Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

Thursday, 25 May, 2006

إضغـط هنا للأطلاع على الجزء الأول

       
       
       
       

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج

الصادق شكري

الجزء الثّاني
الحلقة الرابعة ( 4 مِنْ 16 )

تحدث معمّر القذّافي في أكثر من خطابِ في عام 1978م عن القرآن والعقوبات وقضايا الحكم والحياة، فقال:...(...القرآن يتحدث عن يوم القيامة، والإيمان بالله، والإيمان بالحسابِ، والإيمان بالعذابِ، والإيمان بالملائكةِ والرسلِ، إلى آخره.. ولا نجده يتحدث عن المشاكل التي نحن نحكم بها المجتمع، نحن البشر نحكم أنفسنا.. القرآن لم يتحدث عن قضايا المجتمع والحياة... وحتى العقوبات في القرآن محدودة ثلاثة أو أربعة.. جريمة فيها قطع اليد، وجريمة فيها الجلد... الشّعب مثل الله، الله في السماء ليس معه شريك والشّعب في الأرض..).
نسى معمّر القذّافي أنّ الله كشف لبني آدم أهمّ شيء في حياته ألاّ وهو سر خلقه (عبادة الله )، فقال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز..( وما خَلَقتُ الجِنَّ والإنسَ إلاّ لِيَعبُدُونِ) سورة الذّاريَات الآية 56.
ونسى أنّ الدين الإسلامي هو دين يخاطب العقل، والروح، والوجدان، ولا يهمل أيّ جانب من هذه الجوانب الإنسانيّة. كما نسى أنّ الله رسم للإنسانِ خطوط الحياة العريضة وتركه يتكيف مع حياته وفق مستجدات العصر وآلياته، لأنّه كرم الإنسان بنعمة العقل – أيّ نعمة التفكير والتدبر والتأمل – عن سائر مخلوقاته الأخرى.
وصحيح أنّ الله سبحانه وتعالى ترك للإنسانِ حريّة التفكير والاعتقاد والاختيار ولكنه أيضاً لم يترك أوصياء على النّاس يفكرون نيابة عنهم أو يأمرونهم بإتباع أسلوب واحد يرونه الحلّ النهائيّ والطريق الوحيد !.
ومقصد معمّر القذّافي من وراء قول العبارات المُشار إليها أعلى الصفحة – والعياذ بالله – هو:..(.. الله في السماء لا شريك معه والقذّافي في الأرض..). والقذّافي الذي أكد على أنّ الله ترك للإنسانِ مسألة تدبير شئون حياته اختزال حق البشر في شخصه وصادر بالمطلق حق الآخرين في مسألة تدبير شئون الحياة !.
ورفض معمّر القذّافي لأيّ رأي آخر غير رأيه وإصراره على أنّ كلامه هو الحلّ النهائيّ والطريق الأوحد الوحيد هو قمة الاستبداد أو الاستبداد بشحمه ولحمه كما يقولون. وجعل الكتاب الأخضر منهاجاً للحكم ثمّ إجبار النّاس على قبوله وإتباعه يعنى مصادرة حقوق النّاس الطبيعيّة: كحق التفكير.. وحق المشاركة.. وحق الاختيار.
يقول الأستاذ/ أحمد عبدالباقي.. {.. إنّ أسوأ ما يؤذي نّظام القذّافي هو الطعن في الأيديولوجيّة التي يبنى عليها ويتبجح بها وكأنّها آتية من السماء، أو كأنّها غير قابلة للنقد مع إنّ النظريّة المجسدة لتلك الأيديولوجيّة تبدو واهيّة وغير قابلة للصمود أمام النقد. إنّ المقربين من معمر القذّافي يقولون أنّه مستعد للتنازل عن أيّ شيء ما عدا النظريّة التي تجسد أفكاره، أو الفكرة التي ابتدعها ليمارس مطلق السّلطة دون أنّ يكون مسئولاً عن الأخطاء الفادحة التي يقترفها....}(م26) .
هذه الحلقة والحلقة القادمة هما مجرَّد محاولة لنقد جزء ممّا جاء في الفصل الأوّل من الكتاب الأخضر "الركن السياسي". وهذا النقد نُقدمه للنّاسِ ليحكموا عليه وفق ما يرون ويقدرون.
ويبقى الحكم في النهايّة لجمهور القرّاء كما يقولون........
الكتاب الأخضر.... حكم الفرد المطلق تحت مسمى سّلطة الشّعب / مارس 1977م!!
سنحاول تحت هذا العنوان مناقشة: الكتاب الأخضر.. الإقرار والمحتوى، بمعنى، عرض الكيفيّة التي تمّ بها إقرار الكتاب الأخضر ومناقشة الخطوط العريضة للفصل الأوّل من الكتاب الأخضر. كما سنحاول مناقشة ما ذكرنا عبر وقفتين، وسنفرد لكلّ وقفة حلقة كاملة.

الوقفة الأولى:
بدأ معمّر القذّافي في تطبيق فكرة "اللجان الشعبيّة" في عام 1973م، ثمّ ألحقها فيما بعد بتطبيق "المؤتمرات الشعبيّة"، وأسس في عام 1976م مؤتمر الشّعب العام. اعتمد القذّافي نظريته في الحكم " الكتاب الأخضر" في مارس 1977م، وهي النظريّة التي ترتكز على الأساسيين التاليين: "اللجان الشعبيّة" و "المؤتمرات الشعبيّة " كما جاء في نصّ الكتاب الأخضر في المقولة القائلة: (..بأنّ المؤتمرات الشعبيّة واللجان الشعبيّة هي الثمرة النهائيّة لكفاح الشعوب من أجل الديمقراطيّّة..). نصل من متابعة التواريخ المذكورة إلى أنّ الكتاب الأخضر تمّ فرضه على الشّعب الليبي فرضاً لا اختياراً كما يقول معمّر القذّافي ويردد أتباعه، بمعنى، لقد أُعتمد الفصل الأوّل من الكتاب الأخضر كمرجعيّة سياسيّة للدولة في عام 1976م وإقراره الرسمي تمّ في 2 مارس 1977م. كما أنّ الكتاب الأخضر تمّ إقراره بآليّة وردت في الكتاب نفسه لا بآليّة أخرى تؤكد نزاهة هذا الاختيار ومصداقيته !.
على أية حال.. يعتبر معمّر القذّافي الكتاب الأخضر حلاً جذريّاً نهائيّاً لكافة مشاكل البشريّة السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة !. ويعتبر الطرح المقدّم في فصول الكتاب الأخضر الثلاثة هو عصارة التجارب الإنسانيّة ضدّ التمييز والاستغلال والدّكتاتوريّة، والاستجابة الصادقة لطموحات الشعوب وتطلعاتها في الحريّة والعدل والمساواة !. كما يعتبر ليبيا البلد النموذج، وأنّ العالم سيقتدي بليبيا ويتبع طريقها ليصل إلى دولة الجماهير باعتبارها نهايّة المطاف !.
يقول معمّر القذّافي: أنّ الشّعب الليبي هو الذي اختار النظريّة العالميّة الثالثة (الكتاب الأخضر).. وهو من طالب بتطبيق نَّظام "اللجان الشعبيّة" و "المؤتمرات الشعبيّة" وتمسك به.. وهو من رفض أنظمة الحكم التقليديّة المعمول بها في دّول العالم المختلفة، فالشّعب الليبي – ومنذ مارس 1977م – أصبح هو صاحب القرار والمسئول عنه، وهو من يمتلك في يده السّلطة والثروة والسلاح !.
والسّؤال المطروح في هذا الشأن.. هل من المعقول أو المقبول أنّ يمنح الحاكم لنفسه حق تأليف كتابِ يحدد فيه خيارات شعبه دون تخويل من أحد أو تكليف من أيّ جهة لها صفة الشرعيّة، ثمّ يفرض ما كتابه على الشّعب دون استفتاء أو منح فرصة لأحد أنّ يناقشه فيما كتب أو يحاوره فيما عرض وطرح !؟.
وبحق.. لم يكلّف الشّعب الليبي معمّر القذّافي بتأليف الكتاب الأخضر، ولم تعط فرصة لأحد لمناقشة الكتاب ونقد ما جاء في فصوله الثلاثة، كذلك، لم يتمّ استفتاء الليبيّين على الكتاب بعد صدوره. كما نؤكد بأنّ الشّعب الليبي يرفض الكتاب الأخضر جملةً وتفصيلاً ولا يتمنى شيئاً في دنياه أكثر من تمنيه لشطب الكتاب الأخضر من حياته وانتهاء حكم العقيد معمّر القذّافي الجاثم على صدره منذ أمد بعيد. لا نستطيع إثبات صحّة هذا الاستخلاص بالأرقام والإحصائيات نظراً لتغول الدولة وقبضتها الحديديّة وسيطرتها على كلّ شيء، ولكنّ، مباراتي كرة قدم بين مصر وليبيا التي أقيمتا في شهر أكتوبر عام 2004م وشهر يناير 2006م فيهما تدليل على هذا الاستخلاص كما تبدو ليّ وكأنّهما استفتاء غير مباشر يؤكد رفض الشّعب الليبي للقذّافي وكتابه الأخضر !!.
فحضور سبعين ألف (70000) متفرج للمباراة التي أقيمت في شهر أكتوبر عام 2004م على ملعب الحادي عشر من يونيو بالعاصمة الليبيّة طرابلس في أخر لقاءات الذهاب من تصفيات الفرق المؤهلة إلى نهائيات كأس أفريقيا بمصر، وكأس العالم بألمانيا عام 2006م، يدلل بشكلِ ما على صحّة استخلاصنا !. فجلوس الليبيّين في مدرجات الملاعب وحبهم للرياضة ومتابعتهم المستمرة لأخبار اللاعبين ونّتائج مباريات أهمّ الأنديّة العالميّة يعد المثال الأكثر وضوحاً لمدى عمق الاختلاف بين الشّعب الليبي وما يؤمن القذّافي به !. وحضور سبعين ألف (70000) متفرج في المباراة التي جمعت ليبيا ومصر يعد بمثابة الاستفتاء الدال على رفض الشّعب الليبي للكتاب الأخضر لأنّ الكتاب يرفض النوادي والمنتخبات والمدرجات، بل، يعتبرها أدوات احتكاريّة لابُدَّ من تحطيمها كما يصف الجمهور الكروي الذي يجلس في مدرجات الملاعب بالعاجزين والمغفلين !. فقد جاء في مقتطفات من الركن الإجتماعي من الفصل الثّالث من الكتاب الأخضر، ما يلي.. (...ومثلما الثروة تصبح لكلّ الجماهير والسلاح للشّعب.. تكون الرياضة، بوصفها نشاطاً إجتماعياً جماهيرياً كذلك. إنّ الرياضة العامّة تخص كلّ الجماهير. فكما يحطم عصر الجماهير أدوات احتكار الثروة والسّلطة والسلاح.. لابُدَّ أنّ يحطم أدوات احتكار النشاط الإجتماعي من رياضة وفروسيّة وما إليها. إنّ المؤسسات الرياضة (النوادي) ما هي إلاّ أدوات احتكاريّة إجتماعيّة شأنها شأن الأدوات السياسيّة الدّكتاتوريّة التي تحتكر السّلطة دون الجماهير، والأدوات الإقتصاديّة التي تحتكر الثروة عن المجتمع الأدوات العسكريّة التقليديّة التي تحتكر السلاح عن المجتمع.
...إنّ الآلاف التي تملأ مدرجات الملاعب لتتفرج وتصفق وتضحك هي الآلاف المغفلة التي عجزت عن ممارسة الرياضة. إنّ مدرجات الملاعب العامّة معدة أصلاً للحيلولة دون الجماهير والميادين والملاعب، أيّ لكي تمنع من الوصول إلى ميادين الرياضة....). وفي يناير 2006م.. ورد في قناة القذّافي الرياضيّة (فضائيّة – النادي )، ما يلي: " أنّ دوائر الهجرة والجوازات الليبيّة والمصريّة أكدت بأنّ قرابة الـ 20 ألف ليبي، دخلوا إلى مصر لمساندة المنتخب الليبي، كما أكدت المصادر الرياضيّة المصريّة أنّ الليبيّين اشتروا 36 ألف تذكرة من أصل 75 ألف تذكرة خصصت لمباراة افتتاح البطولة الأفريقيّة بين ليبيا ومصر (19) التي أقيمت على أستاذ القاهرة يوم 20 يناير 2006م. فقدوم 20 ألف ليبي إلى مصر وتحملهم لمشاق السفر ومصروف مالي هم في حاجة له في ظِلّ الظروف الصعبة التي يعيشونها لهو استفتاء غير مباشر يؤكد مجدّداً على رفض الشّعب الليبي للقذّافي وكتابه الأخضر، ويضيف تأكيد آخر إلى التأكيد الذي أوردناه في المثال السّابق.
فلو أنّ الشّعب الليبي مقتنع بالكتابِ الأخضرِ وما جاء فيه لما جلس في المدرجات وتابع بإهتمام شديد ما يجري في ساحة الملاعب. والمثلان السّابقان اعتبرهما من أهمّ الدلائل التي تؤكد رفض الليبيّين لمعمّر القذّافي وكتابه الأخضر خصوصاً أنّ جماهيريّة القذّافي تحرم صناديق الاقتراع، وإجراء الاستفتاءات، واستطلاع الرأي العام.
على أية حال.. حلّ معمّر القذّافي بموجب إعلان ما اسماه بقيام سّلطة الشّعب في 2 مارس 1977م، مجلس قيادة الثورة، وألغى الإعلان الدستوري المؤقت فأقبرَ "حكم الدستور" وظِلّت ليبيا منذ سبتمبر 1969م وإلى الآن بلد يُحكم بدون دستور. صدر "الإعلان الدستوري المؤقت" في 9 ديسمبر 1969م، وهو الإعلان الذي أجازه العقيد معمّر القذّافي وصدق عليه، وكان رجل المخابرات المصري/ فتحي الديب هو من وضع قوانين الإعلان ومواده. واعتبر الليبيّون الإعلان الدستوري مجرَّد حالة مؤقتة لحين الفراغ من وضع دستور جديد للبلاد. وهذا ما لم يتمّ حتى الآن !!.
استعمل معمّر القذّافي فكرة "الدين" للتنصّل من فكرة الدستور حيث أعلن: اعتماد الدين الإسلامي مصدراً للتشريع تحت شعار "الإسلام شريعة المجتمع" ثمّ تنصّل من كون الإسلام شريعة المجتمع بترويج أحاديثه القائلة: بأنّ القرآن لا يتحدث عن القضايا التي نواجهها والمشاكل التي نعيشها. ففي حديث للقذّافي مع جمع من شيوخ القراءات في 19 فبراير 1978م، قال بالنصّ الحرفي ما يلي:..(.. القرآن إذا تصفحناه.. لا نجده يتحدث عن المشاكل التي نحن نحكم بها المجتمع، نحن البشر نحكم أنفسنا.. القرآن لم يتحدث عن هذه القضايا كلها.. حتى العقوبات في الدنيا محدودة بثلاثة أو أربعة.. جريمة فيها قطع اليد، وجريمة فيها الجلد..).
وتحدث القذّافي في خطاب أخر بتاريخ 3 يوليو 1978م، فقال:..(.. القرآن يتحدث عن جزء قليل يتعلق بحياتنا، وأغلب الأشياء التي يتحدث عنها تتعلق بيّوم القيامة، والإيمان بالله، والإيمان بالحسابِ، والإيمان بالعذابِ، والإيمان بالملائكةِ والرسل، إلى آخره..".
وذهب القذّافي في مناسبة أخرى إلى أكثر من هذا الحد، فقال ما نصّه...(.. الشّعب مثل الله، الله في السماء ليس معه شريك والشّعب في الأرض كذلك. الشّعب هو السيّد فوق الأرض يقرر فيها ما يشاء، والشّعب فوق الأرض والله في السماء...). يقول ذلك مع أنّ الله سبحانه وتعالى قال في كتابهِ العزيز:..(.. ليسَ كَمِثلِهِ شيءُ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ). سورة الشّوُرَى الآية 11.
والحاصل.. تنصّل معمّر القذّافي من فكرة "الإسلام شريعة المجتمع" بإصداره أولاً لمجموعة من القوانين المخالفة لنَّصوص القرآن الكريم وثانياً بشطبه للسنة النبويّة الشريفة كمصدر من مصادر الشريعة الإسلاميّة.
ومنذ إعلان 1977م وإلى الآن، بقيت ليبيا بدون دستور ولا تشريعيات تفصل بين السّلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة. فالقذّافي لا يرى أيّ ضرورة للدستور ولا حاجة للفصلِ بين السّلطات مادام الشّعب يحكم نفسه بنفسه وفق نظريّة مؤتمرات شعبيّة تقرر ولجان شعبيّة تنفذ !!. كما يعتقد القذّافي بأنّ الشّعب الحاكم لنفسه بنفسه لا يحتاج إلى دستور يحكمه ولا نواب يمثلونه ولا سّلطات منفصلة عن بعضها البعض لأنّ الفصل بين السّلطات يعني حكم النخبة نيابة عن الشّعب، وحينما يكون الشّعب حاكماً أيّ المنفذ والمُشرع والقاضي، تختفي بالضرورةِ الحاجة إلى تشريعيات تفصل بين سّلطات الدولة التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة. هذه الاستنتاجات العبيطة والأحكام القاصرة يعتبرها معمّر القذّافي نظريّة عالميّة ثالثة وحلاً نهائيّاً وحيداً لمشكلة الصراع على السّلطة !!!.
قفل مؤلف الكتاب الأخضر على نفسه مجالات تطوير أفكاره أو تعديلها أو معالجتها ظاناً في نفسه الاستحواذ المطلق للحقيقة في..(..مجال إنساني إجتماعي إطلاقيته الوحيدة هو نسبيته )، كما قال الأستاذ/ إبراهيم قرادة. ولا يؤمن مؤلف الكتاب بإجتهادات من سبقوه ولا يرى حقاً لغيره في الاجتهاد أو الاختلاف معه. ويعتبر مؤلف الكتاب كلّ شيء قبله باطل ولا شيء يمكن أنّ يقدم بعده لأنّ ما قدمه هو الحلّ النهائي والوحيد لمسألة الديمقراطيّة ومشكل الصراع على السّلطة !!.
ومن ناحية أخرى.. لم يعتمد معمّر القذّافي في تنظيره على أيّ أصول علميّة أو منطقيّة، فلا وجود لأيّ مصادر أو مراجع في الكتاب الأخضر، وكلّ ما توصل إليه في هذا الكتاب من نّتائج بناها على فرضيات خاطئة أو أقاويل لا دّليل على صحتها وحجيتها. ويضاف إلى ذلك إنّه كتب نظريته وعمره لم يتجاوز الثلاثة والثلاثين عاماً، ولم يعرف عنه أبداً – وكما قال الأستاذ/ إبراهيم قرادة –،...(... أيّ إنتاج فلسفي ولا أكاديمي، ولم يعرفُ عنه سوى أنّه دّيكتاتور عسكريّ نزق..).
عموماً.. الديمقراطيّة كفكرة ومضمون موجودة منذ قرون طويلة من الزمان، ويرى فقهاء الإسلام مصطلح "الديمقراطيّة" مرادفاً لمصطلح "الشّوُرَى" في اللغة العربيّة كما يؤكدون على توافق القيم الإسلاميّة مع الدعوة إلى "الديمقراطيّة" ولا يرون تناقضاً جوهرياً بين الدعوة إلى "الشّوُرَى" والدعوة إلى "الديمقراطيّة". فقد جاء الدين الإسلامي لإخراج النّاس من الظلمات إلى النورِ.. ومن عبادة الأصنام والطواغيت إلى عبادة رب السماوات والأرض.. ومن إذلال العباد للعباد إلى تكريم الإنسان ومنع الإجبار والإكراه، بل، جعل الإنسان خليفة الله في الأرض. فالحريّة مبدأ أساسي من مبادئ الإسلام.. والتشاور من أجل صناعة القرار الأفيد والأسلم هو لب مسألة الحكم في الإسلام.. والمسلمون للحاكم بالمرصاد، فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه، وإذا اعوج قومّوه. وسيدنا محَمّد عليه الصلاة والسلام أمر بالتشاور وحكم بالعدل بين النّاس وهو أوّل من وضع دستور مكتوب عرفته البشرية في تاريخها ألاّ وهو "دستور المدينة". ويعتبر فقهاء الإسلام الأمير أو الرئيس حاكم مدني من جميع الوجوه، ويعتبرون الأمّة مصدر السّلطات. يقول الإصلاحي المعروف: الشيخ/ محَمّد عبده..{ .. المسلمون للحاكم بالمرصاد، فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه، وإذا اعوج قومّوه . فالأمّة أو نواب الأمّة هي التي تنصبه، والأمّة هي صاحبة الحق في السّيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه. وليس في الإسلام سّلطة دينيّة سوى سّلطة الموعظة الحسنة وهي سّلطة خوّلها الله لأدنى المسلمين. ولم يعتبر الفقه الإسلامي الوالي صاحب حق في السيادة، بل اعتبرها حقاً للأمّة وحدها يمارسه الوالي كأجير أو وكيل عنها، وبذلك يمكنها عزله إنّ وجدت مبررات لذلك، ومعنى هذا أنّ الأمّة مصدر السّلطات في الإسلام }(م27) .
وأصل الديمقراطيّة إلى اليونانِ...{.. وبالضبط إلى "كليستم" رجل الدولة الذي سمح بهذا النوع من الحكم في مدينته أثينا، في نحو 507 سنة قبل الميلاد. وهو الحكم الذي عرف قمة ازدهاره في هذا القرن، وتجسد في السماح لكلِّ مواطني المدينة "الأحرار" بالتعبير عن آرائهم بكل حريّة في الساحة العموميّة (لاغورا) وإتخاذ القرارت التي تهم تدبير شؤون مدينتهم، وانتخاب مجموعة من القضاة – عن طريق القرعة – لتنفيذ هذه القرارت. وأثبتت دّراسات أخرى أنّ كلّ المجتمعات "البدائيّة" قبل أثينا وما بعدها عرفت ما يمكن تسميته "بالديمقراطيّة الفطريّة أو الطبيعيّة". بمعنى، أنّ هذه المجتمعات كانت تدير شؤونها عن طريقِ قيادة جماعيّة، أو مجلس للشّوُرَى، أحياناً، برئيس، وأحياناً بدون رئيس على نحو ما أوضح بيير كلاستر في كتابه "المجتمع ضدّ الدولة"، أيّ هناك من يقول أنّ أصل الديمقراطيّة لا يرجع إلى اليونان أو الحضارة الغربيّة (اليهوديّة المسيحيّة ) فحسب، بل، كذلك إلى العديد من أشكال التنظير والتدبير الحضاري والثقافي السلمي لشؤون الأقوام والجماعات والشعوب عبر العصور.
أنّ علم السّياسَة يفيد أنّ لمفهوم الديمقراطيّة على العموم معنيان: معنى تقليدي ومعنى حديث.
أ- المعنى التقليدي: يفيد أنّ الديمقراطيّة هي "حكم الشّعب لنفسه بنفسه"، أيّ الديمقراطيّة المباشرة التي يمارس فيها الشّعب السّلطة بنفسه دون وسيط. بيد أنّ هذا النوع من الحكم لم يطبق عملياً في اليونان إلاّ في مجال ترابي محدود (مدينة أثينا، وفي فترة زمنية قصيرة نسبياً "نحو قرن"، وبشكلِ ناقص "استثناء النساء والعبيد والأجانب"). وهو ما أدى إلى اعتراضات شتى عليه باعتباره حكم العوام والرأي العام والأغلبيّة والديماغوجيّة....الخ. كما سجلت ذلك مواقف العديد من الفلاسفة وقتها مثل: سقراط وأفلاطون، والتي فضلت عليه حكم الصفوة أو الارستقراطيّة.
ب- المعنى الحديث: يفيد أنّ الديمقراطيّة هي "حكم الشعب لنفسه عن طريق ممثليه". بمعنى، أنّ كرسي السّلطة فارغ، وأنّ الشّعب هو الذي يفوضه بصفة مؤقتة لمن يختاره في الانتخابات. وهي الديمقراطيّة التمثيليّة (أو غير المباشرة) التي بدأ تنفيذها تدريجياً منذ العصر الحديث (القرن الثامن عشر)، وأثبتت نجاحها النسبي كنَّظام سياسي في الغرب منذ ذلك الوقت...}(م28) .
والحاصل.. الديمقراطيّة ليست ابتكاراً قذّافياً فقد كُتبَ عنها آلاف المجلّدات – ومنذ عصور من الزمان – من قِبل مفكرين وفلاسفة من مختلف أنحاء العالم ابتدءاً من: أفلاطون وفلاسفة اليونان مروراً بروسو ومونتكو وفولتيمر في فرنسا.. ولوك وهوبز في انجلترا.. وجفرسون وماديسون في أمريكا وغيرهم من مفكرين وفلاسفة.. وانتهاءً بالعلماء والمفكرين المعاصرين. والديمقراطيّة كفكرة ومضمون موجودة منذ قرون طويلة من الزمان: مبدأ سيادة الشّعب.. مبدأ الحريّة في التملك والاعتقاد والحركة والتظاهر والتعبير والنشر.. ومبدأ فصل السّلطات .. وما ينطوي ضمنها وتحتها من حقوق وواجبات. هذه المبادئ لم يتمّ..{.. إقرارها دفعة واحدة، ولا باتفاق آراء المفكرين والفلاسفة. فقد تواصلت الإرهاصات الفكريّة منذ القرن الخامس عشر (إراسم، توماس مور، لوثر..) إلى السابع عشر (هوبز، لوك..) ثمّ إلى مفكري القرن الثامن عشر (مونتسكيو، فولتير، روسو...) كما تفاوتت الدعوات بدءاً من الإصلاح الديني إلى الملكيّة الدستوريّة ثمّ إلى الجمهوريّة الديمقراطيّة.
ويؤكد البعض أنّ الديمقراطيّة قامت منذ عصور ما قبل الميلاد، فمفهوم الديمقراطية نشأ في اليونان القديمة. فكلمة (Democracy) ذات أصل يوناني: ديموس (شّعب) وكراتوس (سّلطة) أيّ:سّلطة الشّعب. وأشهر نماذج الديمقراطيّة ذلك الذي عرفته أثينا، خاصّة خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. وقد قامت الديمقراطيّة الأثينيّة على مبادئ رئيسية ثلاثة: المساواة السياسيّة، والمساواة الاجتماعيّة، وحكومة الشّعب. ويؤكد البعض الآخر أنّ مبدأ (الشّوُرَى) الذي جاء به الإسلام بديلاً أو مكافئاً لمبدأ الديمقراطيّة. بل إنّ بعض المفكرين الإسلاميين يعده المبدأ الأسلم والأصح والأكثر تلاؤماً مع واقع المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. ولكنّ هنا أيضاً ظهرت خلافات نظريّة حول مضمون المفهوم، وجرى القفز عليه وتجاوزه عبر تاريخ الخلافة العربيّة الإسلاميّة كله تقريباً ( باستثناء فترة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم..)..}(م29) .
وعليه.. لا يقبل من القذّافي أنّ يتعامل مع الديمقراطيّة وكأنّه مبتكرها أو محتكرها أو أنّه يقدم الأسلوب الوحيد لتطبيقها. فقد أدعى القذّافي مراراً وتكراراً أنّ كتابه الأخضر هو النظريّة الصحيحة الوحيدة للديمقراطيّة !!. فعند الإطلاع على مقولة..{.. "ليس للديمقراطيّة إلاّ أسلوب واحد ونظريّة واحدة. وما تباين الأنظمة التي تدعي الديمقراطيّة إلاّ دَّليل على أنّها ليست ديمقراطيّة" الواردة في الكتاب الأخضر، يتوقف المطالع عند نقطة درجة التطرف اليقيني للمقولة باستحواذها المطلق للحقيقة في مجال إنساني إجتماعي إطلاقيته الوحيدة هو نسبيته. لحظة التوقف تنير مؤشرة عن نوعيّة تفكير كاتبها الاستعلائيّة المقصيّة لأفكار الآخرين وتجاربهم، حين حدد محتكراً وفارضاً رؤيته في ماهيّة الديمقراطيّة الصحيحة وأسلوبها الوحيد. لنصل عبرها إلى جانب أخر من منطق المؤلف الشاذ الذي يرى في تعدد الأفكار وتنوع الأساليب حجة كافية لبطلان الأفكار.
هذا النمط من التفكير الشمولي ليس جديداً على البشريّة، التي عانت طويلاً من سطوة دّيكتاتوريّة الأفكار الشموليّة القطعيّة، إلاّ أنّ تواجده في هذه اللحظة التاريخيّة وفي موقع جغرافي كموقع ليبيا تعبير عن انحطاط ثقافي، مفروض. وعلى نفس المنوال، ألاّ تذكرنا مقولات الكتاب الأخضر القائلة بأنّ "المؤتمرات الشعبيّة واللجان الشعبيّة هي الثمرة النهائيّة لكفاح الشعوب من أجل الديمقراطيّة "، وأنّ "المؤتمرات الشعبيّة واللجان الشعبيّة ليست من صنع الخيال بقدر ما هي نتاج للفكر الإنساني الذي استوعب كافة التجارب الإنسانيّة من أجل الديمقراطيّة"، وأنّ "الديمقراطيّة المباشرة هي الأسلوب المثالي الذي ليس محل نقاش أو خلاف في حال تحققهما واقعياً "، ألاّ تذكرنا هذه المقولات الإطلاقيّة بمقولة "نهايّة التاريخ " لفرنسيس فوكوياما، التي تعلن "أنّ الإنسانيّة وجدت أخيراً ضالتها المنشودة في الرأسماليّة الليبراليّة باعتبارها هي المرحلةًُ الأخيرة والنهائيّة لمسّيرة البشريّة وتطورها، ونهايّة النظريات السياسيّة والاجتهادات الفكريّة"...}(م30) .
وخلاصة القول لا صلة لما جاء في الكتاب الأخضر بالعلم والمنطق والموضوعيّة حيث فشلت مقولاته على أرض الواقع فشلاً ذريعاً رَّغم تسخير كافة إمكانيات الدولة الليبيّة من أجل إنجاح نظريّة القذّافي والترويج لها !!. وأثبت الواقع العملي الملموس فشل الكتاب الأخضر في حلّ مشاكل مجتمع بسيط كالمجتمع الليبي القليل في عدد سكانه والبسيط في تركيبته الإجتماعيّة. وأمام هذا الفشل المشهود لم يجد القذّافي إلاّ التراجع تلوا التراجع عن كثير ممّا جاء في الفصل الثّاني، وغدا إهماله للفصل الثّالث من الكتاب الأخضر واضحاً لا يحتاج إلى إثبات وبرهان كما سبق وإنّ أسلفنا، وظِلّ متمسكاً إلى الآن بما جاء في الفصل الأوّل من الكتاب الأخضر ومصراً على تطبيقه لأنّه أرجع الفشل إلى الشّعب الليبي حيث قال في أكثر من مناسبة:..(..سبب الإخفاق يعود إلى تخلفِ الشّعب الليبي، فلو طُبقَ الكتاب الأخضر في سويسرا مثلاً لحقق نجاحاً باهراً، ولذا، لابّدَّ من القضاء التامّ على التخلف لأجل تطبيق أمثل لهذه النظريّة البديعة..!! ).
تقوم بنية الحكومة الليبيّة على هرم من اللجان والمؤتمرات بحيث تنتخب – تُصعد باصطلاح القذّافي – كلّ طبقة منها المستوى الأعلى الذي يليها مباشرة. ويرأس الدولة في نّظام القذّافي الجماهيري الأمين العام لمؤتمر الشّعب العام، ويعتبر أمين اللجنة الشعبيّة العامّة بمثابة رئيس الوزراء. يُصعد (يُنتخب) مؤتمر الشّعب العام أمين المؤتمر (رئيس الدولة)، واللجنة الشعبيّة العامة (الحكومة) المؤلفة من أمين عام للجنة وعدد من الأمناء. يعتبر مؤتمر الشّعب العام أعلى سّلطة في نّظام القذّافي الجماهيري، وقد تأسس المؤتمر في عام 1976م وبدأ آخر تجديد له في أوائل أيار/مايو 2000م. تتشكل عضوية مؤتمر الشّعب العام من: أمانة المؤتمر (رئاسة الدولة)، وأمناء اللجنة الشعبية العامّة(20) (الحكومة)، وأمناء، اللجان الشعبيّة بالشعبيات (المحافظات)، وأمناء النقابات والإتحادات والروابط المهنيّة، وآخرين يتمّ استدعاؤهم كرؤساء اللجان الشعبيّة في مؤسسات الدولة المختلفة، ورؤساء المكاتب الشعبيّة في الخارج (السفراء)، وبعض ممثلي المثابات الثورية (أعضاء حركة اللجان) بصفتهم الجهة المكلفة بترسيخ سّلطة الشّعب، وترشيد اللجان الشعبيّة وأمانة المؤتمرات، وتحريك مسارات الحوار والنقاش في المؤتمرات الشعبيّة، والمنوط إليها مهام الرقابة الثوريّة، وحمايّة الثورة والدفاع عنها والدعايّة لها.
ويقوم أمناء المؤتمرات الشعبيّة واللجان المختلفة بتصعيد (انتخاب) أعضاء أعلى منظمة تشريعيّة وهي مؤتمر الشّعب العام لمدة ثلاث سنوات. واللجنة الشعبيّة العامّة...{.. تمثل أعلى مستوى من مستويات اللجان الشعبيّة، ويتمّ تصعيدها (اختيارها) عن طريق مؤتمر الشّعب العام. وهي مسئولة أمام هذا المؤتمر. وتتكون اللجنة من أمين عام (رئيس الوزراء) ومجموعة من الأمناء (وزراء) للقطاعات المختلفة (التعليم والصحة والإقتصاد...الخ). وكلّ أمين يرأس لجنة شعبيّة نوعيّة (متخصصة) عامّة في قطاعه. وتتكون اللجنة الشعبيّة النوعيّة العامّة من أمناء اللجان الشعبيّة النوعيّة على مستوى البلديات. وإلى جانب ذلك توجد بعض الأمانات (الوزارات) بدون لجان شعبيّة نظرا لكونها أمانات مركزيّة مثل أمانة الصناعة الثقيلة وأمانة النفط.
... وتأتي اللجان الشعبيّة للبلديات في المستوى الثّاني بعد اللجنة الشعبيّة العامّة. ويتمّ اختيار اللجنة الشعبيّة للبلديّةِ من قبل أعضاء المؤتمر الشعبي للبلدية. وتتشكل هذه من أمين عام، ومجموعة من الأمناء مسئولين عن القطاعات النوعيّة المختلفة. وكلّ أمين يرأس لجنة شعبيّة نوعية في قطاعه. وتتكون اللجنة الشعبيّة النوعيّة في البلديّة من أمناء القطاعات النوعيّة على مستوى الفرع البلدي..}(م31) .
تمّ تغيير التقسيم الجغرافي السّابق للمناطق (المحافظات) بموجب نَّظام المؤتمرات الشعبيّة إلى تقسيم جديد سُمي (الشعبيات)، كما تمت تجزئة بعض المحافظات بموجب هذا لنَّظام إلى شعبيتين أو أكثر فعلى سبيل المثال: أُنشئت شعبيّة خليج سرت (محافظة) التي كانت في الأصل جزءً من محافظة مصراتة. وتمّت تجزئة التقسيم الإداري السّابق (البلديات) إلى وحدات أصغر سميت (كومونات) بغيّة التحكم والسّيطرة وترسيخ سّلطة الفرد.
قُسمت ليبيا بعد انتقالها من النّظام الإتحادي الفيدرالي إلى النّظام الوحدوي في عام 1963م في عهد الملك إدريس السّنوسي إلى عشرة محافظات، وكانت كالآتي: طرابلس، بنغازي، سبها، مصراتة، البيضاء، غريان، الزاوية، درنة، الخمس، اوباري. وعُدلَ تقسيم المحافظات بعد استيلاء القذّافي على السلطة في سبتمبر 1969م، فأصبح كما يلي: طرابلس، بنغازي، غريان، الزاوية، الخمس، مصراتة، الجبل الأخضر، درنة، سبها، الخليج.
ومن المعلوم.. أنّ ليبيا كانت مُقسمة قبل إستيلاء القذّافي على السّلطة إلى أقل من عشرين (20) بلديّة ثمّ قسمت في عهد القذّافي أولاً إلى خمسِ وعشرين (25) بلديّة. والبلديات الخمسة والعشرون هي: إجدابيا، العزيزية، الفاتح، الجبل الأخضر، الجفرة، الخمس، الكفرة، النقاط الخمس، الشاطئ، أوباري، الزاوية، بنغازي، درنة، غدامس، غريان، مصراتة، سبها، سوف الجن، سرت، طرابلس، ترهونة، طبرق، يفرن وزليطين. وبلغ عدد البلديات قبل إعلان ما يسمى ب(قيام سّلطة الشّعب) في عام 1977م إلى ستة وأربعين (46) بلديّة.
وفي عام 1979م..{.. تمّ إلغاء المحافظات وقُسمت ليبيا إلي 46 بلديّة، وتمّ تقسيم كلّ بلديّة إلي مجموعة من الفروع البلديّة التي بلغ مجموعها 174 فرع بلدي. في عام 1980م أعيد تنظيم البلديات إلي 25 بلديّة و 173 فرع بلدي. وتمّ تخفيض عدد البلديات في عام 1986م إلي 13 بلدية، وعدد الفروع البلديّة إلي 53 فرعاً بلدياً، وذلك بناءً على قرار اللجنة الشعبيّة العامّة رقم (459) لسنة 1986م بشأن إعادة تقسيم الجماهيريّة إلى بلديات، وعلى قرار اللجنة الشعبيّة العامّة رقم (609) لسنة 1986م بشأن تقسيم بلديات الجماهيريّة إلى فروع بلديّة.
استمر هذا التقسيم حتى عام 1990 حيث تمّ تخفيض عدد البلديات من 13 بلديّة إلي 7 بلديات، وعدد الفروع البلديّة إلي 40 فرعاً بلدياً، وذلك بناء على قرار اللجنة الشعبيّة العامّة رقم (1038) لسنة 1990م بشأن إعادة تقسيم الجماهيريّة إلي بلديات.
بقى هذا التنظيم إلي عام 1992م، إلاّ أنّه في نهايّة 1992م تمّ إلغاء نَّظام البلديات والفروع نهائياً، وأصبحت البنيّة السياسيّة في ليبيا ممثلة في المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة والتي وصل عددها إلي 1500 مؤتمراً شعبياً أساسياً تقريبا، وذلك بناء على قرار أمانة مؤتمر الشّعب العام رقم (75) لسنة 1992م بشأن إعادة تقسيم الجماهيريّة إلي مؤتمرات شعبيّة أساسيّة.
غير أنّ هذا التقسيم لم يستمر طويلاً حيث تمّ تقليص عدد المؤتمرات الشعبية الأساسيّة في السنة اللاحقة (1993م) ليصبح عددها 370 مؤتمر شعبي أساسي تقريباً، ثمّ قلصت مرَّة أخرى لتصبح 336 مؤتمر شعبي أساسي، كما تمّ تقسيم الجماهيريّة إلي 13 منطقة، وذلك بناء على قرار اللجنة الشعبيّة العامّة رقم (184) لسنة 1995م.
وفي عام 1998م.. عُرضَ على المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة في دور انعقادها العادي الأوّل مشروع قانون بتقسيم الجماهيريّة إلي 27 " شعبيّة " حسب التسميّة الجديدة للمناطق أو البلديات. وأصبح عدد المؤتمرات الشعبيّة 351 مؤتمر شعبي أساسي عام 1998م، ومع حلول العام 2003م بلغ عدد الشعبيات أكثر من ثلاثين شعبيّة، وأصبح عدد المؤتمرات الشعبيّة حوالي 450 مؤتمر شعبي أساسي..}(م32) .
والأرقام المُشار إليها في الفقرة السّابقة نقلتها عن دّراسة للدّكتور/ زاهي المغيربي رئيس قسم العلوم السياسيّة وعضو هيئة التدريس بالجامعة الليبيّة بمدينة بنغازي. وربّما استطرد هنا لأؤكد بأنّ عدد المؤتمرات الشعبيّة الذي جاء في الإحصائيّة الرقميّة للدّكتور/ زاهي المغيربي طرأ عليه شيء من التغيير والتعديل حيث لفت انتباهي وأنا أتابع ما يجري في جلسات المؤتمرات الشعبيّة المنعقدة في نوفمبر 2005م أنّ قرأت في وسائل الصحافة العربيّة الجملة التالية:..(..بينما تستمر جلسات 468 مؤتمراً شعبياً موزعة على 2.935 تجمع تناقش مختلف الملفات المتعلقة بالسّياسَة الداخليّة والخارجيّة لليبيا..). وهذا يعني أنّ العدد قد تغير من 450 مؤتمراً شعبياً في عام 2003م إلى 468 مؤتمراً شعبياً في عام 2005م. ومن جهة أخرى.. عدد المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة البالغ عددها الآن 468 مؤتمراً شعبياً مرشحة إلى أنّ تصبح 30,000 " ثلاثون ألف مؤتمر شعبي أساسي" وفقاً لما قاله معمّر القذّافي في المقابلة التلفزيونيّة "الحرّة الفضائيّة" التي أجراها معه الإعلامي: "نديم اقطيش " مساء يوم الأحد الموافق 8 يناير 2006م. قال معمّر القذّافي في مقابلته مع القناة الأمريكيّة الناطقة باللغة العربيّة " فضائيّة الحرّة"، ما يلي..{.. فعلاً تمت الملاحظة وتدخلت من طرفي وقلت يجب مد الوقت (جعل الوقت مفتوح) للمؤتمرات الشعبيّة ‏تنعقد شهر.. شهرين.. ثلاثة.. أربعة.. وإلى الآن دخلت الشهر الثّالث أو أكثر ولازالت المؤتمرات الشعبيّة "منعقدة". هذه المؤتمرات كانت في السّابق تنعقد لمدة أسبوعين فقط. كما دعوت هذا العام إلى أنّ يصبح عدد المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة في ليبيا في حدود 30 ألف كيمونة "مؤتمر شعبي أساسي"، 30 ‏ألف عضو شعبي كلّ إنسان في كيمونة، يعني الثلاثة ملايين الذين هم بالغين من رجال ونساء يكونوا مقسمين على ‏‏30 ألف تجمع 30 ألف كيمونة 30 ألف مؤتمر شعبي أساسي، بمقدار 100 شخص في كلّ كيمونة حتى يأخذوا ‏راحتهم في المناقشة، يعني ثلاث ملايين قسمهم على ثلاثين ألف يطلع 100، إذا كلّ تجمع مكون من 100 شخص. مائة شخص علشان يقدروا يناقشوا بالراحة يعني يناقشوا كلّ شيء، كلّ واحد يأخذ فرصة ‏بالنقاش، لأنّه وجدنا أنّ 400 كيمونة لما يلتقوا فيها النّاس يصل الكيمونة وحدها عدد الألف أو الخمس آلاف، فكيف ‏يحصل فرصة للنقاش ؟ فأحسن لنا أنّ نزيد عدد الكيمونات إلى عشرات الآلاف، حتى تتاح الفرصة لكلّ واحد أنّ ‏يناقش خلال أسبوع.. أسبوعين أو شهر.. شهرين بالراحة..} (م33) . ‏
ومؤتمر الشّعب طبقاً لقول معمّر القذّافي هو: (.. تجمع لكلّ أمناء اللجان الشعبيّة والمؤتمرات الأساسيّة والروابط والنقابات). ويلاحظ، أنّ أمناء الإتحادات العامّة للنقابات والإتحادات والروابط المهنيّة هم..{.. أعضاء في مؤتمر الشّعب العام حيث يعبرون عن مصالح فئاتهم المختلفة أمام المؤتمر، ولكن لا يحق لهم التصويت حول قضايا السّياسَة العامّة، وذلك نظراً لأنّ مؤتمر الشّعب العام يقوم بتجميع وصياغة قرارات المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة، والإتحادات والروابط المهنيّة غير متمثلة تمثيلاً فئوياً في المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة.. }(م34) .
لا تنعقد المؤتمرات الشعبيّة في جماهيريّة القذّافي إلاّ حينما يدعوها معمّر القذّافي للإنعقاد لأنّه ببساطة هو الشخص الوحيد الذي يملك هذا الحق !. وبعد إنتهاء المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة من أعمالها، يدعو القذّافي مجدّداً مؤتمر الشّعب العام إلى الانعقاد. ينعقد مؤتمر الشّعب العام مرتين كلّ عام: مرّة لإقرار جدول الأعمال، والمرَّة الثانية لصياغة قرارات المؤتمرات الشعبيّة. يضع القذّافي بنفسه جدول أعمال المؤتمرات حيث دأب– منذ عام 1977م وإلى الآن – دعوة المؤتمرات للاجتماع عبر خطاب يقدم فيه ما يراه مناسباً كجدول أعمال، وما يقدمه في خطابه تعتمده المؤتمرات الشعبيّة مباشرة دون أدنى اعتراض أو تعديل أو إضافات جديدة. ولا تخرج توصيات ومقررات المؤتمرات الشعبيّة ومؤتمر الشّعب العام غالباً عن توجيهات القذّافي ومقترحاته أو ما أوصى به مسبقاً في خطاب دعوة الانعقاد.
يزعم معمّر القذّافي أنّه ليس بحاكم أو رئيس أو مسئول إنّما هو مجرَّد قائد منحه شعبه حق التوجيه والإرشاد لأنّه هو من صنع الثورة وقادها، ولكنه، لا يمتلك صلاحيات ولا مسئوليّة رسميّة. وعلى الرّغم من أنّ العقيد القذّافي ليس له أيّ منصب رسمي عدا القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلاّ أنّه هو الحاكم المطلق فالبلاد تسير وفق النهج الذي رسمه، والقرارات يتمّ إتخاذها بناءً على توجيهاته وإرشاداته لأنّ مقترحاته وتوجيهاته واجبة التنفيذ بحكم وثيقة (الشرعيّة الثوريّة) الصادرة في عام 1990م.
احتفظ معمّر القذّافي بكافة السّلطات والصلاحيات التي كان يتمتع بها قبل عام 1977م، رَّغم إدعائه بالتنازل عن كافة مناصبه بموجب إعلان 2 مارس، بل، أنّه أضاف إليها صلاحيات جديدة استمدها من شرعيّة سماها (الشرعيّة الثوريّة) بحيث أصبحت مقترحاته وتوجيهاته قوانينناً ملزمة وواجبة التنفيذ دون أيّ مناقشة أو إعتراض. باشر القذّافي ممارسة صلاحياته الثوريّة منذ مارس 1977م رغم أنّ وثيقة الشرعيّة الثوريّة لم تصدر بشكل رسمي إلاّ في مارس 1990م !.
ومن جهةِ أخرى.. يدعي معمّر القذّافي بأنّه ليس بحاكم أو رئيس، ولا يملك سوى التأثير المعنوي على شعبه، فالشّعب هو من منحه لقب القائد كونه صانع الثورة ومفجرها!. وعلى الرّغم من أنّ القذّافي ليس له أيّ منصب رسمي عدا القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلاّ أنّه هو الحاكم المطلق فالبلاد تحكم وتدار وفق نّصوص الكتاب الأخضر التي فرضها القذّافي على الشّعب الليبي.. والمؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة ومؤتمر الشّعب العام تعتمد في جلساتها كلّ ما يقدمه القذّافي من مقترحات وتوجيهات جدولاً لأعمالها، كذلك، ترسم سياسات الدولة وفق توجيهات القذّافي وإرشاداته لأنّ مقترحاته وتوجيهاته، بلّ، حتى نصائحه تعتبر ملزمة وواجبة التنفيذ بحكم وثيقة (الشرعيّة الثوريّة) الصادرة في عام 1990م. ومعمّر القذّافي هو الشخص الذي يقابل ضيوف ليبيا وزوارها من رؤساء الدّول والحكومات، وهو من يبرم الصفقات والمعاهدات كعقده مثلاً لصفقة التصالح مع دّول الغرب مؤخراً وتقديمه لتنازلات تلو الأخرى كإعترافه بجرائم الخطف والتفجير واعتذاره عنها، ودفعه التعويضات الملياريّة (مليارات الدولارات) من خزينة الشّعب لضحايا لوكربي (21) (Lockerbie bombing) وطائرة يوتا (UTA) الفرنسيّة(22) والملهى لابيل الليلي ببرلين (23) .
وغير هذه الأمثلة..كثير، وكثير جداً .
ومجدّداً.. يقول معمّر القذّافي أنّه ليس بحاكم أو رئيس أو مسئول إنّما هو مجرّد قائد منحه شعبه حق التوجيه والإرشاد، ويزعم أنّ الشّعب الليبي يحكم نفسه بنفسه من خلال منظومة المؤتمرات الشعبيّة. والشّعب يصنع قرره – كما يزعم القذّافي – في مؤتمراته الشعبيّة الأساسيّة ثمّ يصعد لجان لتنفيذ تلك القرارات أيّ مؤتمرات شعبيّة تقرر ولجان شعبيّة تنفذ !.
والشّعب الليبي واقعياً لا يقرر ولا يحكم إنّما من يحكم في ليبيا هو القذّافي وحده ولا أحد سواه. فالقذّافي يحكم وحده ولا يقبل مشاركة أحد لأنّه ببساطة لا يؤمن بالتعدد والاختلاف، بل، يتعامل مع الآخر بنهج الإقصاء والتصفيّة !.
ينطلق معمّر القذّافي في كتابه الأخضر من منطق: "الإيمان بجدليّة (الصراع ) لا (جدليّة الحوار )!، ويرى الاختلاف خصاماً وفرقةً لا تنوعاً ورحمةً كما يراه سائر العقلاء من البشر، كما، لا يرى: إنضاج الأفكار وتطوير المشاريع عبر منظومة الحوار المعمق بين الاجتهادات المتنوعة والآراء المتعددة والرؤى المختلفة لأنّه ببساطة لا يؤمن بالآخر، بل، ينطلق من نهج "جدلية الصراع الثوري" القائم على التصفية والإقصاء !. فقد جاء في خطاب لمعمّر القذّافي بتاريخ 8 مايو 1980م، ما يلي...(... فإذا لم تنه عمليات التجريد من الأسلحة الإقتصاديّة والسياسيّة والإجتماعيّة فعاليات القوة المضادة فلابُدَّ حينئذ من التصفيّةِ الجسديّة وهي المرحلة الأخيرة في جدلية الصراع الثوري للحسم النهائي..).
يعتبر معمّر القذّافي الحزبيّة خيانة وإجهاضاً للديمقراطيّة.. ويصف صناديق الاقتراع بصناديق القمامة معتبراً النيابة محرمة والتمثيل تدجيل. ويعتبر الاستفتاء كذب وتدجيل وضحك على الذقون ومضيعة للوقت. أمّا الملكيّة الخاصّة للصحافة ممنوعة، بلْ، محرمة حسب تفكيره واعتقاده.
وقد أورد القذّافي ما ورد أعلاه بالنصّ في كتابه الأخضر، فقال.. {... الحزب هو الدّكتاتوريّة العصريّة .. هو أداة الحكم الدّكتاتوريّة الحديثة ... إذ إنّ الحزب هو حكم جزء للكلّ... وهو آخر الأدوات الدّكتاتوريّة حتى الآن. والحزبيّة إجهاض للديمقراطيّة. ومن تحزب خان.
... المجلس النيابي حكم غيابي والتمثيل تدجيل. والمجالس النيابيّة تزييف للديمقراطيّة. إنّ الشّعب في مثل هذه الأنظمة – المقصود الأنظمة ذات المجالس النيابية – هو الفريسة المتصارع عليها، وهو الذي تستغفله وتستغله هذه الأدوات السياسيّة المتصارعة على السّلطة لتنتزع منه الأصوات وهو واقف في صفوف منتظمة صامتة تتحرك كالمسبحة لتلقـى بأوراقها في صناديق الاقتراع بنفس الكيفيّة التي تلقى بهـا أوراق أخـرى في صناديق القمامة.. هذه هي الديمقراطيّة التقليديّة السائدة في العالم كله سواء النظم ذات الحزب الواحد أو ذات الحزبين أو ذات الأحزاب المتعددة، أو التي بدون أحزاب. وهكذا يتضح أنّ (التمثيل تدجيل ).
... لا يجوز ديمقراطياً أنّ يملك الفرد الطبيعي أيّ وسيلة نشر أو إعلام عامّة ، ولكن من حقه الطبيعي أنّ يعبر عن نفسه فقط بأية وسيلة حتى ولو كانت جنونية ليبرهن على جنونه.
.. والاستفتاء تدجيل على الديمقراطيّة لأنّة لا يسمح إلا بكلمة واحدة وهي (نعم) أو (لا) فقط. ثمّ إنّ الشعوب مرغمة على الاستفتاء بحكم القوانين الوضعية.
.. وأنّ محاولات إرضاء الجماهير بانتخاب ممثلين عنها، أو أخذ رأيها في الاستفتاءات… إنّ تلك المحاولات جميعها باءت بالفشل، وأصبح تكرارها مضيعة لوقت الإنسان وضحكاً على الشعوب من ناحية أخرى...}(م36) .
ولا شك.. أنّ تجريم الحزبيّة، وتحريم التجمع، ومنع التمثيل النيابي، وتغييب الاستفتاء، ومصادرة الصحافة الخاصّة، لا يعني إلاّ تشتيت صوت الشّعب وتحويل قوى المجتمع إلى أفراد متفرقين لا علاقة لأحد بالآخر !. أو كما قال الإعلامي العراقي الدّكتور/ منذر الكوثر..(..والقضاء على أيّة إمكانيّة لقيام تجمعات وكيانات سياسيّة أو فكريّة في ليبيا، معناه تحويل الليبيّين من مجتمع له قوته ومؤسساته الضاغطة والملحة، إلى مجرّد أفراد متفرقين لا يساند بعضهم بعضاً ولا يؤازر أحدهم الآخر..).
وأخيراً.. بعدما قدّمَ معمّر القذّافي رؤيته في: مسألة الحكم والعمليّة الديمقراطيّة، ختم تنظيره مؤكداً أنّ نظريته يستحيل تطبيقها على أرض الواقع !، فقال..{... هذه هي الديمقراطيّة الحقيقيّة من الناحية النظريّة. أمّا من الناحية الواقعيّة فإنّ الأقوياء دائماً يحكمون.. أيّ أنّ الطرف الأقوى في المجتمع هو الذي يحكم...}م36. والسّؤال الآن.. إذا كان معمّر القذّافي يعترف من الأساس استحالة تطبيق نظريته !، فلماذا يُصر على استمرار العمل بها !؟.
وهل إعتراف معمّر القذّافي بالقوة كفيصل حازم نهائي في مسألة الحكم هو ما دعاه إلى تكوين المليشيات وفرق الاغتيال وحركة اللجان الثورية ليكون الطرف الأقوى، وبالتالي، الحاكم الأوحد والمسيطر مدى حياته !؟. مجرَّد سؤال آخر.....

ـ انتهت الحلقة الرابعة وتتبعها الخامسة ـ

________________________________________________

تصويب :
ذكرتُ في الحلقةِ الثانيّةِ في الفقرة المعنونة تحت اسم: "إنجازات وإحصائيات.. مقارنة سريعة بين العهد الملكي وعهد الإنقلاب"، الجملة التاليّة:.."..كما سجلت ليبَيا رقماً قياسياً دولياً في معدل الإقبال على المدارس حيث زاد عدد التلاميذ في جميع المدارس من رقم المائتين يوم إستقلالها إلى الثلاثمائة في عام 1969م..".
يبدو أنّ كلمة (ألف) سقطت سهواً أثناء الطباعة، فالأصل في الجملة أنّ تكون على النحو التالي:..(.. زاد عدد التلاميذ في جميع المدارس من رقمِ المائتين يوم إستقلالها إلى الثلاثمائة ألف في عام 1969م..).
والإحصائيّة المذكورة أوردها الأستاذ/ عبدالحميد البكُوش في مقالته: "ليبَيا بين أمسها واليّوم، أو الكيفيّة التي يتجلى فيها تاريخ مر ومرير"، المنشورة في صحيفة الحياة اللندنيّة في العدد رقم "12719" الصادر بتاريخ 27 ديسمبر 1997م، وجاء الرقم المذكور في الجملة التاليّة:..".. لم يتجاوز عدد التلاميذ في جميع مدارسها رقم المائتين – يقصد يوم الإستقلال .. وإذ بلغ عدد تلاميذ المدارس رقم الثلاثمائة ألف – يقصد بعد إستيلاء القذّافي على السّلطة".
وأضاف الأستاذ/ عبدالحميد البكُوش، قائلاً:.."..الثلاثمائة ألف.. وفاقَ عدد طلاب الجامعة والمبعوثين العشرة ألف..".

تنويه :
ورد في الحلقة الأولى من هذا الجزء (الجزء الثّاني) مصدر الوثيقة الخاصّة بتنازل سيدي إدريس لولي العهد رحمهما الله، وهو كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" تأليف ئي.آ. ف. دي كاندُول"، والصادر باللغة العربيّة في عام 1989م". والمصدر المذكور صحيح ولا شك فيه، إنّما هناك صديق عزيز بعث ليّ إيميل يوم الجمعة الموافق 12 مايو 2006م، جاء فيه: [... أفيدك علماً بأنّ الوثيقة الخاصّة بتنازل سيدي إدريس لولي العهد، لم تكن من ضمن وثائق المؤلف (المستر دي كاندُل)، بل كانت من وثائق الناشر (الشيخ محَمّد بن غلبون) التي أضيفت للكتابِ. فقد أضاف الشيخ محمّد بن غلبون بعض الصور وهذه الوثيقة وغيرها من الوثائق على النسختين العربيّة والإنجليزيّة (ملحق الناشر رقم 6 على صفحة 165 في الترجمة العربية، و ملحق الناشر رقم 4 على صفحة رقم 162 من الطبعة الإنجليزية ).
.. وأعرف أنّك حريص على هذه المسائل لذا وجب التنبيه...].
صحيح أنّني أشرت إلى مصدر الوثيقة، ولكن تظل ملاحظة صديقي مهمّة جداً حتى لا يظن الباحث أنّ الوثيقة الخاصّة بتنازل سيدي إدريس للأمير الحسن الرضا من وثائق المؤلف "المستر دي كاندُول"، وهي من وثائق الناشر كما أشرنا أعلى الصفحة. رأيت من باب الأمانة ضرورة التنويه والإشارة إلى هذه الجزئيّة.

ملاحظات وإشارات هامّة :
19) مباراة ليبيا ضدّ مصر: أقيمت البطولة الأفريقيّة لعام 2006م في جمهوريّة مصر العربيّة في الفترة الواقعة ما بين من 20 يناير/ كانون الثّاني حتى 10 فبراير/ شباط، وبمشاركة 16 منتخباً إفريقيا. حضر يوم الافتتاح الرئيس المصري محَمّد حسني مبارك وقرينته السيدة/ سوزان ورئيس الوزراء المصري أحمد نظيف وعدد من الوزراء والمسئولين المصريين والأفارقة وسط إجراءات أمنيّة مشددة. ألقى الرئيس محَمّد حسني مبارك كلمة قصيرة جداً بصفته رئيس الدولة المضيفة للبطولة كما ألقى السيد/ عيسى حياتو رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم كلمة قدم فيها لافتتاح الدورة الخامسة والعشرين لكأس الأمم الأفريقيّة. أقيمت مباراة الافتتاح على إستاذ القاهرة بين فريقي مصر وليبيا يوم الجمعة الموافق 20 يناير 2006م ضمن المجموعة الأولى التي تضم كلّ من: جمهورية مصر العربيّة.. المملكة المغربيّة.. ليبيا.. كوت ديفوار (ساحل العاج ). انتهت المباراة بفوز المنتخب المصري بثلاثة أهداف مقابل صفر (3 – 0 )، وقد سجل الأهداف المصريّة كلّ من: المحترف المصري في إنجلترا أحمد حسام (ميدو) في الدقيقة 17 من الشوط الأول .. وسجل محَمّد أبو تريكة في شوط الأوّل كذلك هدف المباراة الثّاني.. وسجل أحمد حسن في مرمى (مفتاح غزالة) هدف المباراة الثّالث في شوط المباراة الثّاني.
20) أمناء اللجنة الشعبيّة العامّة: بدأ في تطبيق نَّظام أمناء اللجنة الشعبيّة العامّة بدلاً من نَّظام الوزراء في مارس 1977م أيّ تطبيق نَّظام الأمانات برئاسة أمين اللجنة الشعبيّة العامّة بدلاً من نَّظام الوزارات التي يترأسها رئيس الوزراء (رئيس الحكومة)، والذي انتهى العمل به منذ الإعلان عن ما سمي ب(قيام سّلطة الشّعب) في 2 مارس 1977م.
أولاً: رؤساء الوزارة من سبتمبر 1969م إلى مارس 1977م، وهم كالتالي:
د/ محمود سليمان المغربي: رئاسة الوزراء الأولى في عهد الإنقلاب، والتي بدأت في 8/9/1969م واستمرت أربعة شهور فقط. العقيد/ معمّر أبا منيار القذّافي: رئاسة الوزراء الثانية والتي بدأت من 9/ 1/1970م، واستمرت حتى منتصف شهر يوليو 1972م.
الرّائد/ عبد السلام جلود: رئاسة الوزراء الثالثة والتي بدأت من 16/7/1972م، واستمرت حتى نهاية هذه الحقبة في 2/3/1977م.
ثانياً: أمناء اللجنة الشعبيّة العامّة (رؤساء الحكومات) من عام 1977م إلى 2005م، وهم كالتالي:
عبد العاطي العبيدي: 1977م إلى 1979م.
جاد الله عزوز الطلحي: 1979م إلى 1984م.
محَمّد الزروق رجب: 1984م إلى 1986م.
جاد الله عزوز الطلحي: 1986م إلى 1987م.
عمر المنتصر: 1987م إلى 1990م.
ابوزيد دوردة: 1990م إلى 1994م.
عبد المجيد القعود: 1994م إلى 1997م.
محَمّد أحمد المنقوش: 1997م إلى 2000م.
إمبارك عبدالله الشامخ: 2000م إلى 2003م.
شكري محَمّد غانم: يونيو 2003م إلى مارس 2006م.
البغدادي المحمودي: مارس 2006م إلى ....
21) قضيّة لوكربي (Lockerbie bombing): تفجرت طائرة بان أمريكان رقم 103 فوق سماء قرية لوكربي يوم 21 ديسمبر/ كانون الأوّل 1988م وأدّت هذه الجريمة النكراء إلى موت 270 ضحيّة. اتهمت الولايات المتحدة الأمريكيّة أجهزة مخابرات القذّافي بالضلوع في عمليّة تفجير بان أمريكان فوق سماء قرية لوكربي. أصدرت هيئة المحلفين الأمريكيّة (Grand Jury) أوامر اتهام لشخصين في المخابرات الليبيّة هما: عبدالباسط علي محَمّد المقرحي.. الأمين خليفة فحيمة، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1991م أصدر القاضي الاسكتلندي أمراً بالقبض على: عبد الباسط المقرحي والأمين خليفة فحيمة لاتهامهما بالقتل والتآمر وانتهاك القسم الثّاني فقرة 1 و5 من قانون أمن الملاحة الجوي البريطاني لعام 1982م. طلب المجتمع الدولي من ليبيا تسليم المقرحي وفحيمة، فرفضت جماهيريّة القذّافي في البدايّة تسليمهما ثمّ رضخت فيما بعد لمطلب التسليم. أصدرت البعثة الدائمة الليبيّة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1991م في الأمم المتحدة خطابا نفت فيه تورط ليبيا بالجريمة، فصدر إعلان مشترك أنجلو أمريكي يطالب ليبيا بتسليم المتهمين في الجريمة ويحملها المسؤوليّة عن أعمال موظفيها الرسميين ويلح في السماح بالوصول إلى كلّ الشهود والوثائق والأدلة الماديّة بالإضافة إلى دفع تعويضات عادلة. تمّ التصويت في 15 أبريل 1992م في هيئة الأمم المتحدة وتمّ إتخاذ قرار يقضي بمعاقبة ليبَيا وإقامة حصار دولي حولها (Sanction). ظلّت العقوبات المفروضة على ليبيا أيّ الحصار الدولي (National Sanction ) على ما هي عليه من 1992م إلى 1997م حيث رفضت ليبيا في البدايّة تسليم المتهمين إلى أيّ دولة أجنبيّة ثمّ بدأت الأمور تتغير مع تغيير موقف ليبيا وذلك بقبولها بتسليم المتهمين إلى أيّ دولة ماعدا اسكتلندا. قبل معمّر القذّافي في بدايّة عام 1999م بتسليم المتهمين ومحاكمتهم في هولندا أمام محكمة اسكتلنديّة إثر وساطة جادة قامت بها المملكة العربيّة السعوديّة ودولة جنوب إفريقيا. ووصل المتهمان ( المقرحي وفحيمة) إلى هولندا في 6 إبريل/ نيسان 1999م.
ومنذ تسليم المتهمين الليبيّين المقرحي وفحيمة للمحاكمة في 13 أبريل/ نيسان 1999 حبس الاثنان احتياطياً في سجن شيد خصيصاً دّاخل حدود معتقل كامب تسايت بهولندا، حيث جرت المحاكمة. رفعت الأمم المتحدة حصارها المفروض على ليبيا في 5 مايو 1999م. وفي يوم 31 يناير/ كانون الثاني 2001م تمّت تبرئة الأمين خليفة فحيمة وحُكم على عبدالباسط محَمّد المقرحي بالسجن المؤبد لأنّ التحقيقات أثبتت أنّه الشخص المسؤول عن تفجيرِ الطائرةِ الأمريكيّة. وقد ثبتت محكمة الاستئناف الحكم الصادر بحقه يوم 14 مارس/ آذار 2002، فأودع بسجن بارليني بمدينة غلاسكو باسكتلندا. وتنص القوانين الاسكتلندية على أنّ مدة المؤبد لا تتجاوز 20 سنة ممّا يعني انتهاء فترة السجن عام 2021م.
قَبِلَ نَّظام القذّافي بعد صدور الحكم بتحمل المسؤوليّة عن أعمال موظفيها وفقاً للقانون الدولي، ودفع تعويضات مناسبة وقيمتها اثنين مليار وسبعمائة مليون، وفي المقابل، فأنّ ملف القضيّة سيغلق من الناحية القضائيّة، من خلال تخلي أقارب الضحايا عن حقهم في رفع دعاوى مستقبلا ًضدّ القيادة الليبيّة. رفضت أكثر من عائلة من عائلات الضحايا استلام أيّ تعويضات من ليبيا (دية ) وأصروا على استمرار التحقيق في قضيّة لوكربي حتى تتبين الحقيقة كاملة، مع احتفاظهم بالحق في المقاضاة مستقبلاً، اقتناعاً منهم أنّ القيادة الليبيّة لا تزال لديها ما تخفيه حول هذه الكارثة – كارثة تفجير طائرة بان أميركان فوق سماء قرية لوكربي. ورَّغم مظاهر التحسن في علاقات القذّافي بالولايات المتحدة الأمريكيّة إلاّ أنّ الأمريكان لم يقفلوا ملفاً واحداً فتحوه مع معمّر القذّافي حتى بعد دفع الأخير للمليارات من الدولارات لأهالي الضحايا، وفتح منشاته للتفتيش الدولي، وتقديم كلّ التسهيلات بشأن الاستثمار في قطاعي السياحة والنفط أمام أمريكا ودّول الغرب بصفة عامّة. وأخيراً.. هناك محاولات لنقل المقرحي من سجنه الحالي إلى دولة مسلمة كي يقضي بها حكم السجن مدى الحياة الصادر في حقه. وهنالك محاولات أخرى – وكما يقال – لمقايضيه المقرحي بالممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الصادر ضدّهم حكم في عام 2004م بالإعدام رمياً بالرصاص بتهمة حقن أكثر من 400 طفل ليبي من مدينة بنغازي عمداً بفيروس (أتش آي في) المسبب لمرض الإيدز.
وإلى الآن.. لازال عبدالباسط محَمّد علي المقرحي قابعاً في سجن بارليني بمدينة غلاسكو باسكتلندا حتى تاريخ الإنتهاء من كتابة هذه السطور في مايو 2006م.
ولمزيد من التفاصيل راجع "الجزيرة نت" والمواضيع الموجودة في أرشيف الموقع تحت عنوان: قضية لوكربي/ الأحداث والتطورات.. قضية لوكربي/ بين الربح والخسارة.. سجن المقرحي .. طائرة بان أميركان 103. والمواضيع المُشار إليها هي المصدر الأساسي الذي اعتمدت عليه في تقديم هذه الإشارة.
22) طائرة يوتا (UTA): أقلعت الطائرة (T.A.722.4) التابعة لشركة يوتا (D.C.10) في الرحلة رقم (722) يوم 19 سبتمبر 1989م من مطار أنجامينا في تشاد متوجهة إلى باريس مروراً ببرازافيل. وقبل وصول الطائرة الفرنسيّة إلى برازافيل انفجرت فوق صحراء تينيري في النيجر عند الساعة الثانية عشرة والربع ظهراً. أسفر الحادث عن مقتل 170 راكباً من (17) جنسيّة، منهم (54) فرنسياً. نسقت الولايات المتحدة وبريطانيا (تفجير طائرة بان أميركان فوق سماء لوكربي/ Lockerbie bombing ) مع فرنسا لأجل ضمها لملف مطالبة ليبيا الدوليّة بدفع التعويضات عن أعمالها الإرهابيّة. صدر إعلان مشترك عن كلّ من: الولايات المتحدة الأمريكيّة والمملكة البريطانيّة العظمى والجمهوريّة الفرنسيّة في 30 ديسمبر 1991م يطالب النَّظام الليبي بتسليم المتهمين والتعهد بشكل ملموس ونهائي بالتخلي عن الإرهاب في كافة صوره وأشكاله. واستطاعت الدّول الثلاث استصدار قرار عن مجلس الأمن رقم 731 في الحادي والعشرين من يناير 1992م يدين عمليتي التفجير فوق قرية لوكربي وفي سماء صحراء تينيري، ويطالب ليبيا بنبذ الإرهاب والتعاون مع المجتمع الدولي.
اتهم القضاء الفرنسي ستة أشخاص ليبيّين في عمليّة تفجير الطائرة التابعة لشركة (يوتا) الفرنسيّة، والأشخاص هم: العقيد/ عبدالله السنوسي المقرحي (عديل العقيد معمّر القذّافي والرجل في جهاز المخابرات).. عبدالله الأزرق (دبلوماسي كان يعمل في السفارة الليبيّة في برازافيل).. المقدّم/ إبراهيم النائلي (رجل مخابرات يعمل في هيئة أمن الجماهيريّة)..الضباط/ مصباح عرباس (هيئة أمن الجماهيريّة).. العقيد/ عبدالسلام عيسى الشيباني (هيئة أمن الجماهيريّة).. المقدّم/ عبدالسلام احمودة العجيلي المقرحي (مدير مكتب عبدالله السنوسي وابن عمّه). حُكِم على أربعة من هؤلاء (غيابياً) أمام المحكمة الجنائيّة في باريس، ما يعني أنّهم سوف يلاحقون أينما كانوا خارج ليبيا من قبل السّلطات الفرنسيّة. وربّما استطرد هنا لأقول: أنّ معمّر القذّافي قرر – وقبل مدة طويلة من اعتدائه على طائرة "يوتا" التابعة لشركة فرنسيّة – ضرب المصالح الفرنسيّة أو توجيه ضرباً ما لفرنسا بحكم الاختلاف الفرنسي مع سياساته في القارة الإفريقيّة وموقف فرنسا الرافض لتدخله في الشأن الداخلي التشادي، بالإضافة إلى دعم الحكومة الفرنسيّة لقوات الرئيس التشادي حسين هبري المعاديّة لنَّظامه والتي تمكنت بفضل الدعم الفرنسي لها من دحر جيش القذّافي الغازي وقوات المعارضة التشاديّة المدعومة من قبل جماهيريّته. إذن القرار كان جاهزاً قبل وقوع الحادث بفترة طويلة إنّما اختيار الهدف وتوقيت العمليّة نسجته ظروف ومعطيات معينة.
ففي عام 1987م.. دخل سلاح القذّافي للطيران (قاذفات/ TU) إلى المجال الجوي التشادي، ومن بوابة النيجر، بغيّة ضرب أهداف محددة دّاخل تشاد مستغلاً فترة الهدوء (الهدنة غير المعلنة) بين نّظامه وحكومة حسين حبري. استغل القذّافي فترة الهدوء هذه فدخل بطائرتين على مستوى ارتفاع منخفض جداً حتى لا تراها الرادارات الفرنسيّة في تشاد، ولكن، انتباه الفرنسيّين افشل مخططه حيث اسقط الفرنسيّون طائرةُ وتمكنت الثانيةُ من الهروب. توفي النقيب طيّار/ جمال المغربي ونجا مساعده. ويقال أنّ حادثة إسقاط الطائرة أكدت للقذّافي قراره بضرب المصالح الفرنسيّة.
كان د/ محَمّد يوسف المقريَّف على موعد مع الرئيس/ حسين حبري ولكن الموعد تمّ تأجيله لارتباط طارئ مر بالرئيس حبري، فقرر المقريَّف تقديم سفره خصوصاً أنّ أبنته البكر سيكون حفل زفافها في غضون أسبوع. غيّرَ المقريَّف موعد الرحلة وشركة الطيران فبدلاً من طائرة يوتا (UTA) حجز على شركة أير افريك (Air Africa ) ونجا من محاولة الإغتيال.
ويقال: أنّ اختيار الطائرة كهدف وهذا التوقيت بالذات جاء بعد وصول معلومات استخباراتيّة لأجهزة القذّافي بأنّ الرحلة رقم: 722 المنطلقة من مطار أنجامينا في تشاد والمتوجهة إلى باريس عبر ببرازافيل سيكون على متنها د/ محَمّد يوسف المقريّف الأمين العام للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا الذي كان تنظيمه يشكل تهديداً حقيقياً للقذّافي، وكان شخصه آنذاك أقرب المرشحين لاستلام السّلطة بعد سقوط نَّظام القذّافي. قرر معمّر القذّافي استهدف الطائرة:"T.A.722.4" التابعة لشركة يوتا:" D.C.10" في الرحلة رقم: "722" يّوم 19سبتمبر1989م ليتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد كما يقولون: يرد على فرنسا ويتخلص من خصمه السياسي القوي وقتذاك. وما يؤكد هذه الروايّة أنّ د/ محَمّد يوسف المقريَّف كان بالفعل من بين ركاب هذه الرحلة الجويّة إلاّ أنّه عدل توقيت رحلته بعدما وصلته بعض المعلومات التي ألزمته بذلك.. قدوم المحقق الفرنسي: " بروجيير" إلى مدينة أتلانتا بولاية جورجيا لأخذ إفادة د/ محَمّد المقريَّف حول هذا الموضوع.
وعودة إلى موضوع التعويضات.. كان القضاء الفرنسي قد ألزم ليبيا بدفع تعويضات لأسر ضحايا الطائرة ال (170) تراوحت بين 20 ألفاً و 200 ألف فرنك فرنسي، وبلغت القيمة الإجماليّة لتلك التعويضات (210) ملايين فرنك، منها تعويضات حصلت عليها منظمة (SOS) وصندوق ضمان الضحايا والطيران الفرنسي.
ولكن بعد حصول أسر ضحايا لوكربي على تعويضات ضخمة من ليبيا ( 10 ملايين دولار لكلّ أسرة)، طالبت فرنسا برفع قيمة التعويضات التي سبق دفعها لأسر ضحايا الطائرة الفرنسيّة، وإلاّ استخدمت الفيتو ضدّ قرار رفع العقوبات الدوليّة عن ليبيا في مجلس الأمن. وقد وعدت الحكومة الليبيّة فرنسا بزيادة التعويضات، وبالفعلِ سافر وزير الخارجيّة الليبي (عبدالرحمن شلقم) مع مدير مؤسسة القذّافي الخيريّة (صالح عبدالسلام) إلى فرنسا، حيث قام الأخير بتوقيع اتفاق مع ممثل أسر ضحايا (يوتا) الفرنسيّة (غيوم دوسان مارك) ومحامي منظمة (SOS) (فرنسيس سبينز) يقضي بدفع تعويضات بقيمة (170) مليون دولار لأسر ال(170) قتيلاً الذين ماتوا في الحادث، ليطوى بذلك الملف العالق بين ليبيا وفرنسا.
وعلى أية حال.. فأنّ ملف الطائرة الفرنسيّة يوتا لم ينته بعد أو كما قال المحامي الليبي المقيم في باريس الدّكتور/ الهادي شلوف..(.. لم يقفل ملف اليوتا بعد حيث أنّ هناك أحكاماً جنائيّة ضدّ أفراد النَّظام الليبي صدرت من محكمة الجنايات بباريس وبرغم التسويات الماليّة التي قام بها ابن العقيد القذّافي سيف الإسلام وعبدالرحمن شلقم وزير الخارجيّة الليبي مع اسر ضحايا الطائرة الفرنسيّة وهي تسوية علي طريقة شيوخ القبائل الإفريقيّة..).
أخيراً.. توجد في هذه الإشارة بعض المعلومات التي تنشر لأوّل مرَّة.. ومعلومات أخرى استندت في سردها على الدّراسة التحليليّة التقويميّة: "قرار ليبيا التخلّي عن أسلحة الدمار الشامل أبعاده ونّتائجه" التي أعدها الأستاذ/ يوسف كامل خطاب لمجلّة "العسكريّة" التي تصدرها "كليّة الملك خالد" بالمملكة العربيّة السعوديّة.. ومقالة: القاضي "بروجيير" يختتم تحقيقاته المنشورة في مجلّة "الإنقاذ" العدد"46" يوليه 1997م. والمصدران سالفان الذكر اعتمدت عليهما بشكلِ أساسيِ في تقديم هذه الإشارة المختصرة عن" قضيّة طائرة يوتا (UTA) الفرنسيّة".
23) الملهى لابيل الليلي ببرلين: اتفق نّظام القذّافي مع السّلطات الألمانيّة في سبتمبر 2004م على تعويض ضحايا ملهى لابيل بمدينة برلين الذي وقع انفجار مدّبر بداخله في عام 1986م. أعلن القضاء الألماني في نوفمبر (تشرين الثّاني) 2001م على لسان القاضي المحقق (ديتليف ميليس) أنّ ليبيا وأجهزتها الأمنيّة متورطة بشكل كبير في التخطيط للتفجير إنطلاقاً من سفارتها في برلين الشرقيّة. وكان تفجير "ملهى لابيل" الذي نفذ في السادس من أبريل (نيسان) 1986م والذي يرتاده الجنود الأمريكيون في برلين الغربيّة قد أدى إلى سّقوط ثلاثة قتلى هم: جنديان أمريكيان ومواطنة تركيّة وإصابة 260 بجروح تسبب بعضها في إعاقات دائمة للمصابين. توصلت الإدارة الأمريكيّة برئاسة رونالد ريغان خلال أيام من وقوع حادث مرقص لابيل إلى قناعة مفادها: أنّ أجهزة القذّافي الأمنيّة متورطة في عمليّة التفجير فقاد الأمريكان هجوماً جوياً على ليبيا رداً على حادثة التفجير !. قصف سلاح الطيران الأمريكي مدينتي طرابلس وبنغازي يوم 15 أبريل/ نيسان 1986 وأدى إلى سقوط 41 ضحيّة و226 جريحاً.
ومن جديد.. ينص اتفاق سبتمبر 2004م الذي وقعه كلّ من: محامى أسر الضحايا غير الأمريكيين ومؤسسة القذّافي للجمعيات الخيريّة التي يترأسها سيف الإسلام ابن العقيد معمّر القذّافي على دفع 35 مليون دولار على ثلاث مراحل تعويضات لذوي ضحايا التفجير، وعلى عدم ملاحقة الليبيّين قضائياً. وقع اتفاق رسمي بين الطرف الألماني ونَّظام القذّافي وتمّ تعويض أسر الضحايا فيما عدا الضحايا الأمريكان حيث يبدو أنّ التسويّة معهم ستتمّ بشكل منفرد لأنّ الأمريكان لن يقبلوا بقيمة التعويض التي قبلها غيرهم، ولعلّ، الفارق الكبير بين التعويض الذي منحه نّظام القذّافي لضحايا الأمريكان في قضيّة لوكربي، والتعويض الذي منحه للفرنسيين وغيرهم من ضحايا تفجير الطائرة التابعة لشركة (يوتا) الفرنسيّة فوق صحراء النيجر لهو أكبر دّليل على ما نقول. لمعرفة تفاصيل التعويضات راجع ما ورد في الإشارتين أعلى هذه الإشارة، وهما: تفجير طائرة بان أمريكان (قضيّة لوكربي).. تفجير طائرة (D.C.10) التابعة إلى يوتا (UTA) الفرنسّة.
وأخيراً.. مقالة "التوقيع على اتفاق لتعويض ضحايا تفجير برلين" الموجودة في أرشيف موقع "الجزيرة نت" هي المصدر الأساسي الذي اعتمدت عليه في الإشارة إلى قضيّة تفجير ملهى برلين الليلي.

مصادر ومراجع :
م26) الأستاذ/ أحمد عبدالباقي – دراسة: النظريّة بين الخيال والواقع .. نقد الكتاب الأخضر – موقع "منتدى ليبيا للتنميّة البشريّة والسياسيّة".
م27) الأستاذ/ نبيل هلال هلال – كتاب: "الاستبداد.. ودوره في انحطاط المسلمين" – الصادر عن المكتبة الجامعيّة.. الأزاريطة / الإسكندريّة.
م28) الأستاذ/ فريد زكريا – مقالة: مفهوم الديمقراطيّة بين الواقع والوهم – موقع المجلّة اليّوميّة الإخباريّة السياسيّة "البيان اليّوم".
م29) د/ خضر زكريا – دراسة: أزمة الديمقراطيّة بين النظرية والتطبيق – موقع مجلّة: " النور" التي تصدر عن الحزب الشيوعيّ السوريّ.
م30) الأستاذ/ إبراهيم قرادة – مقالة: سّلطة شعبيّة الشّعب خارجها – موقع "ليبيّون من أجل العدالة" صادرة بتاريخ 20 نوفمبر 2004م.
م31) د/ زاهي محَمّد بشير المغيربي – كتاب: المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في ليبَيا – مقتطفات منقولة عن موقع ليبيّون من أجل العدالة.
م32) د/ زاهي محَمّد بشير المغيربي – دراسة: أثر التغيرات الهيكليّة على وضع وتنفيذ السياسات العامّة في ليبيا (1977م– 2003م ) – خاصّ لموقع " ليبيا اليّوم/ Libya Alyoum" الخميس الموافق 07 ابريل 2005م.
م33) حديث معمّر القذّافي لقناة "الحرّة الفضائيّة" مساء يوم الأحد الموافق 8 يناير 2006م – المقابلة أجرها الإعلامي: نديم اقطيش، ونقل موقع "أخبار ليبيا" نص المقابلة مكتوباً كاملاً يوم الثلاثاء الموافق 10 يناير 2006م.
م34) د/ محَمّد زاهي المغيربي – كتاب: الدولة والمجتمع المدني في ليبَيا – إصدارات (عراجين) / الطبعة الأولى 2006م.
م35) معمّر أبا منيار القذّافي – الفصل الأوّل من الكتاب الأخضر (الركن السياسي ).
م36) نفس المصدر السّابق.


       
       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home