Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

Tuesday, 24 June, 2006

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج
بقلم : الصادق شكري
الجزء الثّالث
الحلقة الثانية ( 2 مِنْ 10 )

إن في الماضي لعبرة، والأمم الحيّة تستخلص من ماضيها آيات بينات لتكيف بها حاضرها ومستقبلها. فماضيكم كان ساطعاً لامعاً بجهادكم وإخلاصكم لقضية بلادكم وتضامنكم في الدّفاع عنها، وتمسككم بحقوقكم الطبيعيّة التي سفكتم من أجلها دماءكم، وأفنيتم فيها أموالكم. تلك الحقوق التي كانت لكم قبل الأتراك وفي زمنهم، وقد صرحت بها تركيا في معاهدة أوشي، وقد وافقت عليها إيطاليا، ثمّ نقضت عهدها، وأخيراً تعاهدت معنا على شيء منها، ثمّ غدرت ثانيّة، شأنها في نقض العهود حتى مع من هم أشد منا قوة وبأساً، الأمر الذي حدا بنا إلى امتشاق الحسام مرَّة أخرى ضدَّها.

كذلك ممّا يكسبنا هذا الحق الطبيعي تعاوننا وتضحية شعبنا داخلاً وخارجاً، وتعاون جيشنا مع جيش بريطانيا العظمى، وتتلوه غايات الحلفاء السامية، كميثاق الأطلنطي (Atlantic Engagement)، لإنالة الشعوب الضعيفة حقوقها، إعادة الحرية والسلام لها بعد الحرب. كل ذلك يجعلني أنظر إلى المستقبل بعين الأمل.. أرجو أن لا يتطرق إلى أذهانكم أني تهاونت أو أتهاون في المطالبة بحقوقكم الشرعيّة ألا وهي الإستقلال، ضمن قرار الجمعيّة العموميّة، للوطن، المقدم من لدنها إلى الحكومة البريطانيّة يوم 9 أغسطس 1940م والمؤيدة منا في عدة مناسبات.  

من خطاب الأمير إدريس السّنوسي بمدينة درنة يوم 19 يوليه/ تموز 1944م (8) .           

الحلقة الثانية

دخل العثمانيون إلى طرابلس الغرب عام 1551م وحكموها بعد تحرير دار غوت باشا القائد العثماني البلاد من فرسان القديس يوحنا وطردهم منها. خضعت طرابلس مباشرة للسّلطة المركزيّة العثمانيّة خلال حقبتين من تاريخها الطويل، فالحقبة الأولى امتددت في الفترة الواقعة ما بين عامي 1551م و 1711م، والثانية ما بين عامي 1835م و 1911م. أمّا الفترة الزمنيّة الواقعة ما بين 1711م إلى 1835م، فقد خضعت طرابلس فيها لحكم الأسرة القره مانلية (9)، وإن كان التأثير والحضور العثماني لم ينقطع عنها طوال هذه المدة أو بتعبير أدق ووفق ما يراه مؤرّخو هذه الحقبة: فأنّ الأسرة القره مانلية حكمت طرابلس حكماً ذاتياً وكانت اسمياً تابعة للسلطنة العثمانيّة. كان أوّل حكام هذه الأسرة أحمد باشا القره مانلي، وكان آخر حكامها علي باشا بن يوسف والذي حكم في إيالة طرابلس من عام 1832م إلى 1835م. لم يدم حكم بن يوسف طويلاً لأنّ أعيان وزعماء ومشايخ وقادة طرابلس كانوا قد طلبوا من السلطان العثماني بتنحيته عن إدارة حكم طرابلس وإعادة إدارة الحكم مباشرة إلى الدولة العثمانيّة. أرسل السلطان العثماني أسطولاً ضخماً جاء على رأسه نجيب باشا، والذي سيطر على الوضع في طرابلس في مدة قصيرة جداً، وقام على الفور باعتقال علي باشا بن يوسف (10) ثمّ أرسله هو وأفراد أسرته إلى استانبول. وبعد إرسال علي باشا بن يوسف إلى تركيا، بدأت الحقبة الثانيّة من الحكم العثماني المباشر لطرابلس، والتي استمرت من عام 1835م حتى عام 1911م.    

كانت فزَّان وبرقة، في مرحلة الحكم العثماني، متصرفيتان تابعتان لولاية طرابلس الغرب، وبقيت فزَّان طوال عهد العثمانيين سنجقاً (متصرفيةً) تابعاً لولاية طرابلس الغرب، بينما مرَّت برقة بأوضاع مختلفة خلال نفس العهد.

ركزت الدولة العثمانيّة على إقليم طرابلس وقل اهتمامهم بفزَّان وبرقة. وشيد العثمانيون في طرابلس العديد من المباني والمرافق والمؤسسات والمدارس التعليميّة والمساجد، ومن أشهرها: مسجد أحمد باشا، ومسجد درغوت باشا. ومن ضمن ما تمّ تشيده في العهد العثماني – على سبيل المثال لا الحصر – في طرابلس: مدرسة (عثمان باشا) التي تمّ تشيدها عام 1654م.

{.. بزنقة درغوت باشا المطلة على ذات الساحة التي تقع عليها مدرسة عثمان باشا التي شيدها والي طرابلس الغرب عثمان باشا السّاقزلي سنة 1654م والتي صارت مقصداً لطلاب العلم ومركزاً لتعليم وحفظ وتجويد القرآن الكريم وتضم هذه المدرسة إلى جانب فصولها المدرسيّة ودورة المياه والميضأة مسجداً وروضتين. وليس ببعيد عن المسجد تجد ممراً صغيراً يؤدي بك إلى مقبرتين ملحقتين بالمدرسة الأولى ذات بناء معماري مميز لا يختلف كثيراً عن عمارة المسجد دفن بها الوالي عثمان باشا السّاقزلي.

في القرن السابع عشر عام 1630م في عهد الوالي العثماني قاسم باشا، شُيِدَ مبنى السفارة الفرنسيّة. شغل هذا المبنى القنصل الفرنسي (إيثان ) وهو أوّل دبلوماسي فرنسي يتولى هذا المنصب في ولايّة طرابلس الغرب ليستمر المبنى في هذه الوظيفة حتى بداية الحرب العالميّة الثانية التي اندلعت عام 1939م حينما قام السفير الفرنسي آنذاك ببيع المبنى لأحد السكان المحليين لتنتقل السفارة الفرنسيّة خارج أسوار المدينة القديمة وتستقر بإحدى المناطق الحديثة بطرابلس الجديدة. بعد ذلك استغل المبنى كسكن للبحارة فناله ما ناله من الإهمال والعبث والتدمير ليقوم إثر ذلك مشروع إدارة تنظيم المدينة القديمة سابقاً إدارة المدن التاريخيّة حالياً بترميمه وصيانته وإظهاره بحلة جديدة مطابقة لعمارته الأصلية ليوظف بعد هذا الترميم ليكون داراً للفنون بمختلف أنواعها وتخصصاتها تحت اسم دار حسن الفقيه حسن...}م10.

وأنشأ الوالي المشير رجب باشا بين عامي 1906م – 1908م سوقاً بمدينة طرابلس وسُمي (سوق المشير) على أسمه. وسوق (الترك) الذي تمّ تطويره في عهد (عثمان باشا) عام 1762م، وأطلق عليه هذا الاسم نظراً لكثرة تردد الأتراك عليه. كمَا أنشئت أسواق دائمة أخرى داخل مدينة طرابلس، وأسواق أسبوعيّة على غرار بعض الأسواق الموجودة في بعض المدن العربيّة كذلك الأسواق الموسميّة. والأسواق الأسبوعيّة كانت تقع خارج مدينة طرابلس، ويتمّ فتحها للزبائن يوم واحد في الأسبوع كيوم الجمعة أو السبت أو الأحد....الخ.

أمّا الأسواق الموسميّة فكانت تفتتح في أوقات محددة من المواسم أو السنة كالأسواق التي تفتتح عند وصول قوافل الحجاج أو القوافل التجارية القادمة من السّودان أو من غيرها من البلدان.

كذلك، أقام العثمانيون عدداً أخر من المدارس والمؤسسات التعليميّة في طرابلس، وكان من أشهرها..{.. مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية (أنشئت عام 1879م)، والمدرسة الحميدية للفنون والصنائع الإسلامية (نسبة إلى السلطان عبدالحميد – أنشئت عام 1898م)، فضلاً عن دار المعلمين (عام 1901م).. و المدارس الرشيدية العسكري فضلاً عن المدرسة العسّكريّة الداخليّة التي أسسها العثمانيون عام 1892م لأبناء العشائر في إسطنبول (مدرسة العشائر)، والتي خصصت ليلتحق بها أولاد مشايخ القبائل والعشائر في أنحاء الولايات العثمانيّة...}م11.             

وتأسست خلال الفترة الواقعة بين 1870م إلى 1910م خمسة مطابع بولاية طرابلس، ويذكر، أن حركة الصحافة خلال هذه الفترة كانت أنشط في ولاية طرابلس عن ولايتي برقة وفزَّان. ويؤكد المؤرخون، أن فنون الطباعة بولاية طرابلس تطورت كثيراً في فترة السنوات الثلاثة الواقعة بين 1908م – 1911م، الأمر الذي ساعد على ظهور صحافة حقيقة بطرابلس خلال السنوات سالفة الذكر.

وأنشئ بمدينة طرابلس..{.. شارع العزيزية (شارع الإستقلال حالياً) في العهد التركي وأطلق عليه اسم السلطان عبدالعزيز الذي تمّ إنشاء هذا الشارع في عهده. أمّا سوق الترك فقد أنشئت في سنة 1842م في نفس المكان الذي كانت به سوقة مكشوفة. أمّا بقية الأسواق المغطاة فأنّها تنتهي إلى عهود أبعد من العهد القره مانلي. وقد شيدت ثلاث نافورات – لم تعد موجودة الآن – في سنة 1900م – وأنشئ أول برج للساعة في سنة 1870م إلاّ أن الساعة الموجودة حالياً (بميدان الساعة) تعتبر من أعمال الوالي نامق باشا (1898م). ونظمت الطريق البحريّة في الأعوام العشرة الأخيرة من القرن التاسع عشر.

