Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

Wednesday, 16 June, 2006

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج
بقلم : الصادق شكري
الجزء الثّالث
الحلقة الأولى ( 1 مِنْ 10 )

إهداء
إلى روح ذلك الأب الزاهد القنوع.. المجاهد والسياسي الحكيم الذي جَاوزْنَا بأنفاسِه المحن والكروب.. أبا الدستور.. صانع الإستقلال ومؤسس الدولة الليبيّة..
إلى روح الملك محَمّد إدريس المهدي السّنوسي في ذكرى مرور ربع قرن على وفاته.

الحلقة الأولى
إخواني.. لقد ضربنا رقماً قياسياً في التضحية والجهاد. فلو قيس ما ضحت به أمتنا بالنسبة إلى عددها وعدتها، وقورن بما فعلته الأمم الأخرى التي نالت حقوقها وإستقلالها، لوجدنا لبلادنا المقام الأوّل. إذن، لقد حق لهذا الشّعب أن يتبوأ مقامه كسائر الشعوب العربيّة، في جميع اعتباراتها وكيانها السياسي، وذلك بمساعدة بريطانيا العظمى وحلفائها الكرام. لهذه الغاية السامية عملنا، وعلى هذه الأهداف الشريفة اشتراكنا، وإلى هذا الغرض المقدس نسعى.
... وليقوم كل فرد بواجبه نحو وطنه. وما أوصي به هو الاتحاد ونبذ الشقاق وتقديم المصلحة العامّة ونكران الذات في سبيل صالح الوطن، وأن لا يتجاوز أحد اختصاصه إلى اختصاص الآخر. فليعمل كل شخص في دائرة اختصاصه بكلّ أمانة واستقامة، فإذا سلك كلّ فرد منا هذا المسلك فقد أدَّى لوطنه وأمته خدمة قيمة. وإياكم والغرور والتحاسد والتباغض والتسرع في الأمور فإن في ذلك مجلبة للأضرار وضياعاً للمصالح العامّة.
إخواني.. إن العلم هو النبراس الذي تستضيء به الأمم، فابعثوا أبنائكم إلى المعاهد والمدارس.
إخواني.. إن الاعتماد على النفس هو خير وسيلة للتقدم في مضمار هذه الحياة التي أصبحت فيها الساعة بمثابة شهور، والشهر بمثابة دهر، فعليكم بالجد والاجتهاد في العمل، والصبر على المكاره، والتآخي والإخلاص، لا فرق عندي في توجيه خطابي هذا بين النحل والديانات والمعتقدات، إذ كلكم أبناء وطن واحد يظلكم عملكم الوطنيّ، وإن للوطن عليكم حقاً أن تكونوا أبناءه البررة.
من خطاب الأمير إدريس السّنوسي بمدينة بنغازي صيف 1944م (2) .

مُقَدِّمة:
كرست جهدي في السنوات الماضيّة لكتابة ما عاصرت من أحداث، وما عرفت من أماكن وشخصيّات ورموز... كتبت عن مدينة بنغازي، والمعارضة الليبيّة في الخارج، وبعض الشخصيّات الوطنيّة من بينها: الأستاذ/ منصور رشيد الكيخيا. وتوقفت في معظم كتاباتي عند شخصيّات معينة رأيت من الأهميّة بمكان الوقوف عندها والتعريف بها، فأشرت إليها في عنوان منفصل أسفل كلّ مقالة من المقالات التي كتبت. وحاولت طيلة هذه السنوات تسليط الضوء على شخص مؤسس الدولة الليبيّة وعهده، فكتبت عن الملك إدريس السّنوسي سلسلة من عدة حلقات بأسلوب يوثق معلومات لم تدون، ويدون رواية شهود أعيان وحكايات من جمعتهم الأيام والصدف بشخص الملك خوفاً من إندثار الرواية وضياع الحكاية.. وبأسلوب جمعت فيه المادة الوثائقيّة والروايات التي تأكدت من صحتها ثمّ أضفت على مجموع ما كتبت التعليق والتحليل حتى أجعل المعروض ذا طابع خاصّ يختلف عن المعروض في كتابات الآخرين...
كتبت بصدق، وحاوَلت قدر الإمكان توخي الموضوعيّة، رغم إقراري بأنّني منحاز إلى حد بعيد إلى شخص الملك إدريس، وإلى الإنجازات التي تحققت في عهده.
ومؤكدا.. يستحيل لمن يكتب في التاريخ أو يحكي عنه أن يكون حيادياً مائة بالمائة، فالحيادية المطلقة مستحيلة، والموضوعيّة مهما علت درجاتها لا تكون إلاّ نسبية. ولا أقول إنّني كتبت بمنهجية الأكاديمي أو حرفنة المؤرخ، فقد أكدت في بداية الجزء الأوّل من هذه السلسلة إنّني كتبت بأسلوب (الرسائل) الأقرب إلى (الخواطر) منه إلى (الشكل الأكاديمي)، ولذا، اخترت كلمة (هَدْرَزَةُ) عنواناً ليكون الكلام مفتوحاً، ولأكون حراً طليقاً أتنقل من مكان إلى آخر، ومن نقطة إلى أخرى تجنباً لمحاسبة مؤرخ محترف أو كاتب أكاديمي.. وأعلنت القصد من وراء اختياري لهذا الأسلوب، وهو: الدعوة إلى تسجيل الذاكرة، وفتح الباب لمزيد من الحوار والنقاش بغيّة إخراج المادة التاريخيّة من الإطار السردي إلى فضاء النظر والتأمل والتحليل...
دخلت في حوارات عدة، ووصلتني العديد من الرسائل بعد الإنتهاء من جزء السلسلة الأوّل الخاصّ بالملك إدريس السّنوسي وعهده..
وأمام المعلومات التي زودني بها المطلعون من القرَّاء بعد قرأتهم للجزء الأوّل.. والمراجع والوثائق التي أرسلها إليّ بعض الأصدقاء.. وبعد حوارات ممتعة مع بعض المخضرمين على هوامش معارض الكتاب ومآدب الليبيّين في المهجر.. وجدت نفسي مضطراً للعودة مجدّداً لتناول شخص الملك إدريس وعهده من زوايا مختلفة عن سابقاتها، ونشر ما وصلني من تصويبات وروايات ووثائق...
أعود.. من أجل زيادة الفائدة والوقوف أمام محطّات لم أعطها في المرّة السّابقة حقها الوافي.. وبغية الإسهام في توثيق الحكاية والرواية، وإعادة نشر الوثائق التي سبق نشرها على نطاق ضيق أو محدود.. ورغبة في توسيع دائرة المعرفة بالتاريخ، وبالتالي، زيادة رقعة الوعي الذي يمكننا من الانتصار على الواقع المرير وينفذ بنا إلى مستقبل واعد مشرق للأجيال القادمة.
أنفقت شهوراً عدة، وأنا أبحث، وأتحاور، وأحمل الأسئلة بُغية تقديم الملك إدريس السّنوسي مرَّة ثانيّة في إطار مختلف عن الإطار السّابق، وشكل يضيف للمادة السّابقة شيئاً جديداً ولا يكرر السّابق دون إضافة.. والقصد من الكتابة عن شخص الملك للمرّة الثانية هو تكرار المحاولة من أجل إيفاء هذا الملك الصالح حقه، رغم إدراكي بصعوبة إيفائه ذلك الحق كاملاً أو إعطاء صورة متكاملة عنه.
أيضاً.. حتمت عليّ الرسائل والروايات والوثائق التي بعثها إليّ الأصدقاء والمهتمين، الوقوف مجدّداً عند شخص الملك إدريس، فالكتابة هذه المرَّة فرضها إلى جانب قيمة الوفاء – الحرص على أداء الواجب الأدبي تجاه ما وصلني من وثائق ورسائل وتصويبات...
أدعو إلى كتابة اليوميات.. وتدوين الذاكرة.. والاهتمام بالمادة التاريخيّة لأن في التاريخ العبرة والدرس، وخصوصيّة في فهم الواقع وتحديد ملامح المستقبل..
