Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

الجمعة، 27 يونيو 2008

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج
بقلم : الصادق شكري
الجزء الثّالث
الحلقة الثالثة ( 3 مِنْ 10 )

أوصي الشباب بأن لا ينسوا تقاليدهم العائليّة القديمة، بل، يحافظوا عليها، وأن يحترموا شيوخهم وذوي الرأي فيهم. وعلى الشيوخ أن يعطفوا على الشباب ويحسنوا إرشادهم. فقد جاء في الحديث الشريف: (من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، فليس منا). وإن الحكيم العربي يقول:

ولا خيرَ في حِلمٍ إذا لم تكنْ له... بوادرُ تَحمي صفَوهُ أن يُكدَّرا

ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم تكنْ له... حليمُ إذا ما أوردَ الأمرَ أصدَرا  

عليكم بحكمةِ الشيوخ وفتوة الشباب، فلا غنى لإحداهما عن الأخرى.            

من خطاب الأمير إدريس السّنوسي بمدينة بنغازي يوم الأحد الموافق 30 يوليه/ تموز 1944م.                           

الحلقة الثالثة     

كان السيّد/ إدريس السّنوسي مؤمناً – ومنذ البداية – بنموذج الدَوْلة الحديثة، فبعد مفاوضاته مع الطليان: مفاوضات الزّويتينة (من يوليو/ تموز إلى سبتمبر/ أيلول 1916م)، ومفاوضات عكرمة المنطقة القريبة من مدينة طبرق (من يناير/ كانون الثاني إلى أبريل/ نسيان 1917م)، ثمّ اتفاقية الرجمة الموقعة بتاريخ 25 أكتوبر/ تشرين أوّل 1920م، وهي المفاوضات التي توجت في نهاية المطاف بالاعترافِ به كأمير يدير شئون حدود منطقة تمّ الاتفاق عليها، كذلك، الاعتراف الذي كلل جهوده بمنحه إدارة (حكم ذاتي) على منطقة جغرافيّة تكون عاصمتها ومقرّ حكومتها مدينة (إجدابيا)، وتتشكل حدودها من الواحات التالية: الجغبوب وجالو والكفرة. وبناءاً على اتفاقية (الرجمة) قُسمت حكومة برقة إلى قسمين:

{.. الأوّل: الإمارة السّنوسيّة، ويرأسها الأمير محَمّد إدريس السّنوسي الذي يخضع له القطاع الجنوبي من برقة وعاصمتها إجدابيا.

ويتولى السّلطة التشريعيّة فيها (مجلس النوّاب) منتخب يمثل المدن والقرى والواحات بنسبةِ عدد سكّانها. ومدة العضويّة (4) أربعة سنوات.

الثّاني: القطاع الشمالي من برقة، ويتألف من السواحل وبعض الجبل الأخضر، وهو يخضع لحاكم إيطالي يدير شئونه المدنية والعسّكريّة..}م22.

والملاحظة الجديرة بالذكرِ في هذا السياق، أو الشيء الذي لابُدَّ من الإشارة إليه، هو:..{.. أن الخلافات التي كثرت في القسم الغربي من البلاد، جعلت زعماء طرابلس غير قادرين على توحيد الصفوف، وغير قادرين على الاتفاق على زعيم واحد يخوضون معه معركة التحرير والاستقلال، بينما استطاعت الحركة السّنوسيّة أنّ تحصن القسم الشرقي من البلاد من تلك الخلافات وسلبياتها وظلَّت القيادة السّنوسيّة – وخاصّة في عهد السيدين: أحمد الشريف ثمّ إدريس المهدي–  قادرة على فرض حضورها الديني والأدبي على سكّان برقة. وظلّ زعماء القبائل على ولاء كامل للقيادة السّنوسيّة. كمَا كانت (فزَّان) موحدة إلى حدِ كبير تحت قيادة أحمد سيف النصر الذي يعتبره البعض فارس الجنوب...}م23

وفي عام 1918م.. برزت فكرة (الجمهوريّة الطرابلسيّة) في هذا العام، إثر القانون الأساسي الذي أصدره ملك إيطاليا، وأُعلنت الجمهوريّة بعد المؤتمر الذي عقده قادة الجهاد في الجهة الغربيّة يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1918م في مسجد المجابرة في بلدة مسلاتة. وأصبحت (الجمهوريّة الطرابلسيّة) بعد هذا الإعلان أوّل جمهوريّة عربيّة في التاريخ. وأرسلت قيادات الجمهوريّة الطرابلسيّة بلاغات إلى رؤساء بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكيّة بغرض الحصول على الاعتراف بها، بالإضافة إلى بلاغ إلى السّلطات الإيطاليّة، والتي رفضت مباشرة مسألة الاعتراف بها.

على أيّة حال.. لم تدم الجمهورية طويلاً حيث دام وجودها أقل من سبعة شهور، ورغم قصر المدة إلاّ أن الجمهورية تمكنت من تكوين بعض المجالس والمؤسسات وجهة استشاريّة مكّونة من شخصيتين بارزين هما: السيّد/ عبدالرَّحمن عزام (مصري)، والأمير/ عثمان فؤاد (تركي) الذي حضر من الآستانة إلى طرابلس الغرب (في مايو/ أيار 1918م) لإزالة الخلافات القائمة بين الزَّعامات الطرابلسيّة وتوحيد الصف ضدَّ الغازي الإيطالي.

وجاء عن مؤسسات الجمهوريّة ومجالسها في كتابِ: (جهاد الأبطال) للشيخ الطاهر الزاوي، ما يلي..{.. انبثق عن مؤتمر مسلاتة ثلاثة مجالس، هي:

1 – المجلس الجمهوري: ويتكون من أربعة أعضاء هم: رمضان السويحلي، سليمان الباروني، أحمد المريض، عبدالنبي ابن الخير، وهو أعلى سّلطة سياسيّة في الجمهوريّة.

2 – مجلس الشورى: ويتكون من أربعة وعشرين عضواً.

3 – مجلس شرعي: ويتكون من أربعة أعضاء.

وتمّ اختيار هذه المجالس عن طريق انتخاب بعضهم من الحاضرين في مؤتمر مسلاته، والبعض الآخر من الغائبين بهدف توزيع المسؤوليات وإشراك جميع القبائل. لكن هذه الجمهوريّة، لم تعش طويلاً، لأنّها ولدت قبل اكتمال الظروف السياسيّة والثقافيّة التي تساعد على نموها واستمرارها. وتبع ذلك إنشاء حكومة وطنيّة منبثقة عن اتفاقية الصلح مع الإيطاليين عام 1919م، لكنها، لم تستمر طويلاً. ومن أهمّ تلك المحاولات التنظيميّة:

مؤتمر غريان عام 1920م الذي حقق تأسيس هيئة الإصلاح المركزيّة برئاسة أحمد المريض. ومن أهمّ قرارات مؤتمر غريان: الدعوة إلى إقامة حكومة ليبيّة برئاسة رجل مسلم، وإرسال وفد إلى إجدابيا للاجتماع إلى السيّد إدريس السّنوسي وإبلاغه باستعداد هيئة الإصلاح بإعطاءِ البيعة له ليكون قائداً لكل البلاد. وتزامن هذا التحرَّك من قبل قادة طرابلس مع اعتراف إيطاليا بإمارة السيّد إدريس على دواخل برقة وتشمل واحات: جالو، وأوجله، والكفرة، والجغبوب...}م24

والحاصل.. وقـع زّعماء المنطقة الغربية في مدينة (غريان) في المؤتمر الذي انعقد يوم 28 يونيو/ حزيران 1922م، وثيقة (كتاب البيعة) تمنح السيّد/ إدريس السّنوسي الحق بأن يتكلم بإسمهم كالحق الذي منحه أهل برقة إياه، وفي 22 أغسطس/ أب من نفس العام حمل وفد طرابلسي جديد (كتاب البيعة) برئاسة بشير بك السّعداوي، وعضوية كل من: الشيخ محَمّد عبدالملك، نوري السّعداوي، محَمّد الصادق بك الحاج، عبدالرّحمن عزّام بصفته المستشار العام لـ(هيئة الإصلاح المركزية). 

