Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

Wednesday, 14 November, 2007

حوار مع صدّيق

دعوة إلى مِيثَاق شرف إعلامي جديد

الصادق شكري

كتب فيكتور هوغو (1) في عام 1868م، جملة تعبر عن وضع كلّ متحدث داخل الفضاء الإعلامي أو خارجه، فقال: " ألا ترى أنّك على ميزان، في كفة منه قوتك وفي الكفة الأخرى مسؤوليتك، وأنّ ارتجاج هذا الميزان تعبير عن رجفة الوعي"؟.
مدخل
إنّ أحسن الإنسان اختيار الكلام أثابه الله تعالى وتربَّع على قلوب النَّاس وكسب ودّهم، لأنّ " الكلمة الطيبة صدقة"، كَمَا قال الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. ويأثم الإنسان حينما يستخدم الكلام السيئ المؤذي الذي يُكب ربّما بسببه على وجهه في النار والعياذ بالله. قال معاذ بن جبل رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كف عليك هذا، ويعني اللسان – أيّ لا تطلقه بالكلام لأنّه خطر- فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بمّا نتكلم ؟. ويعني: هل نحن مؤاخذون بمّا نتكلم به !؟. فقال عليه الصلاة والسلام – وهل يُكب النَّاس في النارِ على وجوههم – أو قال – على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم !؟. حديث حسن صحيح، رواه الترمذي.
وعن أَبَى جَعْفَرٍ أنّه قال: كان أَبُو ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: يا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ، إِنَّ هذَا اللِّسَانَ مِفْتَاحُ خَيْرٍ ومِفْتَاحُ شَرٍّ، فَاخْتِمْ على لِسَانِكَ كما تَخْتِمُ على ذَهَبِكَ ووَرِقِكَ.
واللسانُ – كَمَا نفهمه أو نظنه – لا يشمل المنطوق من الكلام فحسب، بل، يشمل ما يصدر عن الإنسانِ من كلامِ مقروء (مكتوب) أيضاً. والكلام منطوقاً كان أو مكتوباً يمكن أنّ يكون سبباً في سعادة الإنسان أو سبباً في تعاسته وشقائه في الدار الأولى والآخرة.
وقد اعتبر الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل الجهاد أنّ يصدع الإنسان بكلمةِ حق في وجه سلطان جائر، فقد سُئِلَ عليه السلام عن أفضلِ الجهاد؟، فقال: "كلمة حق عند سلطان جائر". واعتبر الكلمة الطيبة صدقة في ربط مباشر بين الأجر والطيب من الكلام. وربط بين الخير والكلام في قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). وقيل في الأمثال العربيّة: "العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في السكوت". وجاء عن الصمت والكلام في باب:"الصمت" من كتاب: "الرسالة القشيرية": للإمام أبي القاسم القشيري رحمه الله:..(..السكوت في وقته صفة الرجال، كَمَا أنّ النطقَ في موضعه من أشرفِ الخصال..).
والكلمةُ قد تكون سبباً في نصر أو هزيمة.. وفي كسب الملايين أو خسارة مثيلاتها.. وفي انتشار المحبة أو تعميم البغضاء والتآمر بين النَّاس. وقديماً قيل: "لِسَانك حصانك إنْ صنته صانك وإنْ هنته هانك"، وقيل: " المرء مخبوء تحت لِسَانه فإذا تكلم ظهر"، وقيل: "الْعَاقلُ هو العارف بزمانِهِ، والمُقْبل على شأنِهِ، والحافظ للسانِهِ ".
ومن أهمّ الأمثال الليبيّة الشعبيّة التي تحدثت عن اللسان (الكلام)، المثل القائل: "اللسان هبرة ويكسر العظم ".. أمّا الأقوال المأثورة، فأهمها القول الذي ربط بين الكلام والتاريخ، والقائل: "العظماء وحدهم يدركون قيمة كلّ ما يقولونه.. إمّا أنّ يدخلوا به التاريخ.. أو يخرجوا بسببه ".
إذن..{.. لنسأل أنفسنا هذه الأسئلة الهامّة المهمّة: ماذا قلنا ؟ وماذا يجب أنّ نقوله ؟ وماذا يجب أنّ نمتنع عنه ؟. إنّ الكلام هو الذي يصنع العلاقات والمناسبات ويشق الطرق الممهدة السريعة بين البشر. والكلام هو الوسيلة التي خاطب بها الله سيدنا آدم بعد أنّ خلقه، وهو الجاذبيّة التي اقنع بها إبليس الاثنين – آدم وحواء – بالسّقوط إلى الأرض.. وهو البذرة الأولى التي تكونت وصنعت وصاغت الحضارات بعد ذلك..}م1.
خلق الله سبحانه وتعالى النَّاس أحرار ومنحهم حق الاختيار والتقرير، وجاء التأكيد على هذا المعنى والمبدأ في القرآن الكريم وسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام ومقولة: "متى استعبدتم النَّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). وأكد أمير المؤمنين (رضي الله عنه ) على نفس المعنى، فقال لا يحق لأيّ إنسان أنّ يسلب حرية وإرادة إنسان غيره أو يقيدها، في المقولة الشهيرة: "لا تكن عبداً لغيرك وقد جعلك الله حراً ".
ومادام الإسلام ضدَّ الاستعباد فهو إذن مع "حريّة التعبير" لأن العبودية لا تبيح حرية التعبير. وحق التعبير لا يعني إطلاق الكلام على عواهنه لأنّ لكلّ شيء حدود ومحددات.. ولا تعني التفوه بأيّ شيء، لأنّ القوانين لا تحمى الانتهاكات، والفحشُ من الانتهاكات وهو ليس محمياً على الإطلاق. وتفنن الكلام لا يعني تقيده إنّما يعني تنظيمه لأنّ حرية أيّ شخص تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر أو كَمَا جاء في النص المتعارف عليه "تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين !!".
إذن، للكلام قيمة عظيمة وأهمية قصوى، ولذا، لابُدَّ من قوانين تضبط إيقاعاته – أيّ تنظمه ولا نقول تقيده – لأنّ الكلام إذا جرى إطلاقه دون حساب ولا مراجعة ولا تدقيق – وعلى عواهنه كَمَا يقولون – حتماً ستكون له نتائج خطيرة مدمرة خصوصاً إذا صدر من شخص مسئول أو جهات اعتبارية !!. وإذا كان للكلام وجه جميل، فوجهه القبيح قادر على تحويل مزارع الأشجار المثمرة إلى رماد. أو كَمَا جاء في مقالة " نار الكلام" للأستاذ/ علي المالكي الكاتب العراقي:..(.. بعض الكلام ينطوي على إمكانيةِ إشعال نيران الحروب وارتكاب المجازر أو أفظع الجرائم، فليس عود الثقاب وحده القادر على إشعال الغابة، بل، إنّ الكلام يمكن إنّ يحول الغابة إلى رماد..).
الحرية قيمة سامية يجب احترامها وإجلالها، والفرد لا يجب {.. أنّ يسعى إلى حريته الشخصيّة فحسب.. ولكن يجب أنّ يسعى لحرية غيره وسط منظومة أخلاقيّة تحترم العلاقات البينية في المجتمع وتنشطها.. من اجل نشر لغة الوئام والتسامح.. لا التعصب والكراهيّة.
حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكلّ إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقولِ أو الكتابةِ أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون.
حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون.
وبإختصار،، لم تذكر كلمة "حرية" في أيّ دستور .. إلاّ وقرنت بكلمة شروط وضوابط يبينها القانون !!.
والخلاصة،، الحرية ضرورة لكل مجتمع، لكنها مقرونة بضوابط أياً كانت مرجعيتك الفكريّة. هدف هذه الضوابط هو حماية حريات الغير من إنتهاكاتك أنت !!...}م2.
إذن.. لا يعقل أنّ نترك الكلام على عواهنه.. وتُترك إدارة مواقع المعارضة الليبيّة لأفراد لا مؤسسات.. ويُترك المشهد الإعلامي لقوى المعارضة الليبيّة في الخارجِ دون وثيقة تضبط حركته وإيقاعه.
اللحظة الراهنة متوترة، نقف فيها أمام مشهد إعلامي إلكتروني لا علاقة له بحرية الصحافة وحق التعبير، وفوضوي تبرز فيه إنتهاكات وتجاوزات ومفردات نابية كثيرة. والكلام النابي:.. (.. بداية النار، وأوَّل الخطيئة)، كَمَا قال الأستاذ/ علي المالكي.
التعليقات والردود التي نقرأها في بعض المواقع ونسمعها في بعض غُرف البالتوك لا علاقة لها بالنقد البنَّاء، بل، هي خارج دائرة الأساليب المتعارف عليها لعلميات الحوار وتبادل الآراء والأفكار !!.
نريد عرضاً لكافة الأفكار والآراء، ومقترحات لحّلِ الأزمات والمشكلات.. ونطلب عرض الماضي في صورةِ تفيد الحاضر وتساعد على بناء مستقبل مشرق متلألئ.
ونريد سماع وقراءة تعليقات وردود لها علاقة بالمادة المطروحة.. ردود وتعليقات تقدم الجديد وتثري الموضوع وتكشف الأخطاء بغية تصحيحها، وفي نفس الوقت، تفصل نفسها بالكاملِ عن التجريحِ والتشهيرِ والاستهدافِ الشخصي. وبإختصارِ،، نحن في حاجةِ إلى مِيثَاقِ شرف إعلامي جديد.....

تقديم
تحدثت مع أكثر من صاحب موقع خلال الأربع سنوات الماضية بشأن صحافتنا الإلكترونيّة والحاجة إلى ضبط أداء مواقعنا وما يُنشر فيها. تصورت بأنّ المسألة – وفي ذلك الحين – لا تحتاج أكثر من دائرة نقاش صغيرة تفتح مع بعض مسئولي المواقع ونشطاء حركة المعارضة، وبعد أنّ سَمِعتُ من أحد الأصدقاء كلاماً صعباً حول مشهدنا الإعلامي، بدأ يتشكل عندي رأي وتوجه آخر !. توجهت في البداية إلى الورق، فكتبت فيه شكاواي وعبرت فوق سطوره عمّا جال في خاطري !. دونت الحديث – ومن الذاكرة – الذي دار بيني وبين أحد الأصدقاء، وبعدما انتهت من التدوين قررت ألاّ أعود إلى ما كتبت لأضع حاجزاً يمنعني من إعادة صياغته وبالتالي ابعد نفسي عن التفكير في نشره، لأنّ اللغة السيئة المسيئة المستخدمة في "مقالات ورسائل" تنشرها بعض "المواقع" كردود على ما سبق نشره يجعل من عملية التوقف عن النشر اجتهاداً مقبولاً رغم معقولية اجتهاد المطالبين بعدم التوقف !. اتخذت قرار الامتناع عن النشر قبل اعتداء رجال الأمن على المثقف النشط الأستاذ/ إدريس المسماري، وقبل إصدار المسماري لوقائع قضيته في مقالة نشرها في موقع "ليبيا اليوم" تحت عنوان: وقائع قضية (2).. "شنو دخلك !!!". عُدت إلى الورق بعد قراءتي لمقالة المسماري التي سلط الضوء فيها على ثقافة "شنو دخلك أو شنو دخلني"، والتي رأى أنّها من بين أهمّ الأسباب التي أدّت إلى انتهاك حقوق النَّاس وتغييب المصلحة العامّة !!. قال المسماري بخصوص هذه الثقافة، ما يلي:..{... "شنو دخلك " تعبر عن منتهى عدم المسئوليّة واللامبالاة. يعني أنّ تسير مغمض العينين كأنك لم تر شيئاً وتقول "شنو دخلني ". وتعني اللامبالاة لما يجري أمامك، كأن تشاهد شخصاً يختطف طفلاً أو لصاً يسرق سيارة أو شخصاً دهسته سيارة ويحتاج لمن يسعفه.
ماذا حدث لليبيين ؟، لتصبح مقولة (شنو دخلك ) شعاراً وأسلوباً لحياتهم. وتصبح كلمات وأقول مثل: (متعدلش )، (أنت حتصلح الدنيا )، ( حط رأسك ما بين الروس وقول يا قطَّاع الرؤوس ) وغيرها من المقولات التي شاعت في حياتنا وغيبت عن مجتمعاتنا النخوة والإحساس بالمسئوليّة.
هذا كله يجعلني أرفض ثقافة "شنو دخلك " بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من سليبة واللامبالاة وعدم مسئوليّة...}م3. تراجعت عن قراري بعد قراءة المقالة سالفة الذكر، ورجعت إلى الورق فصغته صياغةً جديدةً بهدف النشر، وذلك، من أجل طرح قضيّة هامّة تخص إعلام المعارضة الليبيّة، وبغية التعبير عن تضامني مع الأستاذ/ إدريس المسماري فأضم صوتي إلى صوته، وأقول: لا لثقافة شنو دخلك.. ونعم لثقافة دخلني ونص مادام الأمر شأناً عاماً.
لا لثقافة شنو دخلك مهما كلفنا الأمر من تعب ومشقة وعناء.
وتوكلت على الله........

مقدِّمة
التقيت بأحد الأصدقاء القدماء ودار حديث طويل بيننا كان معظمه جديات (جد )، وقليل من السفترة أيّ من (الهزل) بغية إبعاد الملل وضمان التيقظ لأنّ العقول إذا ملت شردت، وإذا شردت ضاعت الفائدة وأصبح الحوار لا طائل من ورائه. تحدثناً سوياً عن: أيام زمان والذكريات المشتركة بيننا ثمّ أوضاع عالمنا الثالث وخريطة العالم الجديد.. الأوضاع الليبيّة وقدرة الشّعب الليبي على التغيير من عدمها. وحينما حط الحوار بنا في محطّة المعارضة الليبيّة بالخارج، أثار صديقي موضوع ما ينشر في بعض المواقع الليبيّة، فقال: ما ينشر في بعض المواقع المحسوبة على المعارضة يرسم صورة قبيحة للمعارضين وتنظيماتهم، وينفر النَّاس من العمل السياسي وتبني قضايا الوطن، وأقل ما يوصف به ما ينشر في تلك المواقع: كلام مقزز منفر غير مسئول.
ورغم كره صديقي للدكتاتور معمّر القذّافي ونظامه الهمجي المتخلف إلاّ أنّه عبر ليّ مراراً وتكراراً عن رفضه القاطع الاشتغال بالسّياسَةِ لأنَّها "مستنقع " كَمَا يصف مجال العمل بها، وعدم استعداده للانتقال من موقعه المعارض لنظام القذّافي بالأسلوب السلبي (المعارضة السلبيّة) إلى موقع العمل الحركي المنظم لأنّ ذلك يلوثه كَمَا قال ولا يعود بالنفع على القضيّة حسبما يعتقد !. وفسر وجهة نظره، بالقول التالي: النَّاس لا تثمن التضحيّة ولا تقدر من يُقدِمونَ عليها.. والمشتغلون بالسّياسَةِ يعملون في مناخ طارد منفر لا يفكر عاقلُ باقتحامه.