كانت توجد بمدينة طرابلس ساحة صغيرة متاخمة لميدان الحلفاء جرى تنظيمها كحديقة عامّة، وكانت تدعى (جنان الفريك).

... وكانت الفرقة الموسيقيّة العسّكريّة التركيّة تقوم كل يوم جمعة بتقديم معزوفات متنوعة في هذه الحديقة. ويحضرها غالباً العنصر التركي والأوربي بالمدينة. 

كان مدينة طرابلس تحتوي، قبل أن يحتلها المستعمر الإيطالي، على ما يقرب من 2750 منزلاً للسكنى، 3309 دكاناً (متجراً)، 35 فندقاً، 5 لوكاندات، 72 مقهى، 95 حانة، 2 سينما، مسرح عربي واحد، طاحون عسّكري بخاري، 45 طاحوناً تدار بواسطة الجمال، 43 فرناً، 4 مصانع صابون، 3 مدابغ، 33 مسجداً، 22 كنسية يهوديّة (11)، كنسيّة مسيحيّة كاثوليكيّة وكنسيّة أرثوذكسيّة، 21 ضريحاً لولي، 5 زوايا، 5 مدارس إيطاليّة، مدرستان فرنسيتان، 3 معاهد إسلاميّة دينيّة، كليّة عسّكريّة تركيّة، مدرستان يهوديتان، 21 مدرسة قرآنيّة (كتاب) للأولاد ومدرستان قرآنيتان للبنات، معهد أعلى لتعليم العلوم الدينيّة، 6 مدارس ابتدائية ومتوسطة تركيّة نظاميّة. مستشفى مسيحي، مستوصف طبي إيطالي، 5 صيدليات، 3 حمامات تركيّة، مستشفى للبلديّة وآخر عسّكري...}م12.

ومن جهة أخرى، فالحال في برقة على واقع الأرض بدأ يدخل مراحل التغيير النسبي منذ أن بنى السّنوسي الكبير، السيّد/ محمّد بن علي السّنوسي أول زاوية سّنوسيّة بمدينة البيضاء في برقة عام 1842م. حلت السّنوسيّة مع مرور الوقت محل الإدارة العثمانيّة في عديد المناطق من برقة حيث اقتصر تواجد النفوذ العثماني في برقة في مناطق محدودة وحتى الحاميات التي اعتمدت عليها الدولة العثمانيّة في تسيير شئونها في هذا الإقليم كانت صغيرة جداً إذا ما قورنت بالحاميات المتواجدة في طرابلس الغرب، والسبب الآخر يعزى إلى ضعف دولة الخلافة وهي الفترة التي اصطلح على تسميتها بـ(الرجل المريض)، بالإضافة إلى سبب ثالث يُرجعه الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف إلى..(..بُعد إقليم برقة عن طرابلس ونظرة العثمانيين إلى إقليم برقة على أنه أقل أهمية من طرابلس..). 

كان علي أشقر باشا، الوالي العثماني في طرابلس،..{.. يكرم السيّد المؤسس محَمّد بن علي السّنوسي إكراماً عظيماً، ويعتمد على السّنوسيّة ونفوذها في حكومة دواخل برقة خصوصاً؛ واعترفت دولة الخلافة للسيّد عن طريق واليها بالزَّعامة والإمارة... وأعفت السّنوسيّة من الضرائب الأميرية والأعشار الشرعيّة... بل ذكر المؤرخون أن السيد محَمّد بن علي السنوسي الكبير لم يلبث إلى أن نال من السلطان العثماني عبد الحميد في عام 1855م فرماناً جعله بمثابة الأمير المستقل بإمارته، وفي الجغبوب زاد نفوذ السيّد وبلغ ذروته حتى أصبح سيد الصحراء المطلق، ولم يُصب علاقته بالدولة أيّ تغيير بسبب ذلك، بل ظلّ الولاة العثمانيون في برقة وطرابلس يخطبون وده ويحرصون على صداقته حتى وفاته في عام 1859م... كمَا يقول الدكتور محَمّد فؤاد شكري في كتابه: (السّنوسيّة دينُ وَدَوْلةُ)..}م13.

امتلكت السّنوسيّة كافة المقومات التي تؤهلها لتصبح دولة مستقلة ولكنها احترمت الرابطة الإسلاميّة وظلّت متمسكة بولائها لدولة الخلافة ولم تفك ارتباطها بها إلاّ بعد أن فكت هي الارتباط. امتلكت السّنوسيّة: الموقع والمكان (الأرض)، ومبايعة الشّعب ورضائه (الشرعيّة)، والهيكل الإداري والجهاز القضائي، والاقتصاد، والقوة العسّكريّة، والعلاقات الخارجيّة التي تكفل الاعتراف والتضامن والعمل المشترك.

امتلكت السّنوسيّة مصادر دخل متنوعة من الزراعة والتجارة والزكاة والأعشار وريع تجارة القوافل. وامتلكت رجال علم ومشايخ وطلبة علم وصل عددهم عام 1897م حوالي خمسة آلاف (5000) طالب. وكمَا امتلكت في عام 1880م نحو (54000 ) أربعة وخمسين ألف مقاتل، فقد حرص السّنوسيّون على التدريب العسكريّ وامتلاك السلاح منذ ولاية القائد الثّاني لها حيث طور السيّد/ محَمّد المهدي السّنوسي الزوايا لتشمل تعليم فنون الحرب والتدريب على السلاح، وتمكن السيّد/ أحمد الشريف من استغلال التناقضات السياسيّة بين الدول الاستعماريّة لصالح حصوله على السلاح.  

وبلا شك.. امتلكت السّنوسيّة مقومات الدولة الأساسيّة..{.. منذ عهد القائد الثّاني السيّد/ محَمّد المهدي السّنوسي وخصوصاً في عام 1890م.

أهمّ مؤسسات السّنوسيّة المجلس العالي للإخوان أو علماء السّنوسيّة في الجغبوب خليطاً لعلماء دين من برقة، طرابلس، مصر، السّودان، والحجاز، وهو دليل على الإيديولوجيّة التوحيديّة للحركة. ويجتمع مجلس الإخوان مرَّة كلّ سنة لوضع السياسة العامّة للحركة السّنوسيّة، وبعدها يقوم قائد الحركة السيّد/ محَمّد المهدي بمراجعة وتنفيذ قرارات مجلس كبار الإخوان. 

وبالإضافة إلى مجلس كبار الإخوان كان هناك المجلس الخاصّ، ووظيفته هي الإشراف على تنفيذ قرارات مجلس كبار الإخوان بشكل يومي. ويشرف المجلس الخاصّ على المعهد العالي في الجغبوب، تقديم الخدمات لتجار القوافل، مراجعة نشاط الدعاة وجمع الزكاة والأعشار من الزوايا والتدريب العسكريّ.

المؤسسة التعليميّة من أهمّ مؤسسات الحركة السّنوسيّة، وهي سبب نجاح السّنوسي الكبير في برقة. بالإضافة إلى أنّها استمرت كمؤسسة لتعليم الإسلام السّنوسي (12) من الطفولة وحتى التخرج في المعهد العالي في الجغبوب.

في عام 1897م بلغ عدد الطلاب في النظام التعليمي السّنوسي حوالي خمسة آلاف (5000) طالب منهم ألفين (2000) في المعهد العالي بالجغبوب. ازداد هذا العدد ليصل (15000 ) خمسة عشر ألف عام 1900م. سمح النظام التعليمي السّنوسي للعديد من أبناء القبائل المرابطين والجماعات الإثنية غير الأرستقراطية تبوء مناصب عالية في الحركة لأنّ السّنوسيّة حاولت تجاوز العصبيات القبليّة...}م14

ومن جديد.. وظفَ السيّد/ أحمد الشريف التناقضات السياسيّة بين القوى الدّوليّة، وتجار القوافل في جلب السلاح والذخيرة له، وحاول شراء المزيد من السلاح من مصر في فترة مواجهته مع الفرنسيين في تشاد. ويروي الدّكتور/ علي عبداللطيف حميدة نقلاً عن مصادر تاريخيّة موثوق بها، عن فترة مواجهة الشريف مع الفرنسيين في تشاد، ما يلي:..[.. حاولت المخابرات الإيطاليّة استغلال الصراع السّنوسي الفرنسي في تشاد للتقرب من السّنوسيّة كنوع من الإعداد أو لخلق تحالف قبيل غزو الولايّة.

لذلك أهدى القنصل الإيطالي في القاهرة بعض الهدايا والأسلحة للسيّد/ أحمد الشريف في عام 1905م. ردّ أحمد الشريف رداً عكس حنكته ووعيه السياسي في تلك المرحلة: "..ليس هناك أعز علينا في الحياة أكثر من السلاح والكتب. بالسلاح نستطيع هزيمة أعدائنا وبالكتب نوسع معرفتنا، وهذا أهمّ شيء للمسلمين.. نحن نطلب إذا لم تمانعوا أربع (4) مسدسات وألف (1000) بندقية.."..].  

وأصبحت السّنوسيّة..{.. تملك من الناحية العمليّة، كافة مقومات وعناصر الدولة من أرض وأتباع واقتصاد وإدارة وأيديولوجيا، وأن هذه الحركة أقامت إدارة بديلة للدولة العثمانيّة في برقة على وجه الخصوص.

.. هذه الوضعية أهلت مقدّمي الزوايا وشيوخها ليصبحوا بمثابة الحكام المستقلين (وبخاصّةِ في الأصقاعِ البعيدةِ). ويورد محَمّد فؤُاد شكري مؤلف كتاب: (السّنوسيّة دينُ وَدَوْلةُ) أن كبار موظفي الترك وحكامهم صار لا يعنيهم في هذه الآونة (1884م) سوى إرضاء السّنوسيّين وكسب ودّهم وصداقتهم حتى والي برقة العثماني، علي كمال باشا كان يعدّ نفسه " أولاً وقبل كل شيء، خادماً للسيّد السّنوسي (السيّد المهدي السّنوسي)، ومن أتباعه، ثمّ موظفاً وحاكماً وعثمانياً بعد ذلك.