و(كتاب البيعة) تمّ توقيعه بتاريخ 28 يوليه/ تموز 1922م من مجموعة من الشخصيّات البارزة نيابة عن ما يعرف بـ(القطر الغربي) آنذاك، فجاء على رأس الموقعين رئيس (هيئة الإصلاح المركزيّة)، ومستشارها، والسيّدان هما: أحمد المريض، وعبدالرَّحمن عزام. وضمت قائمة الموقعين أعضاء هيئة الإصلاح المركزيّة ومجموعة من الأعيان. وحمل الوفد الطرابلسي في 22 أغسطس/ أب 1922م وثيقة البيعة إلى الأمير إدريس السّنوسي، وأعلن الأمير قبوله البيعة في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1922م بعد مشاورات وحوارات أجراها مع قيادات المنطقة الشرقيّة وأعيانها.

وجاء (كتاب البيعة) (15) الذي أرسله الزعماء الطرابلسيين إلى الأمير إدريس السّنوسي، على النحو التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

سمو مولانا الأمير الجليل السيّد/ محَمّد إدريس حفظه الله ورعاه،،،،،،

أنّه لا يخفي على سموكم بأن الخلاف ما يزال قائماً بيننا وبين الحكومة الإيطاليّة، ذلك لأن الحكومة الإيطاليّة وجهت عزمها إلى العبث بجميع حقوقنا شرعيّها وسياسيّها وإداريّها، وجعلت من قوتها مبرراً للتصرف في مصيرنا وحقوقنا الطبيعيّة، ونحن خير أمّة أخرجت للنَّاس، لا نتحمل ضيماً، ولا نرضى أن تضمحل شريعتنا، ولا أن يتطرق الخلل إلى ديننا القويم، كائناً من كان، الأمر الذي حملنا على ركوب الأخطار واقتحام الحروب المتواليّة، معتمدين على قوة الحق، إلى أن نظفر بتحقيق أمنيتنا القوميّة، ألا وهي تأسيس حكومة دستوريّة يرأسها أمير مسلم جامع للسّلطات الثلاث الدينيّة والسياسيّة والعسّكريّة، مع مجلس نيابي تنتخب الأمّة أعضاءه، وبهذا يسلم وطننا، ويتم أمر ديننا، وتصلح أحكام قضاتنا، ونحفظ شرعنا وعنعنة تاريخنا الباهر. وهذا لا ينافي ما تدعيه إيطاليا، وما دأبت عليه في خطب رجالها، من أنّها لم تحتل ديارنا بنية الاستعمار، وإنّما ساقتها دواعي السياسة الدوليَّة في البحر المتوسط. ولو كانت صادقة في دعواها هذه لما عرضت بلادنا للخراب، بتوالي المهاجمات، واستعمال دهائها وقدرتها للتفريق والفوضى.

وقد حاولت فصل الأمّة بعضها عن بعض بطرق مختلفة، وأبى الله إلاّ أن يجمع كلمة القطرين الشقيقين، بأن يلتفا حول أمير واحد يرضيانه. وحيث كان سموكم من أشرف عائلة وأكرم بيت، مع ما تجمع في ذاتكم الشريفة من المزايا العالية والأوصاف الجليلة فإن (هيئة الإصلاح المركزيّة) الحائزة للوكالة المطلقة من (مؤتمر غريان) الذي يمثل الأمّة الطرابلسيّة، بانتخاب واقع منها، قد وجدت في سموكم أميراً حازماً قادراً على جمع الأمّة، حائزاً للثقة العامّة، محبوباً، فهي لذلك تبايع سموكم أميراً للقطرين طرابلس وبرقة، على أن تقودهما إلى ما يحقق أمانيهما الشريفة الإسلاميّة المنوه عنها. على أن مبايعتكم كانت مضمرة في كلّ نفس منذ وقع الاتحاد بين مندوبي القطرين في (سرت) وكان السبب في تأخير تحقيقها طوارئ الحرب التي طوحت بكل واحد من أعضاء الهيئة ورجال القطر في منطقة الأمير المحبوب للقطرين المباركين. ومتى سنحت الفرصة عند تشريفكم إيانا، حسب رغبة الأمّة، تقام لكم مظاهر هذه البيعة في موكب لائق بسموكم. والله سبحانه وتعالى يمدكم بروح من عنده ويجعل البركة في البيت السّنوسي المؤسس على التقوى والصلاح. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

الجمعة 3 ذو الحجة 1340 هجري

الموافق 28 يوليه/ تموز 1922م                

الموقعون:

أحمد المريّض (رئيس هيئة الإصلاح المركزية ). 

عبدالرَّحمن عزام (مستشار هيئة الإصلاح المركزية ).

محَمّد بن عمر (عضو هيئة الإصلاح المركزية).   

بشير السّعداوي (عضو هيئة الإصلاح المركزية). 

حسين بن جابر (عضو هيئة الإصلاح المركزية).  

محَمّد فرحات (عضو هيئة الإصلاح المركزية).  

عبدالرَّحمن زبيدة (عضو هيئة الإصلاح المركزية). 

محَمّد التائب (عضو هيئة الإصلاح المركزية).  

سالم البحباح (عضو هيئة الإصلاح المركزية).   

عثمان القيزاني (عضو هيئة الإصلاح المركزية). 

عمر بو دبوس (عضو هيئة الإصلاح المركزية). 

محَمّد صادق بن الحاج (عضو هيئة الإصلاح المركزية).  

محَمّد مختار كعبار (عضو هيئة الإصلاح المركزية). 

 محَمّد فكيني (عضو هيئة الإصلاح المركزية). 

الصويعي الخيتوني (عضو هيئة الإصلاح المركزية). 

محَمّد الديب (عن الأعيان).

محَمّد سوف (عن الأعيان).

عمر ضياء (عن الأعيان).

علي أبو حبيل (عن الأعيان).

أحمد الشتيوي (عن الأعيان).

محَمّد سعدون (عن الأعيان وقائد الجيش الوطني).

فرحات القاضي (عن الأعيان).

خالد القرقني (16) (عن الأعيان).

أحمد السني (عن الأعيان).

البغدادي بن معيوف (عن الأعيان).

محَمّد الصغير المريّض (عن الأعيان).        

على أية حال.. اهتدت قيادات المنطقة الغربيّة بعد مماطلات المستعمر الإيطالي ومراوغاته، والصراعات الدائرة بين قبائل المنطقة وزعمائها، إلى إرسال وفد يمثل المنطقة إلى الأمير إدريس السنوسي بغرض مبايعته كأمير على القطرين.

قبل الأمير إدريس السّنوسي بيعة أهل طرابلس بعد مشاورات أجراها مع زعماء برقة في مؤتمر عقده بمنطقة  (جردس العبيد).  