وأرجو، من القرَّاء الأعزاء تصويب الخطأ إنّ ورد، وإجلاء الالتباس إنّ حدث.. وعلى كلّ من لديه وثيقة أو معلومة أو رواية أو إضافة أو صورة أنّ يقوم بنشرها في المواقع الليبيّة من أجل أن نساهم جميعاً في كتابة تاريخنا على نحو أدق وأصح.
وكمَا أسْلَفتُ – فقد حاوَلت أن يكون هذا الجزء مختلف عن الجزء الذي سبقه ولا يكون نسخة كربونية منه أيّ يكون مكرراً لا يحمل جديداً ولا يضيف شيئاً ذا بال.. وأرجو من الله السداد والتوفيق.
ومؤكداً، سيكون الله في عوننا إذا ما سلكنا الطريق الصحيح.. والوفاء لجيل المؤسسين هي الخطوة الأولى على الطريق الصحيح.. والوفاء لجيل المؤسسين ولتاريخ ليبيا يبدأ بشخص الملك إدريس ودوره.. فالملك إدريس كان أباً روحياً لجيل المؤسسين، وهو وجه تاريخ ليبيا الناصع.. والأب الذي لم تعرف ليبيا أباً سواه.
وفي الختام.. أشكر الأستاذ/ مفتاح السيّد الشريف على تعاونه اللامحدود معي.. وأشكر الأستاذ/ فايز عبدالعزيز جبريل على ما قدمه ليّ من أوراق وملاحظات.. وعميق الشكر وعظيم الامتنان لذلك الشاعر المبدع، على جلسات الحوار الممتعة وقصيدة (يا أبا الدستور) التي منحني إياها، والتي سوف نقوم بنشرها – ولأوّل مرَّة – في حلقة من حلقات هذه السلسلة.. وأشكر بشكلِ خاص ابن ذلك الرجل الطيب وابن أخيه على كلّ شيء خصوصاً روايات الشهود التي لم يسبق تدوينها.
أمّا صديقي في الخليج، فبدونه ما كان لهذه السلسلة أنّ ترى النور.. فالشكر الأوّل والأخير له.
وفي الختام.. الأسلوب الذي سأتبعه في كتابة هذه السلسلة أقرب إلى أسلوب (الرسائل) منه إلى أسلوب (المقال المألوف)، وأقرب إلى (الخواطر) منه إلى (الشكل الأكاديمي)، أيّ نفس الأسلوب الذي اتبعته في السلسلة السّابقة.
وأخيراً.. الجهد الذي بذلته هو جهد في حدود إمكانياتي المعرفية وما توصلت إليه من تفسيرات وأبعاد، وهو جهد لا يخلو من الخطأ والسهو شأنه شأن أيّ جهد بشري في أيّ مضمار...
ولنبدأ من هنا.. وبالوفاء إلى الأب المؤسس الذي ترك لنا رسالة ذات مضامين وأهداف عظيمة.. وذات أسلوب لابُدَّ أن يحتدى به.
وبالله التوفيق..

السّنوسي.. صاحب أوّل مشروع وطني:
لم تكن ليبيا في يومِ من الأيامِ.. {.. ‏دولة بالمفهوم الحديث للدولة إلاّ بعد استقلالها في نهاية عام 1951م، ‏وبعد أنّ حصلت على الاعتراف من هيئة الأمم المتحدة بفارق صوت واحد ‏يتيم. لهذا فإنّ ما اصطلح على تسميته ليبيا قديماً (3) لم يكن عبر التاريخ ‏سوى موقعاً جغرافياً كان موضع اهتمام الكثير من الدّول والحضارات ‏المجاورة، إبتداءاً بالحضارة الفينيقيّة وإنتهاءاً بالغزو الإيطالي ‏الحديث...}م1.
استخدام العثمانيون إسم (طرابلس الغرب) لوصف ليبيا..{.. منذ القرن السادس عشر. ولكن إبّان الحكم العثماني كانت طرابلس جزءاً من الإقليم الأكبر المغرب الإسلامي. هنا لابُدَّ من الحذر عند استخدام اسم ليبيا والليبيّين قبل المرحلة الاستعماريّة إذ لم تكن هناك ليبيا، ولكن، ولايّة طرابلس الغرب. أمّا محاولات فرض الدولة الوطنيّة القطريّة وكأنها نشأت منذ قرون بعيدة قبيل الدولة الاستعماريّة هي في الغالب محاولة لفرض الحاضر على الماضي، لأن كلاً من الدولة القطريّة الليبيّة والتونسيّة والجزائريّة وغيرها في المنطقة بنيت (تكونت) خلال الفترة الاستعماريّة وكرَّد فعل لها..}م2.
ورغم أنّ العثمانيين استخدموا اسم (طرابلس الغرب) لوصف ليبيا، وأنّ طرابلس آنذاك كانت جزءاً من الإقليم الأكبر المغرب الإسلامي، إلاّ أنّ ملامح الخريطة الليبيّة لم تبدأ في التشكل إلاّ مع وصول العثمانيين إلى ليبيا، وبعد تولي الأسرة القره مانلية لشئون الحكم على وجه الخصوص. وضعت دولة الخلافة نظام عام ربط أقاليم البلاد – وبدرجة ما – من الناحية الإداريّة، ومدت خطوط إتصال كان لها الفضل في تواصل سكّان المناطق المختلفة والربط – وإلى حد ما – بين أقاليمهم. والعثمانيون جاءوا إلى ليبيا بطلب من سكّانها حيث استنجد السكّان بهم من أجل مساعدتهم في الدَّفاع عن بلادهم ضدَّ هجمات الأسبان وفرسان مالطا (فرسان القديس يوحنا) فتمكن العثمانيون من ذلك وسيطروا على البلاد، وذلك عام 1551م. وتعتبر الفترة الواقعة ما بين 1551م إلى 1911م هي الفترة الزمنيّة التي خضعت فيها البلاد للحكم العثماني رغم أنّ البلاد خضعت خلال هذه المدة – ولحوالي قرن وربع من الزمان – لحكم الأسرة القره مانلية. خضعت إيالة طرابلس لحكم الأسرة القره مانلية وهي الأسرة التي حكمت البلاد بنظام حكم وراثي لأبنائها وأحفادها، وكانت مستقلة في قرارها وإدارة شئون البلاد رغم أنّها كانت محسوبة على السلطنة العثمانيّة، فالمؤرخون يعتبرونها جزءاً من السلطنة العثمانيّة ويؤكدون على تبعيتها الاسمية للسلطنة العثمانيّة. حكمت الأسرة القره مانلية حتى عام 1835م، ففي هذا العام طالب قادة وفعاليات وأعيان طرابلس السلطان عبدالحميد بتنحية علي باشا القره مانلي (1832م – 1835م)، فأرسل السلطان قوَّات بقيادة نجيب باشا إلى طرابلس فتمكنت هذه القوَّات من إنهاءِ حكم الأسرة القره مانلية واُعتقل علي باشا القره مانلي الذي أُرسل بعد اعتقاله هو أسرته إلى استانبولِ، وبذلك خضعت البلاد – وللمرَّة الثانيّة – لحكم الأتراك المباشر.
مرت البلاد بحقبتين تاريخيتين خضعت فيهما..{.. مباشرة للسّلطة المركزيّة العثمانيّة الأولى بين 1551م إلى 1711م، والثانيّة بين 1711م إلى 1835م، أمّا المدة المحصورة بين 1835م إلى 1911م، فخضعت البلاد أو إيالة طرابلس فيها لحكم الأسرة القره مانلية، وقد تمتعت طرابلس خلالها بنوع من الاستقلال الذاتي عن التبعية الاسمية للدولة العثمانيّة..}م3.
