Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

Friday, 26 May, 2006

إضغـط هنا للأطلاع على الجزء الأول

       
       
       
       

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج

الصادق شكري

الجزء الثّاني
الحلقة السادسة ( 6 مِنْ 16 )

{... الحاكم الديمقراطي يصل إلى السّلطة بواسطة صندوق الاقتراع، بعد عمل شاق يقوم به شارحاً سياساته وأهدافه، وطالباً من المواطنين انتخابه لكي يخدمهم. أمّا الحاكم المستبد فيصل إلى السّلطةِ عن طريق القوة (الدبابة) بعد مغامرة يقوم بها ويفرض نفسه ليحكم شعبه بالقوةِ.
والحاكم الديمقراطي تستمر رئاسته لمدة محددة، لا يجوز له أن يمدها أو يغيرها ولو كان من أصحاب الأعمال والإنجازات العظيمة أثناء ولايته. أمّا الحاكم المستبد فتستمر رئاسته طول حياته، ولا يترك كرسي الحكم إلاّ بسبب الوفاة فيذهب من قصره إلى القبر، أو بسبب إنقلاب عليه من طرف مستبد آخر.
والحاكم الديمقراطي له مرتب محدد، ومكافآت أخرى محددة، ولا يجوز له أن يمد يده إلى أيّ مبلغ من خزانة الدولة ولو كان صغيراً، وهناك رقابة إعلاميّة تحاسبه وتطارده إذا حاول اختلاس أيّ مبلغ، أو قبول أيّ رشوة من أيّ جهة. أمّا الحاكم المستبد فيتصرف في أموال الشّعب كأنّها أمواله الخاصّة، ويعطي منها لمن يشاء، ويحرم من يشاء، ولا أحد يستطيع أن يراقبه أو يحاسبه.
والحاكم الديمقراطي يتحمل مسئولية أيّ خطا أو فساد يحدث أثناء حكمه، وقد يسقط بسبب ذلك الخطأ، ويضطر إلى الاعتراف بما حدث تحت ضغوط سلطة الإعلام والقضاء المستقل. أمّا الحاكم المستبد فأنّه فوق القانون، بل إنّه يعتبر نفسه هو القانون، ولا أحد يستطيع نقده أو محاسبته، والإعلام كله تحت قبضته ويسبح بحمده.
... والحاكم الديمقراطي عندما يفشل في إدارةِ أزمة من الأزمات يستقيل ويترك مكانه لغيره، أو يجبر على الاستقالة تحت ضغط الفعل الديمقراطي والآلية الديمقراطيّة. أمّا الحاكم المستبد فعادة لا يعترف بالمسئوليّةِ عن الفشلِ، بل إنّه يحاول بغباء مفضوح أن يحول الهزيمة والفشل إلى نصر ونجاح، ومن شدة القمع لا يستطيع شعبه أن يزيحه أو يضغط عليه.
... والحاكم الديمقراطي يعتمد على فرق من الخبراء والمستشارين في كل سياساته وخططه وأعماله، ويناقش معهم تفاصيل برامجه في شتى المجالات والقطاعات، ويستمع إلى آرائهم ونصائحهم، وبذلك تقل أخطاءه. أمّا الحاكم المستبد فيعتبر نفسه فوق مستوى غيره من البشر، وهو ملهم لا يحتاج إلى استشارة أحد، ولا إلى نصيحةِ أحد.
... والحاكم الديمقراطي يعود من مكتبه إلى بيته ويتابع شئون أسرته، وبيته معروف لدى العامّة كما لدى الخاصّة، وكلما كان أكثر التزاماً بقيم شعبه، كلما كان أكثر ارتباطاً بقيم الأسرة. أمّا الحاكم المستبد فلا يعرف النَّاس له مكاناً أو بيتاً ثابتاً، فهل يتنقل من قصر إلى قصر ومن منزل إلى منزل، ومن خيمة إلى أخرى، وفى حالات الشدة لا ينام الليل وينتقل من جحر إلى جحر...
فما أتعس هذا المستبد، وما أتعس الشّعب الذي يحكمه مستبد...}(م56) .

معمّر القذّافي من سبتمبر 1969 إلى مارس 1977م
إن الذي حدث في الأوّل من سبتمبر 1969م هو إنقلاب لا ثورة، فالشعوب تصنع الثورات أمّا الإنقلابات يصنعها الخارجون عن القانون من فوق ظهور الدبابات، وفي ظلام الليل. تحرّك معمّر القذّافي ورفاقه في ظلام الليل، فاستولوا على السّلطة، وألغوا دستور البلاد الشرعي، وحكموا ليبيا من دَّاخل ثكناتهم العسكريّة. وبدأت نوايا الإنقلابيين السيئة تظهر على السطح منذ الإعلان عن البيان الأوّل لإنقلابهم، وفي الإجراءات الأولى التي اتخذوها، وفي القرارات التي أصدروها بعد استيلائهم على السّلطة مباشرة !.
الإنقلاب عن الشرعيّة كان كافياً لرفض الإنقلابيين منذ البداية، والتصدي لقراراتهم المبكرة كان واجباً وطنياً حتى لا تتفاقم الأمور وتزداد سوءاً وتتعقد لاحقاً عملية إبعادهم عن السّلطة. فقد ظهرت إشارات مبكرة من الإنقلابيين كشفت عن الخراب والدمار الذي ستؤول البلاد إليه لو حكم معمّر القذّافي ورفاقه البلاد. مرت تلك الإشارات المبكرة دون أيّ إعتراض واضح وظاهر، فالإعتراض في تلك الآونة المبكرة مارسه عدد محدود جداً من الأشخاص ولم يمارسه الشّعب في عمومه، فالشّعب الليبي لم يتم إشراكه في عمليّة الإعتراض تلك أو حثه للتصدي والوقوف في وجه الإجراءات التعسفية الظالمة التي اتخذها الإنقلابيون منذ اليّوم الأوّل من تاريخ استيلائهم على السّلطة، فعلى سبيل المثال، لم يسمع الشّعب الليبي عن الخلافات بين أعضاء المجلس ولا التصدع دَّاخل البيت الإنقلابي حتى فوجيء بإلقاء القبض على وزيري الداخليّة والدّفاع: آدم الحواز وموسى أحمد في نهايّة عام 1969م مع عدد من الضباط بتهمة الإعداد لقلبِ نّظام الحكم.
قام الملازم معمّر القذّافي ورفاقه بعد استيلائهم مباشرة على السّلطة في 1 سبتمبر 1969م بإلقاء القبض على رجالات الدولة، وعلى كلّ شخص توقعوا أنّ يقوم بمعارضتهم أو بعمل ما ضدّهم (الاعتقال التحفظي ). كما أصدروا في اليوم الأوّل من استيلائهم على السّلطة قراراً حلوا بموجبه كافة مؤسسات الدولة: البرلمان.. مجلس الوزراء.. المجالس الإداريّة العليا للدولة.. مجلس القضاء، ويعد هذا القرار بمثابة الإشارة المبكرة الدالة عن رغبة القذّافي في حكم البلاد دون قانون ودستور. هذا ما أكده الإنقلابيون في يوم 11 ديسمبر 1969م حينما أصدروا قراراً ألغوا بموجبه دستور البلاد، وأعلنوا الدستور المؤقت الذي وضع كافة السّلطات التشريعيّة والتنفيذيّة تحت تصرف ما يسمى بمجلس قيادة الثورة. وأصدوا قانوناً أخر سمي بقانون (حمايّة الثورة) والذي نصّ على إعدامِ أيّ شخص يشترك في عمل مناوئ لأهداف الثورة.
ومنذ البداية.. احتكر الإنقلابيون (أعضاء ما يسمى بمجلس قيادة الثورة) معظم المناصب الوزاريّة فيما عدا منصب أو اثنين بغية إقصاء كلّ رأي يخالف أهدافهم وما يرمون إليه. فقد تولى تسعة من أعضاء ما يسمى مجلس قيادة الثورة مناصب وزارية خلال عقد السبعينيات. يقول الدّكتور زاهي المغيربي..{..إنّ تسعة من العسكريين الذين تولوا مناصب وزاريّة كانوا من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وكان ذلك خلال السبعينيات. أما الاثنان الباقيان فلقد توليا منصبيهما خلال الشهور الأولى من الثورة، ثمّ ألقي القبض عليهما فى نهاية 1969م وأتهما بتدبير محاولة إنقلاب (موسى أحمد وآدم الحواز )...}(م57) .
