Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

Wednesday, 21 June, 2006

إضغـط هنا للأطلاع على الجزء الأول

       
       
       
       

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج

الصادق شكري

الجزء الثّاني
الحلقة الثالثة عشر ( 13 مِنْ 16 )

السّلطة يتم توليها بتكليف من الشّعب عبر صناديق الإقتراع ولا يتم الاستيلاء عليها في ظلام الليل عن طريق استخدام القوات المسلحة (الجيش ) التي أُسست من أجل حمايّة سيادة الوطن ‏وسلامة أراضيه وأمنه لا من أجل عسكرة السّياسَة وإغتصاب الحكم. وشرعيّة الحكم تستمد من الأمّة (الشّعب) ولا تستمد بمؤامرة تحاك في الظلام أو بقوة السلاح. والشرعيّة لا تعطى لضباط أقسموا بالحفاظ على الدستور، فخانوا اليمين وانقلبوا على الدستور ثمّ صادروه.
تحرّك الملازم معمّر القذّافي ورفاقه في ظلام الليل ونفذوا مخطط تأمري في وقت كان فيه الملك إدريس السّنوسي حاكم ليبيا الشرعي خارج البلاد في إجازة مرَضيّة، فاحتلوا مبنى الإذاعة بمدينة بنغازي وأعلنوا بيان استيلائهم على السّلطة في فجر الأوّل من سبتمبر من عام 1969م. صادر معمّر القذّافي ورفاقه دستور 1951م وألغوا الحياة النيابيّة التي أختارها الشّعب الليبيّ منذ إستقلاله، ولم يقطع صلته بها، إلاّ عند وقوعه تحت براثن المؤسسة ‏العسكريّة التي تبنت – وكما قال الأستاذ/ بوزيد الهلالي – ،..(.. دون تفويض عسكرة السّياسَة، وطغت مؤسستها علي كلّ الحياة ‏الدستوريّة...).
إذن، نظام سبتمبر 1969م الذي جاء به الضابط معمّر القذّافي ومجموعة الضباط الذين معه هو نظامُ غير شرعي حيث اقسم هؤلاء الضباط اليمين بالحفاظ على الدستور وإذ بهم ينقلبون عليه عن طريق استخدام غير مشروع للقوات المسلحة. ثمّ صادروا دستور الشّعب الشرعي (دستور 1951م) بعد إستيلائهم على السّلطة، وغيروا علم ليبيا الذي صدقت عليه جمعيّة تأسيسيّة ضمت عناصر وطنيّة مثلت جميع سكان ليبيا – أقاليم ليبيا الثلاث: طرابلس وبرقة وفزّان.
ليس هذا فقط، بل، أنّ هؤلاء الضباط وضعوا السياسات الراميّة إلى تزوير التاريخ.. وإلغاء ‏الجذور السياسيّة للدولة وتراثها الدستوري.. وطمس أسماء أبطال ليبيا ومجاهديها. وأنّ معمّر القذّافي قائد هؤلاء الضباط زعم أنّ ليبيا ولدت يوم استيلاءه على السّلطة في الأوّل من سبتمبر من عام 1969م، وأنّ الدنيا بدأت من عنده ولا تنتهي إلاّ من حيث ما بدأت !. أو كما قال الشيخ محَمّد بن غلبون (61) ..(.. أنّ معمّر القذّافي هدف إلى تزوير تاريخ ليبَيا، وطمس إنجازات الشّعب الليبيّ، وإلغاء مكاسبه، لغرض ربط الوطن بشخصه، والترويج لفريّة إنّ ليبَيا ولدت يوم استيلاءه على السّلطة في سبتمبر 1969م..). حقاً.. كان من المفترض أنّ نعارض نظام سبتمبر 1969م بكلّ ثبات وقوة، حتى لو لم يمارس معمّر القذّافي السجن والقتل والإقصاء ومصادرة الحريات وتأميم الأموال لأنّه – وببساطة شديدة – نظام غير شرعي.
وفي الحقيقة.. لم تنطلق المعارضة الليبيّة في الخارج في موقفها من نظام العقيد معمّر القذّافي – وإذا ما استثنينا "الإتحاد الدستوري الليبي"– من منطلق عدم شرعيّة نظام سبتمبر 1969م من أساسه إلاّ بعدما عقد مؤتمر الوفاق الوطنيّ بالعاصمة البريطانيّة / لندن يومي 25 و 26 من شهر حزيران/ يونيو 2005م، حيث دعى المؤتمرون إلى: العودة إلى الشرعيّة الدستوريّة.
أكد المؤتمرون في لندن(62) إنّ الشرعيّة الدستوريّة الوحيدة تتمثل في دستور عام 1951 بتعديلاته اللاحقة، الذي أقرته وصدقت عليه الجمعية الوطنيّة التأسيسيّة تحت إشراف مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا. وإنّ ما أقدم عليه الإنقلابيّون بإصدار قرار تعسفى يقضي بإلغاء الدستور هو إجراء غير شرعي ولا يعتد به.
كما أكدوا أنّ العودة إلى الشرعية تتطلب إعمال الخطوات التاليّة:
تنحي العقيد معمّر القذّافي عن كافة سلطاته وصلاحياته الثوريّة والسياسيّة والعسكريّة والأمنيّة، ورفض أسلوب التوريث. تشكيل حكومة إنتقاليّة، في داخل البلاد، من عناصر مشهود لها بالوطنيّة والنزاهة لإدارة البلاد لمدة لا تزيد عن سنة واحدة، تكون مهمتها الأساسيّة العودة بالبلاد إلى الحياة الدستوريّة، عن طريق الدعوة إلى انتخاب جمعيّة وطنيّة تأسيسيّة تقوم بمراجعة الدستور تحت إشراف الأمم المتحدة وإحداث التعديلات المناسبة حياله، وعرضه على الشّعب الليبي في إستفتاء عام.
لم تدعو المعارضة الليبيّة في الخارج إلى: العودة إلى دستور 1951م إلاّ في صيف 2005م.. ولم تنظر إلى مسألة عدم الشرعيّة من زاوية أنّ نظام معمّر القذّافي نظام غير شرعي منذ يومه الأوّل، بل، نظرت تنظيمات المعارضة الليبيّة إلى مسألة الشرعيّة على أنّ معمّر القذّافي كانت أمامه فرص عديدة لإجراء استفتاء وأخذ رأي الشّعب الليبي في نظام حكمه الجديد إلاّ أنّه ( أيّ القذّافي) لجأ إلى أساليب ماكرة خبيثة من الخداع والمناورة والإقصاء والقمع لمنع الليبيّين من ممارسة حقهم الطبيعي في الاختيار وتقرير المصير. وأنّ معمّر القذّافي ذهب بعد ذلك إلى أكثر من هذا حيث قوض العمليّة الإنتخابيّة من الأساس، وجرم الحزبيّة، وألغى مؤسسات الدولة بما فيها مؤسستي الجيش والرئاسة ثمّ أدعى..{.. بأنّه ليس بحاكم ولا برئيس ولا موقع له في داخل " نظام" الحكم الذي فرضه على شعبنا، وهو برَّغم هذا الإدعاء يقوم بممارسة حكم فردي مطلق، فاق في شراسته وطغيانه كلّ ما عرفه العالم من أنواع الحكم الشموليّة والدّكتاتوريّة...}(م134).
وقبل مؤتمر لندن، وخلال عقدين من الزمان.. كانت جميع تنظيمات المعارضة الليبية في الخارج قد اتفقت على هدفين أساسين: الأوّل: الإطاحة بحكم معمّر القذّافي.
الثّاني: إقامة البديل الديمقراطي.
لم تنطلق المعارضة الليبيّة من قاعدة: رفض القفز على الشرعيّة وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح إنّما انطلقت من ردود فعل على ممارسات النظام القمعيّة الإجراميّة بعدما أصبحت الإغتيالات والإعتقالات علنيّة تعرض مشاهدها على شاشات التلفزيون وتنقل صورها على صحف الجرائد والمجلات.
وفي السّياق نفسه، نطرح السّؤال التالي: متى استقلت ليبيا وكيف ؟. وهل إجابتنا عن هذا السّؤال ستكون على النحو التالي:..{.. استقلت ليبيا في عام 1969م، وتمّ استقلالها بعد نصف ساعة من تحرّك ملازمين صغار من الجيش لإحتلال الإذاعة !!.حيث عزل الملك ‏المتواجد في إجازة مرَضيّة بتركيا واعتقل رجال قصره وهم نائمون.
وبهذا الجواب أنكون نحن بصدد ‏نكتة سياسيّة هنا، أم بصدد قرصنة سياسيّة أم أمام نّضال سينمائي دام نصف ساعة !‏. نعم نحن أمام قرصنة سياسيّة. ففي تجاوز إحداث التّاريخ قفزاً فوق الواقع، وفي القفز إلغاء تعسفي ‏لحقب التّاريخ، وهو فعل يماثل في شكله أعمال النهب والقرصنة السياسيّة.
وهذا ما فعله القذّافي، ولذا، ‏نحن نعارضه.
... أنّ العودة إلى دستور الإستقلال، الحديث القديم – حديث بالمقارنة إلى تجارب ‏الأمم العريقة، وقديم بالمقارنة إلى تاريخ البلاد الحديث الذي ابتدأ منذ نصف قرن/ ديسمبر 1951م – ‏هي فكرة ترسّخ الاحترام لكفاح وجهاد الشّعب الليبيّ ضدّ الغاصب المحتل، حيث ‏تـُوّج جهاد الأجداد بالإستقلال، وأُضيء بوثيقة رائعة هي الدستور. فالعودة لهذه ‏الوثيقة، هي عودة إلى تراث الاستقرار السياسي والمدني الذي ساهم في بدايات ليبيا ‏الحديثة ووضع قدميها الناعمتين، علي طريق الحياة النيابيّة، لكن القدر لم يشأ لخطاها ‏أنّ تستمر، فقد توقفت مسيرتها، مع بداية هجمة العسكر علي الحياة المدنيّة.
... ورّغم أنّ تاريخ العالم مليئ بالتدخّلات العسكرية، إلاّ أنـّه مليئ أيضاً بالعودة إلي ‏الجذور السياسيّة للدولة وتراثها الدستوري السائد، قبل تدخـّل العسكر، فبمجرّد اختفاء العسكر من الحياة السياسيّة، تعود الحياة إلى ما كانت عليه. فتشيلي مثلاً، وهي ‏صاحبة أكبر إرث دستوري وديمقراطي، بين دّول أمريكا اللاتينيّة، تدخّل العسكر ‏فيها مرّتين، خلال تسعين عاماً (90) من الحياة النيابيّة، مرّة في عام 1932م ومرّة أخري في عام 1973م، لكنّ في كلّ مرّة يخلي العسكر الساحة السياسيّة، تعود تشيلي لنفس دستورها ‏القديم، بعد تعديله، وهو الدستور الذي كتب عام 1833م.
فالخطاء ليس في الدساتير لكنـّه في الممارسات التي تأتي على أنقاض الدساتير. ‏والعودة إلى الإرث الدستوري هو تعبير عن إدانة هذه التدخّلات. هذا لا يعني أنّ ‏وضع الدساتير الجديدة هو أمر مغالٍ فيه ! لكنّ المغالاة حقاً هي في إلغاء الدساتير ‏القديمة. فالإلغاء يعبّر عن غياب التراث الدستوري، وشرخ لتواصل الإرث النيابي. ‏كما ينذر باعتماد الظاهرة مستقبلاً، كلما قدم غاصب جديد للسّلطة. فالدساتير تعدّل ‏لكنـّها لا تلغى(63).‏
هناك من يطالب بدستور جديد لليبيا !!. والسّؤال: لماذا لا نعدل الدستور القديم ونضيف إليه ما نرى ضرورة لإضافته؟. ففي حالة تقريرنا لكتابة دستور جديد، كما يطلب البعض، علينا بتقدير ‏المواد التي نريد إضافتها لهذا الدستور المنتظر ؟ أعني فنـيّاً، هل هناك مواد نريد ‏إضافتها ولم يحتويها دستور عام 1951م. إذا كان هناك ما نضيفه لماذا لا يعدّل الدستور ‏القديم، وما العيب حتى في عودة ليبيا ملكيّة دستوريّة ! بعد أنّ رأينا بأم أعيننا أنّ ‏الملكيات الدستوريّة هي أكثر استقراراً ورخاءً من الجماهيريات الكاذبة. فهل الإنسان ‏هو الأساس أم شكل الحكم!؟.
... العودة إلى دستور الإستقلال لها معنى، فهي التي تجعل من حقبة 1969م وما تلاها ‏فاقدة للشرعيّة، بل، تجعل من تلك القرصنة الليليّة التي حدثت في فجر أيلول/ سبتمبر عمليّة ‏مستهجنة، وغير دستوريّة. فلابُدَّ للدساتير من رهبة، وللقوانين من هيبة. فالشعوب ‏لا تدوس على دساتيرها، لكنّ الجناة والجانحين هم من يفعل ذلك. فإنّ حدث وأنّ فعل ‏الجناةُ، فحقبتهم دنيئة وفعلتهم خسيسة، ولن تسمي إلاّ بحقبة تعطيل الدستور حيث ‏تتبعها إعادة العمل به. فالموت لا يجد طريقه بسهولة لقتل الحياة الدستوريّة. مادامت ‏العودة إلي الدستور القديم والجديد مهمة تظل قائمة وحية في النفوسِ الواعيّةِ...}(م135).
... تنوعت تَّجربة المعارضة الليبيّة في الخارج في اتجاهاتها وأهدافها ووسائلها، فكانت تَّجربة سياسيّة رائدة غنيّة وأصبحت اليوم جزءاً رئيسياً من التاريخ السياسي الليبي. وكان الإخوان المسلمون علامة من علامات التنوع والعطاء السياسي الليبي...