كانت فزَّان وبرقة، في مرحلة الحكم العثماني، متصرفيتان تابعتان لولاية طرابلس الغرب، وبقيت فزَّان طوال عهد العثمانيين سنجقاً (متصرفيةً) (4) تابعاً لولاية طرابلس الغرب، بينما مرَّت برقة بأوضاع مختلفة خلال نفس العهد حيث تمكن السّنوسيون من نيل ثقة ومباركة مركز الحكم في طرابلس فأصبحوا هم أصحاب النفوذ في برقة خصوصاً في الدواخل، وأعفوا من الضرائب الأميرية والأعشار الشرعيّة... وبعدما أسند الوالي في عهد الأسرة القره مانلية حكم لواء بنغازي إلى أحد أبنائه، تمتع حاكم بنغازي وقتذاك بالصلاحيات نفسها التي يتمتع بها الباشا في طرابلس، وأصبحت متصرفية بنغازي (5) بعد العهد القره مانلي (من 1835م إلى 1864م) تابعة لولاية طرابلس، وأصبحت من سنة 1864م إلى سنة 1871م تابعة مباشرة للإدارة المركزيّة في استانبول ثمّ أصبحت جزءاً من الولاية وإدارتها حتى عام 1878م، وعادت بعد هذا التاريخ – ومن جديد – متصرفية تابعة للدولة العثمانيّة مباشرة.
أصبحت برقة منذ عام 1864م متصرفية..{.. تابعة لوزارة الداخليّة بعاصمة الدولة العثمانيّة. أمّا منذ عام 1872م فقد أصبحت ولاية مستقلة حتى عام 1888م عندما عادت إلى وضعها القديم كمتصرفية تابعة لمركز ولايّة طرابلس الغرب التي كانت غنيّة بالزراعة، فضلاً عن ذلك فلم تكن الحكومة العثمانيّة، بسبب بُعد إقليم برقة وصغر الحاميات العثمانيّة في مدن بنغازي والمرج ودرنة قادرة على فرض الضرائب على القبائل البرقاويّة...}م4.
بدأ التنظيم الإداري..{.. لإيالة طرابلس في سنة 1551م وامتدّ إلى سنة 1572م، خلال حكم (البكلر بكاوات) مراد أغا، ودرغوت ريس، والعلج علي، وجعفر باشا الذين وضعوا أسس التنظيم الإداري للإيالة، فقد قسمت البلاد في عهدهم على ثلاث مناطق أطلق عليها قائمقاميات، هي: طرابلس، وبنغازي، ومصراته.
واحتفظت بهذا التنظيم حتى سيطرت الأسرة القره مانلية على إدارة الإيالة، التي استمر حكمها من 1711م إلى 1835م...
وقُسمت إيالة طرابلس في عهد الأسرة القره مانلية على ثلاثة سناجق (ألوية)، هي: طرابلس، وبنغازي، فزَّان، وكان الوالي يحكم طرابلس فضلاً عن منصبه، في حين أسند حكم لواء بنغازي إلى أحد أبنائه، وتمتع بنفس الصلاحيات التي يتمتع بها الباشا في طرابلس، وأُطلق عليه لقب (بك)، ومُنح حكم لواء فزَّان إلى من يثق به الباشا من أقاربه وأعوانه...
استمرّت الأنظمة الإداريّة بعد القضاء على حكم الأسرة القره مانلية على ما هي عليه حتى سنة 1842م وأجريت بعد هذا التاريخ بعض التعديلات والتي استقرت في سنة 1864م إلى خمس متصرفيات، هي: طرابلس، والخمس، والجبل الغربي ومقرّها مدينة يفرن، وفزَّان ومقرّها مرزق، وبنغازي التي كانت تارة تتّبع الولايّة، وأخرى تتّبع الإدارة المركزيّة في استانبول مباشرة، وكلّ متصرفية مقسمة إلى عدد من الأقضية يرأس كلاً منها (قائمقام)، وكلّ قضاء مقسم إلى عدد من النواحي، يرأس كلاً منها مدير ناحية...}م5.
وقد طرأت بعض التغيرات على هذه التقسيمات عام 1911م، وقبل بداية قصف الأسطول الإيطالي في 3 أكتوبر/ تشرين أول 1911م لمدينة طرابلس ثمّ لباقي المدن الليبيّة واحتلالها.
دخلت الجغرافيا الليبيّة طور التأكيد بعد الاحتلال الإيطالي لليبيا، وشكل انتصار المجاهدين في 29 أبريل/ نسيان 1915م في معركة القرضابيّة نقطة تحول هامّة في جهاد الليبيّين ضدَّ الغزاة الطليان، وفي تاريخ الحركة الوطنيّة. شارك أبناء المنطقة الشرقيّة والغربيّة والجنوبيّة – ولأوّل مرَّة – في معركة واحدة ضدَّ القوَّات الإيطاليّة الغازية للبلاد، وذلك حينما شارك كل هؤلاء في معركة القرضابيّة. وهذه المعركة اُعتبرت نقطة إنطلاق في تاريخ الحركة الوطنيّة حيث جمعت سكّان المناطق المتفرقة في ميدان واحد لمواجهة عدو مشترك، وهي التي مدت جسور الثقة بين المجاهدين في أقاليم البلاد المختلفة، ووضعت المجاهدين وقادة المقاومة أمام حقائق وواقع جديد جعلهم يدخلون مسألة توحيد الجهود والصفوف حيز التفكير والتدبير وبالتالي التنسيق من أجل مواجهة المستعمر أملاً في تحقيق الوحدة الوطنيّة.
ومن المؤكد.. لم يكن هنالك شيئاً إسمه (ليبيا) بمفهوم الدولة قبل إعلان الإستقلال مع نهاية عام 1951م، فليبيا كحدود جغرافية ودولة مستقلة ذات سيادة لم يتمّ تأسيسها إلاّ حينما وقف الملك إدريس السّنوسي معلناً من شرفة قصر المنار في مدينة بنغازي، إستقلال ليبيا وقيام المملكة الليبيّة المتحدة في 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م. وليس هناك شخصاً تخطت زعامته حدود القبيلة أو الحزب أو الإقليم الواحد غير السيّد/ إدريس السّنوسي، فلم يرتكز شخصاً قبل السّنوسي في تحركه على ما ذكرنا من معطيات وينطلق بها مؤسساً مشروعاً وطنياً تجاوز به حدود الإقليم الواحد، فمشروعه هو المشروع الوحيد الذي حظيي بالقبول والإجماع، وشخصه هو الوحيد الذي نال بيعات موثقة معروفة قدّمها له سكّان الأقاليم المختلفة، ومشروعه هو الذي أدى في نهاية المطاف إلى الوحدة الوطنيّة وقيام الدولة الليبيّة الحديثة.
إذن، وبالفم المليان.. الملك إدريس السّنوسي هو أوّل زعيم ليبي تتخطى زعامته حدود إقليمه، وأوّل زعيم ليبي يتقدم بمشروع وطني يحمل آلام النَّاس وآمالهم حيث بايعه سكّان الأقاليم المختلفة ثلاثة بيعات مكتوبة معروفة.. وهو الأب المؤسس للدولة الليبيّة وأيّ حديث لا يقر بهذه الحقيقة ويحاول فرض شيء غير ذلك وكأن الدولة الليبيّة نشأت منذ قرون هو حديث عاري من الصحة كونه يريد أنّ يفرض الحاضر على ماضي الزمان.
ومنذ مرحلة مبكرة جداً.. رأى السيّد/ إدريس السّنوسي – وقبل سنوات من استلامه لزمام القيادة من السيّد/ أحمد الشريف– بأنّ إخراج قوَّات المجاهدين خارج حدود الأقاليم الثلاثة (طرابلس وفزَّان وبرقة) والاستجابة لمطالب دولة الخلافة العثمانيّة لن يفيد سكّان هذه الأقاليم شيئاً، ولن يكن هنالك طائلاً من وراءه.. فقد رأى السيّد/ إدريس ربط مصير سكّان هذه الأقاليم بمصير دولة الخلافة، وإخراج القوَّات السّنوسيّة خارج الحدود، كان في وقت من الأوقات مبرراً، ولكن لا يقبل تبرره اليوم بعدما انتفت كل الأسباب والمبررات فلم تعد دولة الخلافة الدولة التي يمكن الاعتماد عليها ولا هي الجهة التي تقدر مصالح السكّان وتحقق أهدافهم واحتياجاتهم.