وجاء خطاب قبول (البيعة) على النحو الأتي: 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبعد،،،،،،،

فقد تناولت بيد الشكر عريضتكم التي أظهرتهم فيها رغبتكم الخالصة في تحقيق غايتكم التي أجمعتم عليها في مؤتمر غريان، وجاهدتم لها جهاداً صادقاً بالأنفس والثمرات، في شخصي، فأخذتها داعياً الله أن يحقق آمال هذه الأمّة، ويكلل مساعيها كلها بالنجاح. ولما كان إتحاد الوطن وسلامته هما الغاية التي طالما سعيت إليها، وجدت نفسي من واجبي أن أتلقى طلبكم بالقبول، وأن أتحمل المسئوليّة العظمى التي رأت الأمّة تكليفي بها، فعليّ إذن أن أعمل بجد معكم. ولكن لا تنسوا أنّني بغير إقدامكم وجدكم لا قدرة ليّ على شيء. إنّي أعلم أن الحياة الخالدة هي للأمم لا للأفراد، وكذلك الأعمال العظيمة الباقية هي التي تنصرف إلى صالح الجميع، فلذلك أدعوه سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى كل عمل ثمرته للأمّة، إذ من حق كلّ شعب أنّ يسيطر على شؤونه، والنَّاس منذ نشأوا  أحرار. وقد أظهر شعبنا في كل أدواره مقدار محبته للحرية فدفع مهوراً غالية، فلا يصح لأحد أن يطمع في استعباده والاستبداد بشؤونه. لقد اشترطتم عليّ الشورى، وهي أساس ديننا وسأعمل على قاعدتها. هذا، وقد رأيت أن أقرّ الأمور على ما هي عليه حتى تجتمع جمعيّة وطنيّة لوضع نظام البلاد. فلذلك أكِلُ إلى الهيئة المركزيّة، لما بدأت من الحمية والعدل والدراية، أن تستمر على إدارة شؤون القطر الطرابلسي، وليّ الثقة العظيمة في حكمة رئيسها البطل الحازم أحمد بك المريّض ورفقائه. والرؤساء الكرام، الذين أيدوا مساعي الهيئة المليّة، أن يتحملوا مشاق المسئوليّة بصبر ولتثبيت دعائم البناء الوطنيّ الذي شيدوه وأسأله تعالى أن يمد الجميع بعنايته ويثبت الأقدام ويقهر الأعداء ويمن بالنصر الموعود، إنه على ما يشاء قدير.

محَمّد إدريس المهدي السّنوسي  

الأربعاء 3 ربيع الثاني 1341 هـجري

الموافق 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1922م.    

ومن جديد.. وصل أميندولا وزير المستعمرات الإيطالي، وفولبي والي طرابلس إلى برقة خلال فترة تواجد بشير السّعداوي ورفاقه في إجدابيا، واجتمعوا بالأمير إدريس السّنوسي في منطقة جردس العبيد. ويذكر، أن المنطقة الغربية كانت قد أرسلت وفداً أخراً إلى إيطاليا إلى جانب الوفد المُرسل إلى برقة للاجتماع بالأمير إدريس السّنوسي، بهدف إعلام المسئولين الإيطاليين بحال البلاد وما آلت إليه أوضاع النَّاس من سوء وتردي ثمّ التطرق إلى موضوع الإستقلال. كمَا، أرسلت برقة إبّان تلك الفترة وفداً إلى روما لمناقشة الطليان في مسائل الحرية والإستقلال وفقاً لمبادئ الرئيس الأمريكي ولسن (الحرية)، وضم الوفد المُرسل شقيق الأمير السيّد/ محَمّد الرضا والشيخ/ عبدالحميد العبّار....وآخرين، ولم يتمكن الوفد من تحقيق شيء يذكر نظراً لتشبث الطليان بفكرتهم الاستعماريّة.

وفي وقت لاحق.. أرسلت المنطقة الغربية وفداً إلى موسكو لعرض القضيّة الليبيّة على الروس ومناقشة القضيّة معهم. أرسل الطرابلسيين عام 1920م، السيّدان: خالد القرقني ومصطفى ميزران إلى موسكو للمشاركة في مؤتمر خصص لمناقشة قضايا الشعوب الإسلاميّة، وقابلا لينين وعرضا عليه المسألة الليبيّة (طرابلس). ويذكر أنّ حق تقرير المصير هو مبدأ كان قد تحدث عنه وأكده كلّ من: الزعيم الشيوعي لينين، والرئيس الأمريكي ولسن في نقاطه الأربعة عشر (17).       

وجاء بخصوص (الوفدين) في ورقة قدمها الأستاذ/ مفتاح السيّد الشريف في ندوة عقدها المؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة بقاعة (الكوفة ) في لندن بمناسبة الذكرى 54 لإستقلال ليبيا، ما يلي:..{.. أرسل الإقليم الغربي وفدين أحدهما يحمل البيعة للسيّد إدريس والثّاني إلى روما من بين أعضائه: فرحات الزاوي وخالد القرقني ونوري السّعداوي والساعدي بك والصادق بالحاج النائب في (المبعوثان). وقد أمضى الوفد هناك ستة أشهر لم يقابلهم فيها أحد من المسئولين سوي أعضاء من الحزبين الاشتراكي والشيوعي، المعارضين مظهرين تعاطفهم مع القضيّة الليبيّة، ونتيجة لضغط هؤلاء الأعضاء اضطرّ وزير المستعمرات لمقابلتهم. وحسب رواية نوري السّعداوي أبلغهم الوزير بهذا الرفض القاطع لمطالبهم قائلاً:..(..لقد كان القصد من دعوتي لكم مجرّد الاستماع لشكواكم كأفراد لا كوفد رسمي يمثّل البلاد، ومع ذلك فإنّي أدعوكم للعودة إلى بلادكم والسعي لإقناع المقاتلين من الأهالي بتسليم ما بأيديهم من السلاح إلى الحكومة المحليّة الإيطاليّة والاتفاق معها على إجراء انتخاب مجلس يمثّل الأهلين ويكون من حقّ أعضائه مفاوضة الحاكم العام الإيطالي فيما يعود على مصلحة البلاد..).      

.. قابل وزير المستعمرات الإيطالي (أميندولا) في صيف 1922م السيّد إدريس السّنوسي في بلدة (غوط الساس) في محاولة لثنيه عن قبول بيعة أهل طرابلس وتوحيد البلاد، طالباً منه التفرّغ لشئون برقة ونفض يده من شئون طرابلس. ولم يعطه السيّد إدريس جواباً شافياً، فغادر الوزير مغضباً. وفي أكتوبر/ تشرين أول 1922م انفجر الوضع في إيطاليا نفسها باستيلاء الفاشيست على الحكم ... 

وفي ظلّ هذه التطورات والظروف، أبلغ الأمير في نوفمبر/ تشرين ثاني من نفس العام الوفد الطرابلسي بقبول البيعة، فوضع السيّد إدريس السّنوسي بهذه الخطوة، حجر الأساس لبناء الدولة الليبيّة الجديدة...} م25.  

وفي عام 1920م.. حاولَ الطليان التخلص من الأمير إدريس السّنوسي بشتى الطرق والوسائل، وتمكن وكلاء الطليان في هذا العام بدس السم في طعامه. وعندما اشتدت وطأة المرض على الأمير إدريس السّنوسي، لم يلبث..{.. الطليان أن عرضوا على سموه إحضار بارجة تنقله إلى إيطاليا (للمداواة) بها، ولم يغب عن الأمير غرض الطليان الحقيقي من هذه (الأريحية) المريبة، ولا سيما عندما أخذ هؤلاء يبذلون ما في وسعهم من جهد وحيلة لدى الحكومتين الإنجليزيّة والمصريّة حتى لا تأذنا لسموه بالدخول إلى مصر. ثمّ أقاموا قوة للمراقبة الدقيقة على طول الساحل لمنع سموه من مغادرة برقة..}م26.

وبعد تماثل الأمير النسبي للشفاء، تمكن سموه من الخروج من إجدابيا بعد أنّ وضع خطّةً متقنةً مكنته في نهاية المطاف من الإفلات من قبضة المستعمر الإيطالي البغيض. خرج الأمير إدريس السّنوسي يوم الخميس 2 جمادي الأوّل 1341 هجري الموافق 21 ديسمبر/ كانون أول 1922م من البلاد عبر الصحراء إلى مصر لاستئناف علاجه ومواصلة مشواره النَّضالي حتى يفوت الفرصّة على من يتربص به بغية إفشال مشروعه الوطنيّ الهادف إلى الإستقلال.  

وعوداً على ذي بدء.. كانت برقة تعاني الأمرين بعد هزيمة المجاهدين بزَّعامة السيّد/ أحمد الشريف على أيدي الإنجليز في مصر، حيث قُفِلت الحدود المصرية وانقطعت الإمدادات من المؤن والسلاح، علاوة على ما أصاب البلاد من حملات الجراد التي أتت على الزرع، وتفشي مرض الطاعون، وانتشار المجاعة.