المحطّة الثالثة

بدأت حركة الإخوان في ليبيا في أواخر الأربعينات، عن طريق الطلبة الليبيّين الدارسين في مصر وقتذاك، أيضاً، عن طريق أعضاء هيئة التدريس المصريين من جماعة الإخوان العاملين بليبيا بالإضافة إلى الدور الرّائد للسيّد/ عزالدين إبراهيم، والذي يعد دوره علامة بارزة في تاريخ تأسيس الإخوان في ليبيا فهو..(.. أوّل من زرع بذور أفكار وأساليب حركة الإخوان في بنغازي ) كما قال الأستاذ/ محمود الناكوع.
لعب بعض المدرسين المصريين المنتدبين للتدريس في المنطقة الغربية من ليبيا دوراً هاماً في ضم عدد من الليبيّين لحركة الإخوان، وكان من بين أوائل الليبيّين الذين انضموا للجماعة: الفاتح إحواس وأوريث، محَمّد هويسة، وعمر التركمان.. وغيرهم.
نجح الإخوان في إقامة تنظيم لهم في طرابلس ثمّ ربط مجموعة طرابلس بالمجموعة العاملة في مدينة بنغازي. كما أقام الإخوان تنظيم لهم في مدينة درنة. فقد تمكن بعض المدرسين المنتدبين للتدريس بمدينة درنة من ضم بعض الأخوة إلى جماعة الإخوان، فعلى سبيل المثال، تعرف المرحوم/ الصابر الصالحين بن سعود (64) في أواخر الأربعينيات على فكر الإخوان المسلمين من خلال بعض المدرسين المصريين العاملين بدرنة وقتذاك، فكان ثّاني اثنين انظموا إلى جماعة الإخوان بالمدينة.
تمكن المؤسسون بعد مدة من التأسيس من جمع الجماعة في تنظيم واحد رغم بعد المسافة بين مدن الشرق ومدن الغرب، وضعف وسائل الإتصال والمواصلات حينذاك.
والحقيقة الجديرة بالذكر، أنّ الجماعة في العهد الملكي لم تلق أيّ تضييق يُذكر..{.. فالملك إدريس السّنوسي بنفسه هو من أدخل ثلاثة شبان من الإخوان في جواره وأسكنهم في قصره الخاص ورفض تسليمهم إلى الملك فاروق في مصر عندما بعث مطالباً بهم. ويروى أنّ بعض الجهات حاولت أنّ تؤلب السيّد/ محمود بوقويطين قائد قوات دّفاع برقة حينها على شباب الإخوان ولقاءاتهم الجماعيّة وعزمهم على إقامة مخيم إسلامي في منطقة (الحمامة ).
قال بوقويطين: أنت قلت أنّ هؤلاء الشباب يجتمعون ويخططون و... وأنا أسالك: ماذا يفعل هؤلاء الشباب عندما يلتقوا تحديداً ؟.
رد ذلك الرجل على بوقويطين قائلاً: يقرؤون القرآن ويصلون. فقال بوقويطين له: إذاً دعهم وشأنهم..}(م136).
ومن جديد.. كان عزالدين إبراهيم شاباً في العشرين من العمر حينما وصل إلى مدينة بنغازي هارباً من مطاردة أجهزة الملك فاروق له. وهو أحد..{.. ثلاثة شبان من الإخوان المصريين الذين دخلوا إلى ليبيا هاربين من مصر بعد أزمة سياسيّة بين السّلطات الحاكمة وبين الإخوان، وخاصّة بعد مقتل رئيس الوزراء النقراشي سنة 1949م. والشبان الثلاثة الذين تدور حولهم هذه الحادثة التاريخيّة هم: عزالدين إبراهيم، محمود الشربيني، وجلال سعده.
نزل عز الدين إبراهيم وصحبه في آخر المطاف ضيوفاً على السيّد/ إدريس السّنوسي، الذي كان في ذلك الوقت أميراً على برقة، ورَّغم كلّ الضغوط السياسيّة فإنّ الأمير لم يخضع لها، وظِلّ وفياً لمن طلب الحمايّة والأمان.
وهذا الموقف للأمير إدريس السّنوسي يدل على شهامته، ويدل على عمق تدينه، وهو أمر لا يتمتع به إلاّ القليل من الحكام العرب في القرن العشرين.
سمح الأمير إدريس السّنوسي لإبراهيم ورفيقيه فيما بعد بحريّة الحركة والإتصال بالنّاس، وبدأوا نشاط الدعوة، ووجدوا ترحيباً من سكان مدينة بنغازي. واتخذوا من التعليم في المدارس الليليّة فرصة لنشر الوعي الإسلامي، وإعطاء المثل الإسلامي في التعامل مع النّاس، وقد روى لي ( محمود الناكوع يتحدث) السيّد منصور رشيد الكيخيا في لقاء جمعنا بلندن سنة 1993م قصّة دخول عزالدين إبراهيم ورفيقيه، حيث وصلوا إلى درنة، ثمّ تمَّ نقلهم إلى بنغازي، وذكر ليّ تفاصيل أخرى دونتها في إحدى مذكراتي، ثمّ لم أجدها عند كتابة هذه الذكريات.
والخلاصة.. أنّ السيّد عزالدين إبراهيم قد قام بدورِ إسلاميِ نشط في بنغازي، ويذكر له شخصيّات بنغازي المعاصرين لتلك الفترة على اختلافِ توجهاتهم ذلك الدور الفعال المهم، ويعتبره كثيرون أوّل من زرع بذور أفكار وأساليب حركة الإخوان في بنغازي.
ويذكر السيّد عبد الله أبوسن، وهو أحد شخصيّات الإخوان في ليبيا في مقابلة مع مجلّة "المجتمع" الكويتيّة العدد "1054" بدأت حركة الإخوان في ليبيا في أواخر الأربعينات على يد مجموعة من المدرسين المصريين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك بعض الإخوان الذين لجأوا إلى ليبيا حوالي عام 1948م، وعلى رأسهم الأستاذ الدّكتور "عزالدين إبراهيم". وفيما يتعلق بطبيعة عمل ومستوى جماعة الإخوان في ليبيا، يقول السيّد أبوسن: "كان العمل الإخواني في ليبيا عبارة عن تكوينات في المدن المختلفة غير موحدة تحت قيادة واحدة، غير أنّها كانت على إتصال دائم وتعاون فيما بينها، حتى تمَّ الاتفاق على لجنة قياديّة لحركة الإخوان المسلمين في ليبيا عام 1967م.
في أوائل الستينات، كان النشاط الناصري في ليبيا واضحاًَ ومؤثراً. كنا نلمسه ونراه في المراكز الثقافيّة المصريّة، وفي نشاط المدرس المصري الناصري، وفي نشاط الليبيّين الناصريين. وكانت الحكومة الليبيّة قلقة من ذلك النشاط، والذي بلغ ذروته في عام 1956م أثناء العدوان الثلاثي على مصر، بسبب وجود القواعد البريطانيّة: قاعدة طبرق. ولم تتضح تفاصيل التدخل المصري، ونشاط الأجهزة المصريّة، وتطور الصراع بين الحكومة الليبيّة والمصريّة إلاّ بعد أنّ نشرت مذكّرات مصطفى بن حليم رئيس وزراء ليبيا: 1954م – 1957م وكذلك مذكّرات محَمّد عثمان الصيد الذي كان وزيراً في حكومة السيّد بن حليم، ثمّ أصبح رئيساً للحكومة في أوائل الستينات.
في جانب الفكر والشعارات، كان الصراع حامياً ومتشعباً بين التيار القومي الناصري وبين التيار الإسلامي الإخواني. كان الحوار بين رأي يقول إنّ القوميّة العربيّة دعوة عنصريّة جاهليّة تتنافى مع الإسلام، ورأي آخر يرى فيها شعاراً لحركة تحرريّة تتصدى للإستعمار وبقايا نفوذه، وتمثل كتلة تقف في مواجهة الأحلاف الإستعماريّة.
كان الحوار في عمومه عاطفياً إنفعالياً، وكان هذا الحوار صدى لما يجري داخل مصر بين عبد الناصر وبين الإخوان. وفي ليبيا كان كلّ طرف يؤيد حليفه الإستراتيجي أو العقائدي. كان التفاعل يتمّ تلقائياً، وتغذيه الكتب والمجلات. كانت كتابات سيد قطب ومجلة (المسلمون)، ثمّ مجلة (حضارة الإسلام) في مقدمة المادة التعبويّة الإسلاميّة لمجموعات الشباب الإسلامي المنخرط في حركة الإخوان، أو المتأثر بها، والمتعاطف معها.
لم يكن من السهل على التيار الإسلامي أنّ يخرج من الحصار المضروب حوله، وتواصل ذلك الحصار حتى سنة 1967م عندما حلت الكارثة العسكريّة والسياسيّة بعبد الناصر، وزالت هيبته، وحكم على حياته السياسيّة بالإنتهاء، وجاءت دورة تاريخيّة جديدة صاحبتها تغيرات كانت في صالح التيارات الإسلامية نسبياً...}(م137).
عموماً.. أخذت جماعة الإخوان مكاناً مرموقاً، وربَّت شباباً حملوا لواء الدعوة إلى الله رَّغم فتنة الليبيّين في الخمسينيات والستينيات بجمال عبد الناصر، والتي بلغت قبل نكسة 1967م حد الهوس والتهور.. وبالرَّغم من الظلم والاضطهاد الذي تعرضت له الجماعة في السبعينيات على يد إنقلابيي سبتمبر 1969م.
تولى عدداً من شباب الإخوان في مدينة بنغازي القيام بخطبة الجمعة..{.. في العديد من المساجد في المواقع المهّمة من المدينة، ولأوّل مرَّة يستمع النّاس إلى شباب يخطبون الجمعة ارتجالاً بلا كُتبٍ ولا أوراق مُعدة، ويعرضون لما يهمُّ النّاس من أحداث في حياتهم، فقد كان أئمة المساجد يقدمون الخطب من الكتب المعدة لذلك ممّا ألف النّاس سماعه مرّات ومرّات حتى كادوا يحفظون تلك الخطب.
وكان همه الملازم معمّر القذّافي بعد استيلائه على السّلطة الشاغل هو مهاجمة الإخوان المسلمين ووصفهم بالعمالة الأمريكية، ويصدق فيه قول: (رمتني بدائها وانسلَّت).
وقام باعتقال الإخوان المصريين الذين كانوا لاجئين في ليبيا، وسلَّمهم إلى سّلطات عبد الناصر، حيث أُودعوا السجون، ومنهم المرحوم الشيخ عبدالرحمن عبد اللطيف – قارئ المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة.
كما تعرض الإخوان الليبيّين، بعد إنقلاب معمّر القذّافي، لحملة إعتقالات واسعة طالت العديد من القيادات والمنتمين إلى صفوف الجماعة.
وفى عام 1973م تمَّ اعتقال الإخوان في ليبيا، وتعرضوا لأنواع من التعذيب والإيذاء، ثُمَّ عَرَض التليفزيون مجموعةً منهم، حيث ذكروا أنّهم أعادوا تشكيل قيادة جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وتحت وطأة الإكراه والإرغام أعلنوا أنّهم يحلون هذه القيادة ويتعهدون بعدم إعادة تشكيل أيّ قيادة جديدة...}(م138).
ضربت جماعة "الإخوان" ضربة مؤلمة عقب إعلان ما يسمى بالثورة الثقافيّة (خطاب زوارة) 1973م، كذلك، حزب "التحرير" الإسلامي، والتنظيمات اليسارية: " مجموعة التروتسكيين، تنظيم الجبل، القوميين.. وغيرهم". وتعرض اليساريون وحزب "التحرير" الإسلامي إلى ضربة مؤلمة أخرى عقب أحداث الطلبة في أبريل 1976م بينما نجا الإخوان هذه المرّة.
وفي نصف الثّاني من السبعينيات.. خرج ألاف الليبيّين في هذه الفترة إلى بلدان عديدة من العالم بسبب القهر والقمع والعدوان، وكان عدد من الإخوان المسلمين من بين عناصر النخبة الليبيّة التي فرت من إرهاب أجهزة القذّافي القمعيّة. وتمَّ في الخارج إحياء أو إعادة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين (الجماعة الإسلاميّة – ليبيا) أو (الجماعة الإسلاميّة الليبيّة )، وذلك في عام 1979م. أصبحت الجماعة تعرف بإسم "الجماعة الإسلاميّة الليبيّة" منذ عام 1993م حيث كانت تعرف قبل ذلك بإسم "الجماعة الإسلاميّة – ليبيا".