وبعد استلامه لزمام الأمور مباشرة، رسم الأمير إدريس خطوط مشروعه السياسي وحدد ميدان المعركة حيث بات واضحاً لديه إمكانية التنسيق بين جهود سكّان الأقاليم الثلاثة (طرابلس وفزَّان وبرقة) لمواجهة المستعمر الإيطالي والسعي لطرده من البلاد ثمّ تكوين كيان سياسي مستقل يجمع هذه الأقاليم تحت مظلة دستور يكفل تمثيل السكّان تمثيلاً حقيقياً في مجالس منتخبة تقع على عاتقتها مسئولية تحقيق الأمن والعدل والمساواة.
ومن هنا.. توقف إخراج قوافل المجاهدين خارج الحدود منذ استلام الأمير إدريس لزمام القيادة، فقد ارتكز مشروعه السياسي منذ البداية على أسس المكون الوطنيّ بخلاف مشاريع القادة السّنوسيين الذين سبقوه، حيث سبقته مشاريع ذات نفس عالمي وطموحات تتجاوز حدود الأقاليم الثلاثة (الوطن)، والتي جسدها والده السيّد/ محَمّد المهدي ثمّ من بعده السيّد أحمد الشريف أبن عمّه. فقد دارت كل المعارك مع المستعمر الإيطالي فوق الأراضي التي عرفت فيما بعد باسم الأراضي الليبيّة، وحينما تحالف مع البريطانيين من موقعه في المنفى وأسس الجيش الوطنيّ في مصر في 9 أغسطس/ أب 1940م، وضع أمام البريطانيين شرط: (ألاّ يحارب المجاهدون الليبيّون عند دخولهم مع الحلفاء خارج الحدود الليبيّة )، ضمن مجموعة من الشروط الأخرى.
استخلص السيّد/ إدريس السّنوسي العبر والدروس من تجارب من سبقوه.. وتعامل مع واقع الحال بواقعية شديدة، وتقدير دقيق للإمكانيات التي يملكها بين يديه وما يمكنه الحصول عليه من الغير.. تحرَّك بين سكّان الأقاليم الثلاثة من أجل توحيد الصف وإشراك كافة النَّاس في المعركة.. وقبل التفاوض مع العدو من أجل حقن الدماء والتقاط الأنفاس وكسب أنصار من الخارج.. وحينما تفاوض مع العدو، أشرك في بعض مفاوضاته طرف ثالث ليكون هذا الطرف شاهداً من ناحية، وضاغطاً لأجل تنفيذ ما اتفق عليه من ناحية أخرى.
كان سيدي إدريس السّنوسي يؤمن بأن خدمة الأهداف الكبرى لا تتم إلاّ من خلال مشروع قادر على التطوير المستمر والتعامل مع المتغيرات والتأثير في الواقع مهما تبدلت الأوضاع واختلفت الظروف.. مشروع لا يفرض شروطاً مسبقةً على واقع متحرك متغير، فالشروط المسبقة تفقد الحركية والفعالية للجماعة فما يصلح أن يكون شرطاً اليوم ليس بالضرورة أن تستمر صلاحيته إلى الغدّ، ومن هنا، حارب سيدي إدريس العدو، وتهادن معه (عقد هدنة)، وتفاوض معه في مرحلة لاحقة، ثمّ أشرك، في مرحلة أخرى، طرفاً ثالثاً ليضمن تنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات. وبعدما نقض العدو الإتفاقيات المبرمة معه، تحالف مع الطرف الذي كان شاهداً على المفاوضات، فطرد عبر هذا التحالف المستعمر من البلاد، وحقق إستقلال إقليمه ثمّ إستقلال ليبيا ووحدة أقاليمها الثلاثة من خلال إشراك القوى الدّوليّة في مسعى تحقيق الإستقلال، عبر هيئة الأمم المتحدة.
على أية حال.. قدّم سيدي إدريس مشروع سياسي يشمل الجميع ويكفل حقوق سكّان الأقاليم الثلاثة عرباً وأمازيغاً.. ومسلمين وأقلية يهوديّة. ورأى المشروع الوطنيّ الكبير ككافل لحقوق الأقلية مثل كفالته لحقوق الأغلبية بحيث لا تنفصل الأقلية بمشروعها بمعنى أنّ يكون مشروعها ضمن المشروع الوطنيّ الكبير أيّ جزء من مشروع الدولة والمجتمع الواحد.. وهذا لا يعني إلغاء خصوصية الأقلية بل هو تأكيد لها واعترافاً بها. فالاعتراف بالتمايز الثقافي، وإعطاء الأقليات الحق الكامل في ممارسة ثقافتها والتعبير عنها، هو واجب وضرورة ومسئولية وهو تمايز يغني الجماعة ويقويها ولا يفرقها أو يضعفها وبالتالي يغني الدولة ويقويها بعد قيامها.
ولذا، رأينا السيّد/ إدريس حينما تقدم للقيادة لم يوظف انتمائه إلى آل البيت ولا رصيد عائلته الدعوي الجهادي إنّما تحرَّك وسط كل النَّاس حاملاً آمالهم وآلامهم وبتفويض منهم حيث تمت مبايعته ثلاثة بيعات مكتوبة معروفة، فالبيعة الأولى تمت في 28 يوليو 1922م، والبيعة الثانيّة تمت في مؤتمر عُقد بمدينة الإسكندرية في تشرين الأوّل / أكتوبر 1939م، أمّا البيعة الثالثة رفعتها إليه جميع الأحزاب السياسيّة في 16 يونيو/ حزيران 1944م.. فهو أوّل شخص في التاريخ الليبي يبايعه النَّاس ويفوضونه للحديث باسمهم.
ورأيناه حينما تشكل مجلس نواب برقة في العهد الإيطالي (1921م – 1926م)، وشغل مقاعد ذلك المجلس خمسون (50) عضواً حرص أنّ يكون من بين هؤلاء ممثلون عن الأقليات في إقليم برقة فكان من بين الأعضاء عدد من الأشخاص يمثلون الأقليّة اليهوديّة. وبعد إستقلال ليبيا رفض الملك إدريس السّنوسي إطلاق صفة العربيّة على إسم الدولة الليبيّة كمَا هو جاري في عدد من البلدان آنذاك. واكتفى الملك بإطلاق إسم (المملكة الليبيّة المتحدة) على إسم الدولة واضعاً في اعتباره سكّان منطقة الجبل الغربي بليبيا حيث ترجع أصول معظمهم إلى الأمازيغية لا العربيّة، ولذا، حبذ أن تكون (الليبيّة) هي الصفة الجامعة بين السكّان لأنّ (العربيّة) تخص مجموعة معينة ولا تخص سكّان كل البلاد، وأنّ كان العرب يشكلون غالبيّة سكّان ليبيا. على العموم.. تشكلت الأقاليم الثلاثة من تكوينات اجتماعيّة مختلفة حيث سيطرت (القبيلة) في بعضها أو في أجزاء من أقاليمها.. وهيمنت (العائلة) على مراكز النفوذ في ذلك الإقليم أو في أجزاء منه، وبالإضافة إلى هذا النسيج الاجتماعي فهي متكونة من عرب وأمازيغ وأقليات دينية وعرقية أخرى. تقدّم الأمير بمفهوم (الأمّة الليبيّة) بعد المرور بمرحلة سادت فيها كيانات سياسيّة نظمت علاقة السّلطة بالأفراد داخل نطاق جغرافي معين: حكومة مصراتة.. الجمهورية الطرابلسيّة.. حكومة إجدابيا. جاء الأمير بمشروع (الأمّة الليبيّة) وركز على مفهوم الأمّة في العديد من خطاباته قبل إعلان الإستقلال وبعده. فقد كان من الضروري التقدم بهكذا مفهوم لأجل جمع شتات الأقاليم الثلاثة في كيان واحد حيث لم يسبق لهذه الأقاليم أنّ اتحدت من قبل، وقد نظر الأمير إلى هذا الاتحاد على أنّه الخطوة الأساسيّة التي ستمكن الليبيّين فيما بعد للذهاب بهذا المفهوم إلى من هو أكبر وأعظم. وهذا ما تمّ بالفعل، فلولا هذا المشروع الذي حقق الاتحاد ما كان لليبيين فرصة للتطلع إلى مشاريع وحدوية أكبر كمشروع (الوحدة العربيّة) الذي حلم وتنادى به الكثيرون.