ويضاف إلى ذلك غياب المطر حيث..{.. ظلّ المطر محتبساً طول هذه المدة تقريباً، فكان أعظم بلاء شاهدته برقة في تلك الفترة هو بلاء المجاعة..      

..كان السيّد/ محَمّد إدريس متأدباً مع ابن عمّه السيّد/ أحمد الشريف غاية التأدب ولذلك لم يتخذ أيّ قرار لمعالجة الموقف الحرج الذي تمر به البلاد إلاّ بعد ما كتب إلى أحمد الشريف وشرح له ما كان يجري في برقة، فرّد عليه الأخير برسالة في أواخر عام 1916م جاء فيها : (.... أعمل ما تراه مناسباً، والحاضر يرى ما لا يراه الغائب، وأنا موافق على مطالب أهل الوطن حيث أن لهم حقاً في ذلك..).

..قام السيّد/ محَمّد إدريس بتنظيم شؤون البلاد، وتوطيد الأمن وضرب على أيد العابثين، وقطع دابر المفسدين، فكانت مهمته شاقة وعسيرة...

كان من رأي السيّد/ محَمّد إدريس السّنوسي أن يدخل في مفاوضات مع الانجليز، والوصول على الأقل إلى اتفاق مؤقت من أجل فتح الطرق مع مصر، حتى يتمكن من القضاء على خطر المجاعة، ولم يكن زعماء برقة يمانعون من دخول محَمّد إدريس في التفاوض مع إيطاليا أو إنجلترا مادام تلك المفاوضات تساعدهم في القضاء على شبح المجاعة الذي هدد البلاد، ولم تكن هناك عوائق أمام تحقيق تلك المطالب خصوصاً أن محَمّد إدريس تعرّف أثناء زيارته للحج – توجه السيّد إلى الحجاز عام 1914م لأداء فريضة الحج – على الكثير من رجالات العرب، مثل شريف مكة حسين ودرس معه القضيّة العربيّة التي كانت آنذاك في دور اليقظة، كمَا أنّه أصبح بعد تلك الزيارة رجلاً مهماً بالنسبة لبريطانيا وحلفائها وشرع محَمّد إدريس لدفع البلاد نحو دهاليز السياسة، فأرسل رسالة إلى ممثل الملك جورج الخامس في مصر، وهو الجنرال ماكماهون في ذلك الوقت مقترحاً عقد مفاوضات للصلح، فأجاب بالموافقةِ على فكرةِ إجراء المفاوضات من حيث المبدأ بشرط أن يشارك فيها الايطاليون أيضاً، ولم يجد محَمّد إدريس مفراً من قبول ذلك الشرط .. 

... لقد استطاع الأمير محَمّد إدريس السّنوسي أنّ يبحر بالسفينة بمهارة ويصل بشعبه إلى شط الأمان بعد أن أمضه الجوع حتى اضطر بعض النَّاس إلى أكل لحوم الخيل والبغال والحمير.

وكان يعمل مع إخوانه في حكومته بكلّ جد ونشاط لتطوير الجوانب السياسيّة، والاقتصاديّة، والعسّكريّة، والثقافيّة.

لقد أوجد الأمير محَمّد إدريس حكومة في برقة (حكومة إجدابيا) أحبتها القبائل وهابتها، عملت على نشر العدل، وأزالت الظلم، ووحدت الصف، ونبذت الخلاف، وأقرت السلام.

كان الأمير محَمّد إدريس يدير دفة العلاقات مع إيطاليا بمنتهى الحذر واللباقة، والكياسة، والدبلوماسيّة، والسياسة، وحرص على توثيق علاقته مع الوالي الإيطالي الكونت جاكومودي مارتينو، وعين عمر باشا منصور الكيخيا ممثلاً له في بنغازي، وكان لعمر باشا خبرة سياسيّة نادرة، حيث كان نائباً في مجلس المبعوثان العثماني في استانبول...}م27.

على أية حال.. تحصلَ الأمير إدريس السّنوسي في نوفمبر/ تشرين ثاني 1917م على حكم ذاتي (حكومة إجدابيا)، إلاّ أن هذا الحكم لم يستمر طويلاً. وصحيح، أن (حكومة إجدابيا) لم تدم زمنياً فترة طويلة حيث تخلصت إيطاليا مبكراً من اتفاقاتها مع الأمير إدريس السّنوسي، بل، تآمرت عليه وحاولت قتله الأمر الذي أدّى إلى انفراط عِقد الحكم الذاتي، واضطرار الأمير في أواخر عام 1922م، لمغادرة البلاد إلى مصر لأجل استئناف دوره الوطنيّ بعيداً عن أعين الطليان وتربصاتهم، وبالرَّغم من قصر مدة الحكم الذاتي إلاّ أنّ الأمير برهن على مواكبته للغة العصر وتبنيه لآلياته الناجحة فقد اتبع في ذلك الوقت المبكر الأساليب المتبعة في إدارة شئون الدول الحديثة. أقدم الأمير إدريس السّنوسي على تبني النظام البرلماني، ودَشنَ السلطتين التشريعيّة والتنفيذية، وجعل السّلطة الرقابيّة منوطة إلى أعضاء البرلمان.

وبتأسيس (حكومة إجدابيا) دُشنَ أوّل برلمان في برقة، وهو..{.. يكاد يكون أوّل (عمل سياسي) في منظوره المحلي، يحدث في ليبيا بعد إعلان الجمهوريّة الطرابلسيّة، ويعرفه الليبيّون في برقة بمعناه الصريح والواضح، إلى جانب كونه أوّل (برلمان عربي) في المنطقة بأسرها، ولأن ذكرى (المبعوثان التركي) القديم ظلّت أصداؤها في أعماقهم فقد تعارفوا أيضاً على تسميته شعبياً بالمبعوثان.

نهض برلمان برقة من رماد الأعوام الصعبة.. وإن المشهد الذي تبدّى في بنغازي (18)، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، كان بداية لانطلاق إرهاصات أو محاولات ظلّت تنتظر الفرصة تلو الأخرى لتعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم، وربّما، بالتحايل واستغلال المتاح، وقد يكون زراءه مجاراة لنظم لم يألفها المجتمع في بنغازي بل ليبيا عموماً.. المجتمع الذي كان أغلبه أمياً، ويعاني من الأمراض المتفشيّة بقوة صاعقة، ومظاهر التخلف والفقر كانت تلوح واضحة خلف بوابات بنغازي الموصدة التي أقامها الاحتلال وظلّت من سمات تلك الأعوام الصعبة التي نهض من رمادها مثل العنقاء: (مجلس نوّاب برقة)..}م28.  

ضبطت هيكلية المجلس (مجلس نوّاب برقة) بحزمة من القوانين واللوائح الداخليّة، وحددت دورات انعقاده حيث تقرر انعقاد المجلس مرتين أو دورتين في السنة الواحدة، واستقر الرأي على أن تكون الدورة الأولى بين شهري (مارس/آذار وأبريل/نسيان)، والثانية بين شهري (سبتمبر/أيلول وأكتوبر/ تشرين أول). تقدّم البعض لشغل مقاعد البرلمان في أجواء استخدمت فيها التظاهرات الخطابية وملصقات الدعايّة والإعلان ثمّ أجريت..{.. الانتخابات والاختيارات مع بداية عام 1921م، وبرزت هنا أسماء خمسين (50) نائباً أو عضواً (19) عن المدن والدواخل وبضعة طليان ويهود بنسبة ضئيلة، ومن بين الفائزين بالعضويّة: صالح المهدوي (من خطباء المجلس المشهورين)، ومحمود بن شتوان، ومحَمّد عبدالله منينة، ومحَمّد الكيخيا، ومحَمّد طاهر المحيشي، وحسين بسيكري، وعثمان العنيزي، وطاهر العسبلي، ومفتاح الأمام، وخنيفر العقاب، وبشير الهدل، وبوبكر بالدّان، وطيب بوميكائيل، محَمّد لياس، وأحمد البناني، وسعد بوالقذّافي، وعوض بوعلي، وداوود المجشّر، وحسين شهاوي... وغيرهم.