تتبنى الجماعة الإسلاميّة الليبيّة منهج جماعة "الإخوان المسلمين"، وهي الجماعة التي أسسها الإمام "حسن البنا" رحمه الله سنة 1928م في مصر. تؤمن الجماعة الإسلاميّة الليبيّة بأنّ الإسلام: عقيدة وشريعة ودين ودولة، وتعتمد أسلوب تربيّة النّاس وإعدادهم (منهج التربيّة) لأنّها ترى إصلاح النّاس هو الطريق الأصح إلى رفع المظالم عنهم. كما تؤمن الجماعة بأنّ ليبيا جزء لا يتجزءا من الأمّة الإسلاميّة وأنّ جماعة الإخوان المسلمين الليبيّين جزء من حركة أمميّة ودعوة عالميّة، وهي أيضاً إمتداد للجماعة الأم في مصر (الإخوان المسلمين) وعلى علاقة تنسيقيّة مع مكتب "الإرشاد الدوليّ".
انطلقت الجماعة الإسلاميّة الليبيّة عند إعادة تأسيسها من منطلق: "معارضة نّظام معمّر القذّافي" باعتبار محاربة النظام للإسلام وللدعاة إلية كذلك مصادرته للحريات وتشديد خناقه وحصاره للشّعب الليبي. واعتبرت الجماعة نّظام معمّر القذّافي عقبة في الطريق لابُدَّ من إزالته. وعقبة..{.. في سبيل الدعوة إلى الله فإزالته وإقامة النّظام الإسلامي الراشد بديلاً عنه يعتبر واجباً شرعياً يجب القيام به...}(م139).
شاطرت الجماعة الإسلاميّة – ليبيا بالمنطق الذي انطلقت منه مختلف القوى الوطنيّة الليبيّة في الخارج التي نادت بإسقاط حكم العقيد معمّر القذّافي والاحتكام إلى صناديق الإقتراع لاختيار نظام الحكم الذي يرتضيه الشّعب الليبي. وعبرت الجماعة عن نفسها من خلال صوتها الإعلامي المتمثل في مجلّة "المسلم" التي كانت تصدر دورياً من المملكة البريطانيّة، والتي صدر عددها الأوّل في ذي القعدة 1400 هجري الموافق سبتمبر 1980م. وفي النصف الثّاني من عقد التسعينيات دشنت الجماعة موقعها الإلكترونيّة "ليبيا المختار" كما تقوم حالياً بالإشراف على إدارة موقع "ليبيا اليوم " (Libya Alyoum ).
شاركت الجماعة في نشاطات القوى الوطنيّة الليبيّة في الخارج كحضور المظاهرات أمام سفارات نظام معمّر القذّافي في دّول أوربا والولايات المتحدة الأمريكيّة.. حضور مؤتمرات الإتحاد العام لطلبة ليبيا السنويّة في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكيّة. وكانت للجماعة في حقبة الثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم مشاركات هامّة في المؤتمرات الإسلاميّة في بريطانيا وأمريكا الشماليّة. فقد كان أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين الليبيّين يشكلون نسبّة لا تخطيها العين في لجان التنظيم والاستقبال والإعاشة أثناء انعقاد مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي "MAYA " في الولايات المتحدة الأمريكيّة في شهر ديسمبر من كلّ عام كذلك مؤتمر الإسنا "ISNA" الخاصّ بالناطقين باللغةِ الإنجليزيّةِ الذي ينعقد في شهر أغسطس من كلّ عام. كما كانت لهم مشاركات هامّة في المؤتمرات الإسلاميّة السنويّة التي انعقدت في المملكة البريطانيّة في حقبة الثمانينيات والتسعينيات كمؤتمر جمعية الطلبة المسلمين " MSS "، ومؤتمر إتحاد الجمعيات الإسلاميّة "FOSIS ".
ومن جديد.. كان لمنتسبي الجماعة مشاركات في ندوات ومؤتمرات ومحاضرات ومناظرات حول الإسلام والمسلمين في ليبيا عبر لقاءات إسلاميّة عامّة في مساجد الولايات المتحدة الأمريكيّة ومساجد أخرى من دول العالم المختلفة. كما كان لهم..{.. مشاركات عديدة في متابعة محنة الإسلام والمسلمين وفي توضيح قضية الإسلام في ليبيا عبر أدبيات ومطبوعات إسلامية غير ليبيّة كمجلة "المجتمع" ومجلة "الدعوة" ومجلة "الأمل" وصحيفة "الزيتونة" وأغلب المجلات والصحف الإسلاميّة تقريباً.. وبصفة عامّة..}(م140). استمرت جماعة الإخوان المسلمون – وإلى أواخر التسعينيات تقريباً – تعمل من أجل إزالة معمّر القذّافي عن الحكم باعتبار ذلك واجباً شرعياً لا مناص منه. وبدأت الجماعة بين عامي 2003/ 2004م تتحدث رسمياً عن التفاوض مع نظام سبتمبر الحاكم لأجل تحقيق "الإصلاح" على يد أبناء ليبيا، وصد محاولات "الإصلاح" المدعومة من الخارج والمواليّة لأجندة الإصلاح الأمريكيّة. وصدر أوّل تصريح إعلامي بشأن تفاوض الجماعة مع نَّظام القذّافي على لسان الدّكتور/ الأمين بالحاج (الناطق الرسمي بإسم الإخوان المسلمين) في مارس 2004م، والذي نقلته قناة " الجزيرة" الفضائيّة.
ويعتقد البعض أنّ تغيّر موقف الإخوان المسلمين تجاه الأنظمة الحاكمة جاء نتيجة لبعض سياسات دّول الغرب الظالمة التي تمّ اتخاذها عقب أحداث 11أيلول/ سبتمبر 2001م الإرهابيّة التي استهدفت مركز التجارة العالمي بنيويورك ووزارة الدّفاع (البنتاجون) بواشنطن. فتشديد الخناق على نشطاء الجاليّة الإسلاميّة في دّول الغرب، وعمليات التجسس على المكالمات التلفونيّة ورقابة وسائل الإتصال الإلكتروني، وإدراج بعض منظمات الإغاثة الإنسانيّة ضمن قائمة المؤسسات الداعمة للإرهاب وتجميد حساباتها وأرصدتها.. وغيرها من سياسات الغرب الخاطئة قادت الإخوان المسلمين وتنظيمات إسلاميّة أخرى إلى التفاهم مع عدو الأمس (الأنظمة العربيّة) أو التحالف مع تلك الأنظمة ضدّ ما يسمونه: " قوى الإستعمار الجديد التي تستهدف عقيدة وثروات دول المنطقة العربيّة والإسلاميّة "!!.
كانت الجماعة الإسلاميّة الليبيّة تتحرك بسرية تامّة طيلة فترة الثمانينيات وبداية التسعينيات، ولم يتغير هذا الأسلوب إلاّ بعد أنّ ألقت أجهزة نظام القذّافي الأمنيّة القبض على 152شخصاً في صيف 1998م بتهمة الإنتماء إلى تنظيم محظور "الإخوان المسلمين". حكمت محكمة الشّعب في 16 فبراير 2002م على الأشخاص المقبوض عليهم بالأحكام التالية: 2 بالإعدام: الدّكتور/ سالم أبوحنك والدّكتور/ عبدالله عزالدين.. 73 شخصاً بالسجن المؤبد.. 11 شخصاً بالسجن لمدة عشرة سنوات.. 66 شخصاً بالبراءة. استمر سجناء الإخوان في السجن حتى مارس 2006م وقد أفرجت سّلطات القذّافي عنهم بعد أنّ عقدت جلسة فجائيّة للمحكمة ثبتت فيها الأحكام الصادرة في 16 فبراير 2002م !!.
طعن الإخوان في الأحكام الصادرة عن محكمة الشّعب غير الشرعيّة ولكن طعونهم في البداية قوبلت بالرفض ثمّ بتأجيل النظر في القضيّة !. قرر سجناء الإخوان المعتقلين في سجن "بوسليم" الشهير الدخول في عملية إضراب عن الطعام بعد التأجيل الثّالث للنظر في قضيتهم. بدأ أكثر من مائة سجين فجر يوم السبت الموافق 17 أبريل 2004م عملية إضراب عن الطعام داخل سجن "بوسليم" احتجاجاً على قرار التأجيل الثّالث للنظر في قضيتهم. ففي يوم 7 أبريل 2004م أعلن القاضي في محكمة الشّعب الاستثنائيّة، وبعد خمس دقائق من افتتاح الجلسة تأجيل المحاكمة إلى يوم 25 نوفمبر 2004م الأمر الذي أثار حفيظة السجناء الإخوان، وأدى إلى إعلان غضبهم من استمرار حبسهم دون تهم وحرمانهم من حقوقهم القضائيّة والمدنيّة في محاكمات عادلة والمرافعة أمام القضاء. وبعد قرار التأجيل أعلن السجناء اعتصاماً داخل قاعة المحكمة، وأصروا على البقاء في القاعة الأمر الذي قاد قوات الأمن إلى محاصرة مبنى المحكمة استعداداً لعملية اقتحام تنهي الاعتصام. وبعد إخراج المعتصمين من قاعة المحكمة وإيداعهم مجدّداً في السجن قاد هؤلاء السجناء عملية إضراب عن الطعام داخل سجن "بوسليم". وهذه العمليّة تعد الأولى من نوعها حيث لم تشهد السجون الليبيّة من قبل إضراباً عن الطعام، وهي عمليّة قادها سجناء جماعة الإخوان المسلمين وانضم إليها سجناء آخرون من سجناء الرأي في ليبيا. ويذكر أنّ أكبر عمليّة احتجاج حدثت داخل السجون الليبيّة في السّابق جرت أحداثها داخل سجن "بوسليم" في يونيه 1996م حينما احتج عدد من السجناء السياسيين عن عمليات التعذيب وسوء المعاملة وغياب الدواء والعلاج وعدم توفير الحد الأدنى من احتياجات البشر من أكل وملبس. وقد تعامل النظام مع هذا الاحتجاج بالمدفعية والرشاش والقنابل، وقتل أكثر من 1200 سجين سياسي، ودفنوا في قبر جماعي دون إبلاغ ذويهم. وقاد هذه المذبحة العقيد المجرم/ عبدالله السّنوسي (عديل معمّر القذّافي) مسئول الأمن الداخلي حينذاك.
وفي جلسة صباح يوم الاثنين الموافق 30 يناير 2006م.. قررت محكمة الاستئناف بطرابلس مجدّداً تأجيل النظر في قضيّة الإخوان المسلمين إلى يوم 15 آذار/ مارس 2006م. وفي مساء يوم الثلاثاء الموافق 14 فبراير 2006م عُقِدت جلسة فجائيّة للمحكمة بطرابلس، وثبتت المحكمة الأحكام السّابقة الصادرة بحق جماعة الإخوان المسلمين. وبعد أسبوعين من تثبيت الأحكام أفرجت سّلطات الأمن القذّافيّة عن الإخوان المسلمين، وذلك يوم الأربعاء 2 صفر 1427 هجري الموافق 2 مارس 2006م.
ومن جديد.. بدأت الجماعة الإسلاميّة الليبيّة بين عامي 2003/ 2004م تتحدث عن نفسها بشكل رسمي إلى وسائل الإعلام المختلفة، فبدأنا منذ ذلك الحين نسمع عن: المرشد العام.. الناطق الرسمي.. العضو القيادي بجماعة الإخوان الليبيّين. وإذا كنا اليّوم نعرف أسماء قيادات جماعة الإخوان والناطقين بإسمها فأنّ الأمر لم يكن كذلك قبل منتصف التسعينيات. كانت قيادة الجماعة الإسلاميّة الليبيّة قيادة غير معلنة, شأنها شأن سائر التنظيمات الإسلاميّة العاملة وقتذاك في حقل الدعوة خصوصاً في منطقتنا العربيّة. وبالرَّغم من ذلك فقد ورد في بعض أدبيات الجماعة ومطبوعات أخرى صادرة عن جهات مختلفة، أسماء وإشارات إلى شخصيّات من الجماعة أو مثلت الجماعة في مؤتمرات ومناسبات مختلفة. ومن الأسماء التي برزت ما قبل منتصف التسعينيات: الأستاذ/ عبداالله الشيباني رحمه الله، والأستاذ/ محَمّد الحريزي، والأستاذ/ يونس البلالي، والأستاذ/ محَمّد بن غالي (65) رحمه الله والذي مثل الجماعة في لقاءات ومؤتمرات عامّة وخاصّة. وبرز الأستاذ عبد الله أبوسن (66) ممثلاً للجماعة الإسلاميّة الليبيّة في تواريخ مختلفة، ومناسبات عديدة. كما ورد اسم الأستاذ/ محَمّد الحفصي في أحد أعداد مجلّة "المسلم"، كذلك، اسم الأستاذ/ رشيد المنتصر كمسئول عام للجماعة الإسلاميّة الليبيّة في حوار أجرته معه مجلة "المسلم" في عددها رقم "27" الصادر في محرم/ صفر 1412 هجري الموافق أغسطس/ سبتمبر 1991م حول حرب الخليج ومؤثراتها وتأثيراتها. انضم عدد من شباب الإخوان المسلمين بالتنسيق مع قيادتهم في صفوف الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا إلاّ أنّهم انفصلوا عنها بعد إنعقاد مجلسها الوطنيّ الأوّل في مدنية أغادير بالمملكة المغربيّة في عام 1982م. انسحب أعضاء جماعة الإخوان عن الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا بعد تمسك قيادة الجبهة ببقاء "جبهة الإنقاذ" كفصيل مستقل وليس كواجهة للعمل الإسلامي. انفصل الإخوان عن الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا وبقى إسلاميون آخرون داخل جبهة الإنقاذ عرفوا بإسم "الحركة الإسلاميّة – ليبيا (67) " والذين عبروا عن صوتهم من خلال مجلّة "الشروق". والشروق صدر عددها الأوّل في صفر 1405هجري الموافق نوفمبر 1984م، وكانت تصدر شهرياً من مدينة سياتل بولاية واشنطن Seattle - Washington ، وتوقفت عن الصدور في النصف الأوّل من التسعينيات.