جاء الأمير إدريس بمفهوم الأمّة الليبيّة كبرنامج وحدوي عمل من خلاله على توحيد شتات شمل الأقاليم الثلاثة في كيان سياسي واحد يتمتع بالاستقلاليّة والسيادة، فتحقق له ذلك في الرابع والعشرين من كانون الأوّل/ ديسمبر من عام 1951م. وبعد الإستقلال ووحدة الأقاليم واتفاقها، رسخ مفهوم الأمّة في نفوس الليبيّين وتعاظم حتى صار الليبيّون يتطلعون إلى وحدة أكبر من الوحدة التي حققوها بمعنى ذهبوا بمفهوم الأمّة إلى حيز أكبر من حدود الجغرافيا الليبيّة فتطلعوا إلى وحدة بين أقطار دول المغرب العربي.. ووحدة تجمع بلدان العالم العربي.. ووحدة بين دول العالم الإسلامي، أيّ من حيز الأمّة الليبيّة إلى فضاء الأمّة المغاربية، والأمة العربيّة، والأمّة الإسلاميّة.
ومن جديد.. بدأ الأمير/ إدريس منذ يومه الأوّل في القيادة: التخطيط والتنفيذ لمشروع لا يتجاوز حدود الأقاليم الثلاثة (طرابلس وفزَّان وبرقة)، وتجنب عرض نفسه على أساس انتمائه إلى آل البيت أو كشيخ لطريقة صوفيّة أو زعيم لحركة إسلاميّة إنّما أراد التحرك وسط النَّاس أجمعين بعيداً عن منظومة الولاءات ودائرة الوصاية والإملاءات، فقد حرص منذ البداية على أنّ يختار النَّاس ممثليهم ويكون لهم ممثلون حقيقيون يمثلونهم في مجالس تقع على عاتقتها مسئوليّة رسم السياسات واتخاذ القرارات ووضع الآليات المنفذة لما اتفقوا عليه.
هدف الأمير في البداية إلى توحيد جهود أقاليم البلاد الثلاثة من أجل التحرير والاستقلال وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة لا تذوب في كيان غيرها حيث رفض في وقت مبكرة الدعوة التي رفعها البعض والقاضية بوضع ليبيا تحت الوصاية المصرية أو الأجنبيّة، وأكد في أحد لقاءاته الصحفية في صيف 1949م عن رفضه لفكرة الوصاية وأعلن تمسكه بإستقلال ليبيا التّام. وجاء في تصريح صحفي للأمير إدريس السّنوسي بتاريخ 29 يوليو/ تموز 1949م لجريدة الأهرام المصريّة، ما يلي:
- إستقلال ليبيا التّام الذي يضمن لها السّيادة الكاملة.
- وحدة البلاد من الحدود التّونسية إلى الحدود المصريّة.
- الإنظمام إلى جامعة الدّول العربيّة كدولة مستقلة. (انتهى التصريح الصحفي)
ارتكز مشروع الأمير إدريس السياسي على قاعدة (ليبيا أولاً ) وهي القاعدة التي ترجمتها سياساته في مرحلة قيادته لحركة التحرير الوطني ثمّ سياساته بعد تتويجه ملكاً دستورياً على ليبيا. لم يتعامل الملك إدريس مع شعبه بعد تتويجه ملكاً على ليبيا على أنّه صاحب الحكمة والفضل وأنّه القائد الوحيد الأوحد بل كان متواضعاً إلى حد الزهد، وحريصاً على ترك إدارة شئون البلاد لوزرائه الذين كلفهم بتولي زمام الحكم.. ولم يتطلع طيلة سنوات حكمه إلى زعامة خارج حدود بلاده.. ولم يرسم لشعبه أحلاماً وردية أو يرفع شعارات قصد تخدير شعبه والتغرير بهم ولكنه كان صاحب رسالة وضعت مصلحة ليبيا وراحة أبناء شعبها فوق كل اعتبار لأنّه كان مؤمناً بأن ليبيا تضررت أكثر من أيّ بلد من جراء الحروب التي دارت فوق أراضيها وأن شعبها يستحق الراحة بعد تعب طويل حيث عانى من الشقاء والبؤس أكثر من أيّ شعب آخر على وجه الأرض. فقد أوصى وزرائه منذ أوّل حكومة وطنيّة بوضع مشاريع قطاع التعليم في مقدّمة البرامج التنمويّة للدولة ففي البداية كانت الموارد محدودة جداً أو لا تكاد توجد أصلاً فقام وزرائه بعد إسترجاع الأملاك الإيطاليّة باختيار المباني التي بالإمكان الاعتماد عليها بعد ترميمها وإدخال بعض التحسينات عليها ثمّ تجهيزها بما يلزم لتكون (مدارس داخليّة) لأنّ الإمكانيات لا تسمح ببناء المدارس في كل مكان في بلد كبير مترامي الأطراف..{.. وبدأت تلك المدارس في العمل ونجحت الفكرة وتقاطر التلاميذ علي المدارس التي أمنت لهم بجانب التعليم المأكل والملبس، وقد تخرج من هذه المدارس كثير من الذين انخرطوا فيما بعد في وظائف هامّة في الدولة..}م6.
وبعد الزيادة النسبية التي طرأت على الميزانيّة العامّة بسبب الاتفاقيتين العسكريتين التي عقدتهما الحكومة مع بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكيّة شرعت الحكومة تدريجياً في بناء المدارس وبدأ عدد التلاميذ يزداد في المدارس بشكل فاق كل التصورات حيث لم يتجاوز عدد التلاميذ في جميع المدارس يوم إعلان الإستقلال في نهاية 1951م رقم المائتى (200) تلميذ، ويوم استولى معمّر القذّافي على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م صار عدد المدارس بالمئات وبلغ عدد التلاميذ ثلاثمائة ألف تلميذاً.
حرص الملك إدريس على توظيف كلّ قرش استلمته ليبيا – وقبل خروج النفط – كمعونة من الخارج في بناء المدارس والمعاهد وإعداد الكوادر التعليميّة من أجل تحقيق نهضة تعليميّة كان لا يرى لليبيا مستقبلاً مشرقاً بدونها.
وبعد خروج النفط، رفض تصدير ثروة البلاد خارج الحدود قبل تنفيذ مشاريع النهوض وخطط التنمية والإسكان. فقد رفض الملك إدريس في فبراير/ شباط 1962م طلب الحكومة الأمريكيّة (6) الذي حمله إليه السيّد/ آرمند هامر (1898م – 1990م) رئيس شركة أوكسيدنتال للنفط الأمريكيّة والمكلف من قبل الرئيس الأمريكي جون كنيدي، بدعم الدول الفقيرة في أفريقيا، فقال:..[.. نحن لن نتأخر عن مساعدة أحد، ولكن، لن نقدم معونة لأحد قبل النهوض بهذا الشّعب الذي عانى من الفقر والمجاعات عقود طويلة من الزمان ودُمرت بلاده من قوَّات المستعمر الإيطالي البغيض ومعارك الحروب العالميّة التي دارت فوق أراضيه.. فليبيا أولاً وبعدها نفكر في مساعدة الغير..].