ثمّ استطرد، قائلاً: الاستبداد لوث كلّ شيء، أفسد أخلاقيات النَّاس وقتل في الكثيرين الروح الوطنيّة. فلا أحد يلومني على هذا الموقف، وكثر الله خيري – وكَمَا يقولون – حيث لازلت محافظاً على طهارتي وسط هذا الكم الهائل من النجاسة. وصدقني، كَمَا انشق البحر بعصاة موسى عليه السلام فلن تبلع أرضنا الاستبداد إلاّ بعصاة مؤيدة من السماء.
والحاصل.. ضربت لصديقي المثال تلو الآخر، وحاولت استخلاص بعض العبر من التاريخ الليبي وتاريخنا العربي والإسلامي والإنساني بوجه عام ثمّ اجتهدت قدر استطاعتي مفنداً أقوله ورداً على حججه وإثباتاته. وذكَّرته بمحطّات مضيئة في مسيرة المعارضة الليبيّة في الخارج، وبتضحيات أوائل المعارضين والسائرين على دربهم حتى الساعة.
وحتى لا أطيل عليكم، فقد قلت لذلك الصدّيق كلّ ما يخطر على بالكم بل أزيد منه بكثير !!.
وبدأ الحوار على النحو التالي.....

الحوار
عدل صديقي جلسته، وألتفت نحوي مبتسماً، وقال: أتعرف أخي العزيز الشيخ عبدالحميد العبَّار رحمه الله ؟.
أجبت صديقي قائلاً: ومن لا يعرف تلك القامة التي ظلّت واقفة شامخة إلى أنّ لاقت وجه ربها.. ومن لا يعرف أحد أهمّ المجاهدين الليبيين الذين لعبوا دوراً أساسياً في حرب تحرير ليبَيا ثمّ استقلالها.. ومن لم يسمع عن علاقة شيخنا الجليل بشيخ المجاهدين عمر المختار وصحبته بملك ليبيا المغفور له بإذنه تعالى إدريس السنوسي.. ومن لا يعرف الدور الهام الذي لعبه أبان رئاسته لمجلس الشيوخ، كذلك، الدور الذي لعبه في تآخي القبائل وإخماد العديد من الفتن وتوحيد الصف الوطنيّ فشيخنا الجليل كان أهل المنطقة الشرقيّة يعتبرونه عميداً للمشايخ وأباً للجميع ولم تكن مسألة مشيخته لقبيلة العواقير عائقاً أمام اتخاذه مرجعية ومظلة يستظل بظلها كافة النَّاس.
جميل ما قلت أخي الكريم (والكلام لصديقي)، ولكنك لم تقل أنّه سجن، وأنّ جماهير النَّاس التي اعتبرته أباً لها وعميداً لمشايخها تركته في زنزانته ولم تتحرك لإنقاذه ولإجبار العسكر الذين وضعوه في السجن بترك السّلطة (الحكم) والعودة الفورية إلى ثكناتهم. هذا الشيخ الجليل رَّغم جهاده وتاريخه البطولي العظيم وضعَ في زنزانةِ، وتعرض للمسائلة والبهدلة وربّما الإهانة على يد إنقلابيى الفاتح من سبتمبر، ولم يعترض أحد على ما فعله الإنقلابيون في حقه، ولم يخرج النَّاس إلى الشوارع مطالبين بإخراجه الفوري من السجن. وأفيدك أيضاً بأنّ الشيخ عبدالحميد العبَّار وفق ما رواه الأستاذ/ يُوسف بشير المجريسي عن فترة سجنه، بأنّ الشيخ الجليل قال لزملائه في السجن:..(..لو كان عمر المختار حياً لكان مرمياً.. مثلنا في هذه الزنزانة..). ومن وحي هذه القصّة، أقول لك: والله يا أخي لو كان أحمد إبراهيم إحواس حياً لكان مادة من مواد الرسائل كالتي تنشر في حق الشرفاء في مواقع محسوبة على المعارضة. ولو كان منصور رشيد الكيخيا موجوداً معكم لتخصص بعضُ من رواد غرف البالتوك، لتأويل ما يصدر عنه وتحميل أقواله ما لا تحتمل.
لم يتوقع الذين فروا من ظلم معمّر القذّافي وجبروت أجهزته وافتراءاتها العبث بمواقفهم الوطنيّة من قبل مواقع إلكترونيّة وغرف بالتوك محسوبة عليهم.. ولم يخطر على بالهم أنّ يقرءوا "مقالات ورسائل" تسخر منهم، وتحط من قدرهم، وتكيل لهم السبّ والشتم وسائر أنواع الطعون والاتهامات. فبدل من الشد على أيدي هؤلاء الرجال القلائل الذين رفضوا الاستبداد ووقفوا مع قيم العدل والخير والنماء، نرى الترصد لهم والافتراء عليهم وكلّ شيء يكدرهم ويعكر مزاجهم.
انتهكت المقامات وتحطمت الأصول والأعراف: السن لا تُراعى، والتضحية لا تُحترم، والتّاريخ لا يٌقدر، حتى غدت المواقع المحسوبة عليكم تنشر بشكل شبه يومي "رسائل ومقالات" وصلت لغتها إلى أقصى درجات البذاءة والانحطاط.
بالله عليك، أيستطيع أيّ شخص إنجاز شيء مثمر وسط هذا الكم الهائل من التلوث. لن أطالبك أنت ورفاقك الإطاحة بنظام معمّر القذّافي، لأن هذه المسألة لا تخصكم وحدكم إنّما تخصّ الجميع، وتحتاج إلى جهود النَّاس كافة. ولكن، أطالبكم ببذل جهد ما لإيقاف ما ينشر من بذاءات وتطاول وإتهامات باطلة في بعض المواقع المحسوبة عليكم. فهل تستطيعون إيقاف التطاول على القيم الدينيّة والتعصب الجهوي وتصفية الحسابات والشتائم والقذف وحملات التشويه والتزوير التي تنشرها تلك المواقع !؟.
الآن.. أضعكم أمام هذا التحدي، فقد تمكن معمّر القذّافي عبر الشبكة العنكبوتية من تحقيق أهداف عجز عن تحقيقها حتى بالرصاص الحي في الفترة التي قاد فيها حملة التصفيات الجسدية ضدَّ معارضيه في الخارج في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم !. أصابت رصاصات القذّافي بعض المعارضين في الخارج فجرحت عدد منهم، وقتلت آخرين نحسبهم عند الله شهداء ولا نزكي على الله أحد. ورغم دوي الرصاص الذي طارد المعارضين في كافة عواصم العالم إلاّ أنّ المعنويات ظلت عالية متوهجة ولم يتمكن القذّافي طوال تلك الفترة من إضعافها أو التأثير فيها. وتمكن نظام معمّر قذّافي من التأثير على معنويات المعارضين – وإلى حد ما – منذ أنّ أفردت بعض المواقع مساحات لأبواق النظام وأجندة مخابراته. فقد استهدف عملاء نظام القذّافي عبر الشبكة العنكبوتية صورة المعارضة قصد تشويهها، ومعنويات المعارضين قصد تحطيمها بإتباع الأسلوب المُسمى (اغتيال الشخصيّة)، ولولا الفرصة التي منحتها بعض المواقع المحسوبة عليكم ما كان للنظام تسجيل أيّ انتصار يذكر.
فقد خطط النظام للتواجد بينكم بعدما حققت مواقع المعارضة تواجداً مؤثراً في الشارع الليبي رَّغم وضع مواقعها ضمن قوائم الممنوعات أو المحرم تصفحها. وقد أشارت بعض التقارير الصادرة عن جهات غير ليبيّة إلى هذا المخطط، فقالت:..{.. أقدم المواقع الليبيّة المعارضة هو موقع "ليبيا وطننا" الذي يديره الدكتور "إبراهيم سعيد أغنيوة" حيث تأسس في أكتوبر عام 1995م، ورَّغم وضع الموقع على قائمة المواقع المحظورة إلاّ أنّه حقق تواجداً مؤثراً في الشارع الليبي ممّا اضطر السّلطات للقبول به ومحاولة الاستفادة من شعبيته ببث الإعلانات والردود على معارضيها...}م4.
ومؤكداً أخي الكريم.. ارتفاع صوت الإتهامات، واتساع حلبة المعارك الشخصيّة، وتصاعد حملات التشويش والتشويه، قادرة وكفيلة – وإن تُركت هكذا دون خطط مضادة – بتلجيم النشاط وتقليص المشاركة حيث تضع الإنسان – مرغماً لا راغباً – في دائرة التوقف وإعادة النظر ومحاسبة النفس حيناً، ولومها أحياناً، ثمّ طرح السّؤال التالي عليها: هل بالإمكان العمل في مناخ تتراجع فيه الضوابط الأخلاقيّة والتقاليد الاجتماعيّة، وتتقدم فيه الفرية والسخرية والتهكم والرتع في لحوم البشر !؟.
بالله عليك، هل توحيد الصف ووضع الخطط التي من شأنها إنهاء الاستبداد الحاكم في ليبيا تتم بنشر الفتن وكشف الأسرار والتقول على النَّاس واستباحة كلّ ما هو عزيز وغالي عند الليبيين أم يأتي بالمحافظة على القيم وإكبار التضحية وتقدير المبادرة وتعزيز الحرية المسئولة وترسيخ مبدأ التشاور وديمقراطيّة إتّخاذ القرار ؟.
للحرية أصول وأعراف، ومفهومها لا يجوز تركه للأمزجة حتى تعبث به وتأخذه في الاتجاه الخاصّ بها لا المتعارف عليه!. حرام عليكم، ترك المجال لفرد أو عدد من الأفراد للعب بالقيم وفق المزاج الخاصّ به أو بهم دون مراعاة لأيّ أصول وأعراف !. والسّؤال الآن: أهذه هي الحرية التي ينشدها هؤلاء لليبيا بعد رحيل القذّافي !؟.
ويذكرني ما تقوم به بعض المواقع المحسوبة عليكم بحالة الأنظمة الاستبداديّة في العالم الثالث، فتلك الأنظمة توهم شعوبها بأنّها أفضل حالاً من غيرها، وأنّ هوامش التعبير (الصياح ) المتوفرة في مجتمعاتها لا نظير لوجودها في مكان أخر !. هذه الأنظمة تمارس نوعاً من الاحتيال على الديمقراطيّة حيث سمحت بهوامش للتنفيس لا للتأثير أو كَمَا قال الأستاذ/ فهمي هويدي:..{.. الأنظمة الاستبداديّة أبقت على الشكل وأجهضت الوظيفة.. ما وفرته هذه الأنظمة من هوامش لا علاقة له بمسألة الديمقراطيّة وهو أقرب إلى الالتفافِ عليها أو تسويق ما يمكن أنّ نسميه وهم الديمقراطيّة.. بمعنى توفير أُطر للتنفيس ليس للتأثير، وللصياح تحت سقوف متفاوتة.
.. أيّ، الديمقراطيّة فارغة المضمون، التي توفر لك هياكل وديكورات، وتحجب عنك الوظيفة الأساسيّة لها.
.. الديمقراطيّة قيمة كَمَا افهمها باعتبارها توفر ثلاثة حقوق للبشر: حق المشاركة في القرار، وحق مُسائلة صاحب القرار، وحق تداول السّلطة بحيث لا يحتكرها فرد أو جماعة. وما لم تتوفر هذه الحقوق والأركان، فأنَّنا نصبح بصددِ تزييف للديمقراطيّة واحتيال عليها..}م5.
ومن كلام هويدى، أقول لك أخي الكريم: ما يجري في بعض مواقعكم هو تزييف واحتيال: تزييف للديمقراطيّة واحتيال على حرية الرأي وحق التعبير. وما يجري عندكم هو إثارة وصخب لا تعبير حر وحرية رأي أو كَمَا قال الأستاذ/ عبدالله علوان:.. (.. صحافة تتوخى الإثارة.. وتتوخى الصخب المصاحب لقلة الأدب.. وهنا تكون الصحافة أداة تخريب وتدمير، ومعها الحرية تكون حروباً قاتلة للشعوب..).
وفجأة، توقف صديقي عن الكلام ربّما لشعوره بأنّه استفزني أكثر ممّا يجب، أو لأنّه اكتفى بهذا الحد منتظراً تعقيباتي على ما تقدم.
وابتدءاً، لا أنكر استفزاز صديقي ليّ، ولا أهمية الأسئلة التي طرحها وصحّة ما ذهب إليه في جزء من تفسيراته وتحليلاته، ولكن، لا يمكن قبول كلامه على علاته أو التسليم بقوله كله لأنّ في الجعبةَِ الكثير من الردود على بعض ممّا ذُكر. ولا شك، أنّ استفزاز صديقي ليّ دفعني لقبول التحدي مجازفاً لا متأكداً من الفوز بالنتيجةِ فقد قبلت التحدي، وعللت لنفسي ذلك بما يلي: إنّ نجحت في تقديم رأي يقبله النَّاس ويتضامنون معه حتماً سأثبت خطأ صديقي وتتحقق أمنية يتمناها كلّ من يسعى لإنهاء النظام الشمولي الحاكم في ربوع بلادنا. وإن فشلت في هذه المهمّة فلا حق لأحد عليّ لأنّ هذه مسألة تقع مسئوليتها على عاتق الجميع.
تقدمت للكلام، وقلت: القضيّة التي طرحتها أيها الصدّيق قضيّة هامّة لاشك، وما أشرت إليه هو الطافي فوق السطح، وما يطفو على السطح هو نتيجة لما يدور في العمق تحته !. ما يدور في المشهد الإعلامي مرتبط بقضايا أخرى، فلا تلومني حينما استطرد وأتحدث عن أشياء قد تبدو بعيدة عن صلب الموضوع لكنها ليست كذلك لو تعمقنا في صلتها بالموضوع. ربّما أطيل عليك قليلاً في حديث ذي شجون، ولكن، يبدو..(..أنّ كلّ أحاديث هذه الأيام شجون..) كَمَا قال الأستاذ/ محَمّد حَسنين هيكل. ومن ناحية ثانية.. لا يُجسد هذا الجزء المظلوم أيها الصدّيق كلّ مشهدنا الإعلامي وواقعنا السياسي، وبالرِّغم، من قتامة هذا الركن من المشهد إلاّ أنّ النور لازال يظلل بشعاعه زوايا وأركاناً كثيرة. ففي مشهدنا الإعلامي العديد من الإيجابيات، وفي واقعنا السياسي نجاحات كبيرة على مستوى العلاقات والتعريف بالقضيّة الليبيّة وجانب العمل الحقوقي المتمثل في قضايا حقوق الإنسان الليبي. وسلبيات اليوم ينبغي ألا تُنسينا ماضي عامر بالحركةِ والعطاءِ وتضحيّاتِ وصلت عند بعض المهاجرين إلى تقديم أرواحهم فداءاً لقضية الوطن.كَمَا ينبغي ألا تعمي هذه السلبيات أبصارنا عن دور القوى الوطنيّة في بعض التنازلات التي قدمها النظام في السنوات الأخيرة.. وعن وحدة القوى الوطنيّة التي تحققت عبر مظلة المؤتمر الوطني الذي انعقد في لندن صيف 2005م.. ولا عن نجاحات العمل الحقوقي كذلك بروز وجوه معارضة في الفضائيات العربيّة حققت من خلال مساهماتها نجاحات حقيقية أصبحت تُشكل ضغطاً متواصلاً على نظام معمّر القذّافي، وأرقاً دائماً له. فقد غدا الليبيّون في الدّاخل والخارج يتابعون إسهامات أبنائهم في نقاشات ومواضيع تعرضها الفضائيات العربيّة، ويفتخرون بشخصيّات معينة نظراً لحضورهم المميز ومستواهم الراقي في الطرح والنقاش. وقد انتبه نظام القذّافي لهذه المسألة منذ بدايتها، وظل يراقبها من أجل القضاء عليها أو تفكيكها أو استيعابها، فحينما برز في عام 1999م نجم الأستاذ/ عاشور الشامس من خلال إسهاماته في الإعلام الفضائي قام شخص يدعى بلعيد المشري الملحق الثقافي في سفارة القذّافي بلندن مساء يوم الأربعاء الموافق 28 مارس/آذار 2001م بالاعتداء عليه بالضرب كردّ فعل من النظام عن تصريحاته ومشاركاته في الفضائيات العربيّة. كُتِبَ هذا الخبر في موقع "أخبار ليبيا" ونقلته بعض المواقع الليبيّة والصحف العربيّة الصادرة في لندن، وأصدر الشامس بخصوص الاعتداء عليه بياناً للرأي العام أوضح فيه وقائع وملابسات ما حدث. وأكد موقع "ليبيا المستقبل" إشتراك شخص أخر مع المشري في الإعتداء على الشامس. وجاء في التأكيد ما يلي:..(..قام بلعيد المشري بالإعتداء على السيّد عاشور الشامس وبالإشترك مع ميلود صميده، وبعد هذه الحادثة قامت السّلطات البريطانيّة بإرجاع المشري وصميده إلى ليبَيا...).