أجرت الجماعة الإسلاميّة الليبيّة لقاءات وحوارات مطولة مع الشخصيّات الوطنيّة التي شكلت فيما بعد الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا، ومنها الإجتماع الذي كُلّف الأستاذ/ عبدالله الشيباني بالدعوة إليه، وهو الإجتماع الذي عُقد في ديسمبر 1980م على هامش مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي "MAYA " بالولايات المتحدة الأمريكيّة. ويبدو أنّ الطرفين (الإخوان والشخصيّات التي أسست جبهة الإنقاذ فيما بعد ) كانا على وفاق أو اتفاق استمر فترة من الزمان. وقد أنعكس وفاق الطرفين فيما نُشِرَ في مجلة "المسلم" الناطقة بإسم الجماعة الإسلاميّة – ليبيا، في عدديها الصادرين بتاريخ: أغسطس 1981م.. ونوفمبر – ديسمبر 1981م. عقدت مجلّة "المسلم" حواراً مطولاً مع الأستاذ/ أحمد إبراهيم إحواس، وجعلت صورة إحواس المكبرة غلافاً لعدد المجلّة الصادر قبل الإعلان عن تأسيس الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا وتحديداً في شوال 1401 هجري الموافق أغسطس 1981م. كما وضعت مجلّة "المسلم" صورة د/ محَمّد يوسف المقريَّف على الغلاف بصفته ناطقاً بإسم الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا وقبل انتخابه في عام 1982م في مدنية أغادير أميناً عاماً لجبهة الإنقاذ. أجرت "المسلم" حواراً مطولاً مع د/ محَمّد المقريَّف– وقبل أنّ يصبح أميناً عاماًُ لجبهة الإنقاذ – نشرته في عددها الصادر في السنة الثانية / محرم – صفر 1402 هجري الموافق نوفمبر – ديسمبر 1981م.
لعبت بعض الشخصيّات الإسلاميّة دوراً هاماً في التوافق الذي كان سائداً بين قيادة "الجماعة الإسلاميّة الليبيّة" والشخصيّات الوطنيّة التي شكلت فيما بعد "الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا"، ومن بين تلك الشخصيّات: الأستاذ/ محَمّد رمضان هويسة. اجتمع هويسة بالدّكتور محَمّد المقريَّف في المملكة المغربيّة عدة مرات كما اجتمع بالأستاذ/ أحمد إبراهيم إحواس. والشيخ محَمّد هويسه إخواني قديم ومن أوائل الذين انضموا إلى "الحركة الوطنيّة الديمقراطيّة الليبيّة" التي انعقد مؤتمرها الأوّل في مدينة تطوان المغربية. وربّما يكون من مؤسسيها بحكم التفاهم والودّ الذي كان قائماً بينه وبين الأستاذ/ فاضل المسعودي الأب المؤسس للحركة الوطنيّة. والشيخ هويسة من مواليد عام 1934م وعائلته من العائلات المعروفة جداً بمدينة الزاوية في المنطقة الغربية من ليبيا. وهو دبلوماسي تنقل بين عدة وظائف بوزارة الخارجيّة أبّان حكم الملك إدريس السّنوسي حتى أصبح قائماً بالأعمال في سفارة ليبيا لدى المملكة المغربية إلى نهاية عام 1965م. سجن حوالي عامين بعد استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة في عام 1969م. عمل بعد خروجه من السجن في قطاع الأعمال الحرَّة بمدينة طرابلس ثمّ انتقل للمغرب فأسس "الشركة الليبيّة المغربيّة للمقاولات". أقام في المغرب، وتوفي في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكيّة في 14 أغسطس 1983م، ودُفنَ في مقابر "الشهداء" بمدينة الدار البيضاء في المملكة المغربيّة.
مرَّة ثانية.. قال الشيخ المرحوم محَمّد بن غالي عن انسحاب "الإخوان" من "جبهة الإنقاذ" في حوار أجراه معه د/ فتحي الفاضلي..{... عندما أعلنت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا كفصيل مستقل وليس كواجهة للعمل الإسلامي، تركت الجماعة الإسلاميّة الليبيّة (الإخوان) جبهة الإنقاذ وانسحبت من عضويتها، بينما استمرت عناصر إسلاميّة أخرى (الحركة الإسلاميّة) فيها – من غير أعضاء الجماعة ضمن صفوفها، ثمّ ترك بعضهم الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا، وبقي البعض الآخر أعضاء فيها وإلى الآن...}(م141).
ورّغم موقف الإخوان المبكر من الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا إلاّ أنّ علاقة التنظيمين استمرت، ولازالت مستمرة إلى الآن. وفي هذا الخصوص أُشير إلى البيان الصادر عن المكتب الإعلامي للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في مارس 2002م، والذي جاء فيه..{.. قد بادرت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا عند إنعقاد مجالسها الوطنيّة إلى توجيه الدعوة إلى الجماعة الإسلاميّة الليبيّة – ضمن تنظيمات وفصائل المعارضة الأخرى – للحضور ضيوفاً كراماً على المجلس، واستثمار المناسبة للتحاور والتواصل. وقد شرفنا الأستاذ/ عبدالله بوسن بحضور الدورة الثانية للمجلس المنعقدة في بغداد عام 1985م، كما شرفنا الشيخ محَمّد بن غالي رحمه الله بحضور الدورة الثّالثة للمجلس المنعقدة في تكساس بالولايات المتحدة عام 1992م، وألقى كلمة باسم الجماعة الإسلاميّة الليبيّة...}(م142).
وأضيف واقعة أخرى تؤكد المعنى نفسه، فقد ورد على لسان الأستاذ/ إبراهيم عبدالعزيز صهّد الأمين العام لجبهة الإنقاذ حينما استضافته قناة "الجزيرة بتاريخ 1 يوليه 2005م في برنامج "أكثر من رأي" الذي يقدمه من لندن الإعلامي/ سامي الحداد، ما يلي:..{.. سامي الحداد: لماذا يا أستاذ/ إبراهيم صهّد قاطع الإخوان المسلمون مؤتمر لندن وهم الذين يعتبرون أنفسهم الأكثر حضوراً في الشّارع الليبي ؟.
إبراهيم صهّد: مؤتمر لندن 25- 26 يونيه 2005م حضره كلّ الأطياف السياسيّة الممثلة في المعارضة الليبيّة بما فيها الطيف الإسلامي وغياب تنظيم أو جماعات إسلاميّة معينة لا يعني أنّ الطيف الإسلاميّ لم يكن ممثلاً بمستقلين. شارك الإخوان المسلمون في الإعداد للمؤتمر لندن الذي بدأ في مارس 2003م ثمّ كان للإخوان اختيار واجتهاد آخر نحن نختلف مع هذا الاجتهاد ولكن نحترم هذا الاجتهاد ونحن نعتقد بأنّ المؤتمر الوطنيّ ليس نهاية المطاف وإنّما هو بداية العمل المشترك للمعارضة الليبيّة..}(م143). وهكذا فعلاقة الجبهة مع الجماعة ظلّت قائمة ومتواصلة لا تخضع للإيحاءات والعبارات السلبيّة التي يمكن قراءتها في سطور بعض المقالات ومن بينها مقالة: "هل يُعقل أنّ ينتهي الحوار بحبل المشنقة" للدّكتور/ عزالدين يوسف في العدد 260 الصادر بتاريخ 1 مارس 2002م من جريدة "الزيتونة " التي تصدر من واشنطن دي سي بالولايات المتحدة الأمريكيّة.
وبعد إعادة تأسيس جماعة الإخوان عام 1979م.. جاءت في صيف 1984م الضربة الموجعة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين الليبيّين. فقد ألقت أجهزة القذّافي الأمنيّة القبض على عدد من أعضاء الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا عقب الأحداث التي قادتها جبهة الإنقاذ في مايو 1984م والتي استهدفت العقيد معمّر القذّافي ونظامه. وأحداث مايو 1984م وصفت وقت وقوعها بأنّها: أخطر مواجهات تمت بين نظام القذّافي ومعارضيه منذ إستيلاء الأخير على السّلطة في سبتمبر 1969م. شنت أجهزة القذّافي الأمنيّة حملة إعتقالات واسعة عقب أحداث مايو 1984م، شملت نشطاء من كافة التوجهات السياسيّة والفكريّة في ليبيا، وكان من بين الذين تمّ إعتقالهم عدد من أعضاء الإخوان المسلمين.
قال الدّكتور/ فتحي الفاضلي عن إعتقالات الإخوان عقب أحداث مايو 1984م، ما يلي:..(.. الحملة التي تعرض لها الإخوان المسلمون في ليبيا عقب أحداث مايو 1984م, والتي اصطدمت فيها مجموعة فدائيّة تابعة للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا مع قوات النظام في ليبيا, وتعرف هذه الأحداث أيضا, بأحداث باب العزيزية. تعرض الإخوان المسلمون إلى اعنف حملة اعتقالات صاحبها اعنف هجوم إعلامي شابه هجوم جمال عبدالناصر عليهم عقب المحاولة الوهميّة لاغتياله والتي عرفت بمحاولة المنشيّة في أكتوبر 1954م..).
وعقب مارس 1988م.. ترك عدد من أعضاء الإخوان المسلمين الخارج وعادوا إلى ليبيا بعد إجراءات "أصبح الصبح" التي أعلن العقيد معمّر القذّافي عنها في 2 مارس 1988م.
وبعد الصدم المسلح بين الحركات الإسلاميّة الجهاديّة ونظام معمّر القذّافي، في القترة الواقعة ما بين مايو 1995م إلى يونيه 1998م، شنت السّلطات الأمنيّة حملات إعتقال واسعة في هذه الفترة على كافة أصحاب التوجه الإسلامي، وكان من بين الذين تمّ إلقاء القبض عليهم عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين .
قال الدّكتور/ فتحي الفاضلي بخصوص حملة الإعتقالات في التسعينيات، ما يلي:..(.. حملة الاعتقالات العنيفة التي تمت عقب محاولة الاغتيال التي تعرض لها العقيد معمّر القذّافي على يد "الجماعة الإسلاميّة المقاتلة – ليبيا " في يونيه 1998م مع علم النظام وإدراكه, مرَّة أخرى, إنّ التيار الجهادي وراء محاولة الإغتيال المذكورة. ممّا يؤكد أنّ الجماعة على قائمة المطلوبين بصورة دائمة وأنّ حملات الإعتقال تتم كلما تهيأت الظروف لذلك..).