وفي جانب آخر.. كانت قيمة (التسامح) راسخة في أعماق الأمير إدريس السّنوسي، وهذه القيمة ترجمها في مواقفه ومشروعه الوطني، وفي مرحلة قيادته لحركة التحرر وبعد الإستقلال وتتويجه ملكاً على ليبيا. كان الأمير مؤمنا بأن التسامح يعني قبول اختلاف الآخرين، والاختلاف قد يكون في الدين أو في العرق أو في التوجهات السياسيّة ووجهات النظر.. وكان لا يقبل الشطط وينبذ التعصب. وقد أكد الأمير إدريس على بعض هذه القيم والمفاهيم في مرحلة مبكرة من عمره وذلك حينما أجرى معه الرحَّالة الدنمركي السيّد/ كنودُ هولمبو (Knud Holmboe) مقابلة في الإسكندريّة (7) في أوائل ثلاثينيات القرن المنصرم. قال الأمير للرحَّالة الدنمركي..{.. يهدف السّنوسيّون إلى زيادة تقوى وسمو القلب، ويمكن الوصول إلى هذا الهدف.. بتطهير الفكر من كلّ شيءٍ عدا الله وحده وباجتناب الشطط ونبذ أيّة متعة لا تقربنا من الله تعالى..
ومن يتبع السّنوسيّة يصبح قوياً جسمياً وعقلياً.. ويجب أنّ يصبح السّنوسي عبداً لله وحده، بمعنى أنّ يكون سيد الموقف دائماً.. تعاليم السّنوسيّة لا يشوبها التعصب ضدَّ أيّة طريقة إسلاميّة أخرى أو دين آخر إنّها البساطة بمعناها الكامل..}م7.
كان من الطبيعي أن يكون شخص الأمير إدريس السّنوسي متسامحاً ينبذ الفظاظة والإقصاء ويحض على اللين والرّفق والتعاون بين المختلفين حيث أنّه من سلسلة شريفة، وترب في محاضن حلقات الذكر وحفظ القرآن الكريم، وبين طلبة العلم وكبار العلماء والمشايخ. وأخلاق الأمير الإسلاميّة تدعو إلى ذلك بل تجعله متمسكاً بقيم التسامح واللاعنف، فآيات القرآن الكريم والسيرة النبويّة الشريفة تدعو المسلم إلى قيم المحبة واللين واللاعنف، وإلى الاعتراف بالآخر والامتناع عن إقصاء المخالفين. فالإسلام..{.. ينبذ الغلظة والفظاظة والجفاء ويحض على اللين والرّفق والسماحة والتيسير ويأمر بالتحابُب والتوادُد والتراحم والتآلف ويعترف بوجود الآخر ويُقر حقّه في التَّديّن ويُقدّر اختياره ويدعو إلى احترام ما ارتضاه من خصوصية وإلى التعامل معه بلطف وإحسان وينهى عن سبّه والتحرّش بدينه..}م8.
أقر الأمير في مشروعه الوطنيّ بالاختلاف ورحبَ بالتنوّع واعترف بالتغاير والتمايز. واحترم التكوين الاجتماعي والخصوصيّة الثقافيّة لكل مكّون من مكّونات المجتمع واعتبر المكونات المختلفة لأبناء المجتمع الواحد مصدر قوة.. وسرّ البقاء والوجود.. وعنوان الهويّة.. ومبَعث الفخر والاعتزاز، ولذا، ارتكز على قيمة (التسامح) وعملَ على تقويتها وترسيخها لأنّه آمن بها واعتبرها أهمّ عامل في بناء المجتمع القوي المتماسك.. وفي تفعيل طاقات المجتمع وتحرَّيكها.
وقيمة التسامح لم تمنعه من الحزم كلما استدعى الأمر ذلك، فبعد استلامه عام 1916م شئون القيادة من أبن عمّه السيّد/ أحمد الشريف السّنوسي، وكان النَّاس حينذاك في أشد الظروف وأظلمها حيث العوز والمرض والمجاعات الطاحنة، فلم يتساهل الأمير ويتسامح في ذلك الوضع الشديد الغلظة والقسوة مع كلّ من سولت له نفسه: العبث بلقمة العيش أو مارس السطو والسرقة، فأنزل بأولئك أشد العقوبات وأحكام التأديب ليكونوا عبرة لغيرهم.
وخلاصة هذه النقطة، فقد كان اللين والتسامح من سماته الغالبة إلاّ أنّه كان حازماً في المواضع التي لا يجدي اللين معها، كالحالة التي مرّت بها البلاد بين عامي 1916م و1917م، بمعنى أنّه كان ليناً في غير ضعف.
وفي 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م.. بعد استلامه للحكم وتتويجه ملكاً على ليبيا، لم يفتح ملف المتعاملين مع الطليان (الباندة) إبّان مرحلة الجهاد باعتبار حدوث هذا قبل الإستقلال وقيام الدولة، وأنّه كان جزءاً من الماضي والماضي طويت صفحته وراح إلى سبيله. وأراد أن يفتح صفحة جديدة ويعتبر ما فات قد ولى ومات، وأن الدولة التي يسعى لبنائها لابُدَّ من إبعادها عن دوائر الثأر والانتقام، والعمل على إشراك الجميع في تعميرها ونهضتها بعدما عانت أكثر من أيّ بلد غيرها، ولعقود طويلة من الزمان، من ويلات الحروب والاحتلال، ومن الأمراض الفتاكة والمجاعات التي راح بسببها الكثيرين.
وحتى الأشخاص الذين حاكمتهم الإدارة الإنجليزية بسبب وقوفهم إلى جانب إيطاليا ودفاعهم عنها كان عددهم محدوداً جداً، حيث اختصرت حالة الإتهام في أضيق الحدود وعلى أشهر الحالات وأكثرها وضوحاً، وأمام هذه المسألة لم يتدخل الأمير إدريس إلاّ بالتماس العفو وتخفيف الأحكام عن المتهمين، وحينما صدرت الأحكام بحق هؤلاء لم تتجاوز أقسى عقوبة السبعة (7) سنوات. وممّا تجدر الملاحظة إليه، بأن الدولة الليبيّة بعد الإعلان عن قيامها لم تسن قوانين محاسبة بتواريخ رجعية، ولم تضع شروطاً للوظائف غير الشروط المهنية المطلوبة حيث ابتعدت عن المواصفات ذات الطابع السياسي (مصنفات الولاء) التي يتمّ بموجبها قبول سين من النَّاس ورفض صاد كالتي وضعها جمال عبدالناصر أمام بعض الوظائف الدبلوماسيّة والعسكريّة والسياسيّة رفيعة المستوى منعاً لرجالات الملك فاروق وأولادهم ومن يعتقد في عدم إخلاصهم لثورته بالحصول على تلك الوظائف.
ومن المهم أيضاً، الإشارة إلى الخطاب السياسي للعهد الملكي، فقد خلى خطاب النظام السياسي من عبارات التخوين والإتهام بالعمالة حيث لم تعرف ليبيا أسلوب الشتائم والتخوين إلاّ بعد استيلاء العسكر على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م. كان الملك إدريس السّنوسي متمسكاً بقيمة (الحرية) رافضاً أن يستبد بشعبه أو يتسلط عليه حيث رأى في (الحرية) الأس الأهم التي قامت عليه الدولة الليبيّة، فمبدأ التحرر من الاستعمار هو الذي وحد الليبيّين وجمع شتاتهم، ولذا، هنالك التزام أدبي حيال هذه القيمة ناهيك عن الواجب والمبدأ الأخلاقي تجاهها، والالتزام الأدبي تجاه هذه القيمة ليس هو نفسه في بعض دول الأخرى، فبعض الدول تأسست على فكرة أخرى غير مبدأ التحرر كالسعودية مثلاً حيث قامت على فكرة تسوية الصراعات الداخليّة ولمّ شمل القبائل في كيان سياسي واحد يحافظ على الهوية ويحمي من التشرذم وآفة الانقسام.