... حرصت الحركة السّنوسيّة على المحافظة على علاقات ودّية وجيدة مع الدولة العثمانيّة.. وتأكيدها على أن ما يربطها بدولة الخلافة الإسلاميّة هو الوفاء والإخلاص الكامل والطاعة التّامّة.

ومن جانب الدولة العثمانيّة فقد أكثر السلطان العثماني من إرسال الكتب والهدايا إلى أئمة الحركة وإمداد وتجديد الفرمانات التي أعفت الزوايا السّنوسيّة من الضرائب (الأموال الأميرية والأعشار الشرعيّة) ومعاملتها كوقف إسلامي ...}م15.  

وظلَّت علاقة السّنوسيّين بالأتراك جيدة وطيدة حتى بعد استقلال ليبيا في عام 1951م. فقد ظلَّت علاقة السّنوسيين المتمثلة في شخص إدريس السنوسي ملك ليبيا والأتراك، علاقة طيبة راسخة لم يشوبها أيّ تعكير، فالليبيّون تاريخياً لم يفكوا ارتباطهم بالدولة العثمانيّة إلاّ بعد توقيع تركيا لاتفاقية سلام مع إيطاليا، وظلّوا حتى بعد  اتفاقية السلام وقيام الدولة الليبيّة فيما بعد، محافظين على علاقات تعاون وتواصل وأخوة صادقة بين البلدين ويسجل نجاح هذه العلاقة لصالح الملك إدريس السّنوسي الذي سعى إلى تعميق علاقة ليبيا بتركيا مستهدفاً من وراء ذلك ربط تركيا مجدّداً بعالمها الإسلامي وتحقيق صالح أمّة العرب والمسلمين. ورغم أنّ الأتراك تآمروا على السيّد/ إدريس السّنوسي نظراً لأنّه نصح السيّد/ أحمد الشريف بعدم الدخول في الحرب مع الأتراك ضدَّ الانجليز وأعلن ذلك  بكل صراحة ووضوح. قام الأتراك بمضايقة السيّد/ إدريس السّنوسي، وشددوا الحصار عليه، بل، حاولوا الإطاحة به، حينما أرسل نوري باشا مجموعة صغيرة من الضبّاطِ إلى الكفرةِ لضربِ النفوذ السّنوسي هناك إلاّ أن السيّد/ صفي الدين السّنوسي كان يقظاُ فكشف الأمر بسرعة فائقة، وقبض على الضبّاط وأودعهم السجن. لم يُبعد هذا الموقف المعادي السيّد إدريس السّنوسي عن حلمه أو يجعله يفقد أعصابه، بل، عالج الموقف بحكمة وروية وحافظ على خطوط اتصال دائمة مع الأتراك. ولعلّ ما نشرته صحيفة (الوطن) التركيّة عند زيارة الملك إدريس إلى تركيا في عهد رئاسة السيّد مصطفى بن حليم (1954 – 1957م) للحكومة الليبيّة، الدَّليل الواضح على صحّة ما نقول !.

قال السيّد/ مصطفى بن حليم عن تلك الزيارة..[..رحب بنا الأتراك ترحيباً قلبياً صادقاً. وأحاطونا بعنايّة كبيرة، وفتحوا لنا قلوبهم وعقولهم وعاملونا معاملة أخويّة صادقة. ووصفت جريدة الوطن التركيّة ليبيا بأنَّها الدولة العربيّة الوحيدة التي لم تطعن تركيا من الخلف..].  

وعوداً على بدء.. استمرت علاقة السّنوسيّين والدولة العثمانيّة قوية راسخة إلى أن وقع الأتراك معاهدة سلام  مع الطليان!. فبعدما وقعت الدولة العثمانيّة اتفاقية سلام مع إيطاليا في عام 1913م، أعلن السيّد/ أحمد الشريف الجهاد وقيام الحكومة السّنوسيّة.

وباختصار، حينما تناهى إلى سمع السيّد أحمد الشريف أن تركيا تعتزم إبرام الصلح مع إيطاليا،.. {.. شكل وفداً من زعماء السّنوسيّة وأهالي البلاد وبعثه إلى مدينة درنة لمقابلة (أنور بك ) الوالي العثماني، وسلّمه رسالة خطية جاء فيها: [..نحن والصلح على طرفي نقيض، ولا نقبل صلحاً بوجه من الوجوه، إذا كان ثمن هذا الصلح تسليم البلاد إلى العدو..].  

ونتيجة ذلك، وصل مبعوث الوالي العثماني السيّد/ عزيز المصري بصفته ممثلاً للدولةِ العثمانيّة في ليبيا ومديراً للعمليات العسّكريّة فيها، وصل (الجغبوب) مركز قيادة السّنوسيّة، وأبلغ السيّد/ أحمد الشريف أن الخليفة قد منح البلاد الإستقلال وحق الدَّفاع عن نفسها وتقرير مصيرها، ولكن مع تذبذب الموقف التركي من مسألة الصلح مع إيطاليا، عاد أنور باشا لطرح فكرة القبول بالصلح على السيّد أحمد الشريف فكان رده أكثر حزماً، قائلاً: [والله لا نسلمهم من أرضنا طراحة حصان ].  

وبعد توقيع  معاهدة (لوزان) مع إيطاليا والتي سلمت فيها تركيا ليبيا إلى إيطاليا، بادر السيّد أحمد الشريف بإعلان الحكومة السّنوسيّة لسد الفراغ المترتب على انسحاب القوّات التركية من البلاد، وكان شعار تلك الحكومة (الجنة تحت ظلال السيوف). ثمّ أعلن الجهاد في منشور عممه على مشايخ الزوايا السّنوسيّة والقبائل والأهالي وطلب من كلّ فرد من سن 14 إلى سن 65، أن يذهب إلى الميدان مزوداً بمؤونته وسلاحه...}م16.

وعلى أية حال.. أرسل السيّد/ أحمد الشريف(13) الدعاة والمتفقهين في الدين إلى عموم إفريقيا بهدف نشر الإسلام وتعاليم الدين الحنيف. وانصرف همه كله إلى..[..الذب عن بيضة الإسلام بدون غرض سوى مرضاة الله ورسوله، وحفظ استقلال المسلمين..]، كمَا جاء في كتاب: (حاضر العالم الإسلامي)، للأمير/ شكيب أرسلان. وأرسل السيّد/ أحمد الشريف قوَّاته إلى عدّة جبهات في النيجر وتشاد ومصر، وقاد معارك الجهاد ضدّ الغزاة الفرنسيين والإنجليز والإيطاليين.

كان السيّد/ أحمد الشريف ينظر إلى العالم الإسلامي على أنّه بلد واحد وأرض واحدة، وينظر إلى مرتكزات عمل المسلمين على أنّها أكبر من حدود أيّ قطر، وهذا ما جعل (مجلس المبعوثان ) يصدر قراراً بعد خروجه من ليبيا ينص على تعيينه ملكاً على العراق تقديراً لعلمه ومكانته وجهاده، وذلك في أبريل/ نسيان 1921م. ولكن وصول (فيصل بن الحسين) قبله إلى العراق، ودعم الانجليز له حال بين الشريف وبين هذا المنصب. هذا، وقد سبق أن منحه العلامة السلطان (محَمّد السادس) بعد وصوله إلى استانبول في أواخر صيف 1918م رتبة (الوزارة)، وقلده (السيف) أكبر الأوسمة العثمانية (الوسام المجيدي). كمَا يُروى أن مصطفى كمال أتاتورك عرض عليه (الخلافة) ولكن السيّد – رفض.   

وربّما ضرورات الإيضاح تتطلب وقفة سريعة عند بعض الغارات التي شنها السيّد أحمد الشريف خارج حدود الوطن، دفاعاً عن الإسلام والمسلمين. أختار السيّد أحمد الشريف...{.. أن يقوم بالإغارة على قوّات الانجليز في أوائل نوفمبر/ تشرين 1915م داخل الحدود المصريّة وهزمهم في السلّوم ولاحقهم حتى منطقة سيدي براني حيث اندمج بقوَّاته مع القوّات الوطنيّة المصريّة بقيادة محَمّد صالح حرب، ولكن القوَّات البريطانيّة تمكنت من صد الهجوم في معركة العقاقير 1916م التي اسر فيها جعفر العسّكري، وهرب فيها نوري باشا وعبدالرَّحمن عزام، وواصل السيد أحمد الشريف القتال من المحور الجنوبي واحتل عدداً من الواحات، وسارع للاتصال بالسيّدِ علي دينار، سلطان دار فور بالسّودان، ومشايخ القبائل في صعيد مصر في أسيوطِ والفيومِ محاولاً تكوين جبهة عريضة لقتال الانجليز، وخاض السيّد أحمد الشريف بقوّاته عدة معارك آخرها معركة بئر تونس التي اضطر فيها للتراجع والانسحاب، وذلك بسبب عدم استجابة زعماء القبائل في الفيومِ والصعيدِ ودارفورِ من جهة، وفشل قوّات جعفر العسكري واستسلامه من جهة أخرى، فضلاً عن التباين الكبير بين القوتين، فبينما كانت قوّات السيّد أحمد الشريف تقاتل ببنادق عادية وعلى ظهور الخيل في ارض مكشوفة، استخدم الانجليز المدفعيّة والطائرات، يضاف إلى ذلك صعوبة التموين بل انقطاع موارده عن القوّات السّنوسيّة.

وهاجمت قوّات الحركة السّنوسيّة – عشرة آلاف مجاهد – بقيادة السيّد/ أحمد الشريف القوّات الاستعماريّة البريطانيّة في الصحراء الغربيّة المصريّة عند السلّوم واستمر القتال بين السّنوسيّين والبريطانيين إلى 1917م العام الذي انتصر فيه البريطانيون بقيادة الجنرال بيتون (Peyton ) على قوّات المجاهدين.

وكانت حملة السلّوم، نهاية المطاف في صراع السيّد أحمد الشريف ضدَّ الانجليز في ليبيا، وقد بادروا بتهديده بضرورة ترك الجغبوب فوراً، تحت طائلة ضرب وتهديم ضريح قبر جده الأكبر السيّد محَمّد بن علي السّنوسي بالطائرات واحتلال المدينة واستباحتها...}م17.