وحينما استضافت قناة "الجزيرة" الفضائيّة الأستاذ/ فرج بوالعشة يوم الثلاثاء الموافق 23 أكتوبر 2001م في برنامج "الاتجاه المعاكس" الذي يقدمه د/ فيصل القاسم، ضغطت سلطات القذّافي المخابراتيّة على أهل وأقارب بوالعشة داخل ليبيا كَمَا قام النظام بسحب سفيره في قطر مبروك المعداني لأنّ قناة "الجزيرة" ترسل بثها من فوق الأراضي القطريّة. وبعد ظهور السيّد/ محَمّد الحسن الرضا السنوسي في سبتمبر 2003م في برنامج "قناديل الظلام" الذي يقدمه الأستاذ/ محي الدين اللأذقاني، أرسل معمّر القذّافي أبنه (سيف الإسلام) للاجتماع ب(رفعت الأسد ) صاحب الشبكة العربيّة للأخبار (قناة ANN) لأجل عقد صفقة مع القناة بغية إيقاف استضافة القناة لمعارضي النظام. أُستبعد اللأذقاني (الإعلامي السّوري) من القناة، وكشف لموقع (إيلاف) في لقاء أُجري معه بعد استقالته عن صفقة تقدر ما بين 3 إلى 4 مليون جنيه إسترليني تمت في ماربيا بأسبانيا بين سيف الإسلام وصاحب القناة.
وعلى مستوى آخر، عبر مبعوثي القذّافي – خلال الخمس سنوات الماضيّة – للقيادة القطريّة عن مدى انزعاج معمّر القذّافي من استضافات قناة "الجزيرة" للأستاذ/ محمود عوض شمّام. كَمَا أرسل معمّر القذّافي بشأن نفس الموضوع أحد أقاربه وأبرز أعوانه إلى مدينة إجدابيا بغرض الاجتماع مع أشخاص من قبيلة المغاربة (3) من أجل إقناعهم بضرورة الاتصال بمحمود شمّام ودعوته العودة إلى أرض الوطن وتحذيره من عواقب رفض هذه الدعوة !. ولازال معمّر القذّافي مستمراً في الضغط على الفضائيات العربيّة بغية أنّ تمتنع عن استضافة الأستاذ/ محمود عوض شمّام في برامجها، ولازال مصراً على إبعاده من عضوية مجلس إدارة شبكة الجزيرة الفضائيّة (4) فالقرار الأميري الذي نص على تجديد عضوية شمّام في مجلس الإدارة الصادر في 15 مايو 2007م لا يريده أنّ يتكرر في التعيينات القادمة !.
وفي يناير 2005م.. طلب معمّر القذّافي من المؤتمرين في مؤتمره السنوي المسمى (مؤتمر الشّعب العام) تشكيل لجنة مكوّنة من القيادة الشعبيّة الاجتماعيّة التي يقودها ابن عمّه سيّد قذاف الدم، ومن جمعيّة القذّافي للأعمال الخيريّة التي يقودها أبنه سيف الإسلام للمرور على الليبيين في الخارج لأجل إسكات أصواتهم والتعهد بتسوية أوضاعهم. كَمَا أمر بتشكيل أمانة للمغربين (وزارة) – ولأوَّل مرَّة منذ إستيلائه على السّلطة 1969م – ثمّ وضع على رأس هذه الأمانة شخص محسوب على أهل المنفى، وغير محسوب على قوى المعارضة.
في أبريل 2005م (5) .. طلب معمّر القذّافي من أعضاء المجلس الأعلى للهيئات القضائيّة ورؤساء الهيئات القضائيّة إصدار قانون يحرم التخاطب مع الإعلام الخارجي دون تصريح مسبق من أجهزة الدولة !. فقد طلب القذّافي استصدار قانون تحريم التخاطب مع الإعلام الأجنبي (غير محلي) بعد دخول الإعلام العربي إلى العصر الفضائي وتمكن المعارضين الليبيّين في الخارج من خرق الحصار الإعلامي المضروب عليهم والوصول إلى بعضِ الفضائيات العربيّة التي يتابعها الليبيّون في الدّاخل بإهتمام بالغ. حيث أصبح الليبيّون في الدّاخل يترقبون بإهتمام وشوق أيّ برنامج يستضيف صوتاً ليبيّاً يحرك مشاعرهم ويوحد صفهم ضدّ نَّظام القمع والاستبداد، ويعبر عن آمالهم وطموحاتهم، ويكشف للعالم سجلات نَّظام القذّافي الإرهابيّة والإجراميّة. وفي عام 2007م.. عقد نظام معمّر القذّافي صفقة ما مع قناة "المستقلة" التي يديرها من لندن العاصمة البريطانيّة د/ محَمّد الهاشمي الحامدي تونسي الجنسيّة، وتوقف بموجب تلك الصفقة برنامج منقول على الهواء مباشرة يوم الثلاثاء الموافق 27 مارس 2007م، وكان ضيوفه معارضين ليبيين، ومن بينهم الأستاذ/ حسن الأمين مدير موقع "ليبيا المستقبل" المعارض.
كان موعد برنامج ( ضيوف وأحداث) لقناة (المستقلة) يوم الثلاثاء الموافق 27 آذار / مارس / 2007م على تمام الساعة الثامنة والنصف بتوقيت ليبيا أيّ في التوقيت نفسه الذي كان مقرراً أنّ تبث (قناة الجزيرة) فيه لقاءا ً مباشرا ً مع معمّر القذّافي حول القمة العربيّة المنعقد في السعوديّة !؟. خصصت حلقة البرنامج في ذاك اليوم لملف حقوق الإنسان في ليبيا وتحديدا ً لقضيّة إعتقال الكاتب (جمال الحاجي ) والمعارض (د/ إدريس بوفايد ) العائد من المنفى (سويسرا) إلى ليبَيا من أجل تأسيس معارضة علانية سلميّة داخل البلاد. تمّ حجب البرنامج والتشويش عليه فور إبتداء البرنامج، وإطلالة (الأستاذ/ حسن الأمين ) ضيف الحلقة الأساسي.
تناولت مواقع المعارضة الليبيّة ( ليبيا وطننا، ليبيا المستقبل، المؤتمر الوطني) واقعة حجب لقاء المعارضة الليبيّة في فضائيّة المستقلة. ونشر موقع (المؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة) تقريراً حول هذه الواقعة كتبه الأستاذ/ أحمد عبدالسلام، جاء فيه:..{.. ماذا حدث ؟؟.. وهل النظام لازال يستهدف معارضيه !؟. نعم، النظام لازال يستهدف معارضيه ولكن بأسلوب مختلف عن الأسلوب الذي كان يستخدمه في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم. ربّما يكون النظام قد عدّل إستراتيجيته القاضية بملاحقة المعارضين وتصفيتهم جسدياً، واضطر لاستبدالها – ولو مؤقتاً – بأسلوب أو سياسَة جديدة بسبب النشاط المتزايد لجمعيات حقوق الإنسان العالميّة والضغوطات الدوليّة التي تمارس عليه. ولكن، النظام شعر في الآونة الأخيرة بأنّ أصوات المعارضين في الخارج بدأت تشكل خطراً حقيقيا ً عليه فهي على الرَّغم من كلّ التضييق الإعلامي عليها في الفضائيات العربيّة وكلّ المجهودات الضخمة المبذولة من قبل النظام لمكافحة ظهورها في هذه القنوات إلاّ أنّ أثرها أصبح واضحاً وغدت بعض الأصوات في الدّاخل تتناغم معها، وهذا ما يعتبره النظام تأثيراً وتغلغلاً يخيفه ولا ينبغي السكوت عليه. وممّا يؤيد هذا الرأي، البرقية التي أرسلتها اللجنة الشعبيّة للثقافة والإعلام عقب إجتماعها الأخير والتي جاء فيها بأنّها ستقوم بالرّد على الحملات الدعائيّة المغرضة ضدَّ الجماهيرية وقد لاحظنا مثلا ً عودة بعض الموالين للنظام للكتابة في موقع "ليبيا وطننا" بعد فترة انقطاع !.
والذي حدث – يومها وساعتها – أنّ قناة المستقلة – وعند بدء البرنامج المنتظر – تمّ حجبها والتشويش عليها على الفور !؟. اختفت القناة فجأة عن قمر (العرب سات) بينما في قمر (الهوت بيرد ) اختفت لتحل محلها القناة المصريّة الفضائيّة !؟. وظلّت عمليّة الحجب والتشويش مستمرة حتى إنتهى وقت البرنامج ليعود بعد ذلك ظهور قناة المستقلة من جديد !.
... هناك من يقول: كان الهدف من وراء إعلان قناة المستقلة عن إستضافتها لمعارضين ليبيّين في الوقت نفسه الذي تستضيف فيه الجزيرة العقيد القذّافي، هو الإبتزاز والكسب المالي شأنها في ذلك شأن العديد من الصحف والمنابر والقنوات الإعلاميّة العربيّة التي تمارس في هذا الأسلوب من أجل التربح المادي. استخدمت جهات إعلاميّّة عربيّة عدة هذا الأسلوب، ونجحت – وإلى حدِ كبير – في ابتزاز النظام الليبي والعقيد القذّافي شخصياً.
... وذهب البعض الآخر إلى أنّ هناك مستحقات ماليّة قديمة ومتراكمة لقناة المستقلة على النظام كان قد وعدها بإستيفائها منذ فترة طويلة ولم يف بها كاملة فأرادت المستقلة من خلال هذه اللعبة، وهذا التصرف المشاغب والضاغط الأخير إبتزاز النظام من أجل تسديد المستحقات بالكامل !.
ووفق تفسير أصحاب هذا الرأي لما حدث، فإنّ النظام قد رضخ لضغوطات المستقلة ودفع (المعلوم) بالفعلِ في آخر لحظة !، ومن ثمّ قامت قناة المستقلة – لوحدها أو بمساعدة النظام – على إظهار عملية حجب البرنامج المذكور على صورة عمليّة قرصنة فضائيّة قام بها النظام !!؟؟.
وربّما هذا، ما يفسر سكوت قناة المستقلة عن الأمرِِ برمته وكأنّه لم يكن !؟.. ويفسر امتناع القناة عن إصدار بيان يشرح: ماذا حدث ؟، ولماذا لم تقم بإعادة اللقاء المسجل مع المعارضة الليبيّة كَمَا هو معتاد عنها ؟.
صحيح، أنّ قناة المستقلة قامت بمحاولة واحدة لبث الحلقة مسجلة ولكنها تعرضت للقرصنة هي الأخرى، ولكن، عدم الاعتذار والامتناع عن التعليق والتوقف عن محاولة إعادة بث الحلقة مجدّداً يضع المستقلة في دائرة الشك والتساؤل، وربّما، الإتهام !!.
تحجج القناة بأنّها حاولت بث الحلقة مسجلة ولكنها تعرضت لنفس الشيء الذي تعرضت له في ساعة البث على الهواء مباشرة، هي حجة مقبولة ولكنها لا تلغي التساؤل التالي: ما المانع من بث الحلقة مرَّة أخرى كَمَا جرت عادة القناة أو على الأقل تسليم نسخة من الحلقة لضيوف البرنامج لنشرها على مواقع المعارضة الليبيّة !؟...}م6.
لابُدَّ مَنْ الإشارة هنا إلى أنّ قناة المستقلة قبل واقعة الحجب، كانت قد أتاحت للمعارضين الليبيين فرص الحديث عدة مرَّات، كَمَا أتاحت للقذّافي وأنصاره الفرص نفسها، ولكنها، امتنعت عن عرض وجهة نظر معارضي نظام معمّر القذّافي على شاشتها منذ حجب البرنامج المُشار إليه وإلى هذا الوقت (منتصف نوفمبر 2007م). توقفت قناة المستقلة منذ انقطاع البث عن برنامج ( ضيوف وأحداث) يوم الثلاثاء 27 آذار / مارس / 2007م عن تقديم أيّ برنامج يعرض وجهة نظر مخالفة لسياسات نظام القذّافي وتوجهاته.
هذه بعض الأمثلة والتي تدل – ودون أدنى شك – على مدى أهميّة الدور الذي يقوم به معارضي نظام القذّافي في الخارج، ومدى انزعاج هذا النظام من صوتهم.
وتأكيدنا على أهميّة دور معارضي نظام القذّافي في الخارج، لا يعني تجاهلنا لدور نشطاء الداخل حيث نعتبر دورهم الأهم والأقوى خصوصاً بعد تصاعد وتيرته في الآونة الأخيرة. فقد استفادت النخبة الليبيّة من الضغوطات التي تمارسها القوى الدوليّة على نظام القذّافي شأنها شأن الدول العربيّة الأخرى التي وظف نشطائها هذه الضغوطات لصالح ملف الحريات وحقوق الإنسان.
والضغوطات الخارجيّة– والأمريكيّة تحديداً – على الأنظمة الحاكمة في بلدان العالم العربي، والتي بدأت منذ عام 2002م عقب تفجيرات 11 سبتمبر الإرهابيّة التي استهدفت الولايات المتحدة، والقاضية بضرورة تحسين أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي وإلغاء القوانين المقيدة للصحافة والصحفيين وإشراك النَّاس في العملية السياسيّة (الحكم الديمقراطي)، وهذه الضغوطات تسير وفق خطة إستراتيجية أمريكيّة وتحرص الولايات المتحدة لضمان الحصول على دعم الاتحاد الأوروبي وحلفاء الناتو والدول الصناعية الثماني لها. ورّغم أنّ هذه الضغوطات لا تجري لوجه الله، إنّما تسير وفق إستراتيجية غربية للمنطقة ولكنها خرقت الجدار ودعمت جهود النشطاء في العالم العربي وفتحت أمامهم آفاقاً جديدة للتحرك والضغط والتأثير خصوصاً إن هذه الضغوطات جاءت في عصر "ثورة الإتصالات" التي فككت أدوات الرقابة ووسائل التضييق كَمَا سهلت عمليات التواصل والمتابعة والحصول على المعلومات.