..أفتتح المجلس في مقره ببنغازي يوم 18 شعبان 1339 هجري الموافق 28 أبريل/ نيسان 1921م، واُختير السيّد/ صفيّ الدين السّنوسي... رئيساً للمجلس، وحضر الضيوف والأعضاء والمسئولين، في برقة، ومثل إيطاليا الأمير أوديني وتبودلت الخطب، وشرع المجلس في أعماله، وأصدر نظامه الداخلي الذي صدق عليه النوّاب في جلسة يوم 27 أكتوبر/ تشرين أوّل 1921م، وقد نشر بالعربيّة في مارس/آذار 1922م في كتيب أحتوى ثلاثة عشر (13) صفحة واشتمل تسعة (9) فصول وخمس وأربعون (45) مادة...}م29.

ومن جديد.. كان نوّاب المجلس يمثلون كافة أطياف المجتمع البرقاوي فقد تمّ اختيارهم وفق قواعد التمثيل الاجتماعي السائدة في المجتمع آنذاك، حيث ضم المجلس خليطاً من: المجاهدين، والمشايخ، والأعيان، والتجار، والمثقفين، وشعراء، وخريجي المعاهد الدينيّة والمدارس التركيّة، وأميين، وسكّان المدينة والدواخل أو ما يسمى شعبياً بـ[ الحُضُور (الحضر)، والبادية]، بالإضافة إلى ممثلين عن الأقلية اليهودية وعدد ضئيل جداً يمثل الجالية الإيطاليّة في برقة. وقد اختيرت مدينة بنغازي مقراً لمجلس نوّاب برلمان برقة، وانعقدت دورة المجلس الأولى يوم الخميس 18 شعبان 1339 هجري الموافق 28 أبريل/ نسيان 1921م برئاسة السيّد/ صفيّ الدين السّنوسي (أخ المجاهد أحمد الشريف) والذي اُختير بالإجماع رئيساً للمجلس باعتباره صاحب معرفة وثقافة ونظرة ثاقبة، بالإضافة، إلى تفقهه في الدين ومركزه الاجتماعي الرفيع كونه مجاهداً كبيراً وقائد المعركة التي انتصر فيها المجاهدون في القرضابيّة (28 أبريل/ نسيان 1915م) والتي قائدها بشجاعة وحكمة واقتدار.

ومن الملاحظ هنا، بأنّ النوّاب تمّ اختيارهم بشكل مفتوح لا احتكار فيه، كذلك، لم يتمّ اختيارهم على أسس الانتماء إلى (السّنوسيّة)، فلو كان الأمر كذلك لأتى الأمير إدريس السّنوسي برؤساء الزوايا وجعلهم نواباً عن الأمّة في مجلس البرلمان.   

والسّنوسيّة في الأصل (طريقة صوفيّة)، وهي من الطرق التي أحدثت ما يشبه الزلازل ليس على مستوى ليبيا فحسب، بل، على مستوى العالم العربي والإسلامي. قال السيّد/ راشد الزبير أحمد الشريف السّنوسي عن (السّنوسيّة) في حوار أجراه معه الصحفي خالد المهير لصالح موقع (ليبيا اليوم)، ما يلي:..{..الطريقة السّنوسيّة كانت من الطرق الصوفيّة التي أحدثت ما يشبه الزلازل على مستوى العالم العربي والإسلامي، مؤسس الطريقة الإمام محَمّد بن علي السّنوسي الذي ولد عام 1787م تقريباً، 1200 هجري في بلدة مستغانم بالجزائر، بعد أن تكون مخزونه الديني والفكري، اتخذ المنهج في الفكر الديني، يدعو إلى فتح باب الاجتهاد، وهذا أوجد له في تلك الفترة عداوات من علماء ذلك الوقت، حتى أن شيخ الأزهر الشريف (عليش) صعد إلى المنبر، وقال: "من لي برجل يغرس هذه الحربة في صدر من يدعوا إلى فتح باب الاجتهاد"، على إثرها زار محَمّد بن علي السّنوسي مصر، وهو في طريقه إلى الحجاز، وجرى بينه وبين علماء الأزهر حوار وضح فيه وجهة نظره في ضرورة فتح باب الاجتهاد، وما ترتب على إغلاق هذا الباب، من تخلف للمسلمين، واستطاع أن يقنع عدداً من علماء الأزهر بوجهة نظره، وهو صاحب طريقة صوفيّة، لكنه، لم يأخذ جانب الصوفي السلبي الذي يدعوا للانعزاليّة والتكايا، وممارسة بعض الطقوس التي تبعد الإنسان عن حياته الطبيعيّة، بل، أخذ الجانب المشرق من الصوفيّة المتمثل في الدعوة للتقشف، والتمسك بالتعاليم الشرعيّة الخاليّة من الزيادة التي ما أنزل الله بها من سلطان، أيّ، (ليس من جماعة الدرابيك والزمامير).

نظام الزوايا التي حافظت عليها السّنوسيّة تعتمد على تعليم الطلبة، وحثهم على التعلم وتحمل المشاق في سبيل الدعوة، وعندما حان الوقت للجهاد، وتعرضت البلاد للغزو الإيطالي، لم يقابل هذا الغزو الغاشم بالمزامير والطبول، بل، نهض شيوخ الزوايا، وجمعوا المواطنين، وتولوا حركة الجهاد، حتى أن أحد الساسة، قال: "إن ليبيا علمت العرب والمسلمين الجهاد "، والأمثلة على طلبة الزوايا كثيرة، ومنهم: يوسُف بورحيل، حسين الجويفي، محَمّد عبدالنبي البوسفي ...وغيرهم...}م30.        

وإذن، السّنوسيّة في الأصل (طريقة صوفيّة)، ولكنها تحوّلت بفعل الحملة الاستعماريّة على ليبيا والعالم الإسلامي، من (طريقة) إلى (حركة)، وتحوّلت بموجب تدشين سلطة الحكم الذاتي ومجلس نواب حكومة برقة إلى (سّلطة مدنيّة)  بعدما كانت (حركة دينيّة) تعتمد على مناصرة قبائل الدواخل فصارت سّلطة مدنيّة تمثل كلّ النَّاس في المدن والدواخل وتعتمد الأساليب العصرية في إدارة شئون الحكم وتلبية مطالب النَّاس. وبعد الحصول على الحكم الذاتي وتدشين مجلس برلمان برقة، مارس الأمير إدريس السّنوسي، سلطاته بموافقة الشّعب ورضاه، وبموافقة البرلمان والأخذ بقراراته وتوصياته.

ولا شك.. أن بداية التجربة الليبراليّة الليبيّة يرجع إلى تاريخ تأسيس حكومة إجدابيا وتدشين أول برلمان في برقة، وهي تجربة تجعل ليبيا تتصدر قائمة الدول العربيّة التي طبقت (الليبراليّة) فالبرلمان في برقة هو أوّل برلمان عربي على الإطلاق. وتعد (حكومة إجدابيا) هي اللبنة الأولى التي تأسست عليها التجربة الليبيّة حيث تمّ الاستفادةُ منها في بناء هياكل حكومة (إمارة برقة الثانيّة عام 1949) ثمّ دولة ليبيا الحديثة بعد الإعلان عن قيامها يوم الإثنين 25 ربيع الأوّل 1371 هجري الموافق 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م. وربّما يقول قائل أن هناك تجارب ليبيّة سبقت (حكومة إجدابيا) ألا وهي (حكومة مصراتة) ثمّ تحالف زعماء وأعيان مصراتة والساحل وغريان وتأسيسهم لأوَّل جمهوريّة في الشمال الإفريقي وثاني جمهوريّة في منطقة الشرق الأوسط التي عُرفت آنذاك بـ(الجمهوريّة الطرابلسيّة) والتي أُعلن عنها في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1918م.  

