Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

Friday, 12 May, 2006

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

       
       
       
       

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج
بقلم : الصادق شكري
الجزء الثّاني
الحلقة الأولى ( 1 مِنْ 16 )

(... ما من قضيّة من قضايا اليّوم إلاّ والماضي حاضر فيها كطرف منافس، وذلك إلى درجة يبدو معها أنّه من المستحيل علينا، نحن المعاصرين أنّ نجد طريق المستقبل ما لم نجد طريق الماضي...).
                                                                                              د/ محَمّد عابد الجابري

{... لم يقصد الليبيّون المهجر هروباً من جحيم القذّافي، بل، قصدوا المهجر من أجل كشف جرائم نَّظام القذّافي وممارساته القمعيّة الإقصائيّة، وبهدف لمّ شمل الليبيّين وتوحيد صفوفهم بغية إنهاء نّظام القذّافي الإرهابي المتسلط وإقامة البديل الذي يكفل الحقوق ويصون الحريات. والمعارضون في الخارج يتطلعون بلا شكّ إلى الأفضل، ولا ينكرون الإخفاقات وما اخطأوا في حسابه وتقديره. فقد أخفقت المعارضة الليبيّة في الخارج في بعض جوانب عملها، وأخطأت كذلك في بعض تقديراتها وحساباتها السياسيّة. ولكن، لا يجوز النظر إلى الإخفاق وكأنّه تهمة أو يصبح الخطأ في التقدير جريمة لا تغتفر!.
وحقاً.. لا يجوز بأيّ حال من الأحوال تحميل المعارضة الليبيّة مسئوليّة ما أصاب ليبيا خلال عهد القذّافي من نكبات ومصائب وخسائر في الأرواحِ والأموالِ لأنَّ مسئوليّة ذلك تقع على عاتق النّظام وشخص القذّافي في المقام الأوَّل والأخير.
وفي المبتدأ وفي المنتهي فإنّ تَّجربة المعارضة الليبيّة في الخارج تَّجربة رائدة لها سجل حافل بالعطاءات والتضحيات، ومهما كانت أخطاؤها أو انتكاساتها ستظل صفحة مشرقة في تاريخ ليبيا السياسي...}م1.
وفي المبتدأ، أقول.. أنّ كلمات القرّاء الإيجابيّة هي التي شجعتني ودفعتني لمواصلة مشوار كتابة المقالة الإلكترونيّة ـ المقالة التي انتظمت في كتابتها منذ أنّ نشر ليّ د/ إبراهيم سعيد اغنيوة أوّل مقالاتي الإلكترونيّة في موقعه "ليبيا وطننا" بتاريخ 24 ديسمبر 2000م. وحاولت منذ بداية نشر مقالاتي الإلكترونيّة أنّ ارصد الأحداث بغية توثيقها.. وأنّ أُشير إلى إسهامات رفاق الطريق قصد ترسيخ قيمة الوفاء والتأكيد على أهمية العامل المعنوي.. وأنّ تكون المادة التاريخيّة جزء من المادة التي أقدمها للقرّاء إقتداءً بقول الإمام الشافعي "من علِمَ التاريخ فقد زاد عقله". وكنت أحرص دائماً على إضافة فكرة أو لمحة أو واقعة جديدة في كلّ موضوع اطرحه وسبق أنّ طرحه غيري عشرات المرات. فقد حرصت على أنّ تضيف سطور كلّ مقالة أكتبها شيئاً جديداً، وألاّ تكون السطور مكررةُ مملةُ لا تزيد واقعة أو لمحة، فكلما أحسست أنّ جعبتي لا تحمل جديداً ابتعدت عن الكتابة والتزمت الصمت، إقتداءً بحكمة مشاهير الإعلاميين القائلة: " أغلق فمك إذا أحسست أنّك إذا تكلمت لن تضيف جديداً".
وكنت ولازلت أؤمن بأنّ : اقصر طريق يؤدي إلى الفهم والإدراك هو الانتباه والإصغاء الجيد.. وأنّ الكلام الذي لا يسبقه تفكير وتأمل لا يضيف للكلامِ إلاّ كلاماً.. وأنّ الأسئلة التي تخرج عن سّياق الموضوع ولا تنتج عن متابعة لما هو معروض ولا تفكير متمهل متأني هي أسئلة غير جيدة بالضرورة، وربّما تكون عبيطة (ساذجة) وهي في عبطها كعبط السّؤال الذي طرحه ذلك الرجل على الإمام أبي حنيفة (1) !!.
أمّا الأسئلة الجيدة: هي التي تفتح الآفاق ولا تخرج عن السّياق، وتقلب الأفكار وتضيف الجديد على ما هو مطروح أو تضعه أمام جملة من الأسئلة المهمّة، ولا تكون كحكاية السّؤال الذي طرحه ذلك الرجل على الإمام أبي حنيفة !. والحكاية تروي أنّ رجل جاء في ذات يّومِ إلى الإمام أبي حنيفة يسأله، فقال له: إذا نزعت ثيابي ونزلت إلى النهر أغتسل... فهل أتوجه إلى القبلة !؟.
فردّ عليه الإمام أبي حنيفة ساخراً، فقال له: الأفضل أنّ تدير وجهك إلى ثيابك حتى لا يسرقها أحد.
وإلى جانب تجنب الأسئلة العبيطة، كنت على الدوام متوخياً الصدق والموضوعيّة، وحريصاً على مشاعر النّاس وأحاسيسهم مقتدياً بقول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام "الكلمة الطيبة صدقة ". كما حرصت على قول ما آمنت به وما اعتقدت بضرورة لفت الانتباه إليه، وعبرت في مقالاتي السّابقة ..{.. عمَّا اقتنعت بوجوده.. في حدود طاقة البشر بكلّ ما يعتريها من حماس وفتور.. من قلق وخوف.. من مشاعر وأحاسيس لا يخلو منها إنسان، ولا يتجاوزها إلاّ الملائكة...}(م2).
وصفحات هذه المقالة مجرّد ملخص عام لما عرفته عن المعارضة الليبيّة في الخارج بحكم مشاركاتي ومشاهداتي، ولما توفر ليّ من وثائق وشهادات شفوية وتفسيرات لما حدث وكان. وهي مجرّد عرض مقتضب لمبررات وجود المعارضة الليبيّة خارج الوطن .. ولمواقف المعارضة ورود فعل نَّظام معمّر القذّافي.
ولا شكّ.. أنّ مناقشة مسألة ذات صلة بماضي تجاوز العقدين من الزمان، وتحرّك لازال مستمراً حتى اللحظة الراهنة ليس بالأمر الهين، بل، هو صعب وغاية في الصعوبة. وأؤكد على أنّ المعروض في هذه الحلقات مجرّد محاولة قابلة للنقد والتصحيح والإضافة شأنه شأن الكتابة عن أيّ تَّجربة عامّة أو سّيرة أو كما قال د/ محَمّد محَمّد المفتي..{..يبقى المعروض قابل للتصحيح في ضوء ما يستجد من معلومات ووثائق وروايات.. والكتابة عن أيّ حقبة تاريخيّة أو سّيرة، تظل قابلة لإعادة القراءة والتقييم.. فالتّاريخ، مثل كلّ العلوم كتاب مفتوح..}(م3).