إذن، موضوعنا لا يخص نشطاء الداخل ومشاريعهم وما يدور بينهم وما يحاك ضدَّهم، إنّما، موضوعنا مخصص لنشطاء الخارج وما يخص مشهدهم الإعلامي.
هذا تأكيد رأينا أنه لابُدَّ من ذكره حتى لا يكون هناك سوء فهم أو لبس.
وعود على ذي بدء.. ينبغي ألاّ ننسى ما حققته المواقع الإلكترونيّة من نجاحات على مستويات عدة رغم الركن المظلم المُشار إليه سابقاً. فالنَّاس تتواصل بشكل مستمر عبر شبكة النت، وتعتبر المواقع الإلكترونيّة هي الجهة التي يلتجئون إليها للتعبير عن شكاواهم وآرائهم كَمَا يعتبرونها من أهمّ مصادر أخبارهم ومعارفهم. وساهمت المواقع الإلكترونيّة في تواصل ليبيي الدَّاخل مع الخارج، وفي تناقل الأخبار وفضح ممارسات النظام عبر معلومات ترسل من الدَّاخل موثقة بالصوت والصورة في أحيان كثيرة. ولا شك أنّ المواقع الإلكترونيّة فتحت مجالات المشاركة أمام الجميع وشجعت كلّ النَّاس على المساهمةِ والعطاءِ، فلولا هذه المساحة ما كان غالباً للعديد من الأقلام الظهور والبروز، فبعد عقد من الزمان على تدشين هذه المواقع ها نحن اليوم نمتلك عدداً من الأقلام الرائعة المتألقة التي سيكون مستقبلها أكثر تألقاً حينما يستنشق هؤلاء هواء الحرية داخل وطنهم لا في عواصم منافيهم.
ووجود مواقع إلكترونيّة لا تحترم مسئولياتها ولا تراعي أخلاقيات المهنة لا يعني إنعدام وجود مواقع أخرى تمتهن الصحافة بأصول المهنةِ وتقاليدها، وتدير مواقعها بمسئولية كاملة وحس وطني رفيع. هناك مواقع إلكترونيّة للمعارضة الليبيّة مفيدة ومحترمة، وهي مواقع يشكّل وجودها قلقاً دائماً لنظام معمّر القذّافي ودعماً متوصلاً لكلّ صوت وجهد جاد يقف مع الديمقراطيّة ضدَّ الحكم الشمولي المستبد. كَمَا تعتبر النخب المهتمة بالقضيّة الليبيّة والدول والمؤسسات الإعلامية المختلفة تلك المواقع من بين أهمّ مصادر معلوماتها وأخبارها عن ليبيا.
وأطمئنك أخي الكريم، بأنّ هناك من بين المعارضين الليبيّين من يتابع – وبشكل دقيق – حركة المعارضة وأداء المنتسبين إليها أو المحسوبين عليها، ويرصد المشهد الليبي معارضةً ومولاةً ويقوم بتقديم خُلاصة ما توصل إليه من نّتائجِ وتقييماتِ لمن يعتقد أنّهم أهلاً لذلك، ويوثق الأحداث جميعها بما فيها المشاكل التي تعترض حركة المعارضة وأسبابها والأشخاص المسببين لها. وسيضع هؤلاء حتماً نَّتائج بحثهم ورصدهم – وحينما يأذن الوقت – في كتب ستكون بمثابة شهادات تاريخيّة مفيدة لمستقبل الوطن وأجياله القادمة. وسيشار لكل المنتهكين للحقوق بالاسمِ وما ارتكبوه من انتهاكات في كُتب ستصدر حينما يحين الوقت، وستكون في متناول الجميع في الوقت القريب. والراصدون للمسألة الليبيّة (سّلطة ومعارضة) كٌثر، والتّاريخ لا يجامل ولا يتجمل، "وما يعجبك في الزمان إلاّ طوله" كَمَا يقول الليبيّون.
وممّا لا شك فيه، أّننا نتحمل جزءاً من مسئوليّة هذا الواقع الرديء المُشار إليه ولكن لا أحد يستطيع تحميلنا المسئوليّة كاملة ونحن لا نملك سلطاناً على النّاس فضمائر النَّاس في ظروف كالتي نعيشها، هي السلطان والضابط لسلوكهم وتحركاتهم. ويبدو، أنّ ضبط إيقاع الضمائر وإيقاظها مهمّة صعبة للغاية، ومع هذا، سنحاول المرَّة تلو الأخرى لأنّنا لا نملك سوى المحاولة، فهي الضمان الوحيد للتأثير وطرد اليأس وإبقاء الأمل حياً لا يموت. وربّما سيبذل جهد قانوني تجاه حالة النشر في بعض المواقع، وهو الجهد المتوقع حدوثه في يومِ من الأيامِ، وحدوثه يعني إيقاف هذا التجاوز والتدهور ووضع كلّ إنسان أمام مسئولياته.
ولو رجعنا أخي العزيز إلى التّاريخ القريب لوجدنا التزاماً على مستوى الإعلام والنشر مارسه المعارضون طوال فترة ما قبل الإعلام الإلكتروني. فقد كانت فترة عقد الثمانينيات إلى منتصف تسعينيات القرن المنصرم تقريباً حافلة بالمطبوعات والإصدارات الإعلاميّة المتنوعة لتنظيمات وفصائل المعارضة الليبيّة في الخارج. كان عدد التنظيمات المعارضة آنذاك في حدود (20) العشرين تنظيماً، وكان لكلّ تنظيم من تلك التنظيمات إصدارات إعلاميّة: أشرطة مسموعة ومرئيّة (فيديو)، بيانات، تقارير، كُتيبات صدر بعضها باللغة الإنجليزية إلى جانب ( المجلة) الدوريّة. وكان لبعضها محطّة راديو موجهة مباشرة إلى ليبيا. ورَّغم تنوع الإصدارات والمطبوعات إلاّ أنّ تلك الفترة لم تشهد حملات إعلاميّة بين المعارضين ولا بين تنظيمات المعارضة المختلفة، ولم يوظف أيّ تنظيم منبره الإعلامي وما امتلك من وسائل لكشف الأسرار أو تقديم مادة لا تفيد أحداً سوى نظام القذّافي أو التشهير بفلان أو تصفيّة حسابات خاصّة مع بعض الرفاق فقد تعاهد الجميع منذ البدء على توظيف جهدهم وما يتوفر لهم من إمكانيات لصالح القضيّة الليبيّة ويبتعدوا عن الجوانب الشخصيّة وما يثير الفرقة بين الرفاق. تعاهد الجميع على ذلك وصاغوا المواثيق بالخصوص كمِيثَاق الشرف الإعلامي، ولم تسجل مطبوعات المعارضة طيلة السنوات المُشار إليها أيّ اختراقات تذكر لما اتفقوا عليه وحتى ما اعتبره البعض مخالفة واخترقاً كُتِبت سطوره بلغة التلميح لا التصريح، وبلغة راقية بعيدة كلّ البعد عن الإسفاف والبذاءة.
اتفق معك أخي الكريم تمام الاتفاق حول ضرورات ضبط المشهد الإعلامي لمواقع المعارضة الليبيّة خصوصاً أنّ وسائل الإتصال الحديثة جعلت عملية الإطلاع والمتابعة أكثر يُسراً عن ذي قبل. فقد كان الإطلاع على ما يُنشر زمن إعلام المعارضة المطبوع محدود جداً على عكس واقع الإعلام الإلكتروني اليوم، فما وفرته وسائل الإتصال والتكنولوجيا أزال قيود التوزيع وقلص دور مقص الرقيب وأتاح للجميع فرصة الإطلاع على ما يُنشر بسهولة ويُسر.
ويعزو الأستاذ/ الحسن سعد الله إقبال القرَّاء على الصحف الإلكترونيّة إلى عدة أسباب منها:..(.. أنّها متوفرة طوال اليوم وإمكانية الوصول إليها مباشرة ولا تحتاج إلى دفع رسوم إضافية، كَمَا أنّها تمكنهم من متابعة الأخبار من أيّ مكان وعن أيّ بلد مهما تباعدت مواقعهم..).
ولا شك، أنّ وصول المادة الإعلاميّة بسهولة ويُسر إلى كلّ النَّاس يضع أصحاب المواقع الإلكترونيّة أمام مسئوليات أكبر، ويؤكد على ضرورة العمل بالأسلوب المؤسسي الذي يحدد الاختصاصات والمسئوليات، ويضبط الأداء من أجل الجودة وضمان التقييد بالقوانين والمواثيق. وإذا كان حرص الجيل السّابق على أداء إعلامي إيجابي مؤثر دفعهم لصياغة مِيثَاق شرف يضبط أدائهم الإعلامي فحري بالمعارضين اليوم أنّ يلزموا أنفسهم بأكثر من مِيثَاقِ لأنّ ما تنشره المواقع الإلكترونيّة الليبيّة يصل إلى جميع مدن وقرى العالم، ويقرأه الليبيّون ويتابعونه باهتمامِ شديد بينما إصدارات المعارضة في زمن المطبوعات لم يكن من السهلِ على كلّ النَّاس الوصول إليها ولا من اليسير على المعارضين إيصالها إلى جميع النَّاس.
وما وفرته التكنولوجيا الحديثة من حيث الإتصال والنشر والتوزيع كان من المفترض أنّ يخدم أصحاب الرأي والقضايا العادلة لا أنّ يُسخَّر للفرقة والفتنة والإثارة وتثبيط العزائم، فللأسف الشديد، لا عهد اليوم يربط الإعلام الليبي المعارض ولا مِيثَاق يضبط أداء المواقع، وبدلاً من تسخير نعمة التكنولوجيا والتطوّر العلمي لصالح خدمة شعبنا وقضيتنا الوطنيّة وظفها البعض لخدمة أجندته الخاصّة أو لتصفية حساباته القديمة أو لصالح جهة ما مقابل أجر أو شيئاً في نفسه!. وبدلاً من الاستفادة من تجارب أوائل المعارضين أصبحت بعض المواقع تتلذذ بالطعن في المعارضين والسخرية من نشطائهم السّابقين والحاليين !. وغداً، تشويه صورة المعارضين، وتصفية الحسابات مع رجال من خيرة أبناء ليبيا أمراً نقرأه ونسمعه يومياً في بعض المواقع وحجر البالتوك، وكأن مشكلة ليبيا تكمن في معارضيها لا في نظام متخلف جاثم فوق صدرها منذ ما يقارب عن أربعين عاماً.
نحن لا نرفض التقول على المعارضين فحسب، بل، نرفض الافتراء والكذب حتى على هذا النظام الحاكم الذي نعارضه ونتمنى اختفائه من على وجه الأرض. فالهدف المشروع لا يمنح صاحبه حق تجاوز معيار "الصدق والموضوعية" أو التلاعب به بأيّ شكل من الأشكال، فالمعارض لنظام معمّر القذّافي مثلاً مطالب بالامتثال لهذا المعيار رغم فساد النظام وإفساده لأنّ التقيد به من مقتضيات الواجب والأمانة والمسئوليّة. فلا تعني معارضة النظام الحاكم، استباحته أو الافتراء عليه أو التقول على رجالاته بما ليس فيهم لأنّ المعارض (الكاتب والناشر) سيسأل أمام الله ثمّ أمام النَّاس عمّا قال وكتب. وبإمكان رجال النظام إتهام أيّ جهة إعلاميّة بتهمة "القذف والتشهير" ومقاضاتها حينما تتم انتهاك خصوصياتهم ونشر أشياء عنهم لا براهين ووثائق تؤكد صحتها. وكسب النظام لمعركة قضائيّة نظيفة ضدَّ المعارضة يعني خسارة المعارضة على المستوين، المادي والمعنوي.
وقد أكدت مواثيق العمل الإعلامي الدوليّة بما فيها وثيقة "مِيثَاق الشرف الإعلامي العربي" على أنّ..(.. الافتراء أو الإتهام دون دليل من الأخطاء الجسيمة التي تتعارض مع أخلاقيات مهنة الإعلام، ويلتزم الإعلاميون بتكذيب أو تصويب الأنباء التي يثبت عدم صحتها..).
عموماً.. بدأت المعارضة الليبيّة في الخارج نشاطها في زمن وسائل الإتصال التقليديّة وقبل ظهور الإنترنت والإيميل والبالتوك والاتصال بالصوت والصورة والكلمة المكتوبة (Message or Memo) على اللوحة (الشاشة / screen) عن طريق أجهزة الهواتف الجوّالة وأجهزة الكمبيوتر الثابتة والمتحركة. ومارست المعارضة عز نشاطها في الزمن الأوّل، واختلف أدائها وحجم تحركها في زمن ثورة الإتصالات والسماوات المفتوحة (الزمن الثَّاني) !. وكان الزمن الأوّل أكثر إنضباطاً وحركةً ومراعاة للواجبِ والمسئوليّة أمّا الزمن الثَّاني (الحاضر) فسيطر الأفراد على جزء كبير من نشاطاته نظراً لتقلص دور التنظيمات، والمساحات الهائلة التي أفردتها التكنولوجيا لإسهامات الأفراد. فالتكنولوجيا وفرت للأفراد فرص للمساهمة والتأثير بطرق سهلة وتكاليف لا تكاد تذكر. فبإمكان الواحد منا في هذا العصر المشاركة في مؤتمرات ولقاءات ومناسبات مختلفة وهو جالس في بيته من خلال جهاز الكمبيوتر، ودون تكبد أيّ نوع من أنواع المشقة أو التكاليف. وفي زمن الإعلام المطبوع، كانت الصحف والمجلات تحتاج إلى ألآت وأيدي عاملة ومقر وتكاليف أخرى أمّا المواقع الإلكترونيّة فبالإمكان إداراتها من داخل البيوت ولا تحتاج إلى تكاليف تذكر أو إلى ما سبق ذكره. وكانت الاجتماعات تتطلب إجراءات وترتيبات وميزانية خاصّة، أمّا اليوم فقد وفرت التكنولوجيا الحديثة التسهيلات العظيمة لعقدها بصورة سهلة وغير مكلفة !. يقول الأستاذ يوسُف بشير المجريسي في خصوص هذا الشأن:..(.. كانت الاجتماعات لا تتم إلاّ بتكبد مشقة السفر وتكاليفه، أمّا اليوم فتدار بكلّ سهولة من غرف البالتوك في البيوت. ولكن، ويا للأسف، بدلاً من أنّ تُسخَّر كلّ هذه النعم في خدمة قضيتنا الوطنيّة سُخَّرت للطعن في المعارضة والسخريّة من رجالها..).