ولا شك، أن هاتين التجربتين تعتبران ضمن سلسلة الأعمال والأحداث الهامّة التي أدّت تراكماتها إلى إستقلال ليبيا في أواخر عام 1951م. ولا شك، أنّ تجربة (الجمهوريّة الطرابلسيّة) أغنى من تجربة (حكومة مصراتة)، حيث تفرد رئيس الثانية بالقرار وأسست الأولى مجالس لاتخاذه.

أصبح السيّد/ رمضان السويحلي رئيساً لـ(حكومة مصراتة) بعد الإعلان عن قيامها في 5 أغسطس/ أب  1916م. وكان الخامس من أغسطس/ أب أحد تواريخ الانسحابات الإيطاليّة في مرحلة حربها مع الليبيين، وتلك الانسحابات فرضتها ظروف المعارك وجدوى عملية التراجع إلى حين التمكن من الاقتحام والتقدم في الوقت الملائم، وانسحاب الطليان هذا جاء بعد حصار دام خمسة وسبعين (75) يوماً !. دارت معركة طويلة مريرة بين جيش السويحلي والمستعمر الإيطالي، ترجع فيها السويحلي أولاً ثمّ عاد بعد أيّام ليضرب حصاراً حول مصراتة ويقطع الطريق إلى ميناء قصر حمد، فاضطر الطليان إلى التراجع ثمّ الخروج في سفن كانت تنتظرهم في عرض البحر.

قال الشيخ الطاهر الزاوي، بالخصوص، في كتابه: (جهاد الأبطال)، ما نصّه:..[..رجع رمضان السويحلي وجنوده بعد أيام إلى مصراتة، فضربوا حولها الحصار، وقطعوا الطريق إلى مينائها في قصر حمد. واستمر حصار مصراتة خمسة وسبعين يوماً، شهدت بعض المعارك الكبيرة، واضطر بعدها الطليان إلى الانسحاب في 5 أغسطس/ أب 1915م، وخرجوا على هيئة طابور مقاتل إلى الميناء حيث كانت السفن في انتظارهم، وأخذوا معهم كرهائن من سجنوا من الأعيان.

.. وجاء تأسيس (حكومة مصراتة)، بعد إجلاء السويحلي للحامية الإيطاليّة، ودان له أهلها بالطاعة عن طيب نفس من الكثيرين، وعلى مضض من البعض...].

ورغم ما عُرف عن السويحلي من شجاعة وإقدام وإسهامات في معارك الجهاد الليبي خصوصاً معركة القرضابيّة (28 أبريل/ نسيان 1915م)، إلاّ أن في تاريخه الكثير من المعارك والصراعات مع زعماء قبائل وقيادات جهادية ومشايخ زوايا (20)، ومن بين هؤلاء: آل المريّض في ترهونة، وآل سيف النصر وشيخ السّنوسيّة السيّد/ محَمّد العابد في فزَّان، وسوف المحمودي، وقبيلة الزنتان، والي قائمقام فساطو محَمّد فكيني. 

علي أية حال.. لم تسبق تأسيس (حكومة مصراتة) مشاورات وحوارات ومفاوضات كمَا حدث مع تأسيس (الجمهوريّة الطرابلسيّة) و (حكومة إجدابيا). ولم يؤسس السويحلي حكومته كمَا أسست إجدابيا سلطات حكومتها حيث دشنت السلطتين التشريعيّة والتنفيذية، وخولت ممثلي الشّعب في البرلمان ممارسة دور الرقابة على السلطتين نيابة عن منتخيبيهم. ولم يؤسس السويحلي حكومته على أسس مجالس الحكم المعينة كمَا فعلت (الجمهوريّة الطرابلسيّة) حيث كونت ثلاث مجالس لتسيير شئون الجمهوريّة، وهي: مجلس إدارة الجمهوريّة، مجلس شورى الجمهوريّة، مجلس الجمهوريّة الشرعي.  

ورغم استحواذ السيّد/ رمضان السويحلي شبه الكامل على صناعة القرار، وتغييبه لأيّ شكل من أشكال الهياكل التي تضم مجموعة من النَّاس يمثلون فئات الشّعب المختلفة ويساهمون في صناعة القرار – سواء كان تمثيل هؤلاء جاء عبر وسيلة الانتخاب أو التعيين من الحاكم – إلاّ أنّه ألحق بحكومته مجلساً للعلماء أُسندت إليه مهمّة النظر في قضايا النَّاس العامّة، ولكن، لم تسند لهذا المجلس مهام من وزن النظر في قضايا (الحرب والسلم) أو النظر  في القضايا الملحة للسياسة. ويذكر، أن السويحلي دشن بعض الأعمال التي اعتبرت، وقتذاك، من الأعمال الكبيرة الهامّة، كإنشائه للمدرسة العسّكريّة، ومصانع كان من أهمها: مصنع إعداد الجلد الخام وتصنيع الأحزمة الجلدية.. ومصنع إصلاح عطب الأسلحة وتطوير بعض أنواعها. 

وعودة إلى (الجمهوريّة الطرابلسيّة)، انتخبت القيادات المجتمعة أربعة (4) أعضاء لتسيير شئون (مجلس إدارة الجمهورية)، والأعضاء الأربعة هم..{.. سليمان الباروني وأحمد المريّض ورمضان السويحلي و عبدالنبي بلخير. وانتخبوا ("مجلس شورى الجمهورية) الذي يتكون من (22) عضواً يمثلون المناطق التي تتشكل منها الجمهوريّة. واختاروا الشيخ محَمّد سوف بك رئيساً أوّل للمجلس والشيخ يحي بك الباروني رئيساً ثانياً (نائباً للرئيس).

كمَا اختار المجتمعون (مجلس الجمهورية الشرعي) من أربعة من كبار العلماء، والشيوخ هم: الزروق بوخريص (من غريان)، محَمّد الإمام (من الزنتان)، عمر الميساوي (من الزاوية)، مختار الشكشوكي (من مدينة طرابلس).

كمَا جرى اختيار محتار بك كعبار رئيساً لمالية الجمهورية، وجرى فيما بعد تعيين اللواء الفخري عبدالقادر الغنَّاي (من بنغازي) قائداً لجيش الجمهوريّة.

وتمّ اختيار عبدالرَّحمن عزام باشا (مصري) مستشاراً للجمهوريّةِ. وقد لعب عزام باشا دوراً مهماً في تأسيس (الجمهوريّة الطرابلسيّة) وكان وراء كثير من القرارات والمناورات السياسيّة التي اتخذتها الجمهوريّة منذ تأسيسها...}م31.

كانت الجمهوريّة الطرابلسيّة ذات سمت مؤسسي إلى حدِ ما، إلاّ أنّها – وفي نفس الوقت – قامت في الأساس على قاعدة التحالفات (الأعيان والقبائل)، وبنت هياكلها بمراعاة هذه القاعدة أكثر من أيّ شيء آخر. كمَا أنّها، لم تحزم، بشكل نهائي، مسألة الصراع على (مقعد الرئاسة)، ولا أقامت هياكل صنع القرار ومؤسسات اتخاذه على أسس تنظيميّة صحيحة. فالجهورية الطرابلسيّة، قامت على تمثيل عشائري ومقاسمة الأدوار بعدما اتفق مجموعة من الأعيان وعدد من مشايخ القبائل في بلدة (مسلاته) على تأسيس الجمهوريّة الطرابلسيّة. ولم تمض هذه الجمهورية في بناء سّلطاتها على أسس الانتخاب الممثلة لكافة النَّاس إنّما اكتفت بالمجالس المعينة. كمَا أنّها، لم تعرض مسألة تأسيس (الجمهورية) على النَّاس (الشّعب)، ولم تشركهم في اختيار الممثلين الذين ينوبون عنهم.

