري البدوي، وولد في بنغازي نمط متطور من الغناء هو المرسكاوي، بفجاجته، وحشرجة حناجر مغنيه ومغنياته، وأساه، ولوعته، وجماله النغمي، واشعاره الغير مهذبة وطقوسه البنغازية المتحررة.

ملاحظة مهمة وجب ذكرها الان، وهي ان الانماط الغنائية البدوية حول بنغازي لها صفة محلية ترتبط بالفنون المحلية للقبائل الليبية والعشائر التي تحيط بهذه المدينة ولا تـُعرف خارج ليبيا. فالبرغم من ان الاشكال والانماط الغنائية البدوية والعناصر المكونة لخصوصية النمط البدوي قد تميزت بميزات جمالية خاصة تتمسك بها على صعيد الاداء في المجرودة والعلم، الا ان هذه الانماط فقيرة في محتواها اللحني اذا قورنت بغنى الموروث اللحني المتواجد في مصراته وطرابلس، اذ ان ابرز السلالم النغمية للانماط البدوية لا تكاد تتجاوز مقامين من مقامات الموسيقى العربية السائدة، هما مقامى الرست والبيات، وبهذا فان النمط الغنائي البدوي لم يضيف الكثير الى انغام وانماط المرسكاوي السائدة في بنغازي، لكن الثروة النغمية في طرابلس وسبها هي التي قدمت للمرسكاوي انغامه الشجية.

ان استخدام اصطلاح المرسكاوي في بنغازي والمناطق الحضرية في الشرق الليبي لا يقتصر فقط على مفاهيم الدرجة الموسيقية والسلم الموسيقي والسلم النغمي بخصائصه المعزوفة بل يمتد ليشمل واقع موسيقي من طراز مختلف غير معروف في ارجاء ليبيا، ويمثل الفن الخاص بالشفافية الموسيقية الحضرية لمدينة بنغازي، وقد برز وازدهر بصورة ملموسة بعد ان امتزج في بوثقته الفن الافريقي والايقاعات الليبية القديمة والشعر البدوي. وقد تميز المرسكاوي بعنصرين غير عضويين يدخلان في تركيبته اولهما ما يشبه الموال المصري او العراقي في المقدمة مصحوبا بموسيقى الديوان ـ الديوان هو السلم الذي يبنى عليه المتن الاساسي - وفيه يتم التهيئة للمغني للدخول في الاغنية، وثانيهما ما يطلق عليه شعبيا "التبرويلة" وهي حركة سريعة عند نهاية الاغنية تكون في الديوان الاصلي لللاغنية وكلماتها او في ديوان مغاير، لكن لها ايقاع رقصي يوصل الي التسليم النهائي للاغنية.

بقى ان نقول بأن المرسكاوي هو ارتجال كامل يعتمد على السماع بالدرجة الاولي ـ غير مدون في تابلوهات موسيقية ـ وليس من الضروري ان تصاحب المرسكاوي الات موسيقية، لكنه كغيره من الانماط الحضرية الليبية، كالمألوف في طرابلس ودرنه، يشكل وحدة مترابطة من عدة مقومات هي (1) النغم، مثل البيات، الرست، الصبا، الحجاز، السيكاه، والعجم والنهاوند وغيرها من المقامات العربية، (2) الشعر الشعبي باوزانه وعروضه الشعبية المتنوعة، (3) الايقاع الذي يمثل مقومة اساسية للمرسكاوي والذي للاسف لم يتطور ليصل الي تعقيد الايقاع المصمودي مثلا، و(4) طريقة الاداء المبدع للمطربين الشعبيين مثل السيد عليويكة، والسيدة الفونشه، والسيد حميدة درنه والاستاذ عبد الجليل.

في النهاية، ثمة سؤال يطرح نفسه دائما: لماذا يغلب طابع الحزن على المرسكاوي وألحانه؟ اترك الاجابة للقاريء.....

م. سالم محمد
كالجاري، كندا
اغسطس 2006
________________________

المصادر :
- تاريخ السودان للبكري
- تاريخ ليبيا من نهاية القرن التاسع عشر حتى عام 1969، البروفيسور ن. بروشين
- دراسات في الموسيقى العربية ـ موسيقى المدينة، الاستاذة شهرزاد قاسم حسن
- الاطلس الكلاسيكي، تومسون
- الانسيكلوبيديا الانجليزية للميثولوجيا ـ النساء في الميثيولوجيا ـ 1912
- جيوكرافيك ماجازين البريطانية، مايو ـ اكتوبر 1936
- المألوف ـ تراث مألوف، الاستاذ سالم شلابي، دار الفرجاني
- المألوف والموشحات، كراس، الاستاذ حسن عريبي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home