ومن جهة ثانية.. أدخلت "الأقمار الاصطناعية" مفاهيم وقيم جديدة على الإعلام المرئي كما فتحت أمام أصحاب الرأي والمواهب مجالات واسعة للظهور والمشاركة. فقد كان الظهور في وسائل الإعلام المرئي تحول دونه معوقات كثيرة، وإنّ تمكن أحد من اخترق تلك المعوقات فظهوره لا يعني تحقق نسب مشاهدة عالية فقنوات التلفزيون الأرضيّة كان بثها لا يتجاوز حدود الدولة المرسل منها، أمّا اليوم في عصر الفضائيات بإمكان أيّ شخص في أيّ بقعة من العالم مشاهدة أيّ محطّة تلفزيونيّة في العالم عبر طبق فضائي صغير ينصبه فوق سطح بيته. كَمَا يرجع الفضل في توسيع رقعة النشاط الإعلامي الخاصّ إلى عصر الإعلام الفضائي !، فقد أتاحت الأقمار الاصطناعية مجالات واسعة للبث، وجعلت من الصورة المتحركة العنصر الأكثر تأثيراً في عمليات الدعاية والتسويق أو جعلتها تسبق سائر وسائل الدعاية الأخرى، ولذا، تسابق أصحاب المال والمصالح المختلفة لتأسيس قنوات فضائيّة بغرض تسويق السلع والأفكار ومن أجل كسب مواقع للنفوذ والتأثير. وتعدد القنوات الفضائيّة وتنوع ألسنتها واختلاف أغراضها وأهدافها، أوقد "عنصر المنافسة " بين مؤسساتها، وجعل "التجديد والإبهار" في مقدمة أجندة القائمين عليها.
على أية حال.. بعد أنّ كانت محطَّات التلفزيون الخاصّة في عصر البث الأرضي يكاد يكون وجودها محصوراً في بلدان العالم الغربي وعدد بسيط جداً من بلدان أخرى، صار وجودها في العصر الحالي – عصر الدش والستلايت – في جميع البلدان تقريباً. ووصول البث الفضائي إلى جميع دول العالم، وتعدد المحطَّات الفضائيّة وتنافسها جعل كلّ محطّة تبحث عن ضيوف متنوعين وآراء متعددة ومواضيع جديدة استهدافاً للتميز والتنوع وكسب الجمهور وهو ما منح الأفراد مساحات واسعة للضغط والتأثير من خلال التواجد في برامج الفضائيات.
أدخلت القنوات الفضائيّة العربية – ومنذ انطلاقة قناة الجزيرة في تشرين الثّاني/ نوفمبر 1996م – إلى..{.. غرف نوم الطغاة أصوات وصور وأنفاس معارضيهم وضحاياهم بعد أنّ كان إعلام الطغاة يدخل القتلة إلى غرف نوم كل مواطن. ... وإذا كانت الجزيرة بقيودها وعيوبها وحدودها قد فعلت الكثير ضدَّ الأنظمة الاستبدادية فكيف إذا قامت قناة – أو قنوات – تتجاوز كلّ هذه القيود والحدود والعيوب !. وإذا كانت الجزيرة بحالتها هذه قد شغلت الأنظمة وهزتها و جعلت واحداً من أكثر الأنظمة العربيّة استبداداً يعلن عبر مستشار زعيمه أنّ الجزيرة " أخطر على بلاده – يقصد نظامه – من دول الجوار ومن الدول العظمى ومن إسرائيل وأيّ خطر آخر.
إذن فكيف سيكون الحال وكيف ستكون الهزة إذا انطلقت قناة أو قنوات (6) تفتح الباب واسعاً ودون أيّ قيد لكلّ الأفواه المكممة في الوطن العربي ؟. كم ستكون مثل هذه القناة أو القنوات الحرَّة مؤذية لأنظمة القهر والصمت ؟. ماذا لو امتلكت أحزاب المعارضة قنوات فضائية ؟. ماذا لو امتلكت جماعات حقوق الإنسان قناة خاصّة بها ؟. ماذا لو أصبح إنشاء الفضائيات بمتناول الجميع مع استمرار أسعار البث الفضائي وتقنياته بالانخفاض السريع ؟...}م7.
والليبيّون استفادوا كَمَا استفاد غيرهم من العرب من هذا التنافس بين المحطّات الفضائيّة المختلفة. وأصبح الليبيّون في الدّاخل يتابعون مساهمات أبنائهم في الفضائيات العربيّة بكلّ فخر واعتزاز حيث اثبت هؤلاء بأنّهم أصحاب حق ويمتلكون منطق وحجة قوية أهلتهم لتعرية نظام معمّر القذّافي أمام العالم وأثبتوا مدى إفلاس هذا النظام وعجز خطبائه والناطقين باسمه عن سترِ جرائمه وعيوبه وعوراته الكثيرة.
وعلى أية حال.. هلت المواقع الإلكترونيّة بعد توقف تنظيمات المعارضة الليبيّة عن إصدار المطبوعات والمجلات الدوريّة، وقد هلت بمبادرة من أفراد لا تنظيمات، وكتَّاب معظمهم جدد حيث لم يساهم كتّاب زمن الإعلام المطبوع في البداية، ولم يلتحق منهم بالمواقع الإلكترونية إلاّ عدداً محدوداً جداً وبعد سنوات من انطلاقها.
كانت تنظيمات المعارضة هي الجهة المسئولة عن الإعلام المطبوع، ولذا، كان المشهد الإعلامي في ذروة نشاط المعارضين أكثر انضباطاً من إعلام المعارضة اليوم !. فالمواقع الإلكترونيّة الليبيّة (الإعلام المعارض اليوم) منفلتة إلى حد كبير لأنّها مُدارة في الأغلب الأعم من قِبل أفراد لا مؤسسات مسئولة بالإضافة إلى غياب مواثيق الشرف الإعلامي المنظمة لحركة النشر. وعوداً على بدأ.. بعد كسب مواقع المعارضة الليبيّة نقاط تأثير ونجاحها بين النَّاس رَّغم منع الحكومة لتصفح مواقعها والرقابة والتضييق الذي تفرضها على استخدام شبكة الإنترنت.. وبعد إيقان نظام معمّر القذّافي لاستحالة منع النَّاس من استعمال الكمبيوتر وصعوبة التحكم في استخداماتهم له.. قرر النظام اختراق مواقع المعارضين عبر إلباس بعض عملائه ثوب المعارضة والنفاذ من خلالهم لتلك المواقع بإرسال الأكاذيب والإشاعات والتفاعل مع ما يُكتب قصد التشويه وإثارة الفتنة والبلبلة، وبجانب هذا الأسلوب يستمر النظام في أسلوبه الأوَّل المتمثل في: الرقابة والتضييق والهجوم على مواقع المعارضة من خلال خبراء متخصصين (هاكرز).
والطغاة يدركون مدى أهمية الوسائل التي توفر للنَّاسِ فرص الإتصال والتواصل وتبادل الأفكار والمعلومات والأخبار، لأنّ "التحاور" هو الخطوة الأهم في تشخيص المشكلة والعمل على حلها، ومن هنا، جاء كرههم لجهاز الكمبيوتر واستهدافهم له !. فالطغاة يستهدفون جهاز الكمبيوتر لأنّه يوفر للنَّاسِ فرص الإفلات من أقفالهم الحديدية، وفرص الحوار حول الأوضاع العامّة ومشاكل المجتمع بغية إيجاد حلول لها، فخشيتهم من المناقشة وتحاور النَّاس هي الدافع وراء عمليات الحجب والاختراق والتخريب لأنّهم يخافون من "الحوار" أكثر من خوفهم من "السلاح" !. والحور كَمَا يصفه الأستاذ/ أحمد الحاج علي، هو..{.. وحده الطاقة الكامنة في الأمّة، لا بل هو روح الأمّة، وبإلغائه يتمّ قتل الأمّة. ومفردة "الحوار" لها سحرية خاصّة لأنّها تملك قوة تحول الكائن البشري إلى إنسانِ، مدرك، واع، مشارك في الهم الوطنيّ والإنساني وبدونها يبقى جاهلاً مُجهلاً ؟..}م8. وتكنولوجيا العصر الذي نعيشه صَعَبت على الطغاة عمليات الحجب والتشويش، وجعلت من مسألة الإفلات من الرقابة أيسر من ذي قبل، ولذا، أبتكر الطغاة أساليب مختلفة بغية إفشال التواصل الإلكتروني أيّ الحوار بين النَّاس بعدما كان جل تركيزهم موجه نحو توظيف وسائل التقنية الحديثة لغرض التحكم في وسائل الاتصال بين النَّاس أو عرقلتها !!. وخير مثال على ما نقول نظام معمّر القذّافي في ليبيا.
قامت أجهزة القذّافي الأمنيّة بحجب جميع مواقع المعارضة الليبيّة عن جمهور القرَّاء في الدّاخل، فجميع المواقع لا يمكن تصفحها إلاّّ عن طريق تخطى البروكسى، كَمَا قامت باستقدام مجموعة من الخبراء الروس في مجال القرصنة (هاكرز) من أجل اختراق مواقع المعارضة وتخريبها وزيادة قبضتها على تصفح الإنترنت. وتعرضت مواقع: "المنارة للإعلام"، "الإنقاذ"، "أخبار ليبيا"، "ليبيا المستقبل"، "ليبيا الحرَّة"، "المنتدى" لعمليات تخريب واختراق واسعة، وحتى موقع "ليبيا اليوم" الصحيفة الإلكترونية الوحيدة التي لم يحجبها نظام القذّافي عن الجمهور، والتي تصدر من لندن ويعتبرها المراقبون محايدة أكثر من كونها صحيفة للمعارضة..{.. ويصفونها بأكثر الصحف الليبيّة اعتدالاً واحتراماً لقواعدِ العمل الصحفي، تعرضت هي الأخرى في صيف 2006م لعملية تخريب واختراق أسفرت عن تدمير جميع ملفاتها ومحتوياتها وذلك بسبب نشر الصحيفة لتغطية مكثفة لأحداث مدينة بنغازي الدمويّة – أحداث فبراير 2006م – على خلفية الاحتجاج الجماهيري على نشر صحيفة دانمركية رسوم كارتون بها إساءة للرسول (صلى الله عليه وسلام) في وقت عجز فيه الإعلام العالمي عن متابعة الأحداث بسبب التعتيم الذي فرضته السّلطات الليبيّة عليها، وتزامن اختراق موقع الصحيفة على الإنترنتِ مع قرارِ إغلاقها في الدّاخل...}م9.
استطاعت مواقع المعارضة إفشال أعمال الهاكرز بمعنى: عند كلّ مرَّة تتعرض هذه المواقع للهجوم تعود للشبكة من جديد وتتمكن من استعادة كلّ المواد التي تمّ تدميرها كذلك حل مشكلة الاستيلاء على البريد الإلكتروني على وجه السرعة. واستطاع جمهور القرَّاء داخل ليبَيا تخطى البروكسى وتصفح مواقع المعارضة كَمَا نجحت مقاهي الإنترنت في توفير الإتصال عبر الأقمار الصناعية رَّغم منع الحكومة لذلك، وهذا الأمر سهل على المواطنين عملية تصفح المواقع والتحميل وإرسال الملفات، لأنّ المشاكل الموجودة في شبكةِ الإتصال الأرضية الهاتفية لا تسمح بالقيام بهذه المهام بيسر وأمان وبالسرعة المطلوبة، ولذا، لجأ الكثير من المواطنين إلى مقاهي الإنترنت لتفادي استخدام النت بالطرق التقليدية البطيئة.
وتسجل تقارير المراقبين الدوليين ومنظماتهم مدى نجاح المعارضة الليبيّة في اختراق الحصار الذي تفرضه السّلطات الليبيّة على استخدام شبكة الإنترنت، وجاء في أحد التقارير ما يلي:..{.. ورَّغم الرقابة والتضييق الذي تفرضه السّلطات الليبيّة على استخدام شبكة الإنترنت إلاّ أنّها أثبتت نجاحاً ملحوظاً كوسيلة إعلام مؤثرة خاصّة في حالة مظاهرات فبراير ببنغازي التي اندلعت في 17/2/2006م، وقامت السّلطات الليبية بفرض حالة من التعتيم الإعلامي الشديد على هذه الأحداث ولكن الانترنت أفلتت من هذا الحصار كَمَا قالت بيانات الجماعات الحقوقية الليبيّة، وذكر بيان أنّ السّلطات الليبيّة قامت بإغلاق عدد من مقاهي الإنترنت كَمّا قامت بمراقبةِ المقاهي الأخرى، وتمّ اعتقال العديد من رواد هذه المقاهي للتحقيق معهم بتهمة زيارة "مواقع مشبوهة". ورَّغم ذلك فإنّ الأخبار التي تسربت حول الأحداث نشرتها مواقع المعارضة الليبيّة من خلال رسائل إلكترونيّة من الدّاخل..}م10.
ورَّغم فشل النظام في منع النَّاس من تصفح مواقع المعارضة، ونجاح المعارضين في التصدي لمحاولات التخريب والاستيلاء على مواقعهم الإلكترونيّة إلاّ أن النظام نجح إلى حد ما في نشر الأكاذيب والإفتراءات والتأثير على معنويات المعارضين من خلال مراسلة مواقع المعارضين والتفاعل معها.
والحاصل.. لا أعرف أنّ كان أصحاب المواقع الإلكترونيّة يدركون خطورة النشر بدون معايير وضوابط خصوصا أنّ كان الأمر متعلقاً بمّا هو سري أو العلاقات مع الأجهزة والدول أو بين الشخصيّات الاعتبارية، حيث لاحظنا انفلاتاً خطيراً ستكون حتماً عواقبه وخيمة إذا ما تٌركَ الأمرٌ دون فعل شيء حياله.
ولابُدَّ أنّ تمارس مواقع المعارضة الليبيّة عملها بأسلوب علمي وشكل حرفي لتضمن: عدم الانجراف وراء الأكاذيب والشائعات، ومتابعة القضايا بموضوعية وصدق، فتؤدي رسالتها على النحو المطلوب ولا تكون كوسائل إعلام النظام المضروب بها المثل في ضعف الحرفية وإنعدام المصداقيّة.
ووصول بعض المواقع الليبيّة إلى هذا المستوى من التدني سيؤدي حتماً إلى مزيدِ من الإحباطِ والتذمرِ وبالتالي إلى إضعافِ قوانا المعنوية وتشتيت الصف. وإذا ما أردنا تفعيل دورنا الوطني والدفع به إلى الأمام، لابُدَّ، من إتّخاذ خطوة ما حيال هذا الوضع المُشين لأن السكوت عليه لم يعد مقبولاً ولا مبرراً.
نحن مع الحرية المسئولة.. ومع صراع الأفكار والآراء، وضدَّ الشتم والتوبيخ والمعارك الشخصيّة. ونحن نؤمن بأنّ حرية التعبير حق من حقوق الإنسان الأساسيّة.. ونرى بأنّ الصحافة تكسب مصداقيتها من نقل كافة الوقائع، ونشر كافة الآراء.. ونعتقد بأنّ الصحافة الناجحة هي التي تعمل على ترسيخ القيم ونشر الوعي.