عموماً.. تعرضت الجماعة لحملات إعتقال واسعة عند كلّ مواجهة بين النظام ومعارضيه وكلما شعر النظام بشيء ما يحاك ضده. وأدّت اختلافات الرؤى والاجتهادات – وفي الفترة الواقعة ما بين عامي 1994م و 1995م – بين أعضاء الجماعة في الدّاخل – وبحكم شراسة السّلطة وتحديات الواقع المعاش – إلى انسحاب عدد من أعضاء الجماعة عنها، وربّما، مشاركتهم في تأسيس تنظيم إسلاميّ آخر أو التحاقهم به.
عموماً.. تضررت جماعة الإخوان المسلمين كثيراً من حملة إعتقالات منتصف التسعينيات، وتصدع بسببها بناء شيدّته بجهد جهيد على مدار السنوات. ألقت أجهزة نظام القذّافي الأمنيّة القبض على عدد كبير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وتمكن عدد من أعضاء الجماعة من الإفلات من قبضة النظام الحديديّة باللجوء إلى الخارج.
أدّت هذه الأحداث الحزينة إلى إهتمام نوعي أولته الجماعة الإسلاميّة الليبيّة لمنظمات وجمعيات حقوق الإنسان، وتقلصت بعدها درجات السريّة التي اعتمدها الإخوان في السّابق وخرجت الجماعة إلى العلن. كما قادت هذه الأحداث الجماعة إلى عقد إتصالات مع نظام القذّافي من أجل إطلاق سراح الإخوان المسجونين والحديث مع سلطات القذّافي الحاكمة عن حالة الاحتقان وضرورات الإصلاح.
فقد بدأ تفاوض الإخوان مع نظام القذّافي بعد شهور من إعتقال أهم صف من صفوف الجماعة (أساتذة الجامعات وبعض الأكاديميين) في صيف 1998م. دخلت قيادة الإخوان في الخارج في مفاوضات مع النظام في سويسرا في أواخر عام 1998م وفق روايّة الأستاذ/ خليل عثمان مذيع BBC / العربيّة.. وفي بدايّة في عام 1999م وفق روايّة الأستاذ/ سليمان عبدالقادر مرشد الجماعة.. وفي عام 2001م وفق رواية د/ الأمين بلحاج الناطق الرسمي بإسم الجماعة في ذلك التّاريخ.
قال الأستاذ/ سليمان عبدالقادر (مرشد الإخوان) يوم الأربعاء الموافق 3 أغسطس 2005م لقناة الجزيرة الفضائيّة في برنامج "بلا حدود": ...(.. أنّ الجماعة بدأت في عام 1999م في حوار مع بوزيد دورده – مندوب ليبيا الدائم في الأمم المتحدة..).
وقال الأستاذ/ خليل عثمان مذيع BBC / العربيّة في برنامج: "حديث الساعة" رداً على تصريحات سيف الإسلام القذّافي التي صرح بها يوم 20 أغسطس 2005م:..(..أنّ حوار الإخوان المسلمين مع نظام القذّافي بدأ منذ اجتماعهم مع السفير الليبي في سويسرا في عام 1998م..).
استضاف الأستاذ/ خليل عثمان في برنامجه الإذاعي الحواري: "حديث الساعة" يوم 26 أغسطس 2005م كلّ من الأساتذة: إبراهيم عبدالعزيز صهّد (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا).. منصف حافظ البوري (المؤتمر الوطنيّ ).. ناصر المانع (الإخوان المسلمين). قال خليل عثمان هذه المعلومة في حضور الأستاذ/ ناصر المانع ممثل الإخوان المسلمين الليبيّين ولم يعلق المانع على هذه المعلومة ولم ينفيها، وهذا يعني، أنّ ما قاله الأستاذ/ خليل عثمان صحيحاً مادام صاحب الشأن لم ينفيه.
وفي مارس 2004م.. قال الدّكتور/ الأمين بالحاج (الناطق الرسمي بإسم الإخوان المسلمين) لوسائل الإعلام العربيّة والليبيّة المعارضة..{.. أنّ الجماعة تتفاوض مع نظام القذّافي مند ثلاث سنوات تقريباً، وتسعى إلى تحقيق "الإصلاح" على يد أبناء ليبيا لأنّها لا تسمح للخارج الدخيل أنّ يفرض أجندته للإصلاح على الليبيّين أو غيرهم من شعوب المنطقة.
.. من حق الآخرين أنّ يرفضوا الدعوة إلى الإصلاح استناداً إلى ملف النظام في هذا الاتجاه إلا أنّنا مطمئنون بأنّ هؤلاء إذا ما ورأوا خطوات عمليّة تتحقق على أرض الواقع، ورأوا مشروعاً صادقاً للإصلاح سوف ينظموا، ويشاركوا فيه بكلّ إيجابية..}(م144).
وبسبب خيار الإصلاح وتبني سّياسَة معالجة الأوضاع المتأزمة عبر بوابة السّلطة تغيب الإخوان المسلمون عن حضور مؤتمر التوافق الوطنيّ الذي انعقد في لندن يومي 25 و 26 يونيه 2005م، وضم كلّ ألوان الطيف السياسي الليبي.
قال الأستاذ/ إبراهيم عبدالعزيز صهّد عن غياب الإخوان المسلمين عن المؤتمر الوطنيّ:..(..نحترم اجتهاد الإخوان المسلمين، وسنستمر في حوارهم..).
وعلق الأستاذ/ محمود عوض شمّام عن نفس الموضوع قائلاً:..(.. لن يؤثر غيابهم سلباً على حركة أعضاء المؤتمر ولا يعني أنّ اختلاف الإخوان معنا سيتحول إلى خلاف، بل، القواسم المشتركة التي تجمعنا أكبر من أيّ اختلاف يدب بيننا..).
وقال الأستاذ/ حسن محَمّد الأمين (معارض مستقل ومدير موقع "ليبيا المستقبل" الإلكتروني) عن عدم مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في مؤتمر التوافق الوطنيّ...{.. شارك الأخوان في جلسات الإعداد والتحضير للمؤتمر، ولكن عند مناقشة الورقة السياسيّة ارتأوا أنّهم لا يستطيعون الاستمرار تحت هذا الطرح الذي وافق عليه الأغلبيّة بسبب شعار: ضرورة تنحي الرئيس معمّر القذّافي عن سلطاته الثوريّة والعسكريّة، فيما كان الإخوان يتطلعون إلى التغيير عن طريق الحوار والإصلاح التدريجي. وقد أعلنت جماعة الإخوان الليبيّة في بيان رسمي:..".. أنّ شرطي تنحي العقيد القذّافي عن سلطته وتشكيل حكومة انتقاليّة كانا السبب الرئيسي في انسحابنا من جلسات الإعداد ومقاطعة المؤتمر..".
كما قالت الجماعة.."..أنّه لا مخرج من الاحتقان السياسي إلاّ بتبني خيار الإصلاح الشامل ومعالجة الأوضاع المتأزمة وتهيئة الأجواء لحوار وطني شامل لا يتم فيه إقصاء أيّ طرف "...}(م145).
أُفرج عن الإخوان المسلمين في عام 1973م بعدما أعلنوا تحت وطأة التهديد والإرغام والإكراه أنّهم حلوا الجماعة ولا توجد في ليبيا من الآن فصاعداً جماعة اسمها "الإخوان" ولا منتسبين إليها منذ هذه اللحظة. وأُفرج عن الإخوان المسلمين في مارس 2006م دون أنّ يعلنوا أنّهم خرجوا عن الجماعة أو حلوها، وبعدما فاوضت قيادتهم في الخارج مبعوثي القذّافي بغية الإفراج عنهم. وأفرج النظام عن جماعة الإخوان دون أنّ يلغي قانون (تجريم الحزبيّة) الصادر عام 1972م والقاضي بإعدام كل شخص ينتمي إلى حزب أو يرتبط بمجموعة تعارض مبادئ ثورة الفاتح من سبتمبر أو يحاول تغيير نظام الحكم بالقوة.
غاب الإخوان عن مؤتمر المعارضة في لندن صيف 2005م وأعلنوا عن ضرورة التفاهم مع السّلطة حول مسائل "الإصلاح"، وضرورة تهيئة الأجواء لحوار وطني شامل لا يقصي أحد، فاستجاب النظام لمطلب جماعة الإخوان القاضي بالإفراج عن سجنائهم، فأفرج في مارس 2006م عن سجناء الإخوان رغم أنّه ثبت الأحكام الصادرة في حقهم قبل عملية الإفراج عنهم !.
فكيف سيتعامل نظام معمّر القذّافي مع الإخوان في المرحلة القادمة وكيف سيتعاملون هم معه !؟.
والأيام القادمة ستجيب عن هذا السّؤال....
وفي جانب آخر، وفي عام 1981م.. تأسس في يناير 1981م تنظيم أطلق على نفسه اسم "جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبيّ "، وأعلن أنّه يهدف إلى:
1 – تحرير ليبيا من حكم الظلم والاستعباد والإرهاب – حكم معمّر بومنيار القذّافي.
2 – الدعوة إلى نظام حكم جمهوري دستوري يختار الشّعب فيه قيادته السياسيّة ورئيس الدولة عبر صناديق الانتخاب.
وشكل التنظيم قيادة عامّة سميت " القيادة العامّة لجيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي"، واُختير الأستاذ/ جاب الله حامد مطر رئيساً لها. ركز جيش الإنقاذ الاهتمام على الجانب العسكريّ لأنّه رأى المهمّة الأولى تكمن في "تحرير ليبيا من حكم معمّر القذّافي"، وتقتضي التركيز على هذا الجانب أكثر من أيّ جانب آخر. لم يصدر تنظيم جيش الإنقاذ مجلّة أو مطبوعة دوريّة واكتفى بإصدار بيانات في مناسبات معينة كانت تصدر بإسم "القيادة العامّة لجيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي" بالإضافة إلى إصدارتين أو ثلاثة أهمها: كتيب تحت عنوان "في سبيل الإنقاذ.. رؤيّة سياسيّة شاملة". وكان كلّ من: الأستاذ/ جاب الله حامد مطر، والأستاذ/ عبدالسلام عزالدين المدني، الأستاذ/ جمعة اعتيقة، الحاج/ صابر مجيد من أبرز شخصيّات جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي القياديّة.
وقع تنظيم "جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي" في 21 ربيع الأوّل 1404 هجري الموافق 1 يناير 1984م اتفاق تعاون وتنسيق مع "الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا". أصبح الأستاذ/ جاب الله حامد مطر رئيس "جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي" رئيساً "لمنظمة جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي" في عام1986م، وأصبح في أواخر عام 1988م عضواً قيادياً في "الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا" بعد انضمام منظمته إلى جبهة الإنقاذ.
وفي منتصف عام 1985م.. أُعلن عن تطوير جيش الإنقاذ من تنظيم شبه عسكريّ إلى تنظيم نضالي لا يركز اهتمامه على العمل العسكريّ فقط إنّما يعطي كافة الجوانب القدر الكافي من الإهتمام خصوصاً الجانب السياسي. تغيّر في ضوء هذه النقلة اسم "جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي" إلى "حركة الكفاح الوطنيّ الليبيّ". ترأس الأستاذ/ جاب الله حامد مطر "جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي" ثمّ "حركة الكفاح الوطنيّ " بعدما تحول التنظيم من منظمة شبه عسكريّة إلى حركة سياسيّة نضاليّة.
طورت حركة الكفاح الوطنيّ الليبيّ هياكلها التنظيميّة وفتحت لنفسها مجالات أوسع للحركة والإتصال وتمسكت في نفس الوقت بخيار العمل العسكريّ. أشرف الأستاذ/ جمعة اعتيقة على نشرة "الكفاح" الصوت الإعلامي الرئيسي لحركة الكفاح، وعلى كافة إصدارات الحركة، وأهمّ تلك الإصدارات كتيب بعنوان: "في الفكر والتنظيم.. نحو حوار وطنيّ هادف".
انفصل الأستاذ/ جاب الله حامد مطر عن "حركة الكفاح الوطنيّ الليبي" بسبب الخلاف الذي نشب بينه وبين قيادة الحركة حول فكرة التواجد العسكريّ في تشاد. رأت قيادة حركة الكفاح بأنّ إمكانياتهم لا تسمح بتواجد عسكريّ لهم في تشاد بينما رأى الأستاذ/ جاب الله مطر بأنّه قادر على استقطاب عناصر جديدة للتنظيم وبإمكانه ضم بعض الجنود والعساكر الموجودين أصلاً في تشاد. أصر الأستاذ/ جاب الله مطر على رأيه القاضي بضرورة التواجد العسكريّ في تشاد بينما رفض أعضاء الحركة الباقون وجوداً عسكرياً لهم في تشاد ورحبوا بالتواجد السياسي لحركة الكفاح الوطنيّ الليبيّ على ساحة الأراضي التشاديّة. استقال مطر من "حركة الكفاح الوطنيّ " وأعلن في أواخر عام 1986م عن تأسيس "منظمة جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبيّ". ترأس جاب الله مطر المنظمة الجديدة وكُلف الأستاذ/ عاشور بن خيال بشغل منصب الرئاسة لتنظيم "حركة الكفاح الوطنيّ الليبي". انضم الحاج/ صابر مجيد إلى جاب مطر منذ البدايّة والتحق بهما فيما بعد الرّائد/ عبدالسلام عزالدين المدني. واستطاع جاب الله مطر أنّ يحصل على دعم مادي وسياسي من العراق، وأنّ يستقطب إلى تنظيمه الجديد عدداً من الشباب الذين انفصلوا عن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في عام 1986م كما استطاع أنّ يكون لتنظيمه تواجداً عسكرياً رمزياً في تشاد على مدار شهور عديدة. أعلن الأستاذ/ جاب مطر في 2 أغسطس 1988م عن حلّ تنظمه"منظمة جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي" وانصهار منظمته الكامل في هياكل ومؤسسات تنظيم "الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا" التي كان يتزعمها وقتذاك د/ محَمّد يوسف المقريَّف. وجاء في فقرة من بيان الانضمام الموقع من "جاب الله مطر" عن منظمة جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي، والدّكتور/ محمّد المقريَّف عن "الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا "، ما يلي:..(.. تعلن "منظمة جيش الإنقاذ الوطنيّ الليبي" إلى كافة القوى الوطنيّة داخل ليبيا وخارجها انضمامها الكامل إلى الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا محيية نضالها، ومتبنية أهدافها ومنطلقاتها ونظمها ولوائحها ومواقفها وشعاراتها..).
عاد الأستاذ/ جمعة عتيقة إلى ليبيا وانشق جاب الله مطر ومجموعته عن "حركة الكفاح الوطنيّ الليبي" فتراجع دور حركة الكفاح كتنظيم لا كأفراد حيث تنامي – وبشكل ملحوظ – دور بعض أعضاء حركة الكفاح من خلال مؤسسات التحالف الوطنيّ خصوصاً بعد أنّ استلم الأستاذ/ منصور رشيد الكيخيا مهام الأمانة العامّة للتحالف الوطنيّ في 19 يناير 1988م. ويذكر أنّ جاب الله حامد مطر من مواليد إجدابيا في عام 1936م. اختفى ورفيقه عزات يوسف المقريَّف (68) في آذار/ مارس 1990م من القاهرة. كان جاب الله مطر ضابطاً برتبة رائد في الجيش الليبي عند وقوع إنقلاب الملازم/ معمّر القذّافي في 1 سبتمبر 1969م. سجن بعد الإنقلاب لفترة تحفظية استمرت عدة شهور، وبعد الإفراج عنه عُينَ مستشاراً بالخارجيّة الليبيّة. عمل في البعثة الليبيّة في الأمم المتحدة في نيويورك فترة قصيرة من الزمان حيث استقال من منصبه في عام 1972م، ثمّ عمل في مجال "التجارة والمقاولات" بعد عودة إلى ليبيا من نيويورك. غادر ليبيا في عام 1980م وعاش مع أسرته في القاهرة حتى تاريخ اختفائه في مارس 1990م. انخرط في صفوف القوى الوطنيّة المعارضة لنظام معمّر القذّافي في الخارج منذ وصوله إلى القاهرة في عام 1980م، وكان يوم اختفائه عضواً في اللجنة التنفيذيّة للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا.
وفي أغسطس 1980م.. أُعلن عن تأسيس "الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة"، وذلك عقب إنعقاد المؤتمر الأوّل للجبهة الديمقراطيّة. ومن أبرز قيادات الجبهة التي تحركت وشاركت بفاعلية في إنتاج ذلك الزخم الكبير الذي كان سائداً طوال عقد الثمانينيات: الأستاذ/ محمود عوض شمام.. د/ على عبدالسلام الترهوني(69) .. الدّكتور/ عبدالرحيم صالح.. وآخرين. عُين الدّكتور/ علي الترهوني أميناً عاماً "للجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة" عقب إنعقاد مؤتمرها الأوّل. وأصدرت الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة مجلة "الوطن"، والتزمت المجلّة خطاً وطنياً ذا اتجاه أو ميل يساري وبعد قومي أو كما قال الأستاذ/ محمود شمّام في مقابلة أجراها معه د/ فتحي الفاضلي في عام 1995م..{..خط وطنيّ ديمقراطي يجمع بين الملامح اليساريّة والقوميّة وتقرب رؤيتها – أيّ مجلّة الوطن وتنظيم الجبهة بشكل عام – من رؤية اليسار العربي..}(م146). دعمت الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة العمل النقابي وبالأخص العمل الطلابي، وكان حضور أعضائها لمؤتمرات إتحاد عام طلبة ليبيا – فرع الولايات المتحدة حضوراً مميزاً ومتميزاً. وحاولت الجبهة الديمقراطيّة من خلال مطبوعتها الدوريّة (الوطن ) تسجيل تاريخ الحركات النقابيّة في ليبيا خصوصاً الحركة العماليّة. كما أصدر أعضاء الجبهة الديمقراطيّة – وفي مرحلة مبكراً جداً – تحت إسم "الطلاب الليبيّين الديمقراطيين" مجموعة من المنشورات كان من أهمها: كتيب تحت عنوان: "ملامح من تاريخ الحركة الطلابية الليبيّة "، وذلك في أغسطس 1980م أيّ قبل إنعقاد المؤتمر الأوّل للإتحاد عام طلبة ليبيا – فرع الولايات المتحدة والذي انعقد بولاية ميزوري / Missouri في أواخر ديسمبر 1981م.
وعلى العموم.. أصدرت الجبهة الوطنيّة الديمقراطيّة منذ تأسيسها حتى عام 1988م أكثر من عشرين عدداً من مجلة "الوطن". كما أصدرت كتيباً يمثل رؤيتها ومنهج عملها السياسي تحت عنوان: "وثائق المؤتمر الوطنيّ الثّاني للجبهة".
وفي ربيع 1988م.. خلقت قرارات (أصبح الصبح) الصادرة عن نظام معمّر القذّافي في مارس 1988م حالة من الانفراج السياسي المؤقت داخل ليبيا، وأثرت على المعارضة الليبيّة في الخارج تأثيراً بالغاً !!. أعلن معمّر القذّافي في خطاب ألقاه يوم 2 مارس 1988م عن قراره بإطلاق كافة السجناء السياسيين والذي قال أنّ عددهم (400) أربعمائة سجين ومعتقل، والعدد كان أكثر من هذا الرقم بكثير.
قام معمّر القذّافي في اليوم التالي بتمزيق قوائم الممنوعين من السفر، وإرجاع بعض جوازات السفر المسحوبة من أصحابها إلى أصحابها، وهدم مدخل أحد السجون بضواحي مدينة طرابلس في عمل شبه مسرحي قصد من وراءه الدعاية لشخصه وتحسين صورة نظامه الذي بدأ ينظر له على أنّه أقبح النظم السياسيّة في المنطقة العربيّة. تمّ حشد أعداد غفيرة من البشر لتشهد عمليات الإفراج عن هؤلاء المعتقلين وهدم مدخل سجن "أبي سليم" الواقع بالقرب من مدينة طرابلس. صاحب عملية إطلاق سراح بعض المعتقلين قرارات أخرى تمّ بموجبها رفع بعض القيود عن السفر ، وفتح بعض مجالات النشاط الإقتصادي التي كانت محرمة بحكم القوانين الإشتراكيّة الناتجة عن تطبيق الفصل الثّاني من الكتاب الأخضر. أستطيع القول بأنّ الفترة الواقعة ما بين 1978م إلى 1988م كانت ذروة سن القوانين الإشتراكيّة والضغط من أجل تطبيقها.
وبدأ معمّر القذّافي منذ قرارات "أصبح الصبح" في مارس 1988م يتراجع عن بعض المقولات كمقولة:..(.. إنّ الإعتراف بالربح هو اعتراف بالاستغلال... إنّ الحل النهائي هو إلغاء الربح..)، ويتخلى تدريجياً عن القوانين الإشتراكيّة، فبدأنا نسمع منذ ذلك الحين عن: التشاركيات، وموزع الفرد، وشركات الاستيراد والتصدير.
وبدأ منذ عام 1988م في محاولات لتحسين صورته أمام الرأي العام العالمي: إصدار "الوثيقة الكبرى لحقوق الإنسان".. دعوة المعارضون في الخارج إلى العودة... صرف مرتبات للسجناء الذين تمّ الإفراج عنهم والذين كانوا قبل إعتقالهم يتقاضون في رواتب من الدولة.. تحسين علاقاته بدول الجوار الجغرافي ومحاولة فتح قنوات للتفاهم مع دّول العالم الغربي.
عموماً.. أصدرت الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة "ورقة يوليو / 1988م" رداً على قرارات " أصبح الصبح"، وأطلقت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا "مبادرة مجلس قيادة الثورة" التي قسمت نظام معمّر القذّافي إلى معسكرين: معسكر يمكن التفاهم والتعاون معه، وهو المعسكر الأكبر والأوسع.. ومعسكر أصغر أدانته وأكدت على ضرورة عزله سياسياً. أمّا "ورقة يوليو" فقد طالبت بمزيد من الانفتاح والإجراءات الإصلاحيّة أو حاولت أنّ ترفع سقف المطالب الوطنيّة.
لم تكن "ورقة يوليو" محل اتفاق أو إجماع داخل تنظيم "الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة"، وربّما، هي التي شقت التنظيم إلى تيارين أحدهما: أراد أنّ يتعامل مع قرارات "أصبح الصبح" ويمتحنها في الميدان، ومن داخل ليبيا.. والثّاني أراد أنّ يتعامل معها من مكانه في الخارج إلى أنّ تتضح الصورة ويخرج النظام من دائرة التكتيك إلى دائرة التثبيت (السياسات المقننة المستقرة).
ويبدو أنّ الخلاف حول"ورقة يوليو" أُجلّ – وإلى وقتِ غير معلوم !– عقد إجتماع أعضاء تنظيم الجبهة الديمقراطيّة الذي كان من المقرر عقده مسبقاً بغية اختيار قيادة جديدة للتنظيم أو تجديد الولايّة للقيادة السّابقة.
واجهت"الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة" في عام 1989م خيارين: الاستمرار كهيكل تنظيمي بإمكانيات لا تمكنها من تحقيق أهدافها أو حل التنظيم واختيار أساليب أخرى لمواجهة الواقع الليبي بعد قرارات "أصبح الصبح" في مارس 1988م. اختار أعضاء الجبهة الخيار الثّاني، فرجع عدد من الأعضاء إلى ارض الوطن وبقت مجموعة أخرى خارج الوطن.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ "الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة" قبل أنّ تحل نفسها كانت قد دخلت في تحالفات وطنيّة، حيث انضمت إلى "التحالف الوطنيّ الليبي"، ودخلت في "هيئة التنسيق الوطنيّ" التي كان يتزعمها الرّائد/ عبدالمنعم الهوني.

ـ انتهت الحلقة الثالثة عشر وتتبعها الرابعة عشر ـ

________________________________________________

استدراك :
انضم تنظيم"جبهة الوطنيّين الليبيّين" الذي أصدر في بداية الثمانينيات مجلّة "العنقاء" بالكامل في "الإتحاد الدستوري الليبي"، وذلك في أبريل 1982م. ورد هذا الإعلان في افتتاحية العدد الرابع من مجلّة "العنقاء"، والعدد الرابع من هذه المطبوعة هو عددها الأخير. وربّما كانت خطوة اندماج تنظيم "جبهة الوطنيّين الليبيّين" في "الإتحاد الدستوري الليبي" أوّل خطوة من نوعها على ساحة العمل الوطنيّ المنظم خارج الوطن.
أوردت في الحلقة "12" من هذا الجزء، الجملة التاليّة:..(.. لم يُصدر من مجلّة "العنقاء" إلاّ ثلاثة أعداد فقط..). والصحيح: أربع أعداد فقط كما مبين في الفقرة السّابقة.
راجع موقع "الإتحاد الدستوري" للتأكد من خطوة الاندماج، وصدور العدد الرابع (والأخير) من مجلّة "العنقاء".

توضيح :
وصلني التوضيح التالي من السيّد/ عاشور بن خيال حفظه الله ورعاه، أرفقه للقرَّاء للتوضيح وتعميم الفائدة. والله من وراء القصد. والتوضيح جاء كما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الأصغر والعزيز
بعد التحية الحارة والتقدير،،،
أود أولاً أنّ أشكرك على هذا المجهود الرائع، والذي يحوي هذا الكم الهائل من المعلومات القيمة ومن السرد المفصل للأحداث، ستكون بكلّ تأكيد مرجعاً مهماً للمتتبعين للقضية الليبيّة، ومصدراًَ رئيسياً للشباب الليبي الذين يحملون هموم الوطن.
أمّا ما كتب في الحلقة (12) وفي الفقرة (59) فهو وافي وجيد في عمومه وأشكرك جزيل الشكر علي ذلك، إلاّ أنّ هناك الفقرة الخاصّة بسعد الدين أبوشويرب تلزم توضيحاً بسيطاً مراعاة للأمانة التاريخيّة:
لقد وصل سعد الدين أبوشويرب إلى السفارة الليبيّة بروما فجأة صبيحة اليوم الذي عقد فيه صالح بويصير مؤتمره الصحفي، وكان مجيئه للسفارة نتيجة لتوقف البنوك الإيطاليّة عن تصريف العملة الليبيّة يوم ذاك ولو لم تكن لديه مشكلة في تصريف العملة الليبيّة لما قدم إلي السفارة أصلاً، وهذا ما قاله هو بنفسه. لم تكن لدى أبوشويرب أيّ معلومات حول ما يجرى في ليبيا رغم أنّ صورته كانت تتصدر الجرائد ونشرات الأخبار في إيطاليا. مكث وعائلته بالطابق العلوي في السفارة حيث قمت أنا شخصياً بإحضار عائلته من الفندق. لم يحضر المؤتمر الصحفي الذي انعقد بحديقة السفارة، وقد حضر هذا المؤتمر عدد كبير من الصحفيين والمراسلين المتشوقين لمعرفة أخبار ليبيا حيث كان خبر الإنقلاب الليبي يحتل المرتبة الأولى بين الأخبار وقتذاك. كان تواجد أبوشويرب يحاط بسريّة تامّة خوفاً من تسرب الأنباء إلى الصحافة، وغادر مساء نفس اليوم وعائلته إلى المطار يرافقهما السفير (السيد/عبدالله سكته)، وذلك بعد إنتهاء المؤتمر. وقمت أنا (عاشور بن خيال) ومعي الأستاذ/ مفتاح السيد الشريف (الملحق التجاري بالسفارة) بمرافقة الأستاذ/ صالح مسعود بويصير بعد إنتهاء مؤتمره بصحبة صديقه بن صويد، إلى الفندق ومنه إلى المطار، وأثناء تواجدنا بالفندق اتصل بنا القنصل (السيّد/ عزالدين مهنا ) وأبلغنا بنبأ تشكيل الوزارة برئاسة الدّكتور محمود المغربي وهي الوزارة التي عُينَ بويصير فيها وزيراً للوحدة والخارجيّة. استقل بويصير وأبوشويرب نفس الطائرة ( أليتالا) إلي جزيرة بلرمو (Palermo) ثمّ إلى تونس، ومنها إلى ليبيا عبر الحدود البريّة. وتمّ كل ذلك بناءاً على تعليمات من مجلس الإنقلاب (مجلس قيادة الثورة ).
هذا باختصار الخلفية حول هذه الفقرة، رأيت إحاطتك علماً بها، ولك الحريّة في التصرف بالطريقة التي تراها مناسبة.
أكرر تأكيدي لك بروعة هذا الجهد، وأكبر فيك حرصك علي تجميع المعلومات وتدقيقها، وحماسك للقضيّة الوطنيّة واحترامك لمجهود الجميع وخاصّة الجيل الذي سبقك، وسوف لن أنسى لك شخصياً هذا الموقف النبيل والوفاء التّام لأخونا وأستاذنا منصور رشيد الكيخيا، له الرحمة والمغفرة في الدنيا والآخرة.
وإلى أنّ نلتقي، لك منى كلّ التحية والتقدير،،،
والسلام عليكم ورحمة لله وبركاته ،،،
أخوك الأكبر/ عاشور بن خيال
15 يونيه 2006م.
كندا.

ملاحظات وإشارات هامّة :
61) محَمّد عبده محَمّد بن غلبون: من مواليد بنغازي، شارع المهدوي، في شهر ديسمبر من عام 1947م. درس الإبتدائيّة في مدرسة الأمير ببنغازي، ثمّ الإعداديّة بمدرسة بنغازي الثانويّة، ونال الشهادة الثانويّة من القاهرة. عاد من القاهرة أواخر سنة 1968م لينخرط في مجال التجارة ثمّ المقاولات.
غادر أرض الوطن في شتاء سنة 1978م إلى مدينةِ مانشسترِ الإنجليزيّة حيث سبقه إليها للدّراسة شقيقيه هشام وعلي (رحمه الله)، وظلّ مقيماً بها إلى يومنا هذا مع أسرته المكونة من زوجته وولديه وابنتيه.
اقتصرت مزاولته للعمل الوطنيّ في المهجر في بداية غربته على دعم تنظيم "الإتحاد العام لطلبة ليبيا في بريطانيا "، وامتنع عن الإنضمام إلى أيّ من التنظيمات المعارضة النشطة على ساحة النَّضال في ذلك الوقت لقناعته التاّمة بأنّ أيّ عمل وطنيّ لن يكتسب الشرعيّة اللازمة ولن يكتب له النجاح ما لم ينطلق من حامل الشرعيّة الدستوريّة، عاهل البلاد وقائد الجهاد الملك إدريس السّنوسي.
أعلن عن تأسيس "الإتحاد دستوري الليبي" في 7 أكتوبر 1981م، الذكرى الثلاثون لإعلان الدستور الليبي الذي ينادي بالعودة إليه. وكان قد اتصل بالملك إدريس السّنوسي في مقر إقامته في القاهرة قبل الإعلان عن تأسيس "الإتحاد الدستوري الليبي" لاستئذانه وأخذ مباركته. نشر العديد من المقالات في الصحف والمجلات العربيّة التي تصدر من لندن. ويُنشر حالياً مقالاته في المواقع الليبيّة الإلكترونيّة وأولها موقع "الإتحاد الدستوري". يترأس حالياً "الإتحاد الدستوري الليبي" والذي كان قد ترأسه منذ تاريخ تأسيسه في 7 أكتوبر 1981م.
62) المؤتمرون في لندن: تأكيدات المؤتمرون الواردة أعلى الصفحة منقولة عن بيان هيئة المتابعة للمؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة، والذي صدر من لندن بتاريخ 20 جمادى الأولى 1426 هجري الموافق 26 يونيو 2005م.
63) الدساتير تعدّل ‏لكنـّها لا تلغى: من المبادئ المتعارف عليها ‏أنّ الدساتير في كافة الدّول أنّما توضع من أجل تنظيم شؤون الجماعة، وهى متطورة بطبيعتها، الأمر الذي ‏يقتضى تعديلاً في الدستور كلما دعت الحاجة إليه ليساير تطور المجتمع. ودستور 1951م الليبي عُدّل أكثر من مرّة. وكان أهم التعديلات التي أدخلت ‏على الدستور الليبي هو التعديل الصادر بتاريخ 25 أبريل 1963م والذي نصّ في مادته الأولى على إلغاء ‏النَّظام الإتحادي واستبداله بنَّظام الدولة الموحدة.
ومن أبرز ما جاء به التعديل الدستوري المذكور أنّه نصّ في المادة (3) على أنّ ليبيا جزء من الوطن ‏العربيّ وقسم من القارة الأفريقيّة، وذلك تأكيداً للإنتماء العربيّ من جهة والأفريقي من جهة أخرى رَّغم أنّه إنتماء واضح بذاته. كما عدلت المادة (40) من الدستور بحيث تتفق نصاً وروحاً مع ما أجمع وأستقر عليه ‏فقهاء الشريعة الإسلاميّة، فأصبح نصها: "السيادة لله، وهى بإرادته تعالى وديعة للأمّة، والأمّة مصدر ‏السّلطات". وكذلك عدل نصّ المادة (68) فأوضحت مهمة القوات المسلحة الليبيّة وهي حمايّة سيادة البلاد ‏وسلامة أراضيها وأمنها.‏
ما ورد في هذه الإشارة نقلته عن: إصدارات "الإتحاد الدستوري الليبي"، ونُشرَ في الموقع الإلكتروني للإتحاد الدستوري يوم السبت الموافق 4 يوليو 2005م.
64) الشيخ/ الصابر الصالحين بن سعود: من مواليد مدينة درنة عام 1921م. كان من أوائل الشباب بمدينة درنة الذين انضموا إلى جمعية "عمر المختار" قبل إستقلال ليبيا . وكان مسئولاً عن لجنة "نصرة الجزائر" بمدينة درنة.
انضم إلى الإخوان المسلمين منذ بداية تأسيس الجماعة في مدينة درنة. كان مشرفاً على لجنة جمع "جلود الأضاحي" لصالح الفقراء والمحتاجين كما كان رئيساً لنادي "الإتحاد" الرياض الثقافي الإجتماعي بمدينة درنة.
قضى في السجن سنوات طويلة ومنذ حملة الإعتقالات عقب خطاب زوارة في أبريل 1973م (النقاط الخمس). انتقل إلى الرفيق الأعلى في 5 ذي القعدة 1410 هجري الموافق 21 شباط/ فبراير 1999م بمدينة درنة إثر أزمة قلبيّة ألمت به فترة من الوقت. رحم الله بن سعود وأسكنه فسيح جناته.
راجع نعي الجماعة للشيخ بن سعود المنشور في مجلّة "المسلم" العدد "33" السنة "19" الصادر بتاريخ ذو الحجة 1419 هجري الموافق مارس 1999م.
65) الشيخ/ محَمّد محَمّد بن غالي: ولد في 6 ديسمبر 1946م في منطقة سوق الجمعة بضواحي مدينة طرابلس. درس المرحلتين الإعداديّة والثانويّة بالمعهد الديني بطرابلس، وحفظ القرآن الكريم في صغره. التحق بالجامعة الإسلامية بمدينة البيضاء, وتخصص في اللغة العربيّة والدّراسات الإسلامية. عُين بعد تخرجه من الجامعة الإسلاميّة معيداً في كلية التربية بجامعة طرابلس. تحصل على درجة الماجستير من جامعة "الأزهر الشريف" بالقاهرة، وكان عنوان رسالته "ابن الأثير واثره في الإسلام". عمل بعد عودته من القاهرة أستاذاً بكلية التربية في جامعة طرابلس. أوفدته الجامعة في يناير 1975م إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة لدّراسة " الأدب المقارن".
انضم في جماعة الإخوان المسلمين في طرابلس عام 1959م. وساهم في تأسيس الجماعة الإسلاميّة الليبية في 1979م. كُلّف برئاسة تحرير مجلة "المسلم"، واختير عضواً في مجلس الشورى، المكتب التنفيذي للجماعة. أشرف على عدد من الدورات الشرعيّة واللغويّة، ومثل الجماعة في عدد من المؤتمرات والندوات الإسلاميّة والعربيّة والليبيّة.
انتقل إلى رحمة الله في آخر ليلة من شهر رمضان المبارك من عام 1416هجري الموافق 20 شباط/ فبراير 1996م، وذلك حوالي الساعة العاشرة مساء أثناء عمله في مدينة لوس انجلوس, وكان قد ذهب إلى عمله في تلك الليلة بعد إمامته لصلاة التراويح التي ختم فيها القرآن الكريم في منطقة (Orange County, Los Anglos, California ) اورانج كاونتي بمدينة لوس انجلوس.وشُيعت جنازته في 4 شوال 1416هجري الموافق 23 فبراير 1996م بعد صلاة الجمعة, وقد حضر مراسم الدفن مئات من المسلمين من أصدقاء ومحبي الشيخ من ولايات ومدن مختلفة بالولايات المتحدة الأمريكيّة.
أنظر إلى كتاب: "البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد الثورة" للدّكتور/ فتحي الفاضلي الصادر في عام 2002م.
66) الأستاذ/ عبد الله أبوسن: آل أبوسن من عائلات بنغازي العريقة والعائلات الليبيّة المعروفة. ولد الشيخ عبدالله أبوسن في مدينة بنغازي عام 1934م. درس مرحلة تعليمه الجامعية بمدينة الإسكندريّة. اعتقلته السّلطات المصريّة عام 1965م لانتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين. حكم عليه بالإشغال الشاقة لمدة (15) خمس عشرة عاماً. أفرجت السّلطات المصريّة عنه في عام 1971م، ولعب الأستاذ/ منصور رشيد الكيخيا الدور الأهم في عمليّة الإفراج عنه. كان الرّائد/ عبدالسلام جلود في عام 1971م في زيارة رسميّة إلى القاهرة، وكان الأستاذ/ منصور الكيخيا ضمن أعضاء الوفد الرسمي المرافق له. طلب الكيخيا من جلود أنّ يطلب من القيادة المصريّة الإفراج عن عبدالله أبوسن ( أحد أقاربه ) المسجون في مصر بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين. طلب جلود من المصريين ما طلبه الكيخيا منه فأصدرت القيادة المصريّة قراراً بالإفراج عنه. غادر إلى ليبيا مباشرة بعد أنّ تمّ الإفراج عنه، واضطر بعد فترة ليست بطويلة إلى مغادرتها إلى مصر في عهد الراحل أنور السادات وذلك بسبب المضايقات التي تعرض لها إلى جانب دكتاتوريّة النظام وتعاظم تسلطه. غادر القاهرة إلى المملكة البريطانية في الثمانينيات، ولازال يقيم في بريطانيا إلى الآن.
أرجع إلى العدد (28) من مجلة (المسلم) الصادرة بتاريخ يناير 1994م للتأكد من بعض المعلومات الواردة في هذا التعريف.
67) الحركة الإسلاميّة – ليبيا: لم يكن للحركة الإسلاميّة – ليبيا وجوداً علنياً كما كان للجماعة الإسلاميّة الليبيّة. ولذا، لا استطيع الحديث عن الحركة بحكم عدم علانيتها وعدم توفر الأوراق الرسميّة التي تخولني القيام بذلك. وكلّ ما أعرفه أو استطيع قوله: أنّ الحركة الإسلاميّة – ليبيا تزامن تأسيسها مع تأسيس الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا، وأنّ الحركة– طيلة سنوات عملها – لم تتحرّك بشكل علني ولم تصدر عنها بيانات رسميّة للرأي العام كما كانت أسماء قياداتها غير معلنة أو غير متداولة بين النّاس. أصدرت الحركة مجلة شهرية اسمها "الشروق"، وقد عبرت المجلّة عن رؤية الحركة السياسيّة وخطها الفكري، وقد صدر عددها الأوّل في صفر 1405هجري الموافق نوفمبر 1984م.
ترأس الأستاذ/ محَمّد الغرياني (وهو أسم حركي أو رمزي) رئاسة تحرير مجلة "الشروق" كما كُتِبَ على الصفحة الداخليّة الأولى للمجلّة، وكانت المجلّة تصدر من Seattle - Washington مدينة سياتل بولاية واشنطن. وتوقفت مجلة "الشروق" عند الصدور بعد سنوات معدودة من صدور عددها الأوّل.
68) عزات يوسف المقريَّف: ولد في بنغازي في عام 1952م. كان ضابطاً بالجيش الليبي حتى عام 1973م. ألقي القبض عليه في عام 1973م بعدما اتهمته السّلطات بالمشاركة في محاولة للإطاحة بنظام معمّر القذّافي، وقضي في السجن حوالي عام. اشتغل بالتجارة والمقاولات بعد الإفراج عنه ثمّ غادر ليبيا فاستقر في المغرب فترة من الوقت ثمّ انتقل في عام 1984م للإقامة في القاهرة بجمهورية مصر العربيّة.
كان عضواً في الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا وأحد قيادات "المفوضيّة العسكريّة" بالجبهة. كتب العديد من المقالات في مجلة "الإنقاذ" تحت أسماء مختلفة، ونشد له المطرب "إبراهيم فهمي" قصيدة "يا وطني راني لك مشتاق" في فترة انضمام الأخير للصفوف الجبهة وقبل عودته إلى ليبيا. اختفى في القاهرة في مارس/ آذار 1990م ولا أخبار مؤكدة عنه حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
69) الدّكتور/ علي عبدالسلام الترهوني: ولد عام 1950م في مدينة "المرج" بالجبل الأخضر شرق ليبيا. درس مراحل تعليمه الأولى بمدارس مدينة بنغازي، وتخرج عام 1972م من كليّة "الإقتصاد والتجارة" في الجامعة الليبيّة بمدينة بنغازي. نال شهادة الماجستير سنة 1976م، والدكتوراه سنة 1982م من جامعة ولاية ميتشغان (Michigan State University, East Lansing).
عُينَ بعد تخرجه عضواً بهيئة التدريس في جامعة ولايّة ميتشغان، ثمّ انتقل للتدريس في (Kalamazoo College ) بولايّة ميتشغان. انتقل إلى مدينة سياتل بواشنطن فعملَ أستاذاً مساعداً في جامعة ولايّة واشنطن (Washington State University , Seattle ).
عُينَ بعد ذلك أستاذاً لطلبة الدّراسات العليا بكلية الدّراسات العليا لإدارة الأعمال بجامعة واشنطن (Graduate School of Business , University of Washington) حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
بدأ علي الترهوني نشاطه السياسي في مرحلة دراسته الجامعيّة فكان يتابع الأوضاع في ليبيا وما يدور في العالم من تطورات وأحداث ويعبر عن آرائه ومواقفه بكلّ وضوح وشجاعة. كما كان من بين ألمع نشطاء الحركة الطلابيّة فترأس فيما ببن عامي 73 / 1974م رئاسة تحرير مجلّة "الفكر" بمساعدة كلّ من: محَمّد مخلوف (بوالكريعات)، وصلاح بشير المغيربي. وكانت مجلّة "الفكر" من أشهر المجلات الطلابيّة، ومن بين الذين ساهموا في الكتابة فيها وقتذاك: أحمد خليفة الماقني، نجيب الحصادي، نجاة رشيد الكيخيا، صلاح بشير المغيربي.. وآخرين. وقد أثارت مقالة: "جحا وحماره" لنجيب الحصادي الكثير من الجدل والحوار، وربّما، كانت هذه المقالة بالذات أشهر ما نُشر في المجلّة في فترة صدورها.
أصدرت سّلطات سبتمبر قراراً بفصل عدد من الطلبة بسبب نشاطهم الطلابي المناهض لسياسات الدولة الهادفة للهيمنة على مؤسسة إتحاد الطلبة وبعدما نجح هؤلاء الطلبة في قفل الجامعة احتجاجاً على محاولات الدولة المستمرة لتدجين الإتحاد. وكان علي عبدالسلام الترهوني من بين الطلبة الذين تمّ فصلهم. تراجعت الدولة بعد فترة وجيزة – وبفضل الضغط الطلابي المستمر – على قرار الفصل فعاد علي الترهوني ورفاقه إلى مقاعد الدّارسة، فأكمل الترهوني دراسته وتخرج من الجامعة في عام 1972م الثّاني على دفعته.
رفضت السّلطة تعيينه معيداً في الجامعة بسبب عدم امتلاكه بطاقة الإتحاد الاشتراكي والتي كانت شرطاً من شروط التعيين في أي وظيفة رسميّة، وهي البطاقة التي كان الترهوني يرفض تقديم طلب للحصول عليها كما يرفض امتلاكها.
غادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التحصيل العلمي، فنال شهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة ميتشغان (Michigan State University, East Lansing) .
كان علي الترهوني أحد أعضاء اللجنة التي قادت الإعتصام في السفارة الليبيّة في واشنطن سنة 1975م، ونتيجة لهذا الموقف قطعت سّلطات القذّافي منحته الدراسيّة وطلبت منه الرجوع إلى ليبيا. انتخب بعد ذلك وتحديداً في عام 1976م مسئولاً إعلامياً في منظمة الطلبة العرب – وهي المنظمة التي كانت من بين أنشط وأهم المنظمات العربيّة العاملة في الولايات المتحدة في حقبتي الستينيات والسبعينيات. تمكن علي الترهوني من موقعه كمسئول إعلامي في المنظمة من بناء علاقات واسعة مع أطراف سياسيّة عربية متعددة، ومن جنسيات عربيّة مختلفة. اصطدم برموز السّلطة (الطلائع الثورية ) أثناء حضور لمؤتمر المبعوثين الذي عُقد بطرابلس عام 1976م. مُنعَ من السفر بعد اصطدامه بالطلائع الثوريّة فتوسط طرفاً فلسطينياً له لدى السّلطات الليبيّة فتمكن من الخروج ليكمل دراسته العليا، ولكن، على نفقته الخاصّة.
في عام 1978م.. اشترك في حوار وطنيّ، استمر أكثر من عام، مع بعض الرفاق، والذي نتج عنه تأسيس "الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة" التي أُعلن عنها في أغسطس 1980م، وذلك عقب إنعقاد المؤتمر الأوّل للجبهة الديمقراطيّة. شارك الدكتور/ علي عبدالسلام الترهوني في تـأسيس "الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة"، وعُين عقب إنعقاد مؤتمرها الأول أميناً عاماً للجبهة.
شارك في عدد من مؤتمرات اتحاد عام طلبة ليبيا – فرع الولايات المتحدة، والتي كانت تعقد في فصل الصيف من كلّ عام. كما ساهم في تأسيس American Libyan Freedom Alliance (ALFA ) منظمة التحالف الليبي الأمريكي من أجل الحرية (ألفا )، والتي تأسست في 10 أكتوبر 2003م بولاية فرجينيا، وسجلت نفسها كمؤسسة غير ربحية طبقاً للقانون الأمريكي بالولايّة. تولى الدّكتور/ علي عبدالسلام الترهوني منصب نائب الرئيس في منظمة "ألفا " ثمّ استقال من المنظمة ليساهم في الجهود المبذولة لأجل خلق قنوات تواصل وإتصال بين القوى الوطنيّة المعارضة في الخارج فتوجت تلك الجهود مع بدايات عام 2004م بإصدار وثيقة " رؤية لمستقبل ليبيا" والتي ساهم فيها إلى جانبه كلّ من: الأستاذ/ إبراهيم جبريل والأستاذ/ رشيد مصطفى بسيكري.. وآخرين، وهي الوثيقة التي عرفت فيما بعد بوثيقة "سياتل"، والموقعة من قبل 108شخصية ليبيّة. شارك في اللقاءات التشاورية منذ بدايتها والتي استمرت حوالي (18) ثمانية عشر إجتماعاً والتي توجت بعقد المؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة (مؤتمر الوفاق الوطنيّ ) بلندن في يومي 25و26 يونيه 2005م.
اختير نائباً لرئيس اللجنة التحضيريّة للمؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة ثمّ نائباً لأمين أمانة المؤتمر خلال يومي إنعقاد المؤتمر. كما اختير عضواً في هيئة المتابعة بالمؤتمر الوطنيّ ومنسقاً سياسياً في لجنة التنسيق ولازال يشغل هذا المنصب حتى ساعة كتابة هذه السطور.

مصادر ومراجع :
م134) الأستاذ/ إبراهيم عبدالعزيز صهّد – مقالة: من تخدع المصالحة – مجلة "الإنقاذ " العدد (23) / أكتوبر 1987م.
م135) الأستاذ/ بوزيد الهلالي– مقالة: قـراءة مستـقلة في بـيان "الإتحاد الدستوري الليبي" – موقع "أخبار ليبيا" يوم الأربعاء الموافق 1 يونيو 2005م.
م136) الأستاذ/ عماد البناني – رغم التضييق الإخوان المسلمون .. إنتشار حقيقي – مجلّة "المسلم" العدد "33" السنة "19" ذو الحجة 1419 هجري الموافق مارس 1999م.
م137) الأستاذ/ محمود محَمّد الناكوع – الفصل الثّالث من: حديث الكتب..رحلتي مع النّاس والأفكار – موقع "ليبيا جيل" / باب المقالات 21/4/ 2006م.
م138) الحاج فرج النجار (من الرعيل الأوّل لجماعة الإخوان المسلمين) – مقالة: إخوان ليبيا في عيون المصريين – نُشرت على موقع "الإخوان المسلمون" – إخوان أون لاين 21/12/ 2004م.
م139) الدّكتور/ فتحي الفاضلي – كتاب: المعارضة الليبيّة / المستقبل والمسيرة – الطبعة الأولى مارس 1996م.
م140) الدّكتور/ فتحي الفاضلي – كتاب: "البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد الثورة " – الطبعة الأولى عام 2002م.
م141) الدّكتور/ فتحي الفاضلي – كتاب: المعارضة الليبيّة / المستقبل والمسيرة – الطبعة الأولى مارس 1996م.
م142) المكتب الإعلامي للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا – رداً على مقالة "هل يُعقل أن ينتهي الحوار بحبل المشنقة..؟" للدكتور/ عزالدين يوسف نُشرت في بالعدد 260 من جريدة الزيتونة الصادر بتاريخ 1 مارس 2002م – موقع "الإنقاذ الإلكتروني مارس 2002م تحت عنوان: وقفات سريعة مع مقال.. هل يُعقل أن ينتهي الحوار بحبل المشنقة.
م143) برنامج: "أكثر من رأي" / قناة الجزيرة الفضائيّة – عنوان الحلقة: المعارضة الليبيّة.. التغيير السلمي والاحتماء – دار الحوار يوم الجمعة الموافق 1 يوليه 2005م ، ونصّ الحوار منشور على موقع "الجزيرة نت".
م144) مقابلة د/ الأمين بالحاج – موقع "ليبيا المختار" بتاريخ 20 مارس 2004م.
م145) الأستاذ/ محَمّد الشافعي – صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنيّة الصادرة يوم الأحد الموافق 26 يونيه 2005م.
م146) الدّكتور/ فتحي الفاضلي – كتاب: المعارضة الليبيّة / المستقبل والمسيرة – الطبعة الأولى مارس 1996م.


       
       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home