بدأت أبحث في الأوراق التي صففتها في ملفات.. وأقلب في أرشيفي الخاصّ الذي تراكمت أوراقه عبر سنوات الغربة الطويلة.. واستفز الذاكرة وأجبرها على استحضار الماضي وشخصياته وملابساته. وتأسفت كثيراً على أنّني لم أدون اليوميات، لأنّني ببساطة لم أكن أعلم في السّابق أهميّة التدوين اليومي للأحداث واللقاءات والمستجدات وربّما المفارقات !. ولكن اليّوم أدركت أهميّة التدوين، وأهميّة أنّ يدون كلّ إنسان يومياته، ففي يوميات كلّ إنسان شيء خاصّ وأخر عام.. أشخاص آخرين وأحداث ربّما ستكون في يومِ من الأيامِ ذات صلة بمادةِ التاريخِ!.
وأقول مؤكداً..{.. لم يدر بخلدي يوماً أنّي سأكتب حول هذا الموضوع. ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ولدونت كلّ الأحداث صغيرها وكبيرها بتواريخها وصورها، فتصير هذه الذكريات مذكّرات تسري فيها الحياة..}(م4). ولكن، قدرَ الله وما شاء فعل....

مقدّمةُ

كنت قد انتهيت من كتابة الجزء الأوّل من مقالة: "هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ / الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج" في الأسبوع الأوّل من شهر يونيو 2005م، وبدأتُ في نشر حلقات هذا الجزء في منتصف يونيو على المواقع الليبيّة التاليّة: "ليبيا وطننا"، "الإنقاذ "، "ليبيا المستقبل". ونُشرت الحلقات الثلاثة الأولى قبل بدء جلسات إنعقاد المؤتمر الوطني للمعارضة الليبيّة، والتي انعقدت في لندن يومي السبت والأحد 25 و 26 من شهر حزيران/ يونيو من عام 2005م. حالت الظروف بيني وبين حضور المؤتمر الوطنيّ، فدونت بعض الملاحظات في الحلقتين الأولى والثانيّة كرسالة للمجتمعين في لندن، ولذا، حرصت على نشر الحلقتين المذكورتين قبل إنعقاد المؤتمر. وهكذا كان.
وانتهيت من كتابة هذا الجزء ـ الجزء الثّاني ـ يوم الأربعاء الموافق 10 مايو 2006م، وربّما، تطول مدة نشر حلقات هذا الجزء إلى شهر أو أكثر، وقد تمنحني هذه المدة الفرصة لإضافة ما تستدعي الضرورة لإضافته خلال أيام النشر.
وكنت قد سلطتُ في حلقات الجزء الأوّل بعضاً من الضوءِ على شخص الملك محَمّد إدريس السّنوسي يرحمه الله لأنّه هو من قاد الجهاد الليبي ضدّ المستعمر الإيطالي البغيض، وهو من أسس الدولة الليبيّة (الأب المؤسس). ولأنّه شخصيّة وطنيّة فذة لا يجوز أنّ يترك للعابثين المجال لطمس تاريخه الحافل، ودوره الرائد، وجهاده العظيم. وسجلت في الجزء الأوّل أيضاً لمحات عامّة عن: تاريخ ليبيا والدور المتميز للحركة السنوسيّة في الجهاد الليبي.. مرحلة الإستقلال وبناء الدولة الليبيّة.. مواقف وطنيّة لرجالِ من مختلف المدن والقرى والواحات الليبيّة، رجالُ أعطوا ليبيا كلّ ما لديهم بوفاء وحب وتفاني منقطع النظير.....
سأحاول في هذا الجزء من المقال (الجزء الثّاني) رصد تَّجربة الليبييّن في المهجر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً: رجال، ومواقف، وتحركات، وعمليات، وتنظيمات.
والغرض من كتابة هذه المقالة: التسجيل والتوثيق والحديث عن ليبيا العشق والحب.. ليبيا الأرض والإنسان.. ليبيا الماضي والحاضر والمستقبل الواعد بعون الرحمن....
أيضاً..{.. استعادة لذاكرة المجتمع الذي بدأ شبابه يفقدون صلاتهم بماضيهم .. فإنّها تصر على توخي الصدق والشفافيّة في نقاش ماضينا، ويفترض أنّ الأجيال الحاليّة قد بلغت من النضج ما يجعلها ترتفع عن طمس الأسماء والأحداث والوقائع ..!. والهَدْرَزَةُ هي محاولة لترميم الذّاكرة...!}(م5).
وكلّ ما أتمناه أنّ تدفع هذه السلسلة، آخرين .. ليكتبوا عن مرحلة خبروها أو بقعة عرفوها أو مراحل استهووها أو أحداث شاركوا فيها وشهدوا عليها. لابُدَّ من الكتابة أولاً ثمّ التأكيد على ما نرى ضرورة لتأكيده، وتصحيح الخطأ الواجب تصحيحه، بعد ذاك، فلنضف ما شئنا إضافته أو ما استدعت الضرورات لإضافته. فالتّاريخ ورق مكتوب لا روايات تحكى تحت سقف مربوعة (صالون خاصّ) دون تدوين !.
إذن، لنكتب ونتبادل أطراف الحديث حواراً و هَدْرَزَةً، فعسانا بذلك،..(.. نعمّق ولاءنا لهذه الأرض ونستعيد المشاعر والقيم النبيلة .. التي تبدو اليّوم وكأنّها قد ذوت...) كما قال د/ محَمّد المفتي.
على أية حال..بعدما انتهيت مباشرة من نشر الجزء الأوّل من مقالة: "هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ/ الملك..العقيد..المعارضة الليبيّة في الخارج" وأثناء أيام النشر، وصلتني العديد من الرسائل الإلكترونيّة والإتصالات التلفونيّة من أشخاص أعزاء ارتبطت بهم منذ زمن طويل جداً، وأشخاص آخرين تعرفت عليهم بفضل ما كتبت على صفحات الإنترنت. وكان المجمل العام للرسائل والإتصالات التي وصلتني إيجابياً ويدعوني إلى تحويل ما كتبت إلى "كتاب" حتى لا تُبعثر العواصف والرياح الأوراق التي كتبت كما تفعل في العادة مع الأوراق المنفردة غير المصففة في كتاب !.
جزيل الشكر ووافر الامتنان إلى هؤلاء جميعاً، والعرفان للجميع دون استثناء فمن دونهم ما كان لهذا الجزء أنّ يرى النور خصوصاً أنّ سمائي ملبدة بالغيوم !!.