نحن نثمن ما قاله فولتير:..(.. لست مقتنعاً بشيء ممّا تقوله لكني سأدافع عن حقك حتى الموت لكي تقول..). وبالرَّغم من الخلاف الذي كان دائراً بين روسو وفولتير إلاّ أنّ الأخير وقف كأول المدافعين عنه حينما صادرت السّلطات السويسريّة كتاب روسو وأمرت بحرقه معلناً تضامنه مع روسو ومدافعاً عن حقه في قول رأيه والتعبير عن وجهة نظره.
نحن مع حرية الرأي حتى لو كان الرأي حاداً أو مخالفاً لسائر البشر مادام صاحبه يعبر عن نفسه بأدب وصدق. فقد علمنا التاريخ أنّ الرأي..(.. الذي يبدو مغرقاً في الخطأ اليوم قد يكون هو الصحيح غداً، وأنّ الذي كان صحيحاً بالأمسِ هو ذاته الخاطئ اليوم..) كَمَا قال الكاتب المصري الأستاذ/ حسين عبدالرازق.
ويعتبر "السبّ والقذف" من الجرائم المحاسب عليها قانوناً في معظم بلدان العالم. وتحدد القوانين مواصفات جريمتا "السبّ والقذف" وأركانهما كذلك العقوبات الخاصّة لكل منهما. والصحافة أداة يمكن أنّ تقع بواسطتها جرائم "السبّ والقذف" عن طريق النشر ومن هذه الزاوية أكّدت القوانين الدوليّة على حريّة الصحافة، ولكنها وضعت ضوابط محددة لكيفية ممارسة هذه الحريّة، وهذا الحق.
وحرية الرأي وحق التعبير تعتبر من الحقوق الأساسيّة للإنسانِ التي حرصت المواثيق الدوليّة ودساتير الدول الديمقراطيّة على التأكيدِ عليها ووضع الضوابط اللازمة لها. فقد عُقدت..{.. الدورة الأولى للجمعيّة العامّة للأمم المتحدة سنة 1946م، وقررت أنّ حرية الإعلام حق أساسي من حقوق الإنسان، ومحك لجميع الحريات التي نذرت الأمم المتحدة لها نفسها، وبناء على ذلك طلبت من المجلس الاقتصادي والاجتماعي مناقشة هذا الموضوع ووضع اتفاقيات دوليّة منظمة بشأنه.
وفي 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948م، أصدرت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة قرارها رقم 217، الذي اعتمدت بموجبه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد نصت المادة 19 من هذا الإعلان على ما يلي:
( لكلّ إنسان الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة دون اعتبار للحدود..).
ويبدو واضحاً من قراءة هذا النص أنّه جاء كمبدأ عام يهدف إلى التأكيدِ على حرية الرأي وحق التعبير عنه، ولكنه لم يضع الضوابط المحددة لكيفية ممارسة هذا الحق، ولذلك جاءت هذه الضوابط في وثائق دوليّة لاحقة.
.. لا جدل أنّ حرية التعبير عن الرأي تعتبر من الحقوق الأساسيّة للإنسانِ التي حرصت دساتير وقوانين كثير من الدول على تأكيدها ووضعت الضوابط اللازمة لممارستها. فقد وضعت الدول الديمقراطيّة التي تتمتع مجتمعاتها بحرياتِ واسعة ضوابط عادلة لآداب التعبير وضمان عدم التعدي على حقوق الغير.
.. والمواثيق الدوليّة وإن أكدت على حرية الرأي وحق التعبير عنه، إلاّ أنّها لم تجعله حقاً مطلقاً مجرداً من أيّ ضوابط. وأنّ من أهمّ ضوابط ممارسة هذا الحق احترام حقوق وسمعة الآخرين وعدم التحريض على الكراهية القوميّة أو العنصريّة أو الدينيّة...}م11.
فالحرية كَمَا نفهمها تساعد على البناء والتطوير لا الهدم والتدمير أو كَمَا قال الأستاذ/ عبدالله علوان:..(.. الحرية لا تعني تدمير الآخرين وتسفيههم.. ولا تعني الشتم والتوبيخ.. إنّما تعني التعبير عن الرأي بأسلوب حضاري أو بلاغي يتقيد بأدب الحوار ويتقيد بآداب المجتمع وعاداته وتقاليده..).
وحرية التعبير معناها التعبير عن الأفكار المختلفة، وتقويم أداء مؤسسات المجتمع المختلفة أو كَمَا جاء على لسان الأستاذ/ المقرئ الإدريسي (7) المفكر والأكاديمي المغربي:..(.. فمبدأ حرية التعبير معناه تقويم الأداء السياسي ومراقبته ومنعه من الارتداد إلى الاستبداد، وقد يأتي في مستوى ثان ليعكس الاختلاف الفكري. وفي هذا المستوى تندرج حرية النقد الفكري لكي لا تكون لنا سّلطة ثقافيّة مستبدة على غرار السّلطة السياسيّة المستبدة..).
فلا اعتقد أنّ بعضاً ممّا ينشر في مواقع إلكترونيّة محسوبة – وبكل أسف – على المعارضة الليبيّة، يرتبط بأي صله بالحرية كقيمة، وحق التعبير كمفهوم. واعتقد أنّ عشرات من النَّاس عبروا عن استيائهم من بعض "الرسائل والمقالات"، واعترضوا عن مخالفة موقع بعينة لشروط النشر المعلنة على رأس موقعه !. ولا اعتقد بأنّ الإساءة إلى الآخرين مبررة، ولا اتهام النَّاس دون دليل مسألة عادية، ولا تصفية الحسابات الشخصيّة يمكن ضمّها لخانة الممارسة الديمقراطيّة. ولا اعتقد بأنّ التطاول على القيم الدينيّة، وتعريض سمعة النَّاس للبهدلة والتشويه يمكن حسبانه أو احتسابه في خانة الدفاع عن قضايا الوطن، وحماية حرية الرأي وحق التعبير !!!!.
ومن يوظفون وسائل الإعلام بالأسلوبِ المُشار إليه، ويدعون بأنَّهم حماة الديمقراطيّة وحريّة الرأي وحق التعبير، فهم في واقع الأمر: يمارسون الفوضى، ويسيئون للحرية، ويؤذون النَّاس. ولا اعتقد بأنّ هناك عاقلاً لا يمكنه التفريق بين النقد والتطاول.. حريّة الرأي وقلة الأدب.. الاختلاف مع الآخرين والاعتداء عليهم. فالفرق بين هذه الثنائيات واضح وظاهر. ولذا، لا يحق لأحد ترخيص الرتع في لحوم النَّاس، ولا السخرية من معتقدات الآخرين، ولا اتهام النَّاس دون حجة ودليل، ولا السماح للغة التخاطب الوصول إلى درجات البذاءة والسفالة والانحطاط. فالحرية لا تعني الفوضى، وحق التعبير لا يعنى التطاول واستخدام اللغة البذيئة الرخيصة !!.
هل يعقل أنّ يصنف التطاول وقلة الأدب وتشويه النَّاس واستباحة أعراضهم في خانة حماية حق التعبير والدّفاع عن الديمقراطيّة وحرية النشر !!؟. فلا اعتقد بأن الديمقراطيّة وحريّة التعبير في الغرب تمارس بمعزل عن الأطر القانونيّة التي صاغها المشرعون وفق أسس وقواعد اتفقت مجتمعاتهم عليها. وبقدر الحرية التي يتمتع بها العالم الغربي فلا تجد أو قلما تجد شتائم وقذف واستباحة لخصوصيات النَّاس لأنّ القائمين على وسائلِ الإعلامِ والنشرِ حريصون على المصداقيّة أكثر من حرصهم على الإثارة، ومتهمون بطرح الأفكار والآراء لا جعل الأشخاص مادة في حد ذاتهم، وقبل كلّ شيء، احترامهم لأنفسهم يفرض عليهم التقيد بقوانين الإعلام والنشر لأنّ مخالفتها يعني المثول أمام القضاء وتنفيذ ما يصدر عنه من أحكام وعقوبات. قال الأستاذ/ هيثم مناع:..(.. ما من شكِ في أنّ حرية التعبير تقف عند حدود الذم والشتم والتحقير والإهانات المجانيّة. ولا يمكن أنّ نتحدث عن حرية التعبير وننسى أنّها ليست مجرَّد مساحة من القواعد القانونيّة والأخلاقيّة والسياسيّة..). وما لم تتوفر الأطر القانونية المنظمة للحرية والرعاية لها تتحول الحرية إلى حالة من الفوضى، والفوضى تقود مجتمعاتها بالضرورة إلى الفساد والإفساد والاعتداء على النَّاس. إذن، الحرية الحقيقية يُنظمها القانون ولا تترك مطلقة دون ضوابط ومحددات أيّ لابُدَّ من أُطر قانونية ترسم آفاق الحرية وتحدد ضوابطها حتى لا يسيء النَّاس استخدامها والتعامل معها. وقد أجمعت قوانين البلدان الديمقراطيّة على مجموعة من الموانع، أهمها: منع خطابات التطرف والتعصب والعنصرية والتفرقة والطعن في الديانات السماوية، كذلك، ألحاق الضرر بالنَّاس واستخدام اللغة والصورة المسيئة للأخلاق.
والقوانين المنظمة للحرية تمنح الحق للرأي والرأي الآخر، وتعطي الفرص المتساوية للجميع دون تفضيل لجماعة عن سواها أو إظهار رأي وتغييب غيره أو مولاة للسلطة على حساب المعارضة. وقوانين الحرية تكفل الرَّد على الرأي برأي أخر يعاكسه أو يخالفه، وتجعل من ساحات المحاكم ودوائر القضاء مكاناً طبيعياً للرَّدِ على الإساءات والافتراءات والاتهامات الباطلة. فالقوانين المنظمة للحرية لا تكفل الرَّد الكتابي فحسب، بل، تضمن استرداد الحق كاملاً وإنزال العقوبة المنصوص عليها قانوناً على كل من يتجاوز القانون ويلحق الضرر بالآخرين.
وفي سياق ما تقدم.. يعتبر الفيلسوف جون ستيوارت ميل/ John Stuart Mill (1873 – 1806م) من أوائل من نادوا بحرية التعبير، وهو القائل:..{.. إذا كان كلّ البشر يمتلكون رأياً واحداً وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأياً مخالفاً فأن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كلّ بني البشر إذا توفرت له القوة..}م12. كان الفيلسوف جون ميل يتكلم عن حرية الرأي.. وعن ضرورة توفير المناخ الذي لا يُسكت صوتاً ولا يقصي أحداً، ولم يكن يقصد فتح الباب على مصراعيه فيسيء النَّاس للحرية فيظن بعضهم أن السبّ والتوبيخ والتطاول حرية رأي، وحرية الرأي من قلة الأدب براء. كان جون ميل مع حرية التعبير ولم يضع أمامها إلاّ شرطاً واحداً، هو ما أطلق عليه "إلحاق الضرر بشخص آخر". فأغلب القوانين تحترم الديانات وخصوصيات النَّاس، وتمنع خطابات الكراهية والتعصب. فالقانون الكندي، على سبيل المثال لا الحصر، يمنع خطابات وأفكار الكراهية ضدَّ أيّ مجموعة دينية أو عرقية ويمنع الأفكار أو الكلام أو الصور التي تعتبر مسيئة أخلاقياً من الناحية الجنسية حسب القوانين الكندية. وتعتبر أغلب القوانين في دول الغرب المساس بالمعتقدات والديانات السماوية خطاً أحمراً، والافتراء على أيّ إنسان جريمة يعاقب عليها القانون، واحترام خصوصيات النَّاس واجب ينبغي التقييد به.
ومن المؤكد.. أنّ صاحب أيّ موقع يتحمل مسئوليّة ما ينشر في موقعه سواء كان المكتوب موقعاً باسم حقيقي معروف أو اسم مستعار. والمادة المنشورة هي التي تحدد مدى التزام جهة النشر بأصول المهنة وضوابطها. وإذا كانت المادة المنشورة مخالفة للأصول والأعراف لا يهم عندها النشر باسم حقيقي أو مستعار نظراً لحدوث الضرر لأنّ الجهة التي قامت بالنشرِ جعلت من المنشور مادةً قابلة للتداول وإعادة النشر. فالمسؤولية الرئيسية للصحافة تكمن في تحديد المواد الصالحة للنشر وغير الصالحة، وفرز المعلومات وتصنيفها أو كَمَا قال "بيل كيلر" رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة نيويورك تايمز:..(..الحكم على ما يتوفر من معلومات ).
والكتابة باسم حقيقي لا ترخص الاعتداء على الآخرين، ولا هي صكاً يمنح صاحبه الحق بأنّ يقول ما يشاء ويكتب ما يريد دون سند وبرهان أو مراعاة لأخلاقيات المهنة وتقاليدها. ولا التخفي وراء اسم مستعار يُبعد المسئوليّة أو يلغي وجود المتهم، فمسئولية جهة النشر قائمة في حالة معرفة الاسم الحقيقي لصاحب الاسم المستعار أو عند تعذر ذلك. فربّما، تُقسم المسئوليّة على اثنين في حالة ما يكون المكتوب موقعاً باسم حقيقي معروف أمّا في حالة عدم معرفة صاحب المكتوب أو عدم إمكانيّة التعرف عليه، عندها ستقع المسئوليّة – دون أدنى شك – على كاهل صاحب الموقع وحده فقط (جهة النشر).
أيضاً.. لا يمكن حصر المشكلة التي نواجهها في مسألة الكتابة بالاسم المستعار، فالمشكلة كَمَا اعتقد محصورة في المقام الأوّل والأخير في مواقع لا تحترم أصول مهنة الصحافة وتقاليدها. وصحيح، أنّ الشخص المستهدف يهمه معرفة اسم كاتب المقال الذي أساء إليه، ولكن، هذه الأهمية لا تكون على نفس القدر لدى القرَّاء، فالكثير من القرَّاء يهتمون بالقيل والقال، ولا يهمهم القائل ولا صحّة المعلومات المذكورة من عدمها. ولهذا، سُنت قوانين للصحافة والإعلام وطبقاً لاشتراطاتها وضعت كلّ مؤسسة إعلاميّة سياسات نشر خاصّة بها.
وفي جانب آخر.. يعتذر بعض أصحاب المواقع الليبيّة المنفلتة (غير المنضبطة) عن بعض المخالفات التي تُنشر في مواقعهم بحجة ضيق الوقت وصعوبة التدقيق في كلّ شيء يصلهم لأنّهم يقومون بهذا الجهد بمفردهم ولا يوجد من يساعدهم على أداء هذه المهمّة بصورة أحسن وأدق !.
لا أعرف لماذا يستمر شخص في إدارة موقع لا يمتلك الوقت الكافي لإدارته !؟. ولا أدري لماذا يتحجج صاحب موقع إلكتروني بضيق الوقت وكثرة الشغل والعمل بمفرده، وهو لم يدعو أحداً لمشاركته ولم يسع يوماً لتحويل موقعه إلى "مؤسسة" تتحدد فيها المسئوليات، وتتوزع فيها المهام، وتقوم بعملها وفق خطة منهجية متفق عليها !؟. فإذا كان هناك أحد من أصحاب المواقع غير قادر على أداء مهمته بأصول المهنة وتقاليدها، وموقعه لا يثير إلاّ الفتن والفرقة بين النَّاس، عليه، أنّ يترك شبكة النت فلا أحد سيعاقبه على ذلك، بل، سيحمد على ما فعل لأنّه " أراح واستراح" كَمَا يقولون!.