وضمت حكومة محمود سليمان المغربي أوّل حكومة في عهد الإنقلاب، شخصيّة غير ليبيّة (تونسي): محَمّد العيساوي الشتوي. هذا التعيين – لو كان عمداً – يُعد إشارة مبكرة تدل على مدى استخفاف معمّر القذّافي بالليبيّين واستهزاءه بهم. أمّا إذا عينَ القذّافي الشتوي وزيراً للتعليم على اعتبار أنه ليبيّاً فهذا الأمر يدلُ على إنعدام معرفته بالعائلات الليبيّة والبارزين من أبنائها، كما، يدلُ على نزعة القذّافي الفرديّة حيث أنّ هذا التعيين لابُدَّ أنّه أُتخذَ دون رجوع إلى قوانين أو استشارة أحد. وما يدعو إلى التأكيد على التفسيرين الواردين أعلاه تعيين معمّر القذّافي في عام 1989م مصرياً في منصب وزاري !. فقد عينَ القذّافي المهندس المصري/ أمين حلمي كامل وزيراً (أميناً) في حكومة عمر المنتصر، ولمدة سنة واحدة خلال عام 1989م.
وفي أكتوبر 1969م.. شكل الإنقلابيون في 26 أكتوبر محكمة اسثنئاية برئاسة أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة سموها (محكمة الشّعب)، وكان الغرض من إنشاء هذه المحكمة: محاكمة المسئولين في العهد الملكي. وتشكلت في 11 ديسمبر 1969م أوّل محكمة عسكريّة استثنائية خاصّة بموجب قرار صدر عن مجلس قيادة الثورة، وعُينَ الرّائد/ محَمّد نجم (عضو مجلس قيادة الثورة) رئيساً لها، ثمّ توالى بعد ذلك تشكيل المحاكم العسكريّة الخاصّة كلما اكتشف القذّافي محاولة لقلبِ نَّظام حكمه.
كما قام الملازم معمّر القذّافي ورفاقه بعد استيلائهم على السّلطةِ مباشرةِ بوضعِ أموالِ وممتلكات الملك إدريس السّنوسي ورجال العهد الملكي تحت الحراسة بموجب قرار أصدروه تحت رقم 2 لسنة 1969م. وربّما الاستطراد هنا مفيداً لتوضيح خطورة خلط العقوبة بمصادرة الأموال !. فالدستور الملكي كان يحرم المساس بالممتلكات الخاصّة دون وجه حق، ويعتبر خلط العقوبة بمصادرة الأموال أمراً محظوراً، فوردت في أحدى النّصوص الدستوريّة الفقرة التاليّة:..(..إنّ عقوبة المصادرة للأموالِ محظورة..).
وقضية السيّد/ صالح مسعود بويصير(30) مثال واضح على مدى إلتزام العهد الملكي بنص القانون المذكور أعلاه !. اتهم السيّد/ صالح بويصير بتزوير توقيع الملكة فاطمة على رسالة وجّهها إلى ملكةِ بريطانيا (إليزابيث). كان الغرض من الرسالة المزّورة: طلب تدخل الملكة إليزابيث لدى الملك إدريس السّنوسي لكي يخفف حكم الإعدام الصادر ضدَّ الشريف محي الدين السّنوسي الذي قتل السيّد/ إبراهيم الشلحي ناظر الخاصّة الملكيّة يوم 5 أكتوبر 1954م أمام مبنى رئاسة الوزراء بمدينة بنغازي، وفي عهد رئاسة السيّد/ مصطفى بن حليم للحكومة ورئاسة عمر باشا منصور الكيخيا لمجلس الشيوخ. حكمت محكمة الجنايات بنغازي على الشريف محي الدين بالإعدام في 11 ديسمبر 1954م ثمّ استأنف الحكم أمام المحكمة العليا الإتحاديّة، فأيدت المحكمة العليا حكم الإعدام. نُفِذَ حكم الإعدام في يوم 6 فبراير/ شباط 1955م في مبنى السجن المركزي وتمَّ تسليم جثة الشريف محي الدين إلى أهله أمام مبنى مجلس الوزراء – مكان وقوع جريمة إغتيال ناظر الخاصّة الملكيّة. أُعلنت حالة الطوارئ في ولايّة برقة يوم 5 أكتوبر 1954م، وجرى رفعها بعد عشرين يوماً من تنفيذ حكم الإعدام في الشريف محي الدين أيّ يوم 26 فبراير/ شباط 1955م.
حدثت زوبعة قبل تنفيذ حكم الإعدام واستمرت الزوبعة في تصاعد عدة شهور بعد تنفيذ الحكم ومن بين تلك الحالات: ضبط السفارة الأمريكيّة لحالة تزوير متورط فيها مواطن فلسطيني يعمل مترجماً بالسفارة ونائب في البرلمان الليبي !. ابلغ السفير الأمريكي السلطات الليبيّة بأنّ سفارته اكتشفت مؤخراً تورط شاب فلسطيني يعمل مترجماً بالسفارة الأمريكيّة مع صالح بويصير في تزوير رسالة أُرسلت إلى الملكة إليزابيث، وموقعة باسم الملكة فاطمة زوجة الملك إدريس السّنوسي. هدفَ السفير الأمريكي من عملية الإبلاغ: اعتذار السفارة الأمريكيّة على ما قام به أحد موظفيها والتأكيد على عدم صلة السفارة بما حدث في الخامس من أكتوبر من عام 1954م.
هربَ السيّد/ صالح مسعود بويصير(31) من ليبَيا مساء يوم الثامن من أغسطس من عام 1955م، وقبل إلقاء القبض عليه من قِبل شرطة ولاية طرابلس، واستقر لاجئاً في مصر. أرادت سلطات الحكم الملكي بعد هروب بويصير إلى القاهرة أنّ تتخذ ضدّه إجراءات عقابية أخرى: كإصدار حكم بملاحقته ومصادرة أمواله الخاصّة !.
قال دولة الرئيس مصطفى أحمد بن حليم:..".. رفضنا ملاحقة النائب البرلماني صالح بويصير لأنّ ذلك خرقاً لمبدأ الحصانة البرلمانيّة، بالإضافة إلى كونه سيضر بسمعة ليبَيا وسمعة الملك إدريس السّنوسي نفسه..".
أمّا الدعوة القاضية بمصادرة أمواله الخاصّة تمّ رفضها على الفور استناداً على نص المادة(32) من الدستور الملكي القائل بصريح العبارة..(.إنّ عقوبة المصادرة للأموالِ محظورة..).
رفض الشيخ منصور المحجوب رئيس المحكمة العليا مصادرة أملاك بويصير وتجميد أمواله في البنوك، وكان بويصير من الليبيّين القلائل المقتدرين وقتذاك. رفض المحجوب طلب المصادرة والتجميد استناداً على نص المادة الدستوريّة المذكور، فكانت مستحقات بويصير وعوائد أمواله تصل إليه شهرياً على حسابه الخاص في محل إقامته بمصر، وعلى دائر مليم كما يقولون. بل، إن بويصير تمكن خلال فترة إقامته في مصر من القيام بعدة مشاريع استثمارية دّاخل ليبيا خصوصاً في مجال العقارات، وساعده على ذلك السيّد/ عبدالمجيد بوجازية (عديله ). كما كان السيّد/ خليل البناني محافظ بنك ليبيا المركزي لا يتأخر لحظة واحدة عن مساعدة بويصير وتحويل أمواله أولاً بأول إلى حسابه الخاص في مصر.
وعوداً على ذي بدء، وبعد هذا الاستطراد.. لم يحدد الإنقلابيون في بيانهم الأوّل مرجعية المصطلحات السياسيّة التي أعلنوها، ولا ضوابط الشعارات التي رافعوها. فقد وردت في البيان الأوّل – وعلى سبيل المثال لا الحصر – الجملة التاليّة:..(..سائرون في طريق الحريّة والوحدة والعدالة الإجتماعيّة..)، دون أنّ يحدد البيان إطار الوحدة المستهدفة، ولا شكل الحريّة المبتغى، ولا نوع العدالة الإجتماعيّة المستهدف تحقيقها.
كما أضاف معمّر القذّافي مبكراً لفظ أو مصطلح "الإشتراكيّة " إلى جملة الألفاظ والمصطلحات التي وردت في البيان الأوّل لإنقلاب سبتمبر 1969م. فقال في الخطاب الذي ألقاه يوم 16 سبتمبر 1969م أمام ضريح شيخ الشهداء عمر المختار بمدينة بنغازي، ما يلي:..(.. لن نرضى بغير الاشتراكيّة التي أعلنّا إيماننا بها، وسنعمل على تحقيقها والحفاظ عليها..). وأتضح فيما بعد ما يقصده القذّافي من لفظ الإشتراكيّة حيث كشفت الأيام أنّ مقصده هو: إفقار الشّعب الليبي، وإلغاء القطاع الخاصّ، وجعل ثروات وأموال ليبيا تحت تصرفه دون رقيب وحسيب.