ومن جديد.. لم يتمّ تأسيس (مجلس إدارة الجمهورية) على أسس مجالس الرئاسة (Head of State) المتعارف عليها كمَا فعلت (حكومة إجدابيا)، حيث تمّ انتهاج أسلوب التعيين لا الانتخاب وإخضاع المسألة برمتها لمعايير الزَّعامات المجتمعة في بلدة (مسلاته). ولم يحزم المجتمعون مسألة الرئاسة بشكل قطعي حيث اكتفوا بتقاسم دور الرئاسة فيما بينهم إلاّ أنّ الخلافات سرعان ما دبت بينهم وحالت دون استمرار توافقهم، ودون بناء أجهزة تكون قادرة على مواجهة التحديات وتسيير شئون النَّاس وتلبية حاجاتهم واحتياجاتهم. وقد اختصر د/ محَمّد المفتي في كتابه: (الأيّام الطرابلسيّة) ما قلناه في الجملة التالية:..[.. لم تصل الجمهوريّة الطرابلسيّة أبداً إلى مستوى الدولة المؤسسيّة، إنّما كانت حلماً لم يستوعبه الواقع..].   

وربّما، كان هناك تفكير في التطوير وإعادة البناء على أسس أفضل إلاّ أنّ المدة الزمنيّة القصيرة – حوالي سبعة (7) شهور فقط – لم تفسح مجالاً للتطوير أمام هذه التجربة الحديثة على ليبيا والمنطقة العربيّة بأسرها كونها أوّل جمهورية في تاريخ المنطقة العربيّة.       

 وبغض النظر عن التعيين والانتخاب إلاّ أن عملية التمثيل النيابي ظلَّت موجودة في ليبيا على مدار العصور، فمنذ العهد العثماني ومروراً بمرحلة الاستعمار الإيطالي ثمّ سنوات حكم الإدارة العسّكريّة الإنجليزيّة (إقليمي طرابلس وبرقة) والفرنسيّة (إقليم فزَّان) إلى عهد الإستقلال وحكم الملك إدريس السّنوسي، ظلَّت هذه التجربة موجودة وتتطور رغم فترات الانقطاع والتقطع، ولم يتم وأدها إلاّ بعد استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م.  

ومن المهم الإشارة في هذا الصدد إلى الحياة النيابيّة البرلمانيّة التي عاشها الليبيّون في ظلّ الدستور العثماني، فعلى (المستوى المحلي) كان هناك: والي يُعين من أعلى سّلطة في الدولة العثمانيّة، ومجالس استشارية وإدارية يتمّ اختيار أعضائها بالتعيين، وجزء منهم عن طريق الانتخاب. وعلى مستوى (دولة الخلافة) كان هناك (مجلس المبعوثان) المكون من (275) نائباً من كافة ولايات دولة الخلافة في العالم، والتمثيل الليبي تشكل من (7) سبعة نوّاب شارك الليبيّون في عملية انتخابهم.

وصحيح، أن التجربة البرلمانيّة الليبيّة في العهد العثماني تعثرت واهتزت سنوات طويلة من الزمان، إلاّ أن تجربة التمثيل النيابي ظلّت موجودة على أرض الواقع وإن غابت حيناً من الزمان، واستقرت في عقول الليبيّين  ووجداناتهم وأصبحت جزءاً من مكون النخبة الليبيّة، آنذاك، وجزءاً من قناعات السياسيين وتطلعاتهم.

هذا، وقد أضفت تجربة التمثيل في (مجلس المبعوثان) الشيء المهم الكثير إلى تجربة النخبة الليبيّة، رغم أن هذه التجربة كانت قصيرة جداً حيث انطلقت في أواخر صيف 1908م وانتهت بعد غزو إيطاليا لليبيا في أكتوبر/ تشرين أوّل 1911م.  

وفي الختام.. كان السيّد إدريس السّنوسي مؤمناً بنموذج (الدولة الحديثة) رغم ضعف حضور التجربة العثمانيّة في عموم برقة، وحتى قبل أن يرى العالم الخارجي حيث استقر اختياره على نموذج عصري متطور (البرلمان كجسم أو هيكل، والانتخابات كآلية أو أسلوب في الحكم) حينما شرعَ في بناء مؤسسات (حكومة إجدابيا)، وكان ذلك قبل هجرته إلى مصر قبلة الحضارة والتمدن بالنسبة للعرب وقتذاك. رأي الأمير في مصر، بعد وصوله إليها وخلال فترة إقامته الطويلة هناك، العمران والتاريخ ومؤسسات المجتمع المدني كمَا شهد: استقطابات، ومشادات، وخصومات، ونجاحات وإخفاقات سياسيّة متنوعة، منذ دخول معادلة الصراع السياسي في مصر طورها الجديد بعد تمكن المصريين من انتزاع صلاحيات واسعة من الإنجليز، وإصدارهم لدستور جديد، وتشكليهم لبرلمان من مجلسين يتمتعان بسلطات واسعة، وتتويجهم للسلطان فؤاد ملكاً على مصر لقبوه بإسم (فؤاد الأوّل). ويذكر، أنّ الأمير غادر الأراضي الليبيّة في أواخر عام 1922م ووصل إلى القاهرة يوم السبت 10 جمادي الآخر 1341 هجري الموافق 27 يناير/ كانون ثاني 1923م.    

اختار السيّد/ إدريس السّنوسي أفضل النماذج وأحسنها في العالم لبناء مؤسسات سّلطة الحكم الذاتي لحكومة إجدابيا عام 1920م، فهذا الاختيار خير دليل على مدى تواصله مع العالم الخارجي، وإطلاعه على أخر ما توصلت إليه الإنسانيّة من نظريات وعلوم كمَا يؤكد بما لا يترك مجالاً للشكّ، على سعة فهمه وإدراكه ورؤيته الثاقبة للمستقبل.

 

ملاحظات وإشارات هامّة

15) كتاب البيعة: بايع أهل طرابلس الأمير إدريس السّنوسي (بيعة شرعية) في يوليه/ تموز من عام 1922م، ثمّ جددوا له هذه البيعة في 28 رمضان 1363م هجري الموافق 1944م. ونصّ رسالة (البيعة) الأولى المنقول أعلى الصفحة، نقلناه عن كتاب الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف، المعنون باسم : (ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستورية إلى الشرعيَّة الثوريَّة / دراسة توثيقيّة تحليليّة). صدر كتاب المقريَف عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) عام 1429 هجري الموافق 2008 ميلادي. وقائمة الموقعين على (كتاب البيعة) وضعناها أسفل البيعة كمَا هو متعارف عليه، والتواريخ والأسماء استخرجناها من كتاب المقريَف المُشار إليه وهوامشه. 

16) خالد القرقني: هذا الاسم ورد في المصدر (محَمّد القرقني) وبعد السّؤال والتحري يبدو أن الاسم المقصود هو  (خالد) كمَا أشرنا أعلى الصفحة، والله أعلم. 

17) نقاط الأربعة عشر للرئيس الأمريكي ولسن: كان أدورد ولسن أوّل رئيس أميركي يبدي اهتماماً حقيقياً بقضايا العرب وشئون الشرق الأوسط، واهتماماً بمسائل التحرّر والحريّة وتحديد شكل العلاقة بين الدول وحق الشعوب في ممارسةِ حق تقرير المصير. ترجم ولسن مبادئه في (14) أربعة عشر نقطة، وكانت مبادئه تدور حول تنظيم العلاقات الدّوليّة والحريّة والاستقلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ولعلّ كلمة أدورد ولسن أمام الكونغرس عام 1917م تظهر بوضوح اهتمامه بهذه القضايا والمسائل. فقد قال في كلمته: (..بأن الحياد لا يصبح ملائماً أو مطلوباً، عندما يتعلق الأمر بسلام العالم وحرية شعوبه..)، وأضاف قائلاً..(.. يجب جعل العالم آمنا للديمقراطيّة..). 

وقد استند نشطاء العالم العربي والإسلامي في تحركاتهم السياسيّة وقتذاك إلى المبادئ الأربعة عشر التي وردت في كلمة ولسن. واستهوت (مبادئ ولسن) العرب الذين كانوا يتحركون من أجل قضايا شعوبهم ويحاولون التخلص من الاستعمار ويراهنون على انحياز القوة الأمريكيّة الجديدة الناشئة إلى جانب مساعيهم الهادفة إلى (الحكم الذاتي) و (التحرّر).  