وأخيراً.. الفوضى السائدة في بعض مواقعنا الليبيّة تلفت انتباهنا إلى مخاطر ترك المصلحة العامّة في أيدي أشخاص يتحركون بشكلِ فردي بعيدين كلّ البعد عن الأداءِ المؤسسي المنضبطة حركته بقوانين محددة ومواصفات معينة. فلا يعقل أنّ نعطي شرعيّة لموقع لا إطار مؤسسي له، ولا مجلس إدارة وأسرة تحرير معلن عن اسم رئيسها وأعضائها.

خاتمة الحوار
السبّ والشتم وانتهاك خصوصيات النَّاس واتهامهم دون دليل، وكلّ الأساليب التي تقع في هذه الدائرة وتدور في فلكها هي أساليب مستنكرة ولها من الخسائر ما يصل إلى درجة الفداحة، وهذه الخسائر لا يتحمل مسئوليتها إلاّ من أطلقها أو كتبها ثمّ جهة النشر. وما يطفو على السطح هو نتيجة وليس سبب، فالسبب يكمن في: تغييب المنهج العلمي وأساليب العمل المؤسساتي. وحتى لا تكون هنالك خسائر أو لا تصل درجاتها إلى حد الفداحة لابُدَّ من إعادة النظر في حالنا برمته، فالذين ينتمون إلى "تنظيمات المعارضة" مطالبون اليوم أكثر من أيّ وقت مضى بإعادة الحياة إلى أجساد تنظيماتهم، فأنّ لم تكن جميع التنظيمات في حاجة ماسة إلى إعادة بناء فجلها – على أقل تقدير– محتاج إلى ذلك. فقد تجاوز عمر العديد من التنظيمات الليبيّة المعارضة ربع قرن (25 عاماً )، فلا يُعقل أنّ تستمر هذه التنظيمات – ونحن في أواخر عام 2007م – على نفس النهج الذي اختارته فيما بين أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات خصوصاً أنّ هذه التنظيمات مرت بعوائق واستقالات وخيبات أمل على مستوى المراهنات والتحالفات، علاوة على ما شاهده العالم من تطورات على المستوى السياسي والمستوى التقني العلمي خلال ( 15) خمس عشرة سنة الماضية والتي ضيقت مفهوم السيادة الوطنيّة إلى أبعد حد وجعلت دول العالم متداخلة متواصلة يؤثر ما يحدث في أحداها على الأخريات وكأن العالم أصبح "قرية صغيرة"، ويضاف إلى ذلك: استقرار العالم الجديد على خيار "التفاوض" ورفضه لخيار "الكفاح المسلح" الذي كان مقبولاً في السّابق وينعت من ينتهجه ب(المناضل) لا (الإرهابي) كَمَا ينعت اليوم !.
وإذا ما أردنا التفاعل مع الواقع والتأثير فيه، وأردنا نيل احترام العالم وكسب تأييده، لابُدَّ من تطوير إمكانياتنا وتجديد وسائلنا والتعامل مع العصر بلغته وآلياته. فالعالم سيصرف النظر عنا حينما لا يجد جديداً في طرحنا ولا رؤيةً في مشروعنا، ولكنه، سيحرص على لقاءنا وحوارنا والتعامل معنا حينما يجد في طرحنا الرؤية والإضافة وبعد النظر. حتماً، سيحترمنا العالم ويهتم بنا حينما ندرك الواقع إدراكاً جيداً، ونطرح ما يناسبه من برامج ورؤى، ونعرض حلولاً عقلانية موضوعية لأهم المشاكل التي تواجه بلادنا وتهددها.
والحقيقة التي لابُدَّ من ذكرها أو لفت الانتباه إليها حتى نتمكن من تحقيق النقلة المطلوبة على صعيد العمل الجماعي المنظم (التنظيم أو الحزب ) هي: إقناع "الحرس القديم ومن يلف لفهم" بضرورة التطوير والتجديد والتعامل مع العصر وفق معطياته وآلياته، فإنّ قبلوا ذلك وتجاوبوا معه فهذا هو المراد والمطلوب، وإن تمسكوا بخيارات الماضي وحماية الرصيد أو ما يُسمونه "الإنجاز" حينذاك لابُدَّ من تجاوزهم وتحقيق المستهدف بدونهم أو دون مشاركتهم.
والمطلوب: إحياء التنظيمات.. وتفعيل دور الأفراد.. والتعامل مع العصر بلغته ووفق معطياته وآلياته. نحن لا ندعو إلى إلغاء دور "الفرد"، بل، نقدر أهمية هذا الدور ونعمل على تعظيمه ودعمه من خلال العمل المؤسسي أو ما نسميه "مأسسة دور الأفراد". ولا نرفض خيار "الاستقلالية" لدى النَّاس، ولكن، نطلب من "المستقلين" تفعيل دورهم النضالي بالعمل من خلال المنظومة المؤسسية.
وربّما مسألة المستقلين أو دور الأفراد الذي ندعو إلى مأسسته يحتاج إلى قليلِ من الاستطراد رَّغم أنّ ذلك قد يأخذنا خارج الموضوع أو بعيداً عن سياقه. ولكن، التوقف عند هذه النقطة أصبح غاية في الأهمية خصوصاً أنّ عدد "المستقلين" تزايد في السنوات الأخيرة بصورة ملفتة للأنظار بالإضافة إلى أنّ فاعلية دورهم ليست على النحو المفترض والمطلوب.
أصبح عدد "المستقلين" في السنوات العشرة الأخيرة يأخذ مساحة واضحة بين المعارضين حتى صار حجم هذه المساحة الآن أكبر ممّا كان متوقعاً أنّ تصل إليه. وهذا، يحتم علينا طرح السّؤال التالي:
لماذا لم تستطع تنظيمات المعارضة الليبية وأحزابها استيعاب هذا العدد الكبير من المعارضين !؟.
كَمَا يحتم علينا طرح الاستنتاج التالي: لو كانت تنظيمات وأحزاب المعارضة الليبيّة على قدر من التنظيم والقوة ولها برامج وأجندة واضحة لمّا وصل عدد المستقلين إلى هذا الحجم الكبير.
والشخص المستقل: هو كلّ شخص يرى بإمكانه خدمة المشروع الوطني من خارج الثوب الحزبي أيّ كلّ شخص نشط مهتم بحال بلاده ومستقبلها ولا ينتمي سياسياً إلى الأحزاب والتنظيمات القائمة. والشخص المستقل يمكن أنّ يكون شخصاً لم يسبق له الانتماء إلى أيّ حزب من قبل أو سبق له الانتماء الحزبي ولكنه تركه لسبب من الأسباب وفضل خدمة المشروع الوطني بعيداً عن قيد الانتماء الحزبي. وقد نجد شخص مستقل..{.. في نفسه (هوى) مع هذا الحزب أو مع ذلك التيار السياسي، إلاّ انه ليس عضواً فيه، إنّما يتعاطف معه، لاقترابه قليلاً أو كثيراً من الفكرة التي يحملها هو..}م13.
ويعرّف الأستاذ/ عمر حلمي الغول الشخصيّات المستقلة على النحو التالي:..{.. مفهوم الشخصيّات الوطنيّة المستقلة ينطبق على كلّ إنسان غير حزبي بغض النظر عن خلفياته الفكرية – السياسيّة أو موقعه الطبقي والوظيفي أو اهتمامه الاجتماعي والثقافي والفني والإعلامي. وحاز على قبول القوى السياسيّة والمواطنين لما لديه من رصيد ومصداقيّة ونظافة كف وشفافية من خلال الدفاع عن المصالح الوطنيّة العليا...}م14.
إذن، التحرر من القيد الحزبي لا يعني غياب الدور والتحرر من المسئوليّة !. والشخص المستقل تقع على عاتقه مسئوليّة شأنه في ذلك شأن الشخص المنتمي إلى حزب أو تنظيم سياسي. ويخطئ المستقل حينما يكتفي بممارسة نقد المعارضة ولا يقوم بشيء ينقل واقع الحال من نقطة إلى أخرى أفضل وأكفأ، فمن حق الشخص المستقل أنّ ينتقد ويرفع نبرة انتقاده إلى أعلى الدرجات ولكن من حق الآخرين عليه مطالبته بأداء دوره وتحمل أعباء المسئوليّة معهم باعتباره شخص معارض.
ومن المفيد هنا، أنّ نشير سريعاً إلى الدور المهم الذي يلعبه المستقلون في مراحل النضال أو الحياة السياسيّة لأيّ شعب، ومن بين أهمّ هذه الأدوار: بث روح الحركة والنشاط حينما يدخل العمل منعطف الجمود والسكون.. التقريب بين وجهات النظر المتعددة، والتوفيق بين التنظيمات والأحزاب المختلفة من أجل خدمة المشروع الوطني.
كذلك، بإمكان المستقلين أنّ يكونوا جزءاً من تكتَّل سياسي يتشكل من تنظيمات وأحزاب ويحتفظوا بذواتهم كأشخاص مستقلين، وبإمكانهم، خلق ثقل مؤثر داخل التكتَّل باتفاقِ يعقدونه مع بعضهم البعض.
أمّا "المتحزبون" فالدعوة موجهة إليهم بغية الاهتمام بأحزابهم وتنظيماتهم السياسيّة حتى تبقى دوماً حيوية فاعلة ولا يتركوها تتحول إلى "صناديق سوداء" تملك القدرة على تسجيل الأحداث والحوادث دون مقدرة تمكنها من الرَّد أو التأثير أو تغيير المسارات. وما لم يصغ "المتحزبون" أنفسهم بشكل جديد، ويُفعل "المستقلون" دورهم من خلال المؤسسات، سنظل نتحرك في مكاننا إلى ما شاء الله، أو يتدهور حالنا أكثر فأكثر لأن ذلك هو الأقرب في هكذا حالات.
وفي ضوء ما سبق، وبعد هذا الاستطراد، نرى ضرورة تحويل المواقع الإلكترونيّة من وضعها الحالي القائم على الإدارة "الفردية" إلى مواقع "مؤسساتية" تعمل بشكل جماعي وفق سلة من اللوائح المنظمة للأداء، ومجموعة من الاشتراطات المنظمة لعملية النشر. كَمَا نؤكد على ضرورة أنّ يلعب "المؤتمر الوطني للمعارضة الليبيّة" دوراً حيال انحرافات الأداء الإعلامي مقتدين بالدور المميز الذي لعبه مندبو تنظيمات المعارضة – في أوائل الثمانينيات – لأجل ضبط حركة النشر وتحسين أداء المعارضين الإعلامي، وهو الدور الذي تمت ترجمته في وثيقة سميت وقتذاك ب(مِيثَاق الشرف الإعلامي).
والمسألة الأكثر إلحاحاً في اللحظة الراهنة إلى جانب ضبط المشهد الإعلامي، هي: الانتقال بالمؤتمر الوطني للمعارضة الليبيّة من وضعه التوافقي إلى وضع آخر تستند فيه القيادة الجديدة للمؤتمر على مِيثَاقِ يحدد الأهداف ويرسم الخطوط العريضة لأساليب تحقيقها من خلال إطار يمنح قيادة المؤتمر صلاحيات كافية ويُخرج حركة المؤتمر من قبضة إرضاء وموافقة الجميع إلى إخضاع الأطراف جميعها لسياسات المؤتمر وقراراته مادامت الأمور تسير وفق خط عام متفق عليه سلفاً.
والصيغة التوافقية التي تمّ الاتفاق عليها في مؤتمر لندن صيف 2005م كانت خطوة ضروريّة لابُدَّ من إتّخاذها والعمل بها فترة من الزمن، ولكن، الانتقال من هذه الصيغة إلى صيغة أخرى – وبعد مرور أكثر من سنتين على إنعقاد المؤتمر الأوَّل – أصبح ضرورة تمليها خصوصية الإتفاق ومعطيات الواقع ومتطلبات الحركة. والانتقال من حالة التوافق إلى حالة أخرى لا تعني مطلقاً إلغاء ما سبق إقراره بلْ لابُدَّ أن تفضي في حالتنا الليبيّة إلى التأكيد على مقرارات المؤتمر الأوَّل وبلورة أسلوب جديد للعمل يضمن استمرارية التفاعل وديمومة الحركة.
ومن هنا إلى ساعة انعقاد المؤتمر لابُدَّ لهيئة المتابعة أنّ تشرف على لقاءات وملتقيات تُطرح فيها مشاريع وأفكار بشأن إحداث النقلة المطلوبة.. ولابُدَّ لأطراف المؤتمر المختلفة أنّ تتفاعل إيجابياً مع أيّ مقترح جاد يهدف لإحداث النقلة المطلوبة ولا يتعاملوا معه بشكلِ سلبي. وليتذكر الجميع، أنّ المؤتمرين في لندن قد أكدوا في بيان التوافق الصادر في يونيو 2005م على أهمية هذه النقلة وضرورة إحداثها، وجاءت فقرة التأكيد في نصّ البيان على النحو التالي:..(.. فإن المؤتمرين يعبرون عن النيّة في ترسيخِ هذا الخط الوطني التضامني والذي سيفضى إلى تبلور تكتّل وطني ديمقراطي تنتظره جماهير شعبنا الليبي بفارغ الصبر..).
وإذا ما أمعنا النظر في هذه الإشارة لوجدناها بمثابة دعوة من المؤتمرين موجهة إلى هيئة المتابعة لأجل تحمل أعباء نقل المؤتمر من صيغته التوافقية إلى صيغة تحوله إلى تكتّل وطني ديمقراطي أيّ إلى كيان منضبط يمنح هيئته القيادية صلاحيات تؤهلها لتحقيق الأهداف المرسومة.
توقفت عند هذا الحد، وفسحت المجال مجدَّداً لصديقي منتظراً ردوده وتعقيباته على ما ذكرت.
صمت صديقي لحظات، والتفت نحوي، قائلاً: كلام عقلاني، وردود منطقية، ومقترحات جيدة لا ينقصها شيء إلاّ الانتقال بها من حيز "الكلمة" إلى مجال "التنفيذ". والانتقال من حيز "الكلام" إلى مربع "التطبيق" هو كبرى مشكلات العالم العربي حكومات وشعوب. ويبدو أنّ الأزمة في العالم العربي واحدة رغم تمايز المواقع، وتباين الظروف، واختلاف طبائع النَّاس وأمزجتهم من مكان إلى أخر، حيث نفلح في "تشخيص الحالة وما ينفع من علاج معها"، ولكن، نفشل في علاجها نظراً لغياب غُرف العلميات وأدوات المعالجة !. بمعنى، توجد اقتراحات ممتازة لإخراجنا من عنق الزجاجة، ولكن، هذه المقترحات لا تجد طريقها للتنفيذ والتطبيق بسبب غياب المؤسسات التي تعمل بخطط علمية منهجية وباستقلالية تامة عن هيمنة أيّ فرد أو جهة. وغياب العمل المؤسسي موجود في عالمنا العربي على مستوى السّلطة، وعلى مستوى المعارضة كذلك.