وأضاف في خطاب ألقاه في مدينة طرابلس يوم 16 أكتوبر 1969م لفظ "الإكتفاء الذاتي" فقال ما نصّه:..(.. إنّ الشّعب الليبي لا يمكن أنّ يرضى بغير الإشتراكيّة بديلاً، وسوف يفرض هذا الشّعب الإشتراكيّة فرضاً، وسوف يناضل من أجل الإشتراكيّة حتى تتحقّق العدالة الاجتماعيّة وحتى يتحقّق الاكتفاء الذاتي..).
وأتضح مبكراً ما رمى معمّر القذّافي إليه من هذه المصطلحات والشعارات كما ظهر بوضوح تام – ومبكراً كذلك – مدى تدنى مستوى تفكيره وقصور فهمه !. والدّليل على ما نقول: دعوته المبكرة لليبيّين بزراعة الخضر فوق أسطح المنازل وشرفات العمارات، وتربية الدواجن داخل الشقق لتحقيق الإكتفاء الذاتي !.
قال الأستاذ/ عبدالحميد البكُوش..{.. عندما فكر معمّر القذّافي – أوائل سبعينيات القرن الماضي – في تحقيق الإكتفاء الذاتي في ليبَيا هداه فهمه القاصر إلى أنّ يفرض على كلّ موظف ومواطن شراء قفص من الحديد يسع قرابة أربع دجاجات ليكتفي كلّ منزل ذاتياً من حاجته إلى البيض واللحم، ثمّ دعا إلى زراعة الخضر فوق أسطح المنازل وشرفات العمارات..}(م58) . وفي سّياق آخر.. قُيدت عمليات التصرف بالمال العام في العهد الملكي بقوانين وإجراءات صارمة، فالأموال كانت تصرفها قنوات شرعيّة مسئولة وفق ميزانيّة سنويّة معلنة يحاسب أعضاء البرلمان – أعضاء الحكومة عليها بالقرش والمليم كما يقولون. وكان النَّظام المالي في العهد الملكي بصفة عامّة يمنع تأخير تقديم التقارير الماليّة عن ستة أشهر، ولا يُعطى وزير الماليّة مدة تزيد عن ستة أشهر من تاريخ انقضاء السنة الماليّة لتقديم الكشف الختامي للحساب إلى ديوان المحاسبة. ولكن، توقف العمل بالقوانين الماليّة المعمول بها، وتعطلت مؤسسات الرقابة والمحاسبة الماليّة بعد سنوات قليلة من استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة، وبدأت عمليات النهب والسرقة والتصرف في المال العام وكأنّه ملك خاصّ لا سلطان لغير صاحبه عليه !.
وعلى سبيل المثال..{.. لم يقدَّم، الحساب الختامي للدولة عن عام 1983 إلى ديوان المحاسبة إلاّ في شهر يونيو/حزيران عام 1989، أيّ بتأخير نحو خمس سنوات عن موعده المحدّد قانوناً، ثمَّ توقّف الوزارة المذكورة كلّيةً، منذ ذاك اليّوم، عن إعداد الحساب الختامي السنوي للدولة وعن تقديمه إلى ديوان المحاسبة.
ومن المعلوم، أنّ النَّظام المالي في العهد الملكي كان يمنع تأخر تقديم التقارير الماليّة عن ستة أشهر. فقد نصّت المادة (23) من قانون النّظام المالي للدولة الذي صدر بمرسومٍ ملكي بتاريخ 24/10/1967 خلال فترة حكومة السيد/ عبدالقادر البدري على أنّ.. " يقدّم وزير الماليّة الحساب الختامي إلى ديوان المحاسبة في مدّةٍ لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ انقضاء السنة الماليّة.. ويتضمّن الحساب الختامي للدولة البيانات الآتيّة:
1- بيان الأصول والخصوم (الموجودات والمطلوبات).
2- بيان تفصيلي كامل بحساب إيرادات ومصروفات الحكومة والمصروفات الفعليّة لكلِّ قسمٍ من أقسام الميزانيّة مقارنةً بتقديرات الميزانيّة عن السنة ذاتها.
3- بيانات مفصّلة كاملة عن كلّ حساب من الحسابات الحكوميّة.
4- أيّة بيانات أخرى يرى وزير الماليّة أو رئيس ديوان المحاسبة تضمينها للحساب الختامي "..}(م59) .
وربّما استطرد هنا لأروي القصّة التي رواها الأمين العام للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين السيد/ أحمد جبريل لقناة الجزيرة القطريّة في الحلقة السّادسة من برنامج: "شاهد على العصر" الذي يقدمه الأستاذ/ أحمد منصور.
وفي اعتقادي، هذه الروايّة – والتي وقعت مبكراً – كانت لها دلالات ومؤشرات بالغة الخطورة، رَّغم أنّ المبلغ المالي الذي أودعه أحمد جبريل في حسابه في الأردن بعدما منحه معمّر القذّافي إياه، لم يصرفه وأرجعه إليه كاملاً، إلاّ أنّ تصرف القذّافي على النحو الذي تمّ به كان يدل على استهتاره بالمال العام ونواياه المبيتة في استخدام ثروة ليبَيا في إثارة الفتن والصراعات وتشتيت شمل الرفاق !. فقد بدأ معمّر القذّافي أيامه الأولى في السّلطة، بصرف الأموال بتعجل دون الرجوع إلى أحد، وبصرفها دون تقدير لتداعياتها وما قد يترتب عليها من استحقاقات، وربّما، انهيارات ومخاطر !. والقصّة كما وردت على لسان أحمد جبريل في البرنامج المُشار إليه، تقول ما يلي...{.. أحمد جبريل: بعد نجاح الثورة الليبيّة مباشرة شكّلنا وفد وذهبنا إلى ليبيا، واجتمعنا مع معمّر القذّافي وأبوبكر يونس وعبدالمنعم الهوني وعبدالسلام جلود أيّ مع القيادة الليبيّة الجديدة. وكانوا كلهم شباب صغار السن، وكانت كلمة سر ثورتهم "القدس "، وتحدثنا معهم مطولاً.
وفي الحقيقة.. كانت الدّول العربيّة – في وقت مجيء هؤلاء الشباب إلى السّلطةِ – تمنحنا إمكانيات بسيطة جداً، وتعطينا مبالغ محدودة.. عشرين ألف دولار، وأحياناً، خمسين ألف دولار لا أكثر. والمساعدات كانت بهذا الشكل. ولكن القيادة الشابة الليبيّة قدمت لنا مبلغ كبير جداً، في حدود مليون ونصف المليون دولار.
أحمد منصور: آه هذا أوّل مبلغ ضخم.
أحمد جبريل: نعم، وهذا أوّل مبلغ من أجل شراء أسلحة ومعدات مؤثرة، وحول المبلغ على البنك العربي في عمّان.
واستطرد أحمد جبريل، فقال: يبدو أنّ مدير البنك السيد/ عبد المجيد شومان خبر عرفات بالموضوع، وعرفات أبلغ صديقه الحميم الأستاذ/ محَمّد حسنين هيكل الصحفي والشخصيّة النافذة في عهد جمال عبدالناصر. ووصل الأمر إلى معمّر القذّافي عن طريق هيكل، وقال القذّافي لزملائه: يبدو أنّنا تسرعنا في إعطاء هذا المبلغ لأحمد جبريل لأنّ محمد حسنين قال لي: كيف تعطون هذا المبلغ الكبير لتاجر سلاح. وقلت لهيكل: كنت فاكر أحمد جبريل جاي من طرف جمال عبد الناصر !.
أحمد جبريل: قررت بعد هذا الكلام إرجاع المبلغ، ورحت عند عبد المجيد شومان، ووقعت له على أوراق إرجاع المبلغ وتمّ إرجاع المبلغ كاملاً إلى معمّر القذّافي..}(م60) .