لم تكن إمكانيات وظروف السّنوسيين تسمح بمواجهة القوّات البريطانيّة في مصر، ولكن، السيّد/ أحمد الشريف استجاب لطلب الأتراك وتورط في هذه الحرب. وتؤكد المصادر بأنّ الأتراك الذين خاضوا الحرب العالميّة الأولى إلى جانب ألمانيا، رأوا هم والألمان ضرورة الاستفادة من خبرة الشريف وصمود المجاهدين السّنوسيّين في كسر شوكة القوّات البريطانيّة وفق خطة تقضي في نهاية المطاف، احتلال قناة السويس وطرد الإنجليز من مصر. استمرت معارك القتال إلى عام 1917م، حيث انتهت بانتصار قوّات الإنجليز بقيادة الجنرال بيتون (Peyton) على قوّات السّنوسيّين بقيادة السيّد/ أحمد الشريف.

ويذكر، أنّ السيّد/ إدريس السّنوسي كان قد بعث برسالة إلى السيّد/ أحمد الشريف مؤرخة بيوم 25 صفر 1335 هجري الموافق 21 ديسمبر/ كانون الأوّل سنة 1916م، والمبينة لوجهة نظره حيال الأحداث وصراعات الدائرة آنذاك، وجاءت الرسالة – نقلاً عن كتاب: (الحركة السّنوسيّة)، للدّكتور/ علي محَمّد الصلابي – كمَا يلي:

هل لا تنظر إلى ما حدث للشريف حسين أمير مكّة، الذي عينه الأتراك، ثمّ وجد تحقيقاً لمصلحة بلاده أنّ ينقلب عليهم، ثمّ أرغم على الوقوف خصماً، فأعلن استقلال البلاد، ووافقت الدول المتحالفة على ذلك، ونودي به ملكاً على العرب، وهو الآن يبذل قصارى جهده في إدارة شؤون بلاده، فيؤسس المجالس وينشئ الإدارات والمصالح، ولو أنّه قبل أنّ يدخل الحرب إلى جانب الأتراك لكان الحلفاء الآن يحتلون مملكته، كمَا احتلوا البصرة   العراق، ومناطق أخرى.

فالملك حسين كون جيشاً كبيراً الآن، ويريد احتلال الشام، وأرسل إليه الضبّاط وجاءت المدفعيّة من مصر، ووصله كل ما يحتاج إليه للقيام بحركة واسعة، وأذاع في العالم الإسلامي، أنه لا يريد بالإسلامِ شراً، وإنّما يعمل فقط ضدَّ جماعة الاتحاد والترقي، ويذكر في خطبه إسم الخليفة العثماني، وهو الخليفة المعتد، والذي فقد كلّ سّلطة بفضلِ القيودِ التي فرضها عليه أولئك الذين أحاطوا به من كل جانب من هؤلاء الاتحاديين، وقرر العرب المحافظة على شرفهم والذود عنه ضدَّ هذه الجماعة أيضاً. فأقاموه ملكاً.

ثمّ حدثني بالله يا سيدي، كيف يستطيع الأتراك غزو مصر ودخولها، وهم الذين أخفقوا في محاولة استرجاع الحجاز، وهل لا تنظر يا سيدي إلى السيّد إدريس في بلاد اليمن، فهو يحتفظ دائماً باستقلاله، ويتمسك بحياده، وهذا على الرَّغم ممّا يفعله الانجليز الذين يحاولون إقناعه بمحاربةِ الأتراك، وممّا يفعله الأتراك الذين يريدونه أنّ يحارب الانجليز، ولكنه لا يريد أنّ يورط نفسه في شيء من هذا كله.

وكان في إمكانكم، أن تفعلوا مثل هذا، قبل حادث السلَّوم، وكان في أيديكم الترك والانكليز معاً، ولكن ما فائدة الحسرة على الماضي، والندم على ما فات إن الذي أريد أن استرعي نظركم إليه هو، العالم الإسلامي، لأنّ الإسلام يريد أن يعرف، ومن حقه أن يدرك ويفهم فهماً صحيحاً ما تفعلون، وما تريدون، ويجب علينا قبل كلّ شيء الانتباه إلى ما فيه فائدتنا، وما يحقق مصلحة بلادنا حتى لا تذهب ضحية لغيرنا.  (انتهت الرسالة).    

كان للسيّد/ إدريس السّنوسي عدداً من التحفظات على (جمعية الإتحاد والترقي) بينما رأى السيّد/ أحمد الشريف بأن دوْلة الخلافة في حالة (مراجعة وإعادة بناء) ولا ينبغي فك الارتباط بها في هذا الوقت بالذات، ولذا، تعاون من رجالات الجمعيّة، وفي مقدمتهم مصطفى كمال أتاتورك قبل إلغاء الخلافة. وبعد قرار أتاتورك القاضي بإلغاءِ الخلافة عام 1924م، تكشفَ للسيّد/ أحمد الشريف الأمر تماماً، وغادر تركيا التي اختارها مستقراً لمنفاه، إلى أرض الحجاز.

تبين للسيّد/ إدريس السّنوسي، منذ وقت مبكر جداً، بأن دوْلة (الخلافة العثمانيّة) في تراجع مستمر، وأن تراجعها سيؤدي إلى سقوطها المروع في المدى المنظور من الزمان. ورأى في التداعيات الناجمة عمّا  سُمي بـ(الثورة المسلحة التركية ) عام 1908م والتي اشتركت فيها ( جمعيّة الإتحاد والترقي)، ووقوف الجمعيّة بعد استلام الحكم (الحكومة) إلى جانب ألمانيا في الحربِ العالميّةِ الأولى، المؤشر الدال عن حالة التفكك (Dissociation ) أو التحلل وهي الحالة التي ستؤدي حتماً إلى سقوطها أيّ قطع خطوط امتدادات دَوْلة الخلافة العثمانيّة وانكماشها في حدود الجغرافيا التركيّة.

وأكدت تداعيات الأحداث صحة قراءة السيّد/ إدريس السّنوسي للمشهد السياسي ونظرته الثاقبة حيث قام رجالات (جمعيّة الإتحاد والترقي) في 21 صفر من عام 1327 هجري بخلع السلطان عبدالحميد الثاني، وقيامهم في عام 1924م بإلغاءِ دَوْلة الخلافة.  

وفي جانب آخر.. يبدو أنّ مشاعر السيّد/ إدريس السّنوسي، تعلقت بأجواء الترحيب التي عاشها حينما أعلن السلطان عبدالحميد الثاني (14) في 24 يوليه/ تموز 1908م الدستور العثماني، وهو الدستور الذي حدد السّلطات وفصل بينها، وشَرَعَ لتأليف (مجلس المبعوثان) القائم على نظام الانتخابات، والقاضي بأنّ يقوم شعب كلّ ولاية من ولايات دولة الخلافة بموجب هذا النظام باختيار نواب يمثلونه في المجلس المذكور. وهو الدستور الذي صاحبته سلسلة من الإجراءات الإصلاحيّة كإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء القوانين المكبلة لحرية الصحافة، والكف عن عمليات التجسس النشطة على المواطنين آنذاك.

فقد تعلقت مشاعر سيدي إدريس بخطوة (التمثيل النيابي)، وهي الخطوة التي اعتبرها من أهمّ خطوات الاتجاه الصحيح، ولكن تبين له مبكراًَ أنّها جاءت متأخرة، وهذا التأخير سيحول مؤكداً بينها وبين إيقاف عمليّة السّقوط، والتي رآها قادمة لا محالة.

استلم السيّد/ إدريس السّنوسي عام 1916م مقاليد تسيير شئون النَّاس في جوانب الحياة كافة والجانب السياسي في مقدمتها، من أبن عمّه السيّد/ أحمد الشريف السّنوسي الذي تولى عام 1902م شئون القيادة كوصي بعد وفاة عمّه السيّد/ محَمّد المهدي (والد السيّد/ إدريس )، وتولى الأخير الإمارة كوصي حتى يصل السيّد/ إدريس السّنوسي السن التي تؤهله لتولي زمام الأمور. كان السيّد/ إدريس السّنوسي بعد وفاة أبيه صغيراً في السن – أقل من أثنى عشر عاماً – ولذا تولى السيّد/ أحمد الشريف الإمارة وصياً حتى يبلغ الوريث الشرعي السن التي  تؤهله لتحمل أعباء المسئوليّة.

حرص السيّد/ إدريس السّنوسي منذ البداية على أن يكون للنَّاسِ ممثلون حقيقيون يمثلونهم في مجالس تقع على عاتقتها مسئوليّة إتخاذ القرارات. أنشأ في البداية – ومن قبل مرحلة الحكم الذاتي بإجدابيا عام 1917م – مجلسين، الأوّل: يضم كبار العلماء المشايخ، ومن بينهم كبار السّادة السّنوسيّين.. والثّاني: يضم مشايخ القبائل والأعيان. وبعد حصوله على (حكم ذاتي) ضبط هذا التوجه في هياكل أكثر مؤسسية.

على العموم.. غادر السيّد/ أحمد الشريف الأراضي الليبيّة عبر البحر بواسطة غواصة ألمانية متجهاً إلى استانبول – وبطلب من الأتراك –  أملاً أن يتمكن من فتح مفاوضات بين الأتراك والشريف حسين بن علي أمير مكة الذي أعلن الانفصال عن دولة الخلافة. وصل السيّد/ أحمد الشريف  إلى تركيا، واستقبل في محطَّة (سركه جي) استقبالاً رسمياً حافلاً وكان على رأس مستقبليه وزير الحربيّة أنور باشا صديقه المقرب من الأتراك.       

وبعد الخروج من ليبيا.. لم يتوقف نشاط السيّد/ أحمد الشريف الأممي وإسهاماته المتنوعة لنصرة الإسلام والمسلمين في كلّ مكان، فإلى جانب جمع التبرعات وإتصاله بالليبيّين في مواسم الحج والعمرة وحثه للمسلمين كافة على دعم قضية الشّعب الليبي، كان يتحرك على محاور مختلفة لدعم كافة قضايا المسلمين.

{..شهدت سنتي 1921م، 1922م تحركاً سياسياً واسعاً للسيّد أحمد الشريف محاولاً خلق جبهة إسلاميّة عريضة تضم الخديوي عباس (مصر) وعبدالعزيز آل سعود ( أمير نجد)، وابن الرشيد (أمير حائل)، وأحمد الجابر الصباح (أمير الكويت)، والحسن الإدريسي (أمير عسير)، وحميد الدين (إمام اليمن) هدفها تحرير العالم العربي الإسلامي من الاستعمار الايطالي والانجليزي والفرنسي، كمَا تدخل في الصراعات الدائرة بين قبائل شمر وعنزة وحقق الصلح بينهما. وتحرّك في اتجاه سوريا محرضاً أهلها على العمل لطرد الفرنسيين.        

... ونجح السيّد أحمد الشريف أثناء إقامته في الحجاز التي وصل إليها عام 1923م في عقد معاهدة بين إمام  (اليمن) يحي وإمام (عسير) الحسن بن علي الإدريسي وملك (الحجاز) عبدالعزيز آل سعود، أنهى بموجبها الخلافات والحروب الدائرة في المنطقة، وكان هدفه من ذلك القضاء على تلك الحروب الجانبية التي تستنفد الكثير من جهود المسلمين حتى يلتفتوا جميعاً إلى العدو الصليبي (الانجليزي والايطالي والفرنسي) الذي كان يحتل جزءاً كبيراً من العالم الإسلامي..}م18.

وباختصار، رأى السيّد/ إدريس السّنوسي بأن إخراج القوّات خارج الحدود، وربط مصير هذا الشّعب بمصير دوْلة الخلافة، كان في وقت من الأوقات له أسبابه ومبرراته وحتى حججه القوية، ولكن، واقع الحال قد تغير الآن!. فالزمن الحاضر – المقصود الواقع المعاش حينذاك، وكمَا كان يراه – بدأت تلوح في أفقه صعود إمبراطوريات واختفاء أخرى، وأصبحت الأولية أو الأولويات تتجه نحو الاهتمام بالملفات الداخليّة، وأولها ملف الاستقلال الوطني. حدد السيّد/ إدريس السّنوسي الهدف وأرض المعركة، فالهدف هو الإستقلال، وحدود الوطن هي ميدان المعركة. وارتكز مشروعه السياسي منذ البداية على أسس المكون الوطنيّ بخلاف مشاريع الحركة السّنوسيّة التي سبقته، حيث سبقته مشاريع ذات نفس عالمي وطموحات تتجاوز حدود الوطن، والتي جسدها والده السيّد/ محَمّد المهدي ثمّ من بعده السيّد أحمد الشريف أبن عمّه.

استلمَ السيّد/ إدريس السّنوسي زمام الأمور وبدأ منذ اليوم الأوّل في تخطيط وتنفيذ مشروعه الوطني، واستأنف  السيّد أحمد الشريف، بعد خروجه من ليبيا، مشواره الأممي، وظلّ طوال فترة إقامته في المنفى (من أغسطس/ أب  1918م إلى مارس/ آذار 1933م) داعماً ومسانداً لحركة الجهاد الليبي.    

ولو تتبعنا بانتباه العرض المقدم أعلى الصفحة، وحاولنا البحث في مصادر التاريخ المتنوعة لأجل معرفة العلاقة التي ربطت السيّد/ إدريس السّنوسي بالسيدّ/ أحمد الشريف حتى تاريخ وفاة الأخير في المدينة المنورة يوم الجمعة في منتصف ذي القعدة سنة 1351 هجري الموافق 10 مارس/ آذار 1933م، لاكتشفنا أو تبين لنا ما يلي:-

أولاً: احترام (الشرعيّة) والاستناد علي قواعدها وتنفيذ بنودها ووصاياه وتوصياتها، فالسيّد/ أحمد الشريف الذي تولى (الإمارة) بعد وفاة عمّه كوصي عليها، سلمَ (الإمارة) للسيّد/ إدريس السّنوسي عن طيب خاطر بعدما بلغ السن التي تؤهله لتولي زمام الأمور وأبى حجبها عن الوريث والاحتفاظ بها لنفسه ثمّ توريثها لأبنائه من بعده، وفي الجانب الآخر، لم يطالب الوريث بالإمارة ولم يسجل عنه يوماً كلام معلن حولها. بل، سجل التاريخ رفضه لعدة عروض قدمت له تقضي بإزاحة أبن عمّه والحلول محله على اعتبار أن الولايّة صارت حقاً اليوم له، وذلك قبل بضعة سنوات من تسليم الوصي – ومن نفسه – الولاية لوريثها الشرعي !. 

عُرض على السيّد/ إدريس السّنوسي، أكثر من مرّة، تولي الإمارة السّنوسيّة في فترة إمارة السيّد أحمد الشريف، وأحد هذه المرَّات كانت عندما كان السيّد/ أحمد الشريف يقود كتائب الجهاد ضدَّ فرنسا في السّودان، فطلب منه بعض الإخوان تولى الإمارة كحق موروث بدلاً من السيّد/ احمد الشريف، فرفض هذا العرض بحزم شديد. وأثناء اشتداد المحنة وقت بداية الغارات الإيطاليّة على الأراضي الليبيّة، عُرِضَ عليه نفس العرض مجدّداً، فرفض. عندما..{.. اشتدت المحنة وقت أن بدأ الطليان هجومهم الغادر على الأراضي الليبيّة ورأى بعض الإخوان أن يسندوا الزّعامة إلى إدريس السّنوسي كحق موروث بدلاً من احمد الشريف، فرفض إدريس السّنوسي ذلك العرض وبذلك اجتمعت كلمة المجاهدين على أحمد الشريف.

لقد رأى محَمّد إدريس ببعد نظره، وثاقب فكره أن تغيير القيادة في أثناء المعركة ليس من مصلحة حركة الجهاد، ودفع ابن عمّه لمواصلة قيادة كتائب الحركة نحو الواجب المقدس...}م19 .     

ثانياً: كان الأمير إدريس السّنوسي يعلم بأن ثقة النَّاس ومبايعتهم له ترجع في المقام الأوّل إلى رصيد السابقين وما تركوه له من كيانات وكوادر وشبكة علاقات، فنظرته لنفسه تمحورت حول أنّه إمتداد لجهد السابقين وإن سلك منحى جديد لم يسلكه من سبقه، وفي الجانب الآخر، لم يستنكر السيّد/ أحمد الشريف (الأمير السّابق) الطريق الذي سلكه الأمير الجديد لأنّه كان يؤمن بأن حياة الأمم مراحل ولكل مرحلة رجال واجتهادات، فلا يجوز قفل باب الاجتهاد في وجه المؤهلين المخولين المخلصين كمَا لا يجوز أن يظن الرجل في نفسه بأنّه صالح لكلّ عصر وزمان فمن قاد مرحلة لا يعني مطلقاً أنّه صالح لقيادة كلّ المراحل. واعترف السيّد أحمد الشريف بخطئه، فجاء على لسانه، نقلاً عن كتاب الصلابي المُشار إليه سالفاً، قوله:..[.. يُخيل إليّ أحياناً أنني أخطأت عندما باليت بنداء استانبول ذاك..].

وبناءً على قواعد الشرعية ونكران الذات من أجل الصالح العام، ووفقاً لمبدأ الأخذ بحجة المنطق والتحليل السليم، ظلَّت علاقة الرجلين (السيّد/ أحمد الشريف والسيّد/ إدريس المهدي) في تواصل وتفاهم ملئها المحبة وقوامها الثقة والاحترام المتبادل.

أمّا الذين يرون بأن السيّد/ أحمد الشريف كان أكثر أهلية من السيّد/ إدريس المهدي، وكان الأجدر بالاستمرار في القيادة بدلاً من تسليمها لأبن عمّه لأنّ من استلمها، أقل كفاءة ودراية منه !!. لا نملك إلاّ أن نقول لهؤلاء: لابُدَّ أن يعترف الجميع – وفي بداية الأمر – أن أكبر إنجاز تحقق في تاريخ ليبيا، هو إنجاز الإستقلال وقيام الدولة الليبيّة، وهذا الإنجاز العظيم تحقق بفضل إخلاص وحكمة السيّد/ إدريس السّنوسي وبراعة قيادته.       

وإن المسألة بين الإثنين لم تكن مطروحة على أساس الكفاءة، وإن كانت كفاءة السيّد/ إدريس لا غبار عليها ولا يملك أحداً حجة للطعن فيها فهو صاحب أكبر إنجاز في تاريخ ليبيا.. ولكنها كانت مسألة شرعيّة، فالشرعيّة كانت مع السيّد إدريس وسقطت عن السيّد أحمد ببلوغ الوريث السن التي تؤهله للقيادة، والرجلان كل منهما أدّى دوره وواجبه وكان رجل مرحلته بإمتياز. ولا اعتقد أنّ السيّد إدريس السّنوسي أخفق في مهمته لأنّه حقق كسباً كان من المستحيل على غيره آنذاك تحققه. والرجلان كانا على تواصل وود، فالسيّد/ إدريس السّنوسي كان وفياً مع السيّد/ أحمد الشريف الذي كفله بعد وفاة أبيه، وكان يوقره ويثمن مكانته عالياً، وظلَّت علاقته به متينة متواصلة لم تنقطع قط طيلة حياة الشريف الذي توفي في المدينة المنورة عام 1933م. والسيّد/ أحمد الشريف احترم اجتهاد السيّد/ إدريس وانصاع لقراراته باعتباره يمثله ويمثل أهل برقة، ولعل ما قاله للملك عبدالعزيز آل سعود خير دليل على ما نقول حيث ردّ على الملك عبدالعزيز حينما عرض عليه إدخاله بموافقة إيطاليا في المفاوضات الجارية مع السّيد/ إدريس السّنوسي، فقال له:.[.. أنَّ الأمير إدريس السّنوسي موجود في برقة وينوب عني شخصياً وعن أهل برقة..]. وهذا ما أورده الشيخ/ عبدالملك بن علي في كتاب: (الفوائد الجليّة).

وظلّ السيّد/ أحمد الشريف طوال فترة إقامته في الحجاز (من 1924 إلى 1933م) مسانداً للأمير إدريس السّنوسي وداعماً لسياساته وقراراته ومتفرغاً لدعم المجاهدين في الدّاخل. وكان..{.. يتخذ طوال فترة إقامته في الحجاز من مواسم الحج والعمرة وسيلة للاتصال بالليبيّين ويستقبل الرسل الوافدة إلى مكَّة من قادة الجهاد، يزودهم بالتوجيهات والتعليمات وكذلك بالإمدادات كمَا جعل من مواسم الحج منبراً إعلامياً يحث المسلمين منه على دعم القضيّة الليبيّة ويجمع التبرعات منهم...}م20.  

ولا نعني ممّا تقدم الطعن في كفاءة السيّد/ أحمد الشريف أو المفاضلة بينه وبين السيّد/ إدريس المهدي، فكفاءة الشريف لا أحد يمكنه التشكيك فيها فهو الشخص الذي رُشحَ وكاد أن يصبح خليفة لكل المسلمين لا الليبيّين فحسب، وهو العالم الجليل الذي وقف حياته كلها، محارباً من أجل حفظ استقلال المسلمين. فقد منحه الأتراك أعلى المراتب وقلدوه أرفع الأوسمة وأعظمها تقديراً لعلمه وجهاده ومكانته. أمّا المفاضلة بين هاتين القامتين لا نراها جائزة، ولم يكن القصد من وراء ما ذُكر الإتيان بها، فكل من الرجلين أدّى دوره وواجبه وكان رجل مرحلته بإمتياز كمَا سبق وإن أسلفنا. 

ولا نعني من الاستنتاج المبين في النقطتين السابقتين بأنّ وجهتا نظر الرجلين كانتا متطابقتين في الرؤية والتحليل، فالحقيقة تقر بأن الرجلين اختلفا حول بعض القضايا السياسيّة، وعلى رأس تلك الاختلافات الموقف من بريطانيا. فقد كان السيّد/ إدريس المهدي يرى بأن الحرب ضدَّ بريطانيا ستهدر العتاد والأنفس، ولن يتحقق منها شيء يخدم الصالح الليبي. كمَا كان يرى في الموقف البريطاني آنذاك موقفاً بالإمكان التعويل والبناء عليه، ويمكن توظيفه توظيفاً سياسياً إيجابياً لصالح القضية الليبيّة ضمن مجموعة الظروف الدّوليّة الأخرى. أمّا السيّد/ أحمد الشريف فقد كان يرى ضرورة الوقوف إلى جانب الأتراك والاستجابة لمطالبهم، وأن حميته الدينيّة تمعنه من رفض طلبهم بالمشاركة في الحرب أو الوقوف ضدَّهم. وقد أيدت نتائج الحرب صحة موقف السيّد/ إدريس، كمَا كان موقفه مطابقاً لموقف زعماء (قبائل حرب) في مصر – القبائل التي كانت تابعة للسّنوسيّةِ وتملك مئات من المقاتلين، بل، ألآلاف منهم. كان السيّد/ أحمد الشريف..{.. قد كلّف السيّد/ إدريس المهدي تبليغ (قبائل حرب) والبالغ عدد مقاتليها ثمانون ألف والتابعة للحركة السّنوسيّة أن تعمل ضدَّ الإنجليز وأعوانهم في مصر والحجاز، وكان جواب السيّد/ إدريس بعد رجوعه من الحج إلى السيّد/ أحمد الشريف بأن القبيلة أجابته: (..لم يصبنا أيّ أذى من الإنجليز، فهم عدول وكرام، وأغنياء بينما نجد الأتراك أو الترك متصفين بالظلمِ والقهر والترفع..)، وعليه فلا داعي للدخول معهم في أيّة معارك. وقد كشفت الوثائق البريطانيّة رقم 2139، 2147، 2478، التي نُشرت أن السيّد/ إدريس قد بلغ القبيلة بأنّه يؤيد وجهة نظرهم، ولا يود أن يرفع سيفه ضدَّهم، أيّ، ضدَّ الإنجليز..}م21.           

على أية حال.. اشترك المجاهدون بقيادة السيّد/ أحمد الشريف في حرب الأتراك ضدَّ الإنجليز في مصر، وأدَّت هزيمتهم في هذه الحرب إلى إنهاك قوَّاتهم وإضعافها وبالتالي أثر ذلك على مقدرتهم في مواجهة الاحتلال الإيطالي، علاوة على الآثار السلبية التي خلفتها هذه الهزيمة في نفوس المجاهدين ومعنوياتهم. وقد اعترف السيّد/ أحمد الشريف بخطئه وعدم تقديره الصحيح للظروف السياسيّة في رسالة كان قد بعث بها إلى السيّد/ سليمان الباروني بعد تعيينه والياً على طرابلس.. وفي رسائل أخرى تبادلها مع أبن عمّه السيّد/ إدريس المهدي.   

ولا شك.. أن الاختلاف بين الرجلين لم يتحول إلى معركة أو يتجاوز حدود المعقول أو يدخل حيز المهاترات والملاسنات كالتي نشهدها في وسطنا الليبي بين المختلفين حول قضايا السياسة. ورغم اختلاف الرجلين في الرأي، إلاّ أن علاقتهما ظلّت قوة محترمة لم يعكر صفوها شائبة كمَا سبق وأن أسلفنا. وأن المناخ العام الذي تمكنت الحركة السّنوسيّة من إرسائه بين النَّاس ساهم بطريقة أو بأخرى في دعم أواصل احترام اختلاف وجهات النظر بين الرجلين. فقد تمكنت السّنوسيّة من إرساء قيم الدين الحنيف في نفوس النَّاس، وتحصين القسم الشرقي من البلاد من التناحر والتطاحن على الزّعامة، وفرضت على الإقليم حضورها الديني والأدبي فمنحها النَّاس ثقتهم وولائهم، ومنع هذا المناخ بدوره كلّ شيء يُعكر صفو الوحدة والرفقة والأخوة والعمل الجماعي الهادف إلى تطوير الآليات والوسائل بغية تحقيق الأهداف والغايات المنشودة. وهو المناخ الذي ساهم في دعم أواصل احترام اختلاف وجهات النظر بين الرجلين (السيّد/ أحمد الشريف، والسيّد/ إدريس المهدي)، وحملَ كلّ منهما مسئوليّة دعم الثقة التي منحها النَّاس له. 

ومن المناسب هنا أن نستخلص عبرة أخرى من هذه الوقفة، نرى أن تسليط الضوء حولها يعود بالفائدة والنفع على المهتمين بالصالح العام أو بأوضاع بلدانهم السياسيّة إذا ما أرادوا معالجة مشاكلهم ومعرفة الأسباب الحقيقة وراء العديد من الصراعات الدائرة بينهم.. نقف عند (الأجندات الخاصّة)، الآفة التي أهدرت عدد من الأعمال الكبيرة – وفي بلدان عدة – التي كان النَّاس يعولون عليها وينتظرون منها تحقيق الحلم والأمل !!.. فالأمل سيختفي حتماً ويضيع الحلم حينما يصبح المركز هو الأشخاص لا القضايا، ويتخذ البعض من قضايا الشأن العام ستاراً لإخفاء أجنداتهم الشخصيّة الخاصّة.. 

لم تكن للسيّد/ أحمد الشريف أجندة شخصيّة، ولم يعرف عنه إلاّ صدق الإيمان والنزاهة والتضحية والتجرد الكامل عن المآرب الشخصيّة. فلو كانت لديه أجندة شخصيّة خاصّة لاحتفظ بالإمارة لنفسه وورثها لأبنائه من بعده، وما تنازل عليها لوريثها الشرعي.. ولما اعترف بخطئه حينما تبين له الخطأ الذي وقع فيه.. ولما ساند الأمير إدريس المهدي الذي حل مكانه، ورفض عروض كثيرة أرادت عرقلة الأمير الجديد وإعاقة برامج عمله وحركته الهادفة لتنفيذ ما اختاره من استراتيجيات وسياسات..

ولو كانت لدى السيّد/ إدريس السّنوسي أجندة شخصيّة خاصّة لما تواصل مع السيّد/ أحمد الشريف واستطلع رأيه في العديد من القضايا والمسائل.. ولو كانت له مآرب شخصيّة أو أجندة خاصّة لما قبل النقد، وتسامح مع معارضيه حينما كان أميراً، وبعدما أصبح ملكاً للبلاد.. ولو كانت له أجندة خاصّة ومآرب شخصيّة لتمسك بالسّلطة واستبد بشعبه كمَا يفعل الطغاة المتمسكون بالسّلطة والمستفيدون منها، فلم يكن في يومِ من الأيّامِ متسلطاً ولا قاسياً على شعبه، بل، كان متسامحاً حكم شعبه برضاهم وموافقتهم لدرجة أنّه خاطبهم ذات يوم فقال:..[.. أرجوكم متى رأيتم منا نقصاً فصارحونا وسامحونا بأن نترك لكم المجال لمن هو أقدر منا على ذلك..].   

ولو كانت لدى السيّد/ إدريس السّنوسي مآرب شخصيّة لاستغل منصبه وفتح حسابات مصرفية داخل البلاد وخارجها وأصبح كسائر الملوك من أصحاب الأرصدة الفلكية ولكنه خرج من البلاد ولا يملك شيئاً من ذلك رغم أنّه كان على رأس دَوْلة نفطية غنيّة.. وقد أكد السيّد/ إدريس السّنوسي على هذه القيمة والمعنى منذ وقت مبكر جداً حيث جاء في خطابه بمدينة بنغازي صيف 1944م، ما يلي:..[..ليس ليّ مآرب ولا غاية في هذه الحياة الفانية إلاّ أن أرى أهل وطني أعزاء متمتعين بحريتهم..].

كمَا، أكد النَّاس، بأنّ الأمير لا غاية له ولا مآرب في هذه الدنيا إلاّ أن يرى أهل وطنه أعزاء متمتعين بحريتهم. فحينما وصل سيدي إدريس إلى برقة قادماً من منفاه في مصر – ولأوّل مرَّة بعد خروجه من الوطن – استقبله أبناء شعبه بحفاوة بالغة، وكان ذلك في شهر نوفمبر/ تشرين ثاني من عام 1943م. وبعد وصوله إلى منطقة (الجبل الأخضر) استقبله النَّاس بالتهليل والتكبير وقصائد الشعر، وكان من ضمن مستقبليه الشاعر الشيخ عروق بومازق (عم السيّد/ حسين يوسُف مازق). ارتجل الشيخ عروق مازق أمام سيدي إدريس بعض أبيات الشعر، أكد فيها المعنى سالف الذكر، فقال:          

مرحبا بعايل الهم .. عنِي ليبيا في كداها

اللي إن غاب عنها تظلم... ووين جاها زهيت سماها

مو شاغله مال يلتم... ولا جاه مفيت راحة ضناها  

وفي الختام.. الأجندات الشخصيّة الخاصّة، هي: المدخل الذي يتسلل منه العدو بين الصفوف.. والمعرقل والعائق أمام تحقيق الأهداف والغايات المنشودة.. والمنفر الذي يبعد النَّاس عن الانخراطِ في صفوفِ العمل العام، والاهتمام بمسائل السياسيّة والحكم...

فإذا أردنا التوفيق والسداد ما علينا إلاّ استخلاص العبرة والدرس من وقائع التاريخ، والاقتداء بسيرة من أخلصوا لقضيتهم وحققوا الإنجاز فوق الأرض، ويأتي على رأس هؤلاء وفي مقدمتهم: الملك إدريس السّنوسي طيب الله ثراه..

توضيح وإستدراك                     

 نقلتُ في الحلقة الأولى ما قاله الأستاذ/ أحمد جبريل (محاضر في كليّة أكسبردج ومهتم بالشؤون الليبيّة)، في مقالته: (معوقات التغيير السياسي عبر التاريخ القديم والمعاصر)، والتي نُشِرت في موقع (أخبار ليبيا) بتاريخ 10 يناير/ كانون ثاني 2005م، والتي جاء فيها..[.. لم تكن ليبيا دولة بالمفهوم الحديث للدولة إلاّ بعد استقلالها في نهاية عام 1951م، ‏وبعد أنّ حصلت على الاعتراف من هيئة الأمم المتحدة بفارق صوت واحد ‏يتيم. لهذا فإنّ ما اصطلح على تسميته ليبيا قديماً لم يكن عبر التاريخ ‏سوى موقعاً جغرافياً كان موضع اهتمام الكثير من الدّول والحضارات ‏المجاورة، إبتداءاً بالحضارة الفينيقيّة وإنتهاءاً بالغزو الإيطالي ‏الحديث..]. انتهى الاقتباس.

يبدو أن الأستاذ/ أحمد جبريل اختلط عليه الأمر حيث أن سّقوط مشروع (بيفن سفروزا) القاضي بتقسيم ليبيا،  في مايو 1949م.. ونجاح قرار (إستقلال ليبيا) الصادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م، شكل فارق (الصوت الواحد) العلامة المميزة للقرارين !، حيث أن قرار الإستقلال تمّت الموافقة عليه بالإجماع ولم يعارضه إلاّ (صوت واحد)، ومشروع التقسيم (بيفن سفروزا) سقط بفارق صوت ‏يتيم واحد.

سقط مشروع (بيفن سفروزا)، بفارق صوت واحد، وهو صوت (السيّد/ سان لو) سفير دولة هايتي، والذي خالف تعليمات بلاده وصوت ضدّ مشروع بيفن سفروزا.. ونجح قرار (إستقلال ليبيا) الذي أصدرته الجمعيّة العامّة في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1949م، بالإجماع حيث لم يعارضه إلاّ (صوت واحد) هو صوت (مندوب أثيوبيا).

 

ملاحظات وإشارات هامّة

8) خطاب الأمير بمدينة درنة: النص المنقول أعلاه هو الخطاب الأوّل للأمير إدريس السّنوسي بعد عودته ظافراً منتصراً من منفاه في مصر، والذي ألقاه بمدينة درنة بعد يومين من وصوله إلى البلاد. ويذكر أن سكّان مدينة بنغازي كانوا قد أهدوا للأمير سيفاً مقبضه من الذهب الخالص، والسيف وضِعَ في صندوق من خشب اللوز الهندي. وقد أهدى سكّان مدينة درنة للأمير صورة زيتيّة لشخص سموه كان قد رسمها الفنان عوض اعبيدة أشهر رسام بمدينة بنغازي وأوّل رسام يقيم معرضاً في ليبيا (أقام المعرض في مدينة بنغازي بشارع عمر المختار بعد الحرب سنة 1946م)، فتقبلها الأمير شاكراً ثمّ أهداها لجمعيّة عمر المختار – كذكرى تاريخيّة للزيارة الميمونة المباركة.

والخطاب هذا ألقاه الأمير بمدينة درنة يوم 19 يوليه/ تموز 1944م، والنص الكامل للخطاب نقلناه عن كتاب: (السّنوسيَّة.. دِينُ وَدَوْلةُ) للأستاذ/ محَمّد فؤُاد شكري، والصادر في طبعته الثانيّة المحققة المنقحة عن مركز الدّارسات الليبيّة (أكسفورد / بريطانيا) عام 1426هجري الموافق 2005م. ولمزيد من التفاصيل عن هذه الاستقبالات والاحتفالات وما تمّ فيها، يرجى الرجوع إلى كتاب الأستاذ/ محَمّد فؤُاد شكري السالف الذكر.   

9) الأسرة القره مانلية: تولت الأسرة القره مانلية الحكم في إيالة طرابلس الغرب سنة 1711م، واستمرت إدارتها حتى سنة 1835م، وأصل هذه الأسرة من مقاطعة قرمانيا في آسيا الصغرى حيث أصبح أحمد باشا القره مانلي أول باشا اعترف به السلطان العثماني، ثمّ أصبح الحكم وراثياً لأبنائه وأحفاده. وحكمت هذه الأسرة في إيالة طرابلس حكماً ذاتياً، أيّ أنّها كانت تابعة للسلطنة العثمانيّة. هذا النص منقول عن منشورات (مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخيّة)، من كتاب: (الإدارة العثمانيّة في طرابلس الغرب / 1842م – 1911م) لمؤلفه الدّكتور/ كامل علي مسعود الويبه، والمؤلف نقله من الصفحة رقم 221 عن كتاب:(كونستانزيوبرنيا )،  طرابلس 1510م – 1850م، ترجمة خليفة محَمّد التليسي، الصادر عن دار (الجماهيرية) / مصراتة، عام 1985م.

10) اعتقال علي باشا بن يوسف: المعلومات الواردة حول بداية الحقبة الثانيّة لإدارة الأتراك المباشرة لطرابلس، واستجابة السلطان العثماني لطلب الطرابلسيين بتنحية علي باشا بن يوسف القره مانلي، نقلناه عن منشورات (مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخيّة)، كتاب: (الإدارة العثمانيّة في طرابلس الغرب / 1842م – 1911م)  لمؤلفه الدّكتور/ كامل علي مسعود الويبه، الصادر في طبعته الأولى عن المركز في عام 2005م. يرجي الرجوع إلى المصدر المُشار إليه لمعرفة المزيد من المعلومات والتفاصيل.   

11) كنسية يهوديّة: ذكر المؤلف الإيطالي (فراسسكو كورو/ Francesco Coro  ) في كتابه: (ليبيا.. أثناء العهد العثماني الثاني "1835م – 1911م")، أن الكنائس اليهوديّة بطرابلس بلغ عددها آنذاك (22) كنسية، ولا يعتقد الأستاذ/ خليفة التلّيسي بصحة هذا الرقم. وفراسسكو كورو هو أحد الضبّاط الإيطاليين العاملين بليبيا، وقد لعب دوراً هاماً تحت قيادة غراتسياني أثناء الحملة الاستعماريّة الثانيّة التي قادها غراتسياني ضدَّ المناطق الغربيّة والجبلية بطرابلس الغرب سنة 1922م. وقد قام كورو باحتلال نالوت ( 6 يوليو/ تموز 1922م)، وشارك في كافة مراحل هذه الحملة كمَا لعب دوراً رئيسياً في المكيدة التي حيكت ضدَّ خليفة بن عسكر والتي أدّت إلى القبض عليه وإعدامه، وقد أشار إلى ذلك غراتسياني في كتابه: (نحو فزَّان).

لهذا الضابط الإيطالي اهتمامات ثقافيّة وأدبيّة، وشغل فيما يبدو، بعض المناصب الإعلاميّة، ونشر دراسات متفرقة في مجالات تاريخيّة وسياسيّة مختلفة، وبعضها يتصل بتاريخ ليبيا الحديث وشخصيّة سليمان باشا الباروني.

ومن بين تلك الدراسات، كتابه سالف الذكر الذي خصصه لفترة العهد العثماني الثّاني الواقعة بين 1835م إلى 1911م.

قال الأستاذ/ خليفة محَمّد التلّيسي مترجم ومقدم كتاب فراسسكو كورو، أن عدد الكنائس اليهوديّة الذي ذكرها كورو في كتابه، هو رقم يمثل عددها في البلاد قاطبة لا في مدينة طرابلس وحدها فحسب. وجاء تعليقه، وبالنصِ، كمَا يلي:..[.. سبقت الإشارة إلى أن هذا العدد ربّما أشار إلى مجموعها في البلاد قاطبة لا في المدينة..].    

راجع ملاحظة التلّيسي أو تعليقه في أسلف صفحة (129) من الكتاب المذكور، فيما يخص الرقم المذكور لعدد الكنائس اليهوديّة.. وراجع تقديم التلّيسي في صفحات الكتاب الأولى، لمعرفة المزيد عن سيرة حياة مؤلف الكتاب.

صدر كتاب فراسسكو كورو باللغة الإيطاليّة، وقام الأستاذ/ خليفة محَمّد التلّيسي بتقديمه وترجمته إلى العربيّة، وأصدرته (دار الفرجاني) بطرابلس/ ليبيا، في عام 1971م  

12) الإسلام السّنوسي: هذا الوصف جاء في كتاب: (المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا / 1830 – 1932م) للباحث الجاد الدّكتور/ علي عبداللطيف حميدة الصادر عن "مركز دارسات الوحدة العربيّة" في كانون الثاني / يناير 1995م. لا اتفق مع هذا الوصف أو التوصيف إنّما نقلته لأنّه جاء في سيّاق معلومات دقيقة غاية في الأهميّة، ونقلته من باب الأمانة. وسبب عدم موافقتي على هذا الوصف كون الإسلام واحد، وإن اختلفت الاجتهادات، وأن السّنوسيّة لم تأت بإسلام جديد إنّما جددت الفهم له.

كنت أتمنى ألا يصف د/ علي حميدة ما يُدرس في الزوايا السّنوسيّة بـ(الإسلام السّنوسي)، لأنّ ذلك يوحي – وإن لم يكن الدكتور حميدة قاصداً لذلك – بأنّ للسّنوسيّة إسلاماً خاصاً بها، والحقيقة ليست كذلك. 

13) السيّد/ أحمد الشريف: قال السيّد/ محَمّد أسد في كتابه: (الطريق إلى الإسلام) عن السيّد/ أحمد الشريف:..[.. ما من رجل ضحى بنفسه تضحية كاملة مجرَّدة، عن كلّ غاية في سبيل مثل أعلى، كمَا فعل هو. لقد وقف حياته كلها، عالماً ومحارباً، على بعث المجتمع الإسلامي بعثاً روحياً، وعلى نّضاله في سبيل الاستقلال السياسي..]. 

وقال الأمير/ شكيب أرسلان في كتابه: (حاضر العالم الإسلامي) عن السيّد/ أحمد الشريف:..[.. اتحاد الكلمة على نزاهة هذا الرجل، وتجرده عن المآرب الشخصيّة، وعزوفه عن حظوظ الدنيا، وانصراف همه كله إلى الذب عن بيضة الإسلام بدون غرض سوى مرضاة الله ورسوله، وحفظ استقلال المسلمين..].    

14)السلطان عبدالحميد الثاني: ولد عبد الحميد يوم الأربعاء 6 شعبان 1258 هجري الموافق 22 سبتمبر/ أيلول 1842م. بويع بالخلافة يوم 9 شعبان 1293 هجري الموافق 31 أغسطس/ أب 1876م، وكان في الرابعة والثلاثين من عمره، وهو الخليفة السابع والعشرون في عهد خلافة العثمانيين، وتولَّى العرش مع اقتراب حرب عثمانية روسية جديدة، وظروف دولية معقدة، واضطرابات في بعض أجزاء الدولة، خاصّة في البلقان.

وقف في وجه المشروع الصهيوني في المنطقة، وحاول (تحديث دولة الخلافة وإصلاح شئونها كافة) ولكنه فشل بسبب: تراجع الأداء الاقتصادي لدولة الخلافة، وترهل أجهزتها الإدارية، وتراجع قوة قوّاتها العسّكريّة، بالإضافة إلى عدم توصله لقراءة صحيحة لما يدور في العالم من أحداث وتطورات.

حكم السلطان عبدالحميد الثاني الإمبراطورية العثمانيّة 33 عاماً فاستبد برأيه في عدد من المواقع نظراً لطول مدة حكمه، ولكنه، كان بعيدًا كلّ البعد عن سفك الدماء أو أسلوب الاغتيالات وتصفيّة معارضيه، وكان لا يلجأ إلى عقوبة السجن إلا في القليل، ثمّ يغيرها بالنفي. ولم يصدّق خلال سلطته الطويلة إلاّ على خمس عقوبات إعدام فقط، وهي أقل عدد من عقوبات الإعدام في تاريخ تركيا كلها.

تنازل السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش لأخيه محَمّد رشاد في 6 ربيع آخر 1327 هجري الموافق 27 إبريل/ نيسان 1909م. وتُوفِّي في 28 ربيع آخر 1336 هجري الموافق 10 فبراير/ شباط 1918م، عن ستة وسبعين عامًا، واشترك في تشييع جنازته الكثير من المسلمين، ورثاه كثير من الشعراء، بمن فيهم أكبر معارضيه إبّان فترة حكمه أو ولايته. وفي أكتوبر/ تشرين أول 1923م، أصبح مصطفى كمال أتاتورك رئيساً للجمهوريّة، وأنهى دولة الخلافة العثمانيّة.

اشتغل مصطفى كمال أتاتورك كضابط مبعوث من الإمبراطوريّة العثمانيّة في كلّ من: ألبانيا ودرنة (آمر الحامية التركية بمدينة درنة). كمَا خدم كقائد للعديد من الجيوش العثمانية في فلسطين وحلب وحقق نصراً رئيسياً أخر عندما أوقف تقدم الأعداء عند حلب. ومُنحَ في أغسطس/ أب 1922م منصب رئاسة الأركان، وبرتبة مارشال. وأسس في 23 ابريل/ نيسان 1920م مجلس الأمّة الكبير الذي انتخب لرئاسته.

حقق مصطفى كمال أتاتورك النصر على معارضيه والجيوش الغازية في معركتين رئيسيتين في انونو في غرب تركيا، ومنح (المجلس الوطنيّ) بعد ذلك لمصطفى كمال لقب رئيس الأركان برتبة مارشال، وفي نهاية أغسطس/ أب 1922م ربحت جيوش أتاتورك حربها النهائيّة، وانتهت هذه المرحلة بتوقيع الهدنة وانتهي حكم السلالة العثمانيّة.

في يوليو/ تموز عام 1923م وقعت الحكومة الوطنيّة معاهدة لوزان مع بريطانيا العظمى وفرنسا واليونان وإيطاليا وآخرين، وفي منتصف أكتوبر/ تشرين أول، أصبحت أنقرة عاصمة الدولة التركيّة الحديثة، وفي 29 أكتوبر/ تشرين أول أعلنت الجمهوريّة وانتخب مصطفى كمال باشا أتاتورك بالإجماع رئيساً للجمهوريّة.

وبعدما أصبح مصطفى كامل أتاتورك (1880م – 1938م) رئيساً شرعياً للحكومة نفذ الشروط التي وضعها أمامه اللورد كيرزون وزير الخارجيّة البريطاني، والقاضية بالآتي:

إلغاء دولة الخلافة وقطع الصلة بالعالم الإسلامي.. التعهد بإخماد كلّ صوت ينادي بالخلافة، وكلّ حركة تعمل من أجل ذلك.. إلغاء الدستور المستمدة أحكامه من الشريعة الإسلاميّة واستبداله بدستور علماني لا صلة له بالدين.    

نفذ أتاتورك الشروط البريطانيّة، فألغى الخلافة (بتاريخ 27 رجب 1342 هجري الموافق 3 مارس/ آذار 1924م)، واستبدل الدستور، وفرض آرائه بالقوة حيث لم يستمع إلى صوت المعارضة رغم عدد المعارضين الكبير، بل، قام باضطهاد معارضيه ومارس عليهم كل أساليب الإبعاد والإقصاء.

خلال الخمسة عشر عاماً التي أمضاها أتاتورك في الرئاسة ألغى دَوْلة الخلافة، وأورد نظاماً سياسياً وقضائياً جديداً لم تعرفه تركيا من قبل.

نصّ التعريف في هذه الوقفة منقول بقليل من التصرف وبعض الإضافات عن المصدرين، الأوّل: مقالة: (عبد الحميد الثاني وجدل لم ينتهِ)، للأستاذ/ مصطفى عاشور المنشورة في موقع (ديوان العرب) المجلة الأدبيّة الفكريّة الثقافيّة الاجتماعية.. والثاني: موقع (ويكيبيديا، الموسوعة الحرَّة).    

مصادر ومراجع    

م10) الأستاذ/ سليمان قشوط (إعداد) – مقالة: (أحياء طرابلس القديمة... عبق الأصالة والتاريخ) – موقع (ليبيا جيل).   

م11) ) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – كتاب: (ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستوريّة إلى الشرعيَّة الثوريَّة / دراسة توثيقية تحليليّة) – صدر الكتاب عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) في طبعته الأولى 1429 هجري الموافق 2008 ميلادي.     

م12) فراسسكو كورو/ Francesco Coro   - كتاب: (ليبيا.. أثناء العهد العثماني الثاني "1835م – 1911م")، صدر باللغة الإيطاليّة، وقام الأستاذ/ خليفة محَمّد التلّيسي بتقديمه وترجمته إلى العربيّة، وأصدرته (دار الفرجاني) بطرابلس/ ليبيا، في عام 1971م. 

م13) الدّكتور/ فرج نجم – حوار أجراه معه الأستاذ/ خالد المهير، ونُشر بتاريخ 25 مارس 2007م في موقع (دروب) تحت عنوان: المفتي صاحب تجربة مريرة في الحياة.   

م14) الدّكتور/ علي عبداللطيف حميدة – كتاب: ( المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا / 1830 – 1932م) –  الصادر في طبعته الأولى عن (مركز الدَّارسات الوحدة العربيّة) في كانون الثّاني / يناير 1995م.    

م15) ) ) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – كتاب: (ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستوريّة إلى الشرعيَّة الثوريَّة / دراسة توثيقية تحليليّة) – صدر الكتاب عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) في طبعته الأولى 1429 هجري الموافق 2008 ميلادي.   

م16) موقع (ويكيبيديا، الموسوعة الحرَّة ) في الشبكة العالمية للإنترنت – تعريف بالشريف تحت عنوان: (السيّد أحمد الشريف مجاهد ليبي من الأسرة السّنوسيّة قاد الجهاد في شرق ليبيا ضد الغزو الايطالي).  

م17) نفس المصدر السّابق.            

م18) نفس المصدر السّابق. 

م19) الدّكتور/ علي محَمّد الصلابي – الحركة السّنوسيّة في ليبيا .. وسيرة الزعمين محَمّد إدريس السّنوسي وعمر المختار/ الجزء الثالث – صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الأفريقي موقع (الشبكة الليبيّة).

م20) موقع (ويكيبيديا، الموسوعة الحرَّة) في الشبكة العالمية للإنترنت – تعريف بالشريف تحت عنوان: (السيّد أحمد الشريف مجاهد ليبي من الأسرة السّنوسيّة قاد الجهاد في شرق ليبيا ضد الغزو الايطالي).        

م21) الدّكتور/ علي محَمّد الصلابي – كتاب: (الحركة السّنوسيّة في ليبيا )/ الجزء الثاني: (سيرة الزعمين محَمّد إدريس السّنوسي وأحمد الشريف) – دار البيارق للطباعة والنشر والتوزيع / الطبعة الأولى 1999م.


الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home