الحلول والآراء النيرة موجودة، فكثيراً ما نسمع حلاً لمشكلة معينة أو نقرأ رأياً سديداً حول موضوع ما ولكن سرعان ما يذهب ما سمعنا وقرأنا أدراج الرياح نظراً لغياب قنوات التنفيذ والجهة المسئولة وآليات المتابعة أي غياب "المؤسسة". وما لم تجد أيها الصدّيق العزيز آراءكم ومقترحاتكم منفذاً للتأثير وطريقاً للتطبيق، سنبقى على هذا الحال ولن يتغير شيء، فإن لم يتحول "الكلام" إلى " عمل وفعل" يصبح كزبدة الليل التي تذوب حينما تشرق عليها شمس النهار.
أنت قلت رأياً سديداً وكلاماً جميلاً منمقاً، ولكن، العبرة في التطبيق والتنفيذ. وأنا لا أملك ( والكلام مازال لصديقي) إلاّ أنّ أقول لك: بدون مؤسسات حقيقية لن يتغير شيء، ولن يكون هناك نور في أول النفق ولا في آخره. كَمَا أقول لك إقتداءً بما قيل في الأمثال الشعبية: "اللي يعطيك حبل كتفه بيه"!. أنا سوف أكتفك بحبل كلامك، و"على أيديكم أنحجوا" كما يقولون.
ألتفت أنا نحو صديقي هذه المرَّة، وقلت له وبهدوء تام: أنت تعتقد أنّني كمن يرفع الأذان من مالطة كما كان يتندر قدماء العرب من الذين يقولون كلاماً لا أحد يسمعه وليس ثمة فرصه لتطبيقه، فيقولون مثلهم الشعبي المشهور: " كيف مَنْ يَذن (يؤذن) في مالطة"!.
فأن كان "الأذان من مالطة" على زمن الأولين لا يصل إلى أحد، فواقع اليوم أختلف كثيراً عن الأمس وغدا رفع الأذان من أخر بقعة في العالم يصل بكلّ سهولة ويسر إلى جميع الأماكن، وكلّ النَّاس. وما يهمني حينما أرفع الأذان من مالطة التأكد من سماعك ليّ، ولا يخصني أنّ تقوم للصلاة أو لا تقوم فذلك شأنك، وخارج نطاق مسئولياتي.
وبعدما استمعت إلى كلامك كله أوله وأخره، وبعد كلّ ما قلت واستطراداتي الكثيرة التي أرجو ألاّ تكون مملة أو خارج السياق، لم أجد خير من المثل الشعبي القائل: " نحنا نكتبوا والشفا على الله " لأختم به هذا الحوار الممتع المستفز. وآملُ أنّ يظهر النور في نهاية النفق. والأمل في الله كبير وعظيم. وبالله التوفيق.

بقلم / الصادق شكري
________________________________________________

ملاحظات وإشارات هامّة
1) كتب فيكتور هوغو: الجملة المنقولة عن فيكتور هوغر، جاءت في مقالة للناشط الحقوقي والكاتب السّوري/ هيثم مناع، تحت عنوان: "التعدد والاختلاف"، والمصدر: الجزيرة نت.
2) وقائع قضية: كان الأستاذ/ إدريس المسماري في ظهيرة أحد أيام شهر رمضان المبارك الموافق يوم الخميس 20 سبتمبر 2007م متجهاً نحو سيارته التي أوقفها تحت عمارة "التأمين" في شارع "عمر المختار" بمدينة بنغازي. شاهد المسماري جمعاً من النَّاس متجمهرين حول رجال من الشرطة والأمن يحاولون انتزاع شاب من سيارته مستخدمين القول الفاحش والتهديد بالضرب وكلّ أساليب التحقير والحط من كرامة الإنسان. تدخل المسماري من أجل إيقاف إهانة الإنسان والحط من كرامته، وتذكير رجال الشرطة والأمن بالقوانين التي تضبط مهنتهم بحكم رفضه لتجاوز القانون واستغلال السّلطة.. وإيمانه بحرمة الجسد.. واستنكاره لضرب أو شتم الشخص الموقوف أيا كانت جريمته. وليُذكر الواقفون على الرصيف بأنّهم يشاهدون انتهاكات وتجاوزات حقيقة لا مشهد من مشاهد الكاميرا الخفية، فعليهم التحرر من السلبية واللامبالاة والوقوف ضدَّ كافة أنواع التجاوزات والظواهر السلبية.
قال الأستاذ/ إدريس المسماري لرجال الشرطة والأمن:..(.. يا إخواننا أنتم في شهر رمضان، بلاش من لغة الضرب والشتم والإهانة. ليس لائقاً ولا يصح لكم أنّ تجرجروا مواطن وتشتموه بألفاظ سوقية وتعسفية..).
أمسك رجل الأمن يد إدريس المسماري بقوة شديدة وهزه قائلاً:..(..أنت شنو دخلك .. أمشي افطر مع عيالك أحسن.. أمشي خير ما نلفخك (نضربك) أو يحصلك شيء مش طيب..).
رفض المسماري التهديد والإهانة، وقال لرجل الأمن:..(.. احترم نفسك.. وشيل أيديك ولا تمسكني هكذا، فللجسد حرمته ولا أريد إنّ يمسني أحد جسدياً..).
استمر رجل الأمن ممسكاً بذراع المسماري وضغط عليها ثمّ دفع به في مقعد سيارة البوليس الخلفي ليجد المسماري نفسه معتقلاً ومحجوزة حريته لا لشيء إلاّ لأنّه قال "هذا لا يصح". تمّ القبض على المسماري بطريقة فجة وهو بريء من أيّ جنحة أو جريمة ثمّ وجد نفسه في غرفة الحجز في مركز الشرطة، ولم يطلق سراحه إلاّ بعد تدخل أحد أصدقاءه.
أُطلق سراحه بعد أنّ دفع أحد أصدقائه كفالة لإخراجه من الحجز وتعهد بحضور المسماري يوم السبت الموافق 22 سبتمبر 2007م للنيابة. حضر المسماري إلى النيابة وتمّ التحقيق معه بشكل تعسفي، ووجهت إليه تهمة: تهديد موظف عام إثناء أدائه لواجب رسمي !!.
انتهى الأمر – حتى الآن – بقرار إحالة الأستاذ/ إدريس المسماري للمحاكمة يوم 25 ديسمبر 2007م.
لمزيد من المعلومات راجع مقالة الأستاذ/ إدريس المسماري المعنونة تحت عنوان: "وقائع قضية.. شنو دخلك !!!"، المنشورة بتاريخ 27 سبتمبر 2007م في موقع "ليبيا اليوم".
3) إرسال معمّر القذّافي لأحد أقاربه وأبرز أعوانه إلى مدينة إجدابيا: أرسل معمّر القذّافي إلى مدينة إجدابيا خليفة احنيش الدرباشي أحد أقاربه وأبرز أعوانه للاجتماع بوفد من قبيلة المغاربة. اجتمع خليفة احنيش في أوائل شهر مارس 2006م بوفد من قبيلة المغاربة، وعُقد الاجتماع في استراحة معمّر القذّافي بمدينة إجدابيا. قال احنيش لوفد قبيلة المغاربة: هناك فرد من قبيلة المغاربة يدعى (محمود شمّام) متضايقة منه القيادة ودائم الخروج في الفضائيات يقول في كلام غير واقعي... وبصراحة، القائد يعتبركم أهله وينصحكم بالتوجه إليه (إلى شمّام) ونصيحته بترك هذا الأمر الذي يضر بنا وبه... ولمصلحة الوطن انصحوه بأنّ يعود إلى ليبيا ليكون أحد أولادها...
.. وإنّ رفض الاستجابة لهذه النصيحة أو الطلب فيجب البراءة منه من قبل قبيلة المغاربة ولا أحد يتحمل مسؤوليّة موته إنّ وجد في يومِ من الأيامِ مقتولاً.
أنظر إلى ما كتبه الأستاذ/ أحمد بوذراع تحت عنوان: "احنيش يدعو قبيلة المغاربة إلى التبرؤ من محمود شمّام ويتوعد بتصفيته" في باب: "قضايا أمنية" في موقع "ليبيون من أجل العدالة" بتاريخ 16 مارس 2006م. فالجزء الأهمّ من هذه الإشارة منقول حرفياً عن المقالة سالفة الذكر.
4) عضوية شمّام في مجلس إدارة شبكة الجزيرة الفضائيّة: تمّ تعيين الأستاذ/ محمود عوض شمّام عضواً في مجلس إدارة شبكة الجزيرة الفضائيّة في صيف 2006م. وأصدر ولي عهد دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في بداية صيف 2007م قراراً أميرياً ينص على تعيينات جديد لإدارة شبكة الجزيرة الفضائيّة. أصدر ولي العهد يوم الثلاثاء الموافق 15 مايو 2007م قراراً أميرياً رقم (28) لسنة 2007م ينص بتعيين الشيخ/ حمد بن ثامر آل ثاني رئيساً لشبكة الجزيرة الفضائيّة، والسيّد/ أحمد عبدالله الخليفي نائباً له. وجاء اسم الأستاذ/ محمود عوض شمّام ضمن الأسماء الخمسة الذين اختارهم الأمير لعضوية مجلس الإدارة. تمّ تثبيت عضوية الأستاذ/ محمود شمّام في التشكيل الجديد لمجلس الإدارة، وأُبعد الأستاذ/ وضاح خنفر من التشكيل الجديد، وهو الذي التحق بقناة "الجزيرة" كمدير إدارة عام 2003م خلفاً للسيّد محَمّد جاسم العلي.
5) في أبريل 2005م : بخصوص طلب معمّر القذّافي من الهيئات القضائيّة بإصدار قانون يحرم التخاطب مع وسائل الإعلام غير المحليّة إلاّ بإذن مسبق من أجهزة الدولة، راجع ما ذكرته (المؤلف) في (الجزء الثّاني ) من السلسلة المعنونة ب( هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ – الملك .. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج ) المنشورة في موقع "ليبيا المستقبل"، والموجودة في باب: "أرشيف الكُتّاب" – صيف 2006م.
6) انطلقت قناة أو قنوات: انطلقت قناة "الجزيرة" في تشرين الثّاني/ نوفمبر 1996م، وكتب الأستاذ/ كميل أسعد ما جاء بين القوسين في بدايات انطلاق قناة الجزيرة، وقبل انطلاق قنوات فضائيّة أخرى منافسة كقناة: العالم، العربيّة، المركز العربي للأخبار ( ANBِِ / Arabic News Broadcast)، الحرَّة، المحور، دريم (Dream)، الحوار...والقنوات الأجنبية الناطقة باللغة العربيّة وغيرها من القنوات، ولذا، جاء التركيز على "الجزيرة". ويعتبر ظهور قناة "الجزيرة" علامة فارقة في تاريخ الإعلام العربي حيث اقتحمت بمبادرتها ميادين الفكر والسياسة في وقت كانت القنوات الفضائيّة الخاصّة الأخرى تركيز على عنصر المتعة والترفيه أو ( عنصر المكبوت الجنسي) كَمَا وصف أحد مثقفي العرب ذلك. أحدثت قناة الجزيرة بقيودها وعيوبها وحدودها قفزة لا يستهان بها حيث صَعبت على الإعلام العربي الرسمي عمليات إدّعاء البطولات وإخفاء الحقائق وصنع الأكاذيب.. ومنحت النخبة العربيّة مساحة للتعبير عن آرائها ومواقفها.. وفتحت الباب واسعاً أمام الأفواه المكممة في الوطن العربي. والأهمّ من ذلك – وكَمَا يقول د/ سليمان الشمري – أنّها ...(.. بدأت بتعويد الجمهور على سماع الرأي والرأي الآخر وحرية التفكير، وبدأت بالعزف على طبيعة البرامج الحوارية التي تفتح باب الفكر على مصراعيه..).
7) الأستاذ/ المقرئ الإدريسي: الكلام المكتوب بين قوسين في الفقرة المُشار إليها نقلناه عن تقرير كتبه الأستاذ/ بلال التليدي في مقالة تحت عنوان: "حرية التعبير لمواجهة تغول السّلطة" في موقع "إسلام أون لاين" في باب "ثقافة وفن". والكلام منسوب إلى الأستاذ/ المقرئ الإدريسي كَمَا ورد في التقرير.

مصادر ومراجع
م1) الأستاذ/ يسري الفخراني – كتاب: كلام عن الكلام – دار "الفرسان" الطبعة الأولى: يوليو 1999م.
م2) مدونة الحلم الجميل/ الكويت – موضوع: هل للحرية من ضوابط / الجزء الأول – تاريخ النشر: 18 أغسطس 2007م.
م3) الأستاذ/ إدريس المسماري – مقالة: "وقائع قضية.. شنو دخلك !!!" / بقليل من التصرف – موقع "ليبيا اليوم " تاريخ النشر: 27 سبتمبر 2007م في موقع "ليبيا اليوم".
م4) تقرير حول أوضاع الصحافة الإلكترونية في ليبيا – صادر عن المبادرة العربية لإنترنت حر التابع للشبكة لمعلومات حقوق الإنسان.
م5) الأستاذ/ فهمي هويدي – مقالة: "في تزييف الحريّة والاحتيال على الديمقراطيّة"- صحيفة "الدستور" المصرية يونيو 2007م.
م6) الأستاذ/ أحمد عبد السلام – تقرير: واقعة حجب لقاء المعارضة الليبيّة في فضائيّة المستقلة ( بشيء من التصرف ) – موقع " المؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة.
م7) الأستاذ/ كميل أسعد – مقالة: الإعلام المرئي وأثره على التحول الديمقراطي في سّوريّة- الشبكة الدوليّة للمعلومات.
م8) الأستاذ/ أحمد الحاج علي – مقالة: الحوار.. حكاية كلمة مع الاستبداد – الصحيفة الإلكترونيّة (الحوار المتمدن)/ العدد 1451 الصادرة يوم السبت الموافق 4 فبراير 2006م.
م9) تقرير حول أوضاع الصحافة الإلكترونيّة في ليبيا – صادر عن المبادرة العربيّة لإنترنت حر التابع للشبكة العربيّة لمعلومات حقوق الإنسان.
م10) نفس المصدر السّابق.
م11) الأستاذ/ خالد أحمد عثمان – مقالة: "حرية التعبير بين القانون الدولي والمعايير الغربية المزدوجة" – موقع "اللجنة العالميّة لنصرة خاتم الأنبياء".
م12) موقع (ويكيبيديا) / الموسوعة الحرَّة – انظر ما جاء تحت عنوان: "حرية الرأي والتعبير".
م13) الأستاذ/ حسن حافظ – دّراسة: تطور مفهوم الديمقراطيّة – جريدة الصباح / الصادرة بتاريخ 23 مايو 2006م.
م14) الأستاذ/ عمر حلمي الغول – مقالة: "كيف تختار الشخصيّات المستقلة ؟ - موقع (شبكة التحدي ) الموقع الرسمي لحركة فتح – المكتب الإعلامي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home