وفي إطار إلغاء النشاط التجاري الخاص، قام الإنقلابيون في 7 سبتمبر 1970م بتأميم شركات ومنشآت وممتلكات السيد/ توفيق غرغور وأولاده ثمّ نقلوا ملكيّة بعض المستشفيات الخاصّة إلى حوزة الدولة. واتخذوا، بعد ذلك، بعض الخطوات بهدف تقيد أوجه معينة من النشاط التجاري، فأصدروا تعليمات صارمة للبنوك بغيّة تحويل الإدارة المصرفيّة إلى جهاز تابع لما يسمى بمجلس قيادة الثورة. وأصدر الإنقلابيون – بعد حوالي ثلاث شهور من الإنقلاب – قراراً تمّ بموجبه نقل ملكيّة بعض المستشفيات الخاصّة إلى حوزة الدولة، كما أصدروا عدة قوانين قيدت التعاملات المصرفيّة في العديد من الجوانب. وبدأ الإنقلابيون منذ عام 1970م بإصدار القوانين القاضيّة بتقييد بعض نشاطات الشركات التجاريّة، ونقل ملكيّة بعض الأملاك وقطاعات النشاط التجاري للدولة بحجة تأمين مصالح الشّعب وحق الدولة في الحفاظ على أمن ليبيا الإستراتيجي. وتوالت بعد خطوة المساس بممتلكات وأموال بعض الفئات، خطوات أخرى أوسع نطاقاً، وأكثر أثراً، فأصدر الإنقلابيون في الفترة الواقعة بين سنة 1970م إلى أواخر سنة 1975م قوانين عدة قيدت أوجه مختلفة من نشاطات العمل التجاري، وتلك القوانين كانت بمثابة الأرضيّة التي مهدت لقوانين عام 1978م التي استندت على مقولات الفصل الثّاني من الكتاب الأخضر (الركن الإقتصادي)، والمتمثلة في: تحديد ملكيّة المنازل الخاصّة، وإلغاء العمل بنّظام الإيجار، تأميم العقارات المملوكة للأفراد. ثمّ قرارات عام 1979م التي تمّ بموجبها الزحف على المصانع والمؤسسات الاقتصاديّة، وقرارات 1981م التي تمّ بموجبها إلغاء النشاط التجاري بالكامل، فأصبح في نهايّة المطاف كلّ شيء مملوكاً للدولة أيّ ملكاً خاصاً للقذّافي يتصرف فيه مثلما يشاء، وكيفما يريد !.
وفي إطار تصفية الرأي الأخر.. أعُتقلَ في الشهر الأوّل من استيلاء الإنقلابيين على السّلطة حوالي 353 مواطناً ليبيّاَ بتهم ملفقة – تهم التآمر على الثورة !. وفي أكتوبر 1969م، تمّ إعتقال تسعة وعشرين ( 29 ) صحفياً بتهمة إفساد الرأي العام. وقد وردت الإحصائيّة الخاصّة باعتقالات سبتمبر وأكتوبر عام 1969م في التقرير المرفق في كتاب: "انتهاكات حقوق وحريات الإنسان الليبي في ظِلّ النَّظام الإنقلابي" الصادر عن الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا في عام 1419 هجري الموافق 1999م.
وفي ديسمبر 1970م... أقيمت ندوة فكريّة في العاصمة الليبيّة طرابلس سمّيت بندوة (الفكر الثوري)، وفكرة إقامة هذه الندوة جاءت من معمّر القذّافي، وربّما من نصيحة قدمها رجال جمال عبدالناصر إليه. دُعي لحضور ندوة الفكر الثوري كلّ المثقفين والكتّاب والأدباء ونشطاء الحركة الطلابيّة. وتبين فيما بعد أنّ معمّر القذّافي هدف من تلك الندوة: فرز الاتجاهات الفكريّة، وتصنيف الأشخاص من حيث الخطر الذي قد يشكلونه على نظامه !. ثمّ قام النظام بعد مدة من عمليّة الفرز تلك، وتحديداً، بعد خطاب زوارة في 15 أبريل 1973م (خطاب النقاط الخمس)، باعتقال حوالي (1000) ألف شخص جلهم من الذين حضروا الندوة التي دعا معمّر القذّافي لعقدها في ديسمبر 1970م (ندوة الفكر الثوري) !.
وفي يونية 1971م... أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً تمّ بموجبه تشكيل وإقامة الإتحاد الاشتراكي، وكان الغرض من إقامته تصفيّة كلّ المؤسسات المدنيّة، وضم مختلف شرائح الشّعب وكافة المؤسسات والقطاعات الشعبيّة في تنظيم واحد لتصبح فعاليات المجتمع ونقاباته وإتحاداته في خدمة معمّر القذّافي، وواجهات تنفذ سياساته ومخططاته. وفكرة الإتحاد الإشتراكي، هي فكرة استوردها القذّافي من تَّجربة عبدالناصر في مصر بغيّة إحكام سيطرته على السّلطة. وكان الصادق النيهوم الصحفي المعروف وقتذاك من بين أبرز قياديي الإتحاد الإشتراكي في بدايات تأسيسه وإنطلاقه !.
وفي يوم 30 مايو 1972م.. أصدر معمّر القذّافي (رئيس الدولة، ورئيس مجلس الوزراء وقتذاك) قانوناً باسم مجلس قيادة الثورة يحمل الرقم (71) لسنة 1972 يقضي بتجريم الحزبيّة، وبإيقاع عقوبة الإعدام لأيّ شخص يمارس العمل الحزبي أو يتعاطى معه تحت أيّ شكل من الأشكال. كما صدر عن مجلس قيادة الثورة في العام نفسه قراراً تمّ بموجبه إلغاء الصحافة الأهليّة. ومن المعلوم.. أنّ الصحافة الأهليّة في العهد الملكي ساهمت مساهمة طيبة في تكوين الرأي العام، وعرض أخطاء الحكومات المتواليّة، وكشف كثير من الملفات دون خوف من عصا الدولة وملاحقاتها، وكانت هنالك أكثر من ثمان صحف أهليّة تصدر يومياً. وقد ألغى الإنقلابيون الصحافة الأهليّة بموجب قرار أصدروه في عام 1972م، ثمّ زجوا بالعديد من المفكرين والأدباء والكتّاب والصحفيين في السجن بحجج مختلفة منذ إعلان النقاط الخمس في خطاب زوارة في 15 أبريل 1973م – الخطاب الذي عُرف بالثورة الثقافيّة، وهي الثورة التي كانت المتكأ والمنطلق للعبث بكلّ مظاهر الحياة الثقافيّة في ليبيا.
على أية حال..{.. حوكمت الصحافة في شخص مؤسيسها حيث كان صاحب الحقيقة وصاحب الزمان وصاحب الرقيب وصاحب العمل وبرقة الجديدة وصاحب الريبورتاج المرحوم عبد القادر طه الطويل، وكلّ أصحاب الجرائد في البلاد يقفون في قفص الاتهام، جنباً إلى جنب، يبحثون عن الكلمات التي تقنع الطغاة بأنّ الفكر لا يمكن له أنّ يحاكم. لكنّهم دون جدوى كانت أصواتهم تُصدّ أمام ضابط صغير يُدعى بشير الصغيـّر هوّادى لا يعرف إلاّ صوت البندقيّة، يحاكمهم بتهمة تضليل الشّعب ويجلس على كرسي قاضى المحكمة بملابس عسكريّة..}(م61) .
وفي خطاب زوارة 1973م.. أعلن معمّر القذّافي في خطاب 15 أبريل 1973م بمدينة زوارة، ما يلي: إلغاء كافة القوانين المعمول بها، وإنزال أشد عقوبة لأيّ شخص يحمل رأياً أو فكراً مخالفاً لفكر ثورة الفاتح.. حرق كافة الكتب والمراجع التي لا تتطابق مع الفكر التي جاءت به ثورة الفاتح من سبتمبر !!.
وقال في خطاب زوارة ما نصّه:..(.. إذا ما وجد أيّ شخص يتكلّم عن الشيوعيّة أو فكر يساري ماركس إلحادي سوف يوضع في السجن. وإذا ما وجد أيّ شخص منتمياً لحزب الأخوان المسلمين أو حزب التحرير الإسلامي سنضعه في السجن. وإذا ما وجد شخصاً يدعو للفكر الغربي الرأسمالي سنضعه في السجن. وأيّ شخص يحمل فكراً غير فكر ثورة الفاتح فهو شخص مريض لابُدَّ من وضعه في السجن...).
وبعد خطاب زوارة 1973م كذلك.. { .. تمّ طرد والتخلص من العديد من الموظفين تحت شعار الثورة على "المكتبيّة" و "البيروقراطيّة"، وجرى طرد هؤلاء لأنّ ( النظام/ القذّافي) لا يريدهم، ولأنّهم حسب تقديره، لا ينفذون أوامره بالسرعة المطلوبة..}(م62) .
وخلال أربع سنوات فقط من عمر الإنقلاب (من سبتمبر 1969م إلى ديسمبر 1974م).. سيطر معمّر القذّافي على كلّ شيء في البلاد، فأصبح رئيساً للسّلطة التنفيذيّة والتشريعيّة، ورئيساً لمجالس التخطيط ودوائر الإرشاد القومي بالإضافة إلى قيادة الجيش ورئاسة الدولة.
وفي بداية عام 1976م.. أصدر معمّر القذّافي الفصل الأوّل من الكتاب الأخضر (الركن السياسي) واعتبره حلاً نهائياً للمشكل السياسي والطريق الوحيد إلى الديمقراطيّة!، في حين لا يعد ما جاء في هذا الفصل إلاّ ترسيخاً للقمع والاستبداد حيث لا يعترف الفصل الأوّل من الكتاب الأخضر إلاّ بالرأي المقدّم في الكتاب (الرأي الواحد) معتبراً تعدد الآراء إجهاض للعمليّة الديمقراطيّة، وأصحاب الرأي الآخر مخادعون وخونة !. وتزامن مع صدور الفصل الأوّل من الكتاب الأخضر لقاءات متعددة عقدها معمّر القذّافي مع مجموعة من الأشخاص أختارهم بعناية فائقة (الطلائع الثوريّة) ليكونوا أداته في ممارسة القمع والإرهاب، وهم المجموعة الذين أصبح وجودهم علني رسمي في عام 1978م تحت إسم (حركة اللجان الثوريّة). وسيطر أعضاء هذه الحركة – منذ تأسيسها وإلى الآن – على مواقع وزاريّة هامّة، وأهم دوائر وأجهزة وإدارات الدولة. فقد بلغ عدد الأشخاص الثوريين الدمويين الذين تولوا مناصب وزاريّة في الفترة الواقعة ما بين عام 1969 إلى عام 1999م حوالي (112) شخصاَ وفق الإحصائيّة التي قدمها د/ زاهي محَمّد بشير المغيربي في كتاب:"المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في ليبيا". وبلغ عدد الأشخاص الثوريين (أعضاء حركة اللجان الثوريّة) الذين تولوا مناصب وزاريّة في الفترة الواقعة ما بين 1977م إلى 1999م حوالي (28) شخصاً !.
وظف معمّر القذّافي أعضاء المجموعة الثوريّة منذ إنّ كانت حركتهم سريّة (حركة الطلائع الثوريّة) في ضرب القوى الوطنيّة، والحركة الطلابيّة على وجه الخصوص، وفي تنفيذ إعدامات 7 أبريل 1977م. فقد وضع معمّر القذّافي تحت تصرف أعضاء حركة اللجان الثوريّة – ومنذ تأسيسها وإلى الآن – الملايين من الدولارات، فأصبح أعضاء الحركة هم أغنياء ليبَيا الجدد في وقت يعاني الشّعب الليبي فيه من الفقر والعوز نظراً للسياسيات الإشتراكيّة المطبقة في ليبيا، والتي هدفت إلى تجويع الشّعب الليبي وإفقاره حيث صّودرت بموجب تلك السياسات أموال الليبيّين وممتلكاتهم الخاصّة وتمّ بموجبها أيضاً إلغاء النشاط الإقتصادي الخاصّ تحت بند النص الوارد في الفصل الثّاني من الكتاب الأخضر الذي اعتبر الربح نوعاً من أنواعِ الاستغلال، والقائل..(.. إنّ الإعتراف بالربح هو اعتراف بالاستغلال... إنّ الحل النهائي هو إلغاء الربح..).
كما يتبين من إحصائيّة د/ زاهي محَمّد بشير المغيربي المذكورة أعلى الصفحة مدى الاهتمام المبكر الذي اعطاه معمّر القذّافي لأعضاء حركة اللجان الثوريّة حيث منحهم صلاحيات واسعة، وولاهم مناصب هامّة في كافة الأجهزة والدوائر وإدارات الدولة. وعدد أشخاص حركة اللجان الثوريّة الذين تولوا مناصب وزاريّة لم يتناقص مع مرور السنوات، بل، تصاعد وازداد، وحتى حكومة د/ شكري محَمّد غانم التي جاءت في يونيو 2003م باسم الإصلاح ضمت أربع وزراء (أمناء) من أعضاء حركة اللجان الثوريّة، وهم: عبدالرحمن شلقم (الخارجيّة).. المهدي إمبيرش (الثقافة والإعلام).. معتوق معتوق (القوى العاملة والتدريب).. عمار لطيف (السياحة) بالإضافة إلى تعيين أشخاص أخرين من الحركة في أجهزة الدولة الرقابيّة والتفتيشيّة والأمنيّة، ودوائر المحاكم والقضاء، وأمانة مؤتمر الشّعب العام. وينسحب الأمر كذلك على حكومة د/ البغدادي المحمودي التي تشكلت في مارس 2006م.
وفي إطار تصفيّة الجيش الليبي وإخضاع الأجهزة الأمنيّة لسّيطرة مجلس قيادة الثورة وللقذّافي مباشرة، تمّ اعتقال حوالي (40) أربعين ضابطاً في ديسمبر 1969م بتهمة علمهم واشتراك بعضهم في المحاولة التي عرفت بمحاولة المقدّم/ آدم الحواز (وزير الداخليّة)، والمقدّم/ موسى أحمد (وزير الدّفاع). وبعد اكتشاف محاولة الحواز وموسى أحمد تمّ إقالة حكومة الدكتور/ محمود سليمان المغربي، وأُعلن رسمياً عن إعادة البناء التنظيمي لجهاز الأمن والإدارات التابعة لوزارة الداخليّة، وبدأ اهتمام مجلس قيادة الثورة بالمسألة الأمنيّة يتضاعف حيث سيطر مجلس قيادة الثورة بالكامل على رئاسة الحكومة ووزارة الدّفاع والداخليّة فكلف عضواً من المجلس وزيراً للدفّاع: "أبوبكر يونس جابر"، وعضواً أخر وزيراً للداخليّة:"عبدالسلام جلود "، وتولى معمّر القذّافي رئاسة الحكومة.
وفي مطلع عام 1970م.. تمّ إعتقال العشرات من الضباط والجنود في هذا العام بتهمة التدبير لقلب نَّظام الحكم في المحاولة التي عرفت آنذاك باسم (محاولة معسكر البركة). كما ألقى القبض على مجموعة كبيرة أخرى في 10 مايو 1970م ضمت مجموعة من ضباط الجيش والشرطة وعدد من المدنيين بتهمة الإعداد لقلب نَّظام الحكم أيضاً، وعُرفت هذه المحاولة وقتذاك باسم (محاولة سبها ). كما تمّ إلقاء القبض على العشرات من العسكريين في 27 مايو 1970م، وكان ما بين الذين تمّ القبض عليهم الأخوين: أحمد وراشد الزبير السّنوسي.
واعتقلت أجهزة معمّر القذّافي الإستخباراتيّة خلال صيف 1975م...{... نحو ثلاثمائة (300) ضابط وضابط صف من القوات المسلحة مع عدد قليل من المدنيين بتهمة الإشتراك في التحضير لإنقلاب عسكريّ وهي المحاولة التي ارتبطت بإسم الرّائد/ عمر عبدالله المحيشي عضو ما يسمى بمجلس قيادة الثورة ..}(م63) . انتهز معمّر القذّافي قصّة تحضير المجموعة التابعة للرّائد/ عمر عبدالله المحيشي لإنقلاب عسكريّ ضدّه، ليتخلص من مجموعة من الضباط وقوى مدنية أخرى ظِلّ مرعوباً من وجودها خارج أسوار السجن، كذلك، لتفكك المؤسسة العسكريّة، وحلحلة مجلس قيادة الثورة تمهيداً لإلغائه !. وتمكن معمّر القذّافي من إلغاء مجلس قيادة الثورة بموجب إعلانه عن ما أسماه (قيام سّلطة الشّعب) في 2 مارس 1977م.
وفي أغسطس 1970م.. أصدر الإنقلابيون في يوم 18 أغسطس 1970م قراراً حلوا بموجبه مجلس نقابة المحامين، وكان هذا القرار مؤشر على نوايا الإنقلابيين تجاه العمل النقابي بصفة عامّة. كما أصدروا في يوم 10 أبريل 1972م قراراً جرموا بموجبه الإضراب والاعتصام والتظاهر.
وفي عام 1976م .. ضُربت الحركة الطلابيّة ضربة موجعة قويّة أثرت على نشاطها واستقلالية إتحادها منذ ذلك العام وإلى الآن !. وسبق للحركة الطلابيّة أنّ تلقت ضربة مؤلمة في عام 1973م على أيدي الإنقلابيين. وقال معمّر القذّافي في يوم السابع من أبريل 1976م في خطاب له تعليقاً على مطالب الحركة الطلابيّة والمظاهرات التي قام بها الطلاب في عام 1976م، ما مفاده:..(.. أنا قرأت النشرات التي يكتبها بعض الهلافيت! – يقصد الطلاب – هنا في الجامعة.. وحان الوقت الآن لقطع أيديهم ثمّ قطع رقابهم !. وأنا أعرف أنّني على حق، ولذا، مصمم على تصفيّة أعداء الثورة !. وأنا لا ألعب.. وليس هناك طريق إلاّ طريق الثورة.. والصراع لابُدَّ أنّ يستمر، ويستمر حتى لو أدى إلي مجازر، ومن يعارض برنامج الفاتح الثوري لابُدَّ أنّ يدوسه الشّعب الليبي بالأقدامِ..!.).
وبعد المظاهرات الطلابيّة مباشرة... {..أعتقل نظام معمّر القذّافي مئات من طلاب المدارس والجامعات – وعلى إمتداد الأشهر الأربعة الأولى من عام 1976م. وقام النظام في 7 أبريل 1977م بإعدام إثنين من القيادات الطلابيّة شنقاً: الأستاذ/ عمر دبوب، والأستاذ/ محَمّد بن سعود، في ميدان عام بمدينة بنغازي (ميدان الكاتدرائية)، ونقلت وسائل إعلام النَّظام المطبوعة والمرئيّة مشاهد عمليّة الإعدام...}(م64) . كما قام النَّظام – في نفس اليوم الذي أُعدم فيه دبوب وبن سعود – بإعدامِ الفنان/ عمر الصادق المخزومي، والعامل المصري/ أحمد فؤاد فتح الله شنقاً في ساحة ميناء بنغازي، ونقلت مشاهد الإعدام أيضاً في وسائل إعلام النظام. وترك معمّر القذّافي – ومتعمداً – الجثث الأربعة معلقة في المشانق لساعات طويلة من الوقت قصدَّ إرهاب النَّاس وطبع مشاهد الإعدام في مخيلتهم حتى لا يفكروا يوماً في الاعتراض على سياساته أو التصدى لقراراته وما يقوم به.
الله يرحم سيدي إدريس السّنوسي الذي لم تحدث إعدامات في سنوات حكمه، وحكم الإعدام الوحيد الذي جرى تنفيذه في عهده، نُفِذَ في ابن عمّه الشريف محي الدين الشريف (32) الذي أخرج مسدس من جيبه – وأمام النَّاس وفي عز النهار – وأطلق النار على السيّد إبراهيم الشلحي ناظر الخاصّة الملكيّة فأرداه قتيلاً على الفور. حوكم الشريف أمام محكمة عادية لا استثنائية ودون مخالفة واحدة لاشتراطات المحاكمة العادلة ووفقاً لقواعد واشتراطات الاتفاقيات المتعارف عليها دولياً. وبعد أن ثبتت المحكمة العليا حكم الإعدام الصادر من محكمة الجنايات بنغازي ضدَّ الشريف محي الدين، اتصل آل الشلحي بالملك إدريس السّنوسي وطلبوا منه: أنّ يُنَفذ حكم الإعدام في نفس المكان الذي نُفِذَ فيه القاتل جريمته أو جنايته، أيّ أمام مبنى رئاسة مجلس الوزراء الواقع وسط أهمّ ميدان بمدينة بنغازي.
رفع الملك إدريس السّنوسي طلب آل الشلحي إلى فضيلة المستشار "محمود القاضي" المدعي العام الإتحادي لأخذ رأي القضاء في المسألة. تحدث فضيلة المستشار مع السيّد/ مصطفى بن حليم رئيس الوزراء، فقال له..{.. لن أوافق على هذا الطلب حتى لو استدعى الحال أن أقدم استقالتي. لا يمكن أن أوافق على خرق القانون لإرضاء شهوة التشفّي لدى أبناء الشلحي. وردّ بن حليم عليه قائلاًُ: أطمأن يا سيادة النائب العام لن يُخترق القانون بإذن الله وأن لم يحترم القانون فلن تكون أنت المستقيل الوحيد. وسوف أسافر إلى طبرق لأتحدث مع الملك حول هذا الشأن.
طار بن حليم إلى طبرق وقضى ساعة مع الملك وتحدث معه حول: الوضع القانوني لطلب آل الشلحي ورأي محمود القاضي المدعي العام الإتحادي في المسألة.. السمعة الدعائيّة السيئة عندما يرى العالم كله مشنقة تنصب وسط العاصمة للتشفّي من قاتل ناظر الخاصّة الملكيّة.
ختم الملك إدريس السّنوسي كلامه مع رئيس وزرائه قائلاً: خلاص مادام تنفيذ حكم الإعدام في مكان وقوع الجريمة يعد خرقاً للقانون المعمول به بناءاً على الأسباب التي ذكرت، إذن، اطلبوا تصاريح لأبناء الفقيد واسمحوا لهم بالحضور إلى السجن المركزي ليشاهدوا عملية الشنق بأعينهم ويتأكدوا من أن الحدَّ قد أقيم على قاتل أبيهم.
فردّ بن حليم قائلاً: هذا من ابسط الأمور ولا مانع في القانون من أن يحضروا إلى السجن المركزي ويشاهدوا عملية الشنق إذا كان هذا ما يشتهون.
وهذا ما حدث}(م65) .
حقاً.. إنّ المقارنة بين عهد الملك إدريس السّنوسي وعهد معمّر القذّافي مقارنة محزنة وحزينة. فليبيا في عهد ذلك الرجل الطاهر الجليل عاشت في ظِلّ دستور شرعي ديمقراطي حدّد صلاحيات الحاكم وحقوق المحكومين، وفصل بين السلطات، وكفل استقلال كلّ منها عن الأخرى. أمّا ليبيا في عهد الملازم الكارثة لا دستور يحكمها ولا فصل بين السلطات الثلاث: التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة، فالدستور مغيب والقانون معطل بحجة: أنّ الشّعب الذي يحكم نفسه بنفسه لا يحتاج إلى قانون ولا فصل بين السلطات !. وليبيا في عهد ذلك الرجل المؤمن الحكيم عاشت في ظِلّ قيم أخلاقية حرمت الاعتداء والانتقام والتشفّي ودعت إلى التضامن والتسامح والعطاء. أمّا ليبيا في عهد الملازم الحاقد يدفع شعبها لحضور شنق معارضين نظام سبتمبر الدّكتاتوري. أو كما قال الأستاذ/ عبدالحميد البكُوش:..(..يدفع طلبتها إلى شنق زميل لهم في فناء الجامعة، فليبيا التي سادها حكم القانون إلى حدٍ كبير توقّع فيها اليوم العقوبات الجماعيّة على أقارب المتهمين، وتعود المواطنون فيها على التوتر الدائم المستمر حتى صار الهدوء يثير أعصابهم..).
هذا غيض من فيض السجل الدّكتاتوريّ والدمويّ الذي مهد إلى إعلان معمّر القذّافي عن إستيلائه المطلق على السّلطة، وذلك حينما أوهم الشّعب الليبي في 2 مارس 1977م بأنّه سلم السّلطة إليهم وفق منظومة مؤتمرات شعبيّة تقرر ولجان شعبيّة تنفذ، وبرعايّة قوانين الشريعة الإسلاميّة !. فقد تزامن مع إعلان القذّافي عن ما أسماه بقيام (سّلطة الشّعب) إعلان: (الإسلام شريعة المجتمع) !.
تنصّل معمّر القذّافي مبكراً من فكرة (الإسلام شريعة المجتمع) كتنصله من فكرة (الدستور)!. فقد تنصل من الدستور بحجة: أنّ 2 مارس تعني قيام سّلطة الشّعب، والشّعب الذي يحكم نفسه بنفسه لا يحتاج إلى نواب يمثلونه، ولا دستور يحكمه، ولا سلطات منفصلة عن بعضها البعض لأنّ كلّ ذلك تختفي الحاجة إليه حينما يكون الشّعب حاكماً، والحالة الوحيدة، التي تستوجب وجود تلك الأشياء هي حالة حكم فئة أو نخبة نيابة عن الشّعب !. وتنصل من الشريعة الإسلاميّة حينما أصدر أولاً مجموعة من القوانين المخالفة لنَّصوص القرآن الكريم، وثانياً بشطبه للسنة النبويّة الشريفة كمصدر من مصادر الشريعة الإسلاميّة أو كما قال د/ محَمّد يوسف المقريَّف..(.. أسقط "السنّة النبويّة" كمصدرٍ للتشريع، فضلاً عن عدم استحداثه لأيّة آليّةٍ وعدم وضعه لأيّة ترتيباتٍ تضمن وضع أمر "الإسلام شريعة المجتمع " موضع التنفيذ، فظلّ الأمر هلامياً دون تحديد..).
في 19 فبراير 1978م.. اجتمع معمّر القذّافي مع جمع من شيوخ القراءات، وقال لهم وبالنص الواحد..{.. القرآن إذا تصفحناه.. لا نجده يتحدث عن المشاكل التي نحن نحكم بها المجتمع، نحن البشر نحكم أنفسنا.. القرآن لم يتحدث عن هذه القضايا كلها.. حتى العقوبات في الدنيا محدودة بثلاثة أو أربعة.. جريمة فيها قطع اليد، وجريمة فيها الجلد.. }(م66) .
وجاء في خطاب لمعمّر القذّافي بتاريخ 3 يوليو 1978م، ما نصّه..{.. القرآن يتحدث عن جزء قليل يتعلق بحياتنا، وأغلب الأشياء التي يتحدث عنها تتعلق بيوم القيامةِ، والإيمان بالله، والإيمان بالحسابِ، والإيمان بالعذابِ، والإيمان بالملائكة والرسل، إلى آخره..}(م67) . وقال في مناسبة أخرى، ما نصّه...{.. الشّعب مثل الله، الله في السماء ليس معه شريك والشّعب في الأرض كذلك. الشّعب هو السيد فوق الأرض يقرر فيها ما يشاء، والشّعب فوق الأرض والله في السماء..}(م68) .
وفي أكتوبر 1978م.. ذهب معمّر القذّافي إلى حد إبعاد الدين جملة عن شئون الحياة معتبراً أنّه منافياً لقيم الحريّة، بل، عدواً لها، فقال في نصّ خطابه في اليّوم المُشار إليه أعلاه، ما نصه..(..الدين عدو لدود للحريّة ). وأوعز – وفي مرحلة لاحقة – تخلف المجتمعات العربيّة والإسلاميّة إلى الحكم باسم الدين، فقال:..{.. المجتمعات القبلية والدينيّة لا تنجح علمياً، ولا تزدهر فيها الديمقراطيّة ولا تتحقق فيها المساواة، وبالتالي لا يمكن في مجتمع يحكم باسم الدين إمكانيّة لأنّ تتحقق عدالة ولا ديمقراطيّة ولا بحث علمي..}(م69) .
واعتبر معمّر القذّافي الشريعة الإسلاميّة مذهب فقهي وضعي شأنها شأن القوانين التي وضعها وفقهاء القانون في دّول العالم المختلفة، فقال في خطاب له بتاريخ 2 يوليو 1978م....{.. أنا اعتبر الشريعة الإسلاميّة مذهب فقهي وضعي، شأنه شأن القانون الروماني، قانون نابليون، وكلّ القوانين الأخرى التي وضعها الفقهاء الفرنسيون والطليان أو الإنجليز أو المسلمون..}(م70) .
وقد أنكر معمّر القذّافي حجيّة السنة النبويّة، ووصف الرسول عليه الصلاة والسلام في أكثر من خطاب ب(ساعي بريد)، وقال في مواقع متفرقة من خطاباته:..{.. الله في القرآن يقول لمحَمّد بلغ الرسالة، احذر أنّ تخرج عن القرآن، احذر أنّ تزيد قولاً أخر عن القرآن... وعندما انتهى القرآن مات النبي لأنّ مهمته انتهت، إذن الرسالة هي القرآن فقط لا غيرها..}(م71) .
وفي خطاب لمعمّر القذّافي بتاريخ 19 فبراير 1978م، قال ما يلي:..{.."..محَمّد نبي، ما عنده حديث، ما عنده شعر، ما عنده فلسفة، ما عنده كتابات.. جاء ليبلغ رسالة، ما هي هذه الرسالة ؟، هي القرآن. وماذا قال القرآن ؟. فلنذهب إلى بيوتنا .. ونفتح القرآن..ونقرأ نحن وأولادنا ما في القرآن ونتقيد به. القرآن عبارة عن أوامر ونواهي، وليس قرطاساً..".
وفي خطاب أخر بتاريخ 2 يوليو 1978م، تحدث عن الأحاديث النبويّة فقال:..".. الأحاديث عليها علامة استفهام كبيرة.. وعدداً كبير من الأحاديث فيها كلام متناقض، فلو أتكلم لكم عن الأحاديث المتناقضة سأدخلكم في الشك. إذن يجب عدم الاقتراب من الأحاديث لأنّه يدخل الشك في هذا الكلام...}(م72) .
وجاء على لسان معمّر القذّافي في إحدى خطبه في أواخر سبعينات القرن الماضي، ما نصّه:...(... إنّ الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، هي عبادة ساذجة، وهي سنّة عن الرسول نحن غير مطلوب منّا إتباعه..).
ومن ناحية أخرى.. اعتبر معمّر القذّافي إنّ ما تمّ بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام هو صراع على السّلطة ولا علاقة له بالقرآن ولا الدين. فقال في إحدى خطاباته.. (.. أنا أعتبر عثمان وأبوبكر وعمر وكلّ هؤلاء الخلفاء حكموا بسّلطةِ مدنيةِ لا علاقة لها بالدين..). وقال في موقع أخر، ما نصّه..(.. إنّ رسول الله بريء من الخلفاء الذين أتوا من بعده..). كما شكك في أنّ يكون أحد من الخلفاء أو أحد من صحابة الرسول مبشراً بالجنةِ، فقال في خطاب بتاريخ 3 يوليو 1978م...{.. ليس هناك أحد مبشر بالجنة – ليس لدينا دّليل.. لا علي، ولا عثمان، ولا عشرة، ولا سبعة، ولا ثمانية مبشرين بالجنة..}(م73) .
ونأتي في نهاية هذا الرصد إلى إعطاء صورة عامّة لما وصل إليه معمّر القذّافي من كذب وافتراء ومحاربة القرآن والسنة النبويّة الشريفة، فقد زعم في أحدى خطاباته بأنّ..(... كلمة "قل" التي جاءت في القرآن الكريم لم يعد لها حاجة الآن بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم..). وبعد أنّ أنكر السنة النبويّة الشريفة لم يتردد في خطاب له..(.. أنّ اعتبر التمسك بالسنة طريقاً للشرك، والمتمسك بها كعابد الأصنام والأوثان...). ثمّ أعلن..{.. عن شروعه في الحكم بالقرآن دون السنة النبويّة، فالسنة كما يعتقد معمّر القذّافي "نشاط زائد للرسول الكريم الذي أرسله الله أمياً حتى لا يتدخل في شؤون التشاريع"..}(م74) .
وفي السّياق نفسه، أعتبر..{.."..مسجد الرسول بأنّه ليس له أيّ قدسيّة، وأنّه كالفاتيكان، أو قم بالنسبّة للشيعة..". كما أنكر حادثة معراج الرسول عليه السلام، ووصف الحج بأنّه "عبادة ساذجة "، واعتبر حجاب المرأة بأنّه "من عمل الشيطان"...}(م75) .
وأخيراً.. مهما طغى معمر القذّافي وتجبر لا يمكنه النيل من كرامة شّعب دحر جحافل الغازي الفاشستي: سأعيشُ رَغم الداءِ والأعداءِ .. كالنسرِِِ فِوقَ القِمةِ الشَماءِ
عبر بعض الليبيّين الحدود رفضاً لقفص الببغاء وطلباً للحريّة فوق الأرض، وتحمل قلة أعباء المواجهة فوق الأرض مع الدّكتاتور صاحب القفص !، وانتظر آخرون نسراً يهبط عليهم من الفضاء العالي ليقودهم في مواجهة منتظرة مع أعداء الحريّة فوق الأرض !.
رفض طلب الأمان في قفص ببغاء نصيحة قدمها ونستون تشرشل إلى شاب بريطاني صعد لمجلس العموم، فقال له:
" نسر إذا استطعت – ببغاء أبداً مهما تحملت "!. قصدَ تشرشل تنبيه ناتنج وتحذيره من طلب الأمان في قفص ببغاء!.
تعالوا نسمع قصة النصيحة التي همس بها ونستون تشرشل في أذن ناتنج لأنّ في نصيحته عبرة ودرس، ولأنّها وصلت إلى آذان كثيرين، واختمرت في عقول من أرادوا التحليق في الفضاء العالي حيث تحلق النسور !.
تعالوا نبدأ من هنا.. من قصة تشرشل والفضاء العالي.
ولكن، في الحلقة القادمة.....

ـ انتهت الحلقة السادسة وتتبعها السابعة ـ

________________________________________________

ملاحظات وإشارات هامّة :
30) قضية السيّد/ صالح بويصير: لمزيد من التفاصيل حول قضيّة بويصير راجع مذكّرات السيّد/ مصطفى أحمد بن حليم: "صفحات مطوية من تاريخ ليبَيا السياسي"، في صفحات الكتاب رقم: 549، 550، 551 والمعنونة تحت عنوان: "آخر لقاء مع صالح بويصير ".
31) السيّد/ صالح بويصير:
كان صالح مسعود بويصير كاتباً ومثقفاً ونائباً في البرلمان الليبي. تلقى قسطاً من التعليم في ليبيا ثمّ درس بالأزهر الشريف. أصدر كتاباً عن جهاد الشعب الفلسطيني خلال نصف قرن من الزمان، ويعد كتابه من أهمّ الكتب التي أرّخت لقضيّة فلسطين.
كان من بين أهمّ الشخصيّات التي أسست في عام 1945م "رابطة الشباب الليبي"، وكان أحد أعضاء اللجنة التنفيذيّة للرابطة. كان من بين أعضاء تحرير صحيفة "الاستقلال" – الصحيفة التي عادت إلى صدور بعد إستقلال برقة في عام 1949م. قال دّكتور محَمّد المقريَّف بخصوص "الرابطة" وصحيفة "الإستقلال":..(..حلت رابطة الشباب الليبي نفسها استجابة لطلب الأمير إدريس السّنوسي في 7 ديسمبر 1947م ثمّ عادت للنشاط في أكتوبر / تشرين الأوّل 1949م بعد إستقلال برقة. استأنفت إصدار الصحيفة الناطقة باسمها "الإستقلال" التي كان يرأس تحريرها عبدربّه الغنَّاي كما كان يشارك في تحريرها حتى ربيع 1951م كلّ من: منير البعباع.. صالح بويصير.. عبدالمجيد بوجازية..).
أيضاً.. ترأس صالح بويصير رئاسة تحرير صحيفة "برقة الجديدة"، وأسس في عام 1952م صحيفة "الدّفاع" بمدينة بنغازي.
انتخب بالتزكية لأوّل برلمان ليبي (فبراير/ شباط 1952م) عن منطقة (توكرة) بشرق ليبَيا، وأُختير نائباً لرئيس مجلس النواب. كان صالح بويصير محسوباً على التكتل المعارض دَّاخل البرلمان، فكان من بين أعضاء البرلمان (16) الستة عشر من أصل (55) نائباً الذين صوّتوا ضدَّ التصديق على المعاهدة التي وقعها السيّد/ محمود المنتصر (رئيس الوزراء) مع بريطاني. كما كان معروفاً بأنّه ضمن ثمانية نواب مصنّفين في قائمة المعارضين الأشداء، والثمانية هم: عبدالعزيز الزقلعي، محَمّد الزقعار، صالح مسعود بويصير، عبدالسلام بسيكري، مصطفى ميزران، رمضان الكيخيا، مفتاح عريقيب.
هرب إلى مصر في صيف 1955م بعد اتهامه بتزوير توقيع الملكة فاطمة على رسالة موجهة إلى ملكةِ بريطانيا (إليزابيث) بغية طلب تدخلها لدى الملك إدريس السّنوسي لأجل تخفيف حكم الإعدام الصادر ضدَّ الشريف محي الدين السّنوسي الذي قتل السيّد/ إبراهيم الشلحي ناظر الخاصّة الملكيّة يوم 5 أكتوبر 1954م.
عُيّنَ بعد إنقلاب معمّر القذّافي في سبتمبر 1969م وزيراً للخارجيّة والوحدة وظل في منصبه حتى فبراير 1973م. وكان من بين أعضاء المجلس الإتحادي بين الّدول الثلاثة: مصر وليبيا وسوريا. توفي صالح بويصير في الطائرة الليبيّة المنكوبة التي أسقطتها إسرائيل فوق صحراء سيناء يوم 21 فبراير/ شبّاط 1973م، والتي راح ضحيّتها (55) راكباً ليبيّاً.
أنظر إلى مذكّرات السيّد/ مصطفى بن حليم: "صفحات مطوية من تاريخ ليبَيا السياسي".. وأنظر إلى المجلّدات الثلاثة الأولى: "ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحاتُ من التَّاريخ السياسي" من موسوعة الدّكتور/ محَمّد يوسف المقريَّف التاريخيّة الصادرة عن دار "الفرات" في 1425 هجري الموافق 2004م.
32) الشريف محي الدين السّنوسي ( 1932م – 1955م ): هو حفيد السيّد/ أحمد الشريف وابن أخي الملكة فاطمة. ولد بمرسى مطروح في مصر بتاريخ 29 يناير 1932م. تلقى تعليمه في مصر ولبنان حيث درس بالكلية اللبنانيّة بسوق الغرب. تعرف على التيار القومي أبّان فترة وجود بلبنان حيث اختلط بشباب الأحزاب العربيّة وتشبّع بالحركات القوميّة. قام في يوم 5 أكتوبر 1954م باغتيال السيّد/ إبراهيم الشلحي ناظر الخاصّة الملكيّة. حُكِمَ عليه بالإعدامِ ونٌفِذ فيه الحكم بتاريخ 6 فبراير 1955م.
أنظر إلى المجلّد الثّاني: "ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحاتُ من التَّاريخ السياسي" من موسوعة الدّكتور/ محَمّد يوسف المقريَّف التاريخيّة الصادرة عن دار "الفرات" في 1425 هجري الموافق 2004م.

مصادر ومراجع
م56) الأستاذ/ محـمود محَمّد الناكوع – مقالة: الحاكم الديمقراطي .. والحاكم المستبد – موقع "ليبيا المهجر" أحد مواقع منتدى ليبيا للتنميّة البشريّة والسياسيّة، والمقالةُ نُشرت بتاريخ 19 أبريل 2004م.
م57) د/ زاهي محَمّد بشير المغيربي – دراسة: تركيبة النخبة السياسيّة التنفيديّة في ليبيا من 1969 إلى1999م – موقع منتدى ليبيا للتنميّة البشريّة والسياسيّة.
م58) الأستاذ/ عبدالحميد البكُوش – مقالة: العرب والزمن والألفيّة الثالثة – جريدة الإتحاد الإماراتيّة الصادرة بتاريخ 28 فبراير 2000م.
م59) د/ محَمّد يوسف المقريَّف – في أموال ليبيا المُضيعة المنهوبة.. جردة سريعة وكشف الحساب – موقع الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا / باب ملفات خاصّة.
م60) السيد/ أحمد جبريل – الحلقة السّادسة من برنامج: شاهد على العصر في قناة الجزيرة القطريّة – موقع الجزيرة نت.
م61) الأستاذ/ بوزيد الهلالي – مقالة: الصادق النيهوم وعلاقته بالحقيقة – موقع الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا/ باب المقالات.
م62) الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا – كتاب: انتهاكات حقوق وحريات الإنسان الليبي في ظِلّ النّظام الإنقلابي سبتمبر 1969م/ ديسمبر 1998م – الصادر في 1419 هجري الموافق 1999م عن الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا.
م63) نفس المصدر السّابق.
م64) نفس المصدر السّابق.
م65) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم – كتاب: صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي / وبقليل من التصرف– الصادر في عام 1992م من المملكة البريطانيّة على نفقة المؤلف وحقوق طبعه محفوظة له.
م66) الأستاذ/ الطاهر محَمّد (إعداد)– كتيب: آيات القذّافي الشيطانيّة – منشورات (دار الإنقاذ) الطبعة الأولى/ ديسمبر 1992م.
م67) نفس المصدر السّابق.
م68) نفس المصدر السّابق.
م69) نفس المصدر السّابق.
م70) نفس المصدر السّابق.
م71) نفس المصدر السّابق.
م72) نفس المصدر السّابق.
م73) نفس المصدر السّابق.
م74) الأستاذ/ عبدالحميد البكُوش – مقالة:ليبيا بين أمسها واليوم، أو الكيفيّة التي يتجلى فيها تاريخ مر ومرير – صحيفة الحياة اللندنيّة العدد: "12719" الصادر بتاريخ 27 ديسمبر 1997م.
م75) موقع القذّافي يهرج – مقالة: فرعون يظهر من جديد في ليبيا.


       
       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home