ومن جديد.. حينما حكمت المحاكم العاديّة على بعض الأشخاص لثبوت تورطهم في قضايا مخالفة للقانون في العهد الملكي، تدخّل الملك إدريس بحكم صلاحياته الدستورية – وفي أكثر من مرَّة – لتخفيف الأحكام الصادرة بحقهم، وبالإفراج عن بعض الأشخاص بعد قضاء نصف مدة العقوبة وأحياناً أقل من هذه المدة.
وطوال سنوات العهد الملكي.. لم تسجل خلال فترة حكم الملك إدريس التي امتدت من 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م إلى ساعة استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة في 1 سبتمبر/ أيلول 1969م، حالة إعتقال واحدة خارج القانون أو.. {.. لجهة غير قانونيّة، أو جهة غير شرعيّة مثل (اللجان التي ترتدي الأقنعة الثوريّة كاللجان التي اصطنعها معمّر القذّافي) والتي قامت وتقوم بعمليات الاعتقال السياسي.
وعبر مسيرة النظام الملكي لم تسجل حادثة واحدة لمداهمة البيوت السكنية والعبث بمحتوياتها، ولم يروع كبار السن والشيوخ والأطفال والنساء.. ولم تسجل حالة واحدة للإعتقال السياسي تمت في منتصف الليل أو بعده.
خلال العهد الملكي تكاد لم تسجل حادثة واحدة لضرب المعتقل السياسي أثناء القيام بإعتقاله أو أهانته وإذلاله أمام أهله وذويه و زملائه وأصدقائه.
خلال حكم الملك إدريس السّنوسي لم تسجل في تاريخ ليبيا حالة واحدة تمّ فيها إعتقال أب أو أخ أو أخت أو صديق أو جار لمعتقل سياسي.
وخلال الحكم الملكي لم يعدم شخص لجرم سياسي مطلقاً، ولعلّ الحالة الوحيدة الذي أعدم فيها شخصاً قصاصاً كان من العائلة السّنوسيّة نفسها (الشريف محي الدين السّنوسي)..}م9. ونُفِذَ حكم الإعدام يوم 6 فبراير/ شباط 1955م في الشريف محي الدين السّنوسي لأنّه قتل نفس بريئة بغير حق، وذلك حينما أطلق النار على السيّد/ إبراهيم الشلحي ناظر الخاصّة الملكيّة يوم 5 أكتوبر/ تشرين أول 1954م أمام مبنى رئاسة الوزراء بمدينة بنغازي.
وفي الختام.. استطاع السيّد/ إدريس السّنوسي التعبير عن آلام النَّاس وآمالهم، وأنّ يدافع عن حقوقهم دفاعاً حقيقياً صادقاً فتمكن بواسطة مشروعه السياسي أن يصبح رمزاً وطنياً، ويحصد المبايعات، ويحقق الإنجاز فوق الأرض.
لم ينفرد السّنوسي برأيه ولا طعن في شخصِ خالفه الرأي.. ولم يدين من سلك اجتهاداً غير اجتهاده، وطريقاً غير طريقه.. ولم يقلل من شأن أحد ولا عمره استهزئ بإنسانِ.. حفظ لسانه واجتنب كل حديث نهى الله سبحانه وتعالى عن الخوض فيه.. ورفض الدنيا كلها في سبيل خدمة الوطن وأبنائه، فاستحق لقب (الزعيم) بجدارة واستحقاق.
جاء السّنوسي بـ(الفكرة)، وامتلك (الرؤية)، وتقدم بـ(المبادرة)، وجسد بشخصه القيمة الأخلاقيّة والنضاليّة والنموذج الحي للقدوة، فهكذا نال لقب (الزعيم) بجدارة واستحقاق، فالقامات الأخرى في تاريخنا الليبي وصلت إلى لقب: الإمام، وشيخ المجاهدين، والقائد، والمجاهد، والمناضل، والشخصيّة الوطنيّة أمّا لقب الزعيم فلم يصل إليه أحداً – وإلى الآن – إلاّ هو. ومواصفات الزعيم لم تنطبق – وإلى الآن – على أحد سواه مع كامل احترامنا لقاماتنا الوطنيّة التي نقدرها ونجلها كثيراً، فهذا الوصف لا يقلل من شأنهم ولا يحجب حقهم، ولكن الحق أولى بأن يتبع ويقال...
وأخيراً.. حاولت في هذه الوقفة، إجمال وتلخيص مشروع السّنوسي الوطنيّ في نقاط وإشارات، وآمل أن يجد القارئ في الحلقات القادمة تفاصيل ما ذُكر، بل، أزيد من ذلك بكثير. وسأقوم في هذا الجزء مجدّداً بتسليط الضوء على دور الملك محَمّد إدريس السّنوسي، وسيرته، وشخصيته، وسجاياه وخصاله.. وسأقف عند بعض المحطّات ورجال عهده كمَا سأجيب عن بعض الأسئلة والاستفسارات.. أنّها محاولة آمل أنّ تكون موفقة.. وما التوفيق إلاّ بالله.

________________________________________________

ملاحظات وإشارات هامّة :
1) الجزء الثالث: رغم أنّ هذا الجزء كُتِبَ منفصلاً عن الجزء الذي سبقه ومن زاوية مختلفة عنه، إلاّ أنّ الرجوع إلى الجزء الأوّل قد يكون مفيداً لإكمال الصورة وتغطية المساحات والفراغات التي أكتفينا بالمرور عليها في هذا الجزء عبر الإشارة لا الحديث المُفصل المستطرد. يرجى العودة إلى الجزء الأوّل المنشور في معظم المواقع الليبيّة في المهجر إذا ما أراد القارئ رؤية الصورة بشكل مكبر، ومعرفة تفاصيل ما عبرنا عنه بالإشارة في هذا الجزء تجنباً لتكرار ما سبق نشره.
2) خطاب الأمير إدريس صيف 1944م: المنقول أعلاه هو جزء من خطاب طويل ألقاه الأمير إدريس السّنوسي في مدينة بنغازي يوم الأحد الموافق 30 يوليه/ تموز 1944م، وجاء عن أجواء استقبال الأمير والاحتفال بقدومه، كذلك، الأجواء المصاحبة والمرافقة لخطابة بمدينة بنغازي في كتاب: (السّنوسيَّة.. دِينُ وَدَوْلةُ) للأستاذ/ محَمّد فؤُاد شكري، ما يلي:..[.. حضر سمو الأمير إدريس السّنوسي يوم السبت الموافق 29 يوليه/ تموز 1944م احتفال المحكمة الشرعية بمدينة بنغازي، ثمّ تحرَّك ركابه السامي قاصداً منزل يوسُف بك لنقي من سراة البرقاويين ومن كبار رجالاتهم القدامى المجاهدين والذي تحمل أعباء مسئولية رئاسة لجنة استقبال الأمير بعد وصوله إلى طبرق يوم الإثنين 26 رجب 1363 هجري الموافق 17 يوليه/ تموز 1944م قادماً في قطار خاص من القاهرة.
أقام يوسُف بك لنقي أجمل وأفخر مآدب غداء لسموه باسم مدينة بنغازي، وقد حضرها دولة الوالي وسعادة قائد الجيش وكبار ضّباط وأعضاء المجلس البلدي والوجهاء والأعيان، وقد تجاوز عدد المدعوين (100) مائة مدعو. وتوالت المآدب والاحتفالات في اليوم التالي (الأحد 30 يوليه/ تموز) وحضر سموه احتفال جمعيّة عمر المختار. وفي مساء اليوم نفسه، ألقى سموه خطابه التاريخي الجامع من شرفة السرايا المعدة لإقامة سموه، ونقلت هذا الخطاب مكبرات الصوت إلى آلاف المستمعين الذين غص بهم الميدان حتى ضاق على رحابته.
وظلّ الأمير في برقة حتى يوم الجمعة 4 شوال 1363 هجري الموافق 22 سبتمبر/ أيلول 1944م، ثمّ غادر برقة إلى القطر المصري. استمر استقبال الأمير والاحتفال بقدومه من ساعة وصوله إلى مدينة طبرق يوم الإثنين الموافق 17 يوليه/ تموز 1944م حتى ساعة مغادرته إلى مصر، وقد تحدث الأمير أثناء هذه الزيارة إلى كبار المواطنين ورجال الأمّة وخطب في جموع الأهلين الذين احتشدوا في كلّ مكان قصد الاستماع إلى نصائحه وإرشاداته فقد خطب سموه في: بنغازي وإجدابيا وأبو بريدان، وكذلك درنة...].
أنظر كتاب: (السّنوسيَّة.. دِينُ وَدَوْلةُ) للأستاذ/ محَمّد فؤُاد شكري الذي صدرت طبعته الأولى عام 1948م، والجزء المنقول من الخطاب نقلناه عن نسخة الكتاب المحققة المنقحة التي اشرف عليها وراجعها الأستاذ/ يوسُف بشير المجريسي، وصدرت عن مركز الدّارسات الليبيّة (أكسفورد/ بريطانيا) عام 1426 هجري الموافق 2005م.
3) إسم ليبيا قديماً: لمزيد من المعلومات والتفاصيل حول استخدام إسم (ليبيا) عبر التاريخ، وأوّل من استخدامه.. يرجى الرجوع إلى الجزء الأوّل من هذه السلسلة.
4) متصرفية: (متصرفية ومتصرفيات) أو (سنجق وسناجق)، مجلس إداري أو نظام إداري عُمل به أو تمّ استخدمه في عهد الدولة العثمانيّة، ويضم المجلس مجموعة من الأشخاص المسئولين الذين يتمّ اختيارهم عن طريق الانتخاب.
والمتصرفية تدير شئونها بتنسيق وتوجيه من الولاية مركز السّلطة، والتي يكون مسئولها والي برتبة (باشا) ويتمّ تعيينه أو تكليفه مباشرة من مركز دولة الخلافة في اسطنبول (الباب العالي).
يتولى حكام السنجق تنفيذ أوامر الوالي، والوالي هو الشخص الذي ينوب عن السلطان العثماني في الأمور الإداريّة والعسكريّة، وحفظ الأمن وجباية الضرائب وإرسال الأموال المفروضة على الولاية إلى خزينة الدولة.
كمَا يعهد إليهم الإدارة المركزية وتصريف الأمور الداخليّة، حسب ما يرونه هم، وحفظ أمن و استقرار الأوضاع من مناطقهم.
أرجع إلى موقع (ويكيبيديا، الموسوعة الحرَّة) على الشبكة العنكبوتية، وكتاب: ( ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستوريّة إلى الشرعيَّة الثوريَّة / دراسة توثيقية تحليليّة ) للدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف، الصادر عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) في طبعته الأولى 1429 هجري الموافق 2008 ميلادي.
5) متصرفية بنغازي: المعلومات والتواريخ الواردة بشأن أوضاع متصرفة بنغازي في فترة الحكم العثماني أخذناه عن كتاب الدّكتور/ كامل مسعود الوبية الصادر تحت عنوان: "الإدارة العثمانيّة في طرابلس الغرب (1842م – 1911م) "، والذي صدرت طبعته الأولى عام 2005م ضمن منشورات مركز جهاد الليبيين للدّراسات التاريخيّة.
6) رفض الملك إدريس لطلب الحكومة الأمريكيّة في شباط/ فبراير 1962م ما قاله الملك إدريس السّنوسي للسيّد/ آرمند هامر المبعوث من إدارة الرئيس الأمريكي جون كنيدي، منقول بتصرف عن مقالة الأستاذ/ مفتاح فرج المعنونة: (خفايا وأسرار.. القصة الكاملة لحركة الضبّاط الوحدوين الأحرار في سبتمبر 1969م)، المنشورة في موقع (أخبار ليبيا ) يوم 29 مايو 2005م، وسوف ننشر القصة التي وردها الأستاذ/ مفتاح فرج كاملة – وبالنص الحرفي – في أحد الحلقات القادمة من هذه السلسلة.
7) مقابلة السيّد/ كنودُ هولمبو للأمير إدريس: نص المقابلة منشور كاملاً في كتاب الرحَّالة الدنمركي كنودُ هولمبو (Knud Holmboe ) والذي جاء تحت عنوان: (صراع الصَّحْراء.. رحلَة عَبْر ليبيا أيّام نِضالها) وعنوانه الأصلي: ( Desert Encounter.. An Adventurous Journey / Through Italian Africa)
صدر الكتاب باللغة الدنمركيّة والإنجليزيّة في آن واحد وتمّ ترجمته إلى العربيّة فيما بعد. والجزء المنقول من نص المقابلة أعلى السطور نقلناه عن النسخة العربيّة الصادرة عن دار المصراتي (مؤسسة ثقافيّة للطباعة والنشر والتوزيع) / طرابلس – ليبيا. ترجم الكتاب إلى العربيّة الأستاذ/ عمر حبيل الحَاج، وصدرت طبعته الأولى عام 1969م. والأستاذ/ عمر حبيل الحَاج من مواليد 1933م، وهو خريج كليّة الآداب بالقاهرة وحاصل على الماجستير (M.A.) من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكيّة. عمل في عدة وظائف حكوميّة رفيعة المستوى من بينها: ترأسه لقسم الصحافة بمعرض طرابلس الدولي.

مصادر ومراجع :
م1) الأستاذ/ أحمد جبريل (محاضر في كليّة أكسبردج ومهتم بالشؤون الليبيّة) – مقالة: (معوقات التغيير السياسي عبر التاريخ القديم والمعاصر)– نشرت على موقع (أخبار ليبيا) بتاريخ 10 يناير/ كانون ثاني 2005م.
م2) د/ علي عبداللطيف حميدة – كتاب: المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا – مركز دراسات الوحدة العربيّة / الطبعة الأولى يناير/ كانون ثاني 1995م.
م3) الدّكتور/ كامل مسعود الوبية – كتاب: "الإدارة العثمانيّة في طرابلس الغرب (1842م – 1911م) " – منشورات مركز جهاد الليبيين للدّراسات التاريخيّة الصادرة طبعته الأولى عام 2005م.
م4) الدّكتور/ محَمّد يُوسف المقريَف – كتاب: (ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستورية إلى الشرعيَّة الثوريَّة / دراسة توثيقية تحليليّة) – صدر الكتاب عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) في طبعته الأولى 1429 هجري الموافق 2008 ميلادي.
م5) الدّكتور/ كامل مسعود الوبية – كتاب: (الإدارة العثمانيّة في طرابلس الغرب (1842م – 1911م) )– منشورات مركز جهاد الليبيين للدّراسات التاريخيّة الصادرة طبعته الأولى عام 2005م.
م6) الأستاذة/ فتحية حسين مازق – مقالة: (في الذكري الثانية لرحيلك يا أبي) – موقع (ليبيا وطننا) المنشورة بتاريخ 13 مايو/ أيار 2008م.
م7) كنودُ هولمبو (Knud Holmboe ) – كتاب: (صراع الصَّحْراء.. رحلَة عَبْر ليبيا أيّام نِضالها) – ترجمة الأستاذ/ عمر حبيل الحَاج، والصادر عن دار المصراتي بطرابلس/ ليبيا، في طبعته الأولى عام 1969م.
م8) الأستاذ/ عقيل يوسُف عيدان – مقالة: (التسامح الديني في الإسلام.. الإسلام يعترف بوجود الآخر المخالف فرداً كان أم جماعة) – شبكة النبأ المعلوماتية – العدد 81 من المجلة الشهريّة الثقافيّة العامّة.
م9) الأستاذ/ عبد المنصف حافظ البوري – مقالة: (المعتقلون السياسيون.. تحت حكم القذّافي) – موقع (المؤتمر الوطني للمعارضة الليبيّة) المنشورة بتاريخ 16 نوفمبر/ تشرين ثاني 2007م.


الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home