18) المشهد في بنغازي ما بين 1917م و 1921م: يذكر، أن (حكومة إجدابيا) تشكلت عام 1917م، وبرلمان برقة شُرعَ في تأسيسه عام 1920م وعقدت دورته الأولى في أبريل/ نسيان 1921م. كمَا يذكر، أن (حكومة إجدابيا) تشكلت عقب الهدنة التي تمت بين قادة الجهاد في برقة والمستعمر الإيطالي (اتفاقيّة عكرمة). وفي الفترة الواقعة ما بين تشكيل حكومة إجدابيا، وتاريخ افتتاح مجلس برلمان برقة، وأثناء هذه الفترة السلميّة، انتعشت مدينة بنغازي – وبالمقارنة بما سبقها من سنوات صعبة قاسية – تجارياً وثقافياً وسياسياً. وحول هذا الانتعاش النسبي، ذكر الأستاذ/ سالم حسين الكبتي في دراسته حول مجلس نوّاب برقة، ما يلي: "صدور صحيفة (الوطن)، وتأسيس مكتبة بوقعيقيص في ميدان الحدادة بمدينة بنغازي والتي ساهمت بتوزيعها للصحف والمجلات العربيّة القادمة من مصر في نشر الوعي الثقافي والمعرفي.. تأسيس حزبان سياسيان كانا لهما نشاطاً ملحوظاً أبّان تلك الفترة، حيث سهما في إثراء الحركة الثقافيّة والسياسيّة في المدينة، وهما: (الحزب الدستوري) و (الحزب الديمقراطي).. انتخابات تنافسيّة تشهده المدينة على مقعد أو منصب عميد بلدية بنغازي..".     

هذه المعلومة الخاصّة بالحزبين المذكورين في دراسة الكبتي، لم يسبق الإشارة إليهما من أحد غيره، فالذي كان معروفاً ومتداولاً، أن (جمعيّة عمر المختار) هي أوّل حزب سياسي في شرق ليبيا. تأسست (جمعيّة عمر المختار) في الأربعينيات بالقاهرة، وتحصلت على أذن تأسيس أو تصريح إشهار في فترة حكم الإدارة العسّكريّة البريطانيّة لإقليمي برقة وطرابلس، وتحديداً، في أبريل/ نسيان 1943م. 

إذن، الحزبان: (الحزب الدستوري) و (الحزب الديمقراطي) تأسسا في الفترة الواقعة ما بين 1917م – 1920م، وبذلك يكونان أوّل حزبين سياسيين في شرق ليبيا ولا تكون (جمعيّة عمر المختار) هي أوّل حزب سياسي في شرق البلاد كمَا يذكر ويؤكد الكثيرون.

أرجو، من كافة المهتمين بالشأن التوثيقي والتاريخي، المزيد من البحث بغية تسليط بعضاً من الضوء حول نشأة وتأسيس حزبي (الديمقراطي، والدستوري) وكلّ ما يتعلق بعضويتهما ونشاطهما. ويأتي الأستاذ/ سالم الكبتي في مقدمة المهتمين الذين نرجو منهم، تقديم المزيد من المعلومات بالخصوص.

19) نوّاب برلمان حكومة إجدابيا: ذكر الأستاذ/ سالم الكبتي عدد أعضاء مجلس نواب برقة  على أنّه خمسين (50) عضواً أو نائباً وذلك في دراسته المعنونة: (مجلس نوّاب برقة في العهد الإيطالي 1921م – 1926م / محاولة وطنيّة.. أم خديعة إيطاليّة ؟). أمّا الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف فقد ذكر الرقم بزيادة عشرة (10) أعضاء أي ستون (60) عضواً وذلك في كتابه: (ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستورية إلى الشرعيَّة الثوريَّة) الصادرة طبعته الأولى   1429 هجري الموافق 2008 ميلادي.

وأضاف الدّكتور/ فرج عبدالعزيز نجم في كتابه: (سير الأجداد بين الابتلاء والغبن والتخوين – الشارف باشا الغرياني أنموذجاً )، بعض أسماء الفائزين بعضويّة مجلس نوّاب برقة على عدد الأعضاء الذين ذكرهم الأستاذ/ سالم الكبتي بالإسم، في دراسته المُشار إليها، والأسماء التي أضافها نجم جاءت كمَا يلي:– سليمان رقرق، وسليمان سعيد العرفي، ومازق بوشديق، وخليفة بونجم، وعبد القادر بوبريدان، وعبد الله الدلاف.  

20) صراعات السويحلي مع القادة والمشايخ وزعماء قبائل: الأسماء الواردة أعلى الصفحة، والخاصّة بالأسماء التي تصارع السويحلي معها، استخرجناه من كتاب:(الوَطن الذي يَسْكُننَا.. روافد الهويّة الوطنيّة)، للدّكتور/ محَمّد محَمّد المفتي، والصادر عن دار (عراجين) بالقاهرة / الطبعة الأولى 2007م. 

مصادر ومراجع

م22) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – كتاب: " ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستورية إلى الشرعيَّة الثوريَّة / دّراسة توثيقيّة تحليليّة " – صدر الكتاب عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) في طبعته الأولى 1429 هجري الموافق 2008 ميلادي.

م23) موقع (عناصر دولة) –  (المحطّات التاريخيّة لليبيا).

و24) نفس المصدر السّابق.

م25) الأستاذ/ مفتاح السيّد الشريف – ورقة مقدمة في ندوة اللجنة الإعلاميّة للمؤتمر الوطني للمعارضة الليبيّة التي تمت بمناسبة الذكرى 54 لإستقلال ليبيا تحت عنوان: (مسيرة النَّضال الوطنيّ الليبي .. إنجاز إستقلال ليبيا من خلال مرحلتي الجهاد المسلح والنَّضال السياسي)، وعقدت الندوة بقاعة (الكوفة) في لندن يوم الخميس الموافق 29 ديسمبر/ كانون أول 2007م – نص الورقة منشورة في موقع (المؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة). 

م26) الأستاذ/ محَمّد فؤُاد شكري – كتاب: (السّنوسيَّة.. دِينُ ودَوْلةُ) – الطبعة الأولى طبعت في عام 1948م، وهذه طبعة ثانيّة محققة منقحة أشرف عليها وراجعها الأستاذ/ يوسُف بشير المجريسي، وصدرت عن مركز الدّارسات الليبيّة (أكسفورد / بريطانيا) عام 1426هجري الموافق 2005م.

م27) الدّكتور/ علي محَمّد الصلابي – كتاب: (الحركة السّنوسيّة في ليبيا .. وسيرة الزعمين محَمّد إدريس السنوسي وعمر المختار) / الجزء الثالث – صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الأفريقي، المنشور في موقع (الشبكة الليبيّة).  

م28) الأستاذ/ سالم حسين الكبتي – مقالة: (مجلس نوّاب برقة في العهد الإيطالي 1921م – 1926م / محاولة وطنيّة.. أم خديعة إيطاليّة ؟) – موقع (منتدى ليبيا) الذي يشرف عليه الأستاذ/ علي رمضان بوزعكوك، والمنشورة بتاريخ 16 مارس 2008م.

م29) نفس المصدر السّابق.

م30) موقع (ليبيا اليوم) في حوار خاصّ مع (السيّد/ راشد الزبير السّنوسي) – أجرى الحوار الأستاذ/ خالد المهير، وأعيد نشر الحوار في موقع (أخبار ليبيا) بتاريخ 15 يونيه/ حزيران 2006م.  

م31) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – كتاب: " ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستورية إلى الشرعيَّة الثوريَّة / دّراسة توثيقيّة تحليليّة " – صدر الكتاب عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) في طبعته الأولى 1429 هجري الموافق 2008 ميلادي.

 


الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home