وعلى العموم.. لم تصلني انتقادات وتصويبات بخصوص الجزء الأوّل من مقالة: "هَدْرَزَةُ في السّياسَة والتّاريخ" سوى تصويب د/ إبراهيم سعيد اغنيوة الذي أرسله عبر بريدي الإلكتروني(2). وملاحظة بخصوص "العنوان" وأخرى حول "التكرار !" جاءتا في مكالمتين جرت بيني وبين صديقين !. قال الصديق في مسألة "التكرار" ما يلي: قرأت كلّ الحلقات التي نشرت إلى الآن وعددها ستة حلقات فقط من أصل ثلاثة عشر حلقة وبالرّغم من ذلك يمكنني القول بأنّ المقالة غزيرة في معلوماتها وممتعة في عرضها وملاحظتي الوحيدة حيال ما نُشر تتخلص في " الوقوع في فخّ التكرار" !. رجائي أنّ تتجنب بعض التكرار في المقالات القادمة والذي كان بالإمكان تجنبه في الحلقات الستة المنشورة من مقالة الهَدْرَزَةِ.
وضعت ملاحظة الصديق في الاعتبارِ وأجريت بعض التعديلات ابتداءً من الحلقة السابعة وقلت لربّما سيخفف التعديل التي قمت به من وطأة التكرار الذي لاحظه صديقي. شكراً جزيلاً للصديق ورجائي أنّ تستمر متابعاته وملاحظاته لأنّها جد مهمّة بالنسبّة ليّ.
وربّما استطرد هنا لأؤكد ـ وكما أكدت للصديق في المكالمة المُشار إليها ـ بأنّ التكرار الذي وقعت فيه كانت له دواعي وأسباب أضعها كما يلي:
1ـ الرغبة في التأكيد على بعض الحقائق، وترسيخ بعض القيم والمفاهيم التي تبدو اليّوم وكأنّها قد ذوت.
2ـ الرغبة في ألاّ تكون حلقات المقالة منفصلة عن بعضها البعض لأجل ذلك وجب الربط بينها، وهو الربط الذي فرض نوعاً من أنواع "التكرار" بغرض أنّ تكون كلّ حلقة امتداد للحلقة التي سبقتها ومكملة لها، أيّ بغيّة تمساك حلقات المقالة.
وربّما يضاف إلى النقطتين سالفتي الذكر التعود على الكتابة بأسلوب المقال "المستطرد" الذي فيه شيء من الاسترسال والإطالة بغيّة إيفاء الموضوع حقه كاملاً، ومن كافة جوانبه وزواياه. والمقال "المستطرد" كما يعرفه الأستاذ/ محَمّد حسنين هيكل..(.. المقال "المستطرد" أو "المسترسل" أنّه مكان وَسَطُ بين المقال المألوف وبين الكتاب. ويكون أسلوبه في سُرْعَة إيقاع المقال وسِعَة إحاطة الكتاب، ويكون هدفه أنّ يمسك بموضوعٍ مُعَّينٍ ويستوفيه حقه وقدره...).
ورأى صديق آخر بأنّ كلمة "هَدْرَزَة" التي جاءت في العنوان(3) لا تعكس الجهد الكبير المبذول في هذا المقال فحشر كلمة "هَدْرَزَةُ " في العنوان يعطي معنى سلبياً أكثر من أيّ شيء آخر. واستطرد صديقي قائلاً: الهَدْرَزَةُ كلمة عامّيّة هي أقرب في المعنى إلى الكلام الذي يطلق في الهواء الطلق أيّ الكلام الذي لا يحاسب المرء عليه ولا يؤخذ منه على محمل جد. هذا ما حملته كلمات الصديق بخصوص العنوان، وأتذكر أنّني قلت له: الهَدْرَزَةُ كلمة ليبيّة عامّيّة لها دلالات كثيرة، ومن بين دلالاتها: الكلام الصّادق المفتوح الذي يدفع النّاس لمزيدٍ من الحوار والنقاش.. والكلام الذي يطول ولا ينتهي وفي كلّ مرّة يترك في النّاس بصمة جديدة تكون مرتبطة بالبصمة التي سبقتها. وكلمة "الهَدْرَزَة" لا توجد في قاموس اللهجات العامّيّة لأيّ قطر عربي أخر غير ليبيا، فالهدرزة هي اصطلاح ليبي يخص الليبيّين ولا يخص غيرهم. واختياري لاصطلاح "الهَدْرَزَة" أردت منه الإشارة إلى "الخصوصيّة الليبيّة"، والتأكيد على ضرورة الاهتمام بإيجابياتها والتخلص من سلبياتها. كما اخترت كلمة "الهَدْرَزَة" عنواناً لأتحدث بحريّة، وأتجول كيفما أريد دون قيود، واقف عند الحد الذي يأخذني إليه الموضوع، قصد أنّ تفتح هذه السلسلة الباب لمزيد من النقاش والهَدْرَزَة. واخترت كلمة "الهَدْرَزَةُ" في المقام الأوّل والأخير كتحيّة مني للدّكتور/ محَمّد محَمّد المفتي الذي أختار كلمة ""الهَدْرَزَة" عنواناً لأحد كتبه، كتاب: "هَدْرَزَةُ في بنغازي ... هوية المكان الجَميل". والدّكتور المفتي له فضلُ السّبْقِ في تحويل هذا الإصطلاح إلى نهج كتابي بمعنى فتح المجال أمام الذّاكرة لتتداعى عفويّاً لاجتناب الوقوع في فخِ سّرد الأحداث بشكلِ ممل ثّقيل أو قصد ..(.. التخَفّفِ من السّردِ التّاريخي الثّقيلِ وفَسْحُ المجالِ للتّدَاعي العَفْويّ للذّاكرةِ..)، كما جاء في مقدّمةِ النّاشر لكتاب المفتي الثّاني من الهدْرَزَاتِ: "هَدْرَزَةُ في السّوق.. دكان الشايب".
على أية حال.. لقد دعوت في كتاباتي السّابقة إلى الاهتمام بمسألة الأرشفة والتوثيق، وكتابة الملاحظة والتعليق حول اللحظة الراهنة، لنتمكن في لحظة ما تحويل " الذكريات إلى مذكّرات تسري فيها الحياة "، كما يقولون !. ودعوت إلى الاهتمامِ بتدوين روايات وتفسيرات الأشخاص الذين عاصروا الأحداث وشاركوا فيها كاهتمامنا تماماً بأرشفة الوثائق الصادرة عن جهات رسميّة أيّ كتابة الحكاية والقصّة التي توثق التَّجربة. وأكدت على أهميّة الكتابة وضرورة التخلص من عقدة "الخوف من تفسيرات الآخرين لما يُكتب" أيّ الخوف من أنّ يصفنا الآخرين بناشري الغسيل أو هادمي الدار !. وأُضيف إلى ما ذكرت: ضرورة تجاوز " عقبة الموروث"، بمعنى تجاوز الموروث الذي يضع المطبات والمصدات بيننا وبين الكتابة والذي يقف أحياناً مثبطاً للمعنويات وعائقاً أمام محاولات النهوض والتغيير. وهذا يذكرني بما قاله الشاعر الليبي الأمريكي الأستاذ/ خالد المطاوع(4) في أحدى مقابلاته الصحفيّة، حيث قال....{..ولكن كان هناك موقف تثبيط للمعنويات في نظرة النّاسِ نحو الكتابة باللغة العربيّة. فنحن ليس لدينا شعور بأنّ كلّ شخص يُمكنُ ببساطة أنّ يمسك القلم ويكتب، بينما في الولايات المتحدة مثلاً يتمّ التشجيع على الكتابة عموماً في المدارس والجامعات، وفي الثقافة بشكل عام. ولذا أتساءل ما إذا كُنْت سَأمسك بالقلم إذا بقيت في ليبيا !؟...}(م6).
وأؤكد مجدّداً على ضرورة الاهتمام بالشهادات الشفوية وجمع التفسيرات لما حدث، كذلك، على أهميّة مواصلة التسجيل والتوثيق وجمع ما أمكن من المعلومات وتدوينها لأنّ ذلك يُرشد الأجيال الصاعدة، ويغني تجربتنا الحاضرة ويجعل حاضرنا أكثر تماسكاً وقوةً لمواجهة رهانات العصر وتحدياته. كما أؤكد على دور القاعدة المعلوماتيّة في صناعة القرار الصحيح والتخطيط السليم، فحينما تغيب المعلومات يفشل التخطيط أو كما يقال..(..لا تخطيط بدون معلومات، ولا معلومات بدون توثيق، ولا توثيق بدون أرشفة صحيحة وسليمة ومنظمة..).
وعليه.. لابُدَّ من كتابة الحكاية التي توثق التَّجربة، وأرشفة الوثائق بشكلِ يساعد على خدمة الحاضر والمستقبل. والوثائق كما تُعرف هي: مصادر تاريخيّة تمثل ذاكرة المجتمع وتحافظ على خدمة الحاضر والمستقبل. ويوجد قول مأثور يؤكد على أهميّة التوثيق والوثيقة ينص على أنّه..(..لا وجود لتاريخ دون وثائق..). وبخصوص الشهادة الشفوية يقول أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنيّة الأستاذ/ علي محافظة:..(.. الشهادة الشفوية مهمة جداً ولكنها لا تغني عن الوثائق المكتوبة. وأهميّة الشهادة الشفويّة تظهر عند غياب الوثائق المتصلة بالحدث أو المعلومة أو عند تفسير للحدث من قبل شخص أو أشخاص ساهموا في صناعته أو كان لهم دور في القيام به..).
عموماً.. سأتحدث في حلقات هذا المقال بأسلوب هو أقرب إلى أسلوب الصحفي لا الباحث الأكاديمي، وسأمنح لنفسي مساحات واسعة للحركة والتنقل لكي أكون حراً طليقاً أتنقل من مكان إلى آخر ومن نقطة إلى أخرى بعيداً عن القيود وبوابات التفتيش والتدقيق. وهو الأسلوب نفسه الذي اتبعته في حلقات الجزء الأوّل من هذا المقال إلاّ أنّني في هذا الجزء سأتحدث كوني شاهداً لا راوياً كما كنت في الجزء الأوّل، فقد شهدت على كثيرٍ من أحداث المعارضة في الماضي، ولازلت طرفاً فيما يجري في ساحتها إلى الآن. وسأستعين في حلقات هذا الجزء أيضاً بآراء وروايات رفاق الطريق الذين صنعوا أحداث المعارضة وعاصروها ولازلوا في الطريقِ سائرين.
اتبعت هذا الأسلوب لأتحدث وأمشي وأتجول إنصافاً لتاريخ مشرِّف أراد القذّافي طمسه وتشويهه.. وتسليطاً لبعض من ضوء على مجموعة من المواقف والمحطّات التي لم يسلط الضوء عليها بشكلِ كافي إلى الآن.. ووفاءاً لرفاق طريق ظُلِموا من القريب والبعيد !.
وبحكم موقعي من الخارج، ولدواعي عدة، لا أستطيع الحديث عن تفاصيل نشاط المعارضة في الدّاخل لكنني سأتحدث عن المعارضة في الخارج كوني أحد أبنائها، وأحد الشهود على مسيرتها لمدة قاربت الربع قرن. وأؤكد على أنّ تَّجربة المعارضة الليبيّة في الخارج تَّجربة غنية رائدة لا ينتقص الانتقاد من قدرها في شيء. كما أؤكد على الترابط الوثيق بين الجهود النضاليّة المبذولة في الدّاخل والمبذولة خارج الوطن.. وعلى أنّ صوت المعارضة في الخارج هو الصوت الحقيقي الذي يمثل طموحات الليبيّين وتطلعاتهم لأنّ نّظام معمّر القذّافي صادر كلّ وسائل التعبير في الدّاخل.
وفي جانب آخر.. أجد نفسي مضطراً أقف ضدّ كلّ شخص يرفض الكتابة خوفاً من الخروقات الأمنيّة أو التحجج بأنّ الوقت لم يحن بعد !. واعتقد أنّ إعادة النظر في الحجة الأمنيّة أصبح أمراً ضرورياً بعد مضي ربع قرن على تَّجربة المعارضة الليبيّة في الخارج. وأؤكد على أنّني لا أقصد فرش كلّ الأوراق ووضع كلّ الأحداث والأسماء والتواريخ على ورق، إنّما، أقصد تدوين بعض ما كان محظوراً في السنوات السّابقة، والوقوف أمام بعض العناوين والأسماء والمحطّات لأنّ ذلك أصبح ضرورة وطنيّة بعد مضي عشرين عاماً ونيف على تَّجربة الليبيّين في المهجر. فلا يُعقل أنّ يقال: الوقت لم يحن بعد للحديث عن ملابسات أحداث وقعت في ثمانيات القرن المنصرم لأنّ ذلك سيوظف لصالح نّظام القذّافي !!..أو يستهجن الحديث عن أخطاء الماضي خشيّة أنّ يؤدي ذلك إلى تشويه صورة المعارضة أمام الشّعب الليبي!!.. أو يتهم من يقوم بذلك بالعمالة لنّظام القذّافي أو إثارة الفتنة وشق الصف !!. واعتقد بأنّ الفرق كبير بين شخص وطنيّ ينتقد تَّجربة المعارضة في الخارج وشخص ينتقدها وهو محسوب على النّظام أو مدسوس بين الصفوف... وشخصُ يتناول أحداث الماضي من زاوية توثيقيّة تفيد الحاضر والمستقبل معاً وشخصُ يمارس حقده الشخصي على الورق !. فلابُدَّ أنّ يكون الفرق بين الاثنين واضحاً وظاهراً، ولابُدَّ أيضاً أنّ نتخلص من الحساسيّات المفرطة والمبالغات الزائدة وألاّ يتحول الحرص إلى خوف مرضي مزمن (فوبيا ).
أقول هذا رَّغم أنّني لم اتبع أسلوب النقد وإماطة اللثام عن أحداث الماضي وأخطائها وكلّ ما قمت به في هذا الجزء من المقال، تمحور حول: التسجيل والتوثيق وتدوين آراء وتفسيرات شهود العصر. ورجائي أنّ ينظر إلى الملاحظة أعلى الصفحة بعين الاعتبار.
ورجائي أيضاً ألاّ يكون التوثيق الذي سأقدمه أطول ممّا يجب أو مملاً لأنّه لا يزيد في سطوره واقعة أو لمحة ويقدم الحوادث على طريقة مَضغ اللِبان!، كما وصفها الأستاذ/ محَمّد حسنين هيكل بقوله..(.. كمن يمضغ الحوادث والمعاني دون بَلْعِ ودون هَضْم، على طريقة مَضغ اللِبان !..). وكلّ، ما أرجوه أنّ يكون العرض المقدّم ممتعاً ويحمل بين ثناياه الشيء الجديد، وألاّ تكون إطالة هذا المقال أكثر ممّا يجب !.
وحلقات هذا الجزء ليست سرداً كاملاً لتّاريخ حركة المعارضة الليبيّة في الخارج، ولا حديثاً يغطى كافة جوانب حركتها ومحطّاتها، إنّما هي مجرّد محاولة. لأنّ موضوعاً كهذا أكبر من أنّ يغطيه شخص أو يحيط كتاب بكافة وقائعه وأسمائه وتفاصيله. إذن، لا أدعي أنّني كفيت وأوفيت.. ولا أدعي كمال السطور التي كتبت. وكلّ ما أملك قوله لكم: الحلقات التي بين أيديكم لا تعدو إلاّ محاولة بذلت فيها من الجهد ما استطعت، والمحاولة في العادة تتبعها محاولات أخرى من آخرين. والمجال مفتوح أمامكم للتصحيح والتعديل والإضافة أو أيّ شيء آخر ترونه وتعتقدونه. وتَّجربة المعارضة في الخارج جديرة بالاهتمامِ، وبحاجة إلى مزيدٍ من الدراسة والبحث.
وفي الختام.. أدعو إلى إقامة مشروع للذّاكرةِ الجماعيّة وأطلب من الذين يمارسون الكتابة أنّ يلتزموا بالموضوعيّة وألاّ يقوموا بتشويه الوقائع أو اختلاق أخرى لم تحدث. وانوه بأننا كمعارضة ليبيّة منظمة في الخارج ليست لدينا مشروعات بحثيّة في المواضيع التاريخيّة ولا قاعدة معلوماتيّة نستند إليها عند صياغة الخطط والبرامج والاستراتيجيات، وكلّ ما لدينا بالخصوص لا يخرج عن كونه نشاط أو اجتهاد فردي لا يرتقي إلى مستوى الجهد والنشاط المؤسساتي الأجدى من الأعمال الفرديّة محدودة النطاق. وربّما الاستثناء الوحيد هو "مركز الدّراسات الليبيّة" في أكسفورد ببريطانيا. ورَّغم أنّ نشاط المركز نشاط مؤسساتي إلاّ أنّه تأسس بمبادرة فرديّة جاءت من الأستاذ/ يوسف بشير المجريسي المدير الحالي للمركز، وأنّه أيّ (المركز) لم تنطلق فكرة تأسيسه من دعوة قدمتها تنظيمات المعارضة، ولم يؤسس بمساندتها ودعمها، بل إنّ تنظيمات المعارضة تخلت طويلاً عن المركز ولم تتعامل معه إلى الآن على النحو المطلوب !.ويضاف إلى ذلك، أنّ المركز أهتم بحقب معينة من تاريخ ليبيا فقط ولم يهتم مثلاً ـ وعلى المستوى المؤسساتي ـ بأرشفة وتوثيق أحداث إنقلاب سبتمبر 1969م وما نتج عنه !.
كذلك، لم يهتم المركز بإعداد دّراسات تكون كقاعدة معلوماتيّة تساعد على فهم القضايا الحاضرة على نحو صحيح أو قريب من الصحّة. وهذا لا يلغي دور المركز الرّائد في حفظ آلاف الوثائق التاريخيّة على أقراص السي دي (C-D)، والندوات الهامّة التي يعقدها بين الحين والآخر. وأهميّة المجلة العلميّة التي تصدر عن مركز الدّراسات الليبيّة وباللغة الإنجليزيّة (Journal of Libya Studies) والتي أصبحت ذات سمعة طيبة جداً في الوسط الأكاديمي الدوليّ. بالإضافةِ إلى جهود المركز الجبارة على صعيد جمع الوثائق وتصنيفها كذلك تزويد الكتّاب والباحثين بّما يحتاجونه من مواد ووثائق، بل، الإسهام في إصدار الموسوعات التاريخيّة كإسهام المركز في إصدار المجلّدات الثلاثة الأولى من موسوعة الدّكتور/ محَمّد يوسف المقريَّف المخصصة لميلاد دولة الإستقلال والحقبة التي سبقت شروع ليبيا في تسلم العائدات النفطيّة مع مطلع عام 1963م، والتي صدرت في أكتوبر 2004م تحت عنوان: ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحات من التّاريخ السياسي.
ومن باب الأمانة، لابُدَّ من الإشارة إلى مركز الدّراسات والبحوث الإستراتيجيّة (مبدأ) التابع لمؤسسات الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا. فقد قدم المركز دّراسات وتقارير هامّة استخدمتها قيادة جبهة الإنقاذ كقاعدة معلوماتيّة استندت عليها في أداءِ الواجبات النضاليّة وفي عمليات التّحْليل والتقييم وإتّخاذ القرارات. وجمعَ مركز الدّراسات والبحوث الإستراتيجيّة معلومات هامّة، وجهز تقارير مهمّة، وأعد دّراسات قيمة وظفت ضمن أطر الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا ولصالح تحركاتها، ولم تستفد فصائل المعارضة الأخرى منها لأنّ تلك المعلومات والتقارير والدّراسات لم توزع عليهم، بل، حتى توزيعها دّاخل الجبهة كان يقتصر على عدد محدود جداً من قيادة الجبهة.
وربّما استطرد هنا لأقول بأنّ مركز الدّراسات والبحوث الإستراتيجيّة (مبدأ) انطلق في منتصف الثمانينيات وتوقف نشاطه في أوائل التسعينيات، وكان يتبع هيكلياً جهاز الأمن والمعلومات، وقد ترأس الدّكتور/ عبدالمجيد بيوك إدارة المركز خلال أهم سنوات عمله.
أخيراً.. سأحاول استنهاض الذّاكرة من أجل عرض أحداث وقضايا عشت أجوائها وكنت شاهداً على بعضها ثمّ سأتحدث عن الماضي القريب واللحظة الراهنة وصولاً إلى المستقبل الذي أمل أنّ يكون مشرقاً كإشراق الشمس. وسأستنهض ذاكرتي ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأقول الذّاكرة لا الذكريات، فالذكريات ما يعلق بالخيال أمّا الذّاكرة هي مستودع الإرادة كما يقولون، وبدونها يغيب الماضي ولا تتراكم التجارب ويصبح النّاس في غموض وضياع تام لا مستقبل ينتظرهم ولا مستقبل ينتظرونه أو " مستقبل لا يظهر" كما يقول الأستاذ/ محَمّد حسنين هيكل. ولأنّ الفرق بين الذّاكرة والذكريات شاسع وكبير..{.. فالذّاكرة هي تراكم تَّجربة أمّة أمّا الذكريات هي ما يعلق بخيال الفرد من مواقف وحكايات ذات طابع شخصي أو خاصّ..}(م7). قبضت على القلم بين أصابع يدي ثمّ وضعته على الورق، وتوكلت على الله.
وكانت البداية هي أصعب شيء كما يقولون...

تمهيد

كان الملك محَمّد إدريس السّنوسي ساعة وقوع الإنقلاب العسكريّ في الأوّل من سبتمبر 1969م موجوداً خارج ليبيا، وفي أحد مستشفيات أثينا. كانت لدى الملك رغبة حقيقة ونيّة صادقة في التنازل عن العرش منذ بداية النصف الثّاني من ستينيات القرن المنصرم إلاّ أنّ تلك الرغبة والنيّة تبلورت بشكل نهائي أثناء وجوده في الخارج حيث استدعى الملك رئيسي مجلس الشيوخ والنواب: "الشيخ/ عبدالحميد العبّار والسيّد/ مفتاح عريقيب" إلى الخارج للتشارو معهما بشأن التنازل عن العرش. حاولَ الرجلان قدر استطاعتهما أقناع الملك بالعدول عن نيّته في التنازل عن العرش إلاّ أنّ الملك قرر الاستقالة وأعطى الشيخ عبدالحميد العبّار بتاريخ 21 جمادى الأوّل 1389 هجري الموافق 4 أغسطس 1969م وثيقة رسميّة تفيد ذلك. والوثيقة منشورة في كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" تأليف ئي.آ. ف. دي كاندول والصادر باللغة العربيّة في عام 1989م. لم يكن الملك يرغب في العودة إلى ليبيا قبل أنّ يعقد مجلس الأمّة جلسة يُقر فيها قبول تنازله عن العرش، وفي نفس الوقت، يسلم العرش في مبايعة رسميّة إلى وليّ العهد السيّد/ الحسن الرضا المهدي السّنوسي شرط الاستمرار على نهج الشريعة الإسلاميّة، والتمسك بالدستور الليبي، والتعهد بالطاعة الله ورسوله والاستقامة.
كان من المفترض أنّ ينعقد مجلس الأمّة (مجلسي النواب والشيوخ) للبت في وثيقة التنازل عن العرش في 5 سبتمبر 1969م إلاّ أنّ أعضاء المجلس تغيبوا عن الحضور لأنّ عصابة مسلحة يقودها ملازم في الجيش استولت على السّلطة في فجر الأوّل من سبتمبر، وقام أعضاؤها بسجن رجالات الدولة وأعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء مجلس النواب المنتخبون من قبل الأمّة. قام الملازم معمّر القذّافي ورفاقه فور استيلائهم على السّلطة في 1 سبتمبر 1969م بإلقاء القبض على رجالات الدولة، وعلى كلّ شخص توقعوا رفضه لوجودهم في السّلطة (الاعتقال التحفظي )، ثمّ أعلنوا عن "الدستور المؤقت" وألغوا الدستور الشرعي "دستور 1951م" ليصل القذّافي بالخطاب الذي ألقاه في زوارة 1973م إلى إلغاء المطلب الداعي بعودة العسكريين إلى ثكناتهم، وإقامة ديمقراطيّةٍ برلمانيّةٍ في ظلّ دستورٍ دائمٍ للبلاد، ثمّ وجد ضالته فيما اسماه " بقيام سّلطة الشّعب" الذي أعلن عنه في 2 مارس 1977م، حيث استعمل هذا الإعلان كمنفذ مثالي للتهرّب..(.. من فكرة الدستور وبقيّة وعوده الأخرى وطريقةً مثلى للتنصّل من المسؤوليّة..)، كما قال د/محَمّد يوسف المقريَّف.
ومؤكداً.. لم يكن الملك راغباً في العودة إلى كرسي العرش ولا في الدّفاع عن سلطته حرصاً على حفظ الأرواح والدماء الليبيّة الزكيّة. وربّما لم تصدق الدّول العربيّة والأجنبيّة مسألة عزم الملك الأكيد على اجتناب السّياسَة وترك شأن ولاية الأمر إلى الأبد، وما النصيحة التي قدمها جمال عبدالناصر إلى الملك إلاّ دّليل واضح من بين جملة الأدلة عن هذه المسألة!. أرسل الرئيس المصري جمال عبدالناصر في الثّاني من سبتمبر (اليوم الثّاني للإنقلاب) رسالة إلى الملك إدريس في مقر إقامته بـ(كامينا فورلا) ينصحه فيها بالامتناع عن أيّة محاولة للعودة إلى ليبيا...
{..تلقى الملك محَمّد إدريس السّنوسي رسالة عاجلة من السّلطات المصريّة تنصحه بالامتناع عن أيّة محاولة للعودة إلى ليبيا لأنّ أيّة وسيلة يستعملها في محاولة للعودة ستنسف في الطريق ، وأشارت تلك السّلطات على الملك أنّ يطلب من الرئيس عبدالناصر السماح له بالقدوم إلى مصر وأنّه مرحباً به وسيكون محل احترام المصريين....
أرد الرئيس المصري جمال عبدالناصر إصابة عصفورين بحجر واحد كما يقولون، إذ قام بدور الحامي للإنقلاب الليبي بأنّ منع الملك إدريس السّنوسي من العودة إلى وطنه، وفي نفس الوقت ظهر بمظهر الحامي للملك إدريس الذي لجأ إليه واحتمى به في مصر....}(م8).
لم تكن نصيحة جمال عبدالناصر هي السبب وراء امتناع الملك محَمّد إدريس السّنوسي عن أيّة محاولة للعودة إلى ليبيا، إنّما، خوفه من ملاقاة ربه وفي العنق ضحايا ومظاليم، وزهده في السّلطة جعلاه ينحاز إلى التمسك بموقفه القاضي بالتنازل عن العرش، وبرفضه للعودة إلى ليبيا حرصاً على حفظ الأرواح والدماء الليبيّة الزكيّة. وربّما لو عاد الملك إدريس السّنوسي إلى ليبيا فور وقوع الإنقلاب لاختلف الأمر وما وصل معمّر القذّافي إلى سدة الحكم. ولكن قدرَ الله وما شاء فعل.
كان جمال عبدالناصر يعلم أنّ الإنقلابيين الجدد (القذّافي ورفاقه) رفعوا نفس الشعارات التي رفعها: حريّة، إشتراكيّة، وحدة، ويعلم أنّهم يعتبرونه القدوة والمثل لهم. كما أنّ عبدالناصر كان وقتذاك في حاجة ماسة ـ بعد هزيمة 1967م ـ إلى إنتصارِ معنوي، وموقف داعم لنَّظامه، ولذا، ساند الإنقلابيين منذ ساعات الإنقلاب الأولى. أرسل إلى معمّر القذّافي في اليّوم الأوّل للإنقلاب الأستاذ/ محَمّد حسنين هيكل، ثمّ أرسل له ـ وبعد فتح المجال الجوي الليبي مباشرةـ وفداً يضم عدد من: الدبلوماسيين ورجال أمن ومخابرات وخبراء عسكريين وإعلاميين. ومن بين أبرز الشخصيّات التي بعثها عبدالناصر للقذّافي: فتحي الديب ـ مساعده ورجل مخابراته المعروف.. صلاح السعدني ـ الشخصيّة العسكريّة المعروفة وأحد الرجال المقربين إلى جمال عبدالناصر. ساهم الديب مساهمة مباشرة في تأمين نجاح إنقلاب سبتمبر من خلال التوجيهات والنصائح التي قدمها لأعضاء الإنقلاب، بالإضافة، إلى إعداده للإعلان الدستوري المؤقت الذي حكم به الإنقلابيون في البدايةِ البلاد بعد إلغائهم للدستور صباح إنقلابهم المشئوم، وإشرافه المباشر على إعادة بناء بعض الأجهزة والمؤسسات الأمنيّة والإداريّة. أمّا السعدني فقد ساهم في الأيام السبعة الأولى للإنقلاب في تنظيم المؤسسة العسكريّة لأجل ضمان سيطرة من يسمون بـ(الضباط الأحرار) و(أعضاء مجلس قيادة الثورة) على الجيش بالكامل.
عموماً.. تمكن ضباط صغار الرتب (تنظيم الضباط الوحدويون الأحرار) يقودهم ملازم (معمّر أبا منيار القذّافي) في الأوّل من سبتمبر 1969م من الإطاحة بنّظام الملك محَمّد إدريس السّنوسي الذي كان في زيارة لليونان وتركيا. أخفى الضباط الإنقلابيون أسمائهم وأعلنوا عن اسم شخص واحد لم يكن ضمن مجموعتهم، ولا موجوداً في ليبيا ساعة تحركهم للإستيلاء على السّلطة. أخفى الإنقلابيون أسمائهم جمعياً، والاسم الوحيد الذي أعلنوه هو العقيد الركن سعد الدين أبوشويرب كرئيس لأركان الجيش الليبي، وذكروه تمويهاً، فالرجل لا علاقة له بهم ولا بموضوعهم، بل، حتى المؤسسة العسكريّة التي وضعوه رئيساً لأركانها انقطعت صلته بها قبل عامين من إنقلابهم. أراد الإنقلابيون أخفاء هويتهم حتى يستتب الأمر لهم ويضمنوا نجاح مؤامرتهم خصوصاً إنّ أبوشويرب عُرف عنه وقتذاك النزاهة والكفاءة والسمعة الطيبة في أوساط الجيش الليبي. كان أبوشويرب في رحلة خارج ليبيا (روما) ساعة وقوع الإنقلاب، وكان قد استقال من الجيش الليبي في 5 نوفمبر 1967م، وامتهن مهنة محرّر عقود بمدينة طرابلس منذ شهر ديسمبر من عام 1967م. وتعيين الإنقلابيين لأبي شويرب هو استنساخ لما قام به جمال عبدالناصر في يوليو/ تموز 1952م، فليبيا كانت أكثر الدّول العربيّة خلال فترة الخمسينات والستينات تأثراً بالرياح العاتية القادمة من مصر الناصريّة، وقائد الإنقلاب (القذّافي) كان يحفظ خطب عبدالناصر عن ظهر قلب. وضع عبدالناصر أولاً اللواء محَمّد نجيب في الواجهة، وبعد أنّ استتب له الأمر أعلن عن نفسه قائداً للثورة. وهكذا فعل معمّر القذّافي الذي لم يُعلَن عن اسمه إلاّ بعد أنّ استتب الأمر له أيّ بعد ضمان نجاح إنقلابه. وبالفعل ذُكِرَ اسم العقيد الركن سعد الدين بوشويرب لمدة أسبوعين وبعدها اختفى اسمه تماماً منذ أنّ أعلن الملازم معمّر القذّافي عن نفسه قائداً للثورة في التلفزيون الليبي. أعلن الملازم معمّر أبا منيار القذّافي عن نفسه بعد 15 يوماً من نجاح إنقلابه، لكنه، لم يُعلن عن نفسه ملازماً إنّما ضابطاً برتبة عقيد فقفز بالرتبة الجديدة أربع رتب في الجيش دفعة واحدة !، الأمر الذي اعتبره المراقبون كإشارة مبكرة تعبر عن رغبة الملازم الجامحة في التزوير والمخالفة واستغلال السّلطة !!. قام معمّر القذّافي يوم 8 سبتمبر 1969م بترقية نفسه من رتبة ملازم إلى رتبة عقيد، ثمّ عينه رفاقه ـ وفي اليوم نفسه ـ رئيساً لأركان الجيش الليبي.
أعلنَ معمّر القذّافي عن نفسه وأسماء رفاق إنقلابه (12 عضواً) بعد أسبوعين من نجاح الإنقلاب، كما قام أيّ (القذّافي) بإنشاء مجلس أسماه (مجلس قيادة الثورة(5) ) استمراراً في استنتاج تَّجربة يوليو (تموز) 1952م الناصريّة. وأصبح مجلس قيادة الثورة أعلى سّلطة سياسيّة في الجمهوريّة العربيّة الليبيّة أسوة بما قام به جمال عبدالناصر في مصر. ظِلّ مجلس قيادة الثورة حتى 1977م أعلى سّلطة في البلاد، حيث أعلن القذّافي عن حلّ المجلس في مدينة سبها في الثّاني من مارس 1977م ـ إعلان سبها المسمى بإعلان قيام (سّلطة الشّعب). حلّ القذّافي بموجب إعلان سبها 1977م مجلس قيادة الثورة، وتغير بموجب نفس الإعلان اسم الدولة فصار الاسم الرسمي لليبيا: "الجماهيريّة العربيّة الليبيّة الشعبيّة الاشتراكيّة". وأُضيفت صفة "العظمى" على الاسم الرسمي لليبيا بعد الهجوم الجوي الأمريكي على ليبيا في عام 1986م. قال معمّر القذّافي: إعلان سبها يعني تسليم "السّلطة" للشّعب الليبي فبموجبه أصبحت أنا (القذّافي) مجرّد قائد تاريخي للثورة لا علاقة ليّ بالسّلطة، وأصبح الشّعب الليبي من الآن فصاعداً هو صاحب القرار والمسئول عنه، وهو من يمتلك في يده السّلطة والثروة والسلاح !.
هذا ما قاله معمّر القذّافي، ولكن واقع الأمر عكس ذلك تماماً، ، فمعمّر القذّافي واقعياً هو من يمتلك في يده السّلطة والثروة والسلاح، وهو الحاكم المطلق الوحيد في ليبيا. أمّا الشّعب الليبي فهو خارج السّلطة تماماً أو أنّ السّلطة التي تحكم باسمه المسماة بالسّلطة الشعبيّة ما هي إلاّ " سّلطة شعبيّة الشعب خارجها "، كما قال الأستاذ/ إبراهيم قرادة.
وأخيراً.. من يحكم ليبيا اليّوم ؟ .. هل هو الشّعب الليبي بمؤتمراته الشعبيّة ولجانه الشعبيّة كما جاء في الكتاب الأخضر وكما في الدعايّة الرسميّة لجماهيريّة القذّافي أم هو معمّر القذّافي كاتب الكتاب الأخضر وصاحب الشرعيّة الثوريّة كما يقول الليبيّون ويعتقد النّاس جميعاً !؟.
هذا ما سنجيب عنه في الحلقات القادمة من هذا المقال، وقبل الدخول في الحديث عن المعارضة الليبيّة في الخارج....

ـ انتهت الحلقة الأولى وتتبعها الثانية ـ

________________________________________________

ملاحظات وإشارات هامّة :
1) السّؤال الذي طرحه ذلك الرجل على الإمام أبي حنيفة: مصدر السّؤال الوارد أعلى الصفحة هو كتاب: كلام عن الكلام للأستاذ/ يسري الفخراني الصادر عن دار الفرسان في طبعته الأولى: يوليو 1999م.
2) تصويب د/ إبراهيم سعيد اغنيوه: في يوم الخميس الموافق 25 أغسطس 2005م وصلتني رسالة عبر البريد الإلكتروني من د/ إبراهيم اغنيوة بخصوصِ الحلقة الثّالثة عشر (13) من مقالتي: هَدْرَزَة، وجاء في الرسالة ما يلي:
.....أوردتم نصّ النشيد الوطنيّ "يا بلادي" في الحلقة الأخيرة (13) في الجزء الأوّل من مقالتكم: هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ / الملك..العقيد..المعارضة الليبيّة في الخارج، وقد جاء في النصّ أخطاءُ استأذنكم في تصويبها قبل النشر لأنّ النشيد الوطنيّ وثيقة وطنيّة:
1. المصحف ـ يجب أنّ تكون : المصحفا.
2. حمل الرايات باليد اليمين ـ يجب أنّ تكون : حمل الرايات فينا باليمين.
3. فانثنا ـ يجب أنّ تكون : فانثنى.
4. يا ابن آساد الثرى ـ يجب أنّ تكون : يا ابن آساد الشرى.
5. بارك الله لنا جهادنا ـ يجب أنّ تكون: بارك الله لنا استقلالنا.
6. فابتغي العلياء ـ يجب أنّ تكون: فابتغوا العلياء.
7. واستعدوا للوغى أبطالنا ـ يجب أنّ تكون: واستعدوا للوغى أشبالنا.
أشكرك مرّة أخرى وتقبل مني صادق محبتي وتقديري واحترامي.
أخوكم
إبراهيم اغنيوه
الخميس 25 أغسطس 2005م
قام د/ إبراهيم سعيد اغنيوة مشكوراً بتصويب الأخطاء المشار إليها أعلى الصفحة قبل نشر الحلقة الثالثة عشر (الأخيرة) في موقع "ليبيا وطننا"، ولم يتمّ استدراك ذلك قبل نشر الحلقة المذكورة في موقعي "الإنقاذ" و "ليبيا المستقبل" لأنّ تصويب اغنيوة وصلني بعد أيام من نشر الحلقة الأخيرة في الموقعين المذكورين. والنشيد الوطنيّ "يا بلادي" نقلته كما جاء في العدد الخاصّ بمناسبة الذكرى الأربعين لاستقلال ليبيا من مجلة "الإنقاذ"، وفي العدد رقم (39) والصادر عن الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا. وقد أشرت إلى المصدر في الحلقة المذكورة تحت رقم (49 ) في بند ملاحظات وإشارات هامّة. التنبيه واجب لجمهور القرّاء الكرام ولموقعي "الإنقاذ" و "ليبيا المستقبل" ، والشكر مجدّداً للدّكتور/ إبراهيم اغنيوة على هذا التصويب الهام.
3) اختيار كلمة "هَدْرَزَةُ" عنواناً للمقالة: راجع الحلقة الأولى ـ الجزء الأوّل من مقالة: "هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ / الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج، لمعرفة المزيد حول سبب اختيار كلمة "هَدْرَزَةُ " عنواناً لهذه السلسلة.
4) خالد المطاوع: هو أبن المرحوم أحمد المطاوع أحد تجار مدينة بنغازي وصاحب محل البيع بالجملة بميدان الحدادة من أواخر الخمسينيات حتى نهاية السبعينيات ـ التّاريخ الذي ألغى فيه معمّر القذّافي التجارة بأنواعها المختلفة وكافة أواجه النشاط الإقتصادي الخاصّ تحت شعار: "الاشتراكيّة والعدالة الإجتماعيّة !". ولد خالد المطاوع في مدينة بنغازي عام 1964م، واستقر مع أسرته في بيتهم الكائن في مدينة الحدائق/ الفويهات الشرقيّة حتى تاريخ مغادرته لليبيا في منتصف السبعينيات. سافر هو وأخوه إبراهيم في منتصف السبعينيات إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة فدرس المرحلة الثانويّة في أمريكا كذلك المرحلة الجامعيّة والدّراسات العليا.
خالد المطاوع أستاذ جامعي وشاعر يكتب شعره باللغة الإنجليزيّة ويعد الآن من بين أهمّ وألمع شعراء جيله في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وله عدد من الدواوين.
5) أعضاء مجلس قيادة الثورة: أشرت إلى أسماء أعضاء ما يسمى ب(مجلس قيادة الثورة) الأثنى عشر عضواً في الملاحظة رقم (55) في الحلقة الأخيرة من الجزء الأوّل. ولم يبق الآن من أعضاء ما يسمى ب(مجلس قيادة الثورة) سوى 3 أعضاء فقط إذا ما استثنينا عبدالمنعم الهوني مندوب القذّافي في جامعة الدّول العربيّة. فقد توفي امحمد المقريَّف في عام 1972م. توفي النقيب/ امحمد أبوبكر المقريَّف في حادث سيارة في أغسطس 1972م، ويقال أنّ الحادث كان مدبّراً. واستقال الرائد/ مختار القروي من كافة المناصب الرسميّة في عام 1972م، ومن بين المناصب التي كان يشغلها وقت استقالته أمين مجلس قيادة الثورة، وهو المنصب الذي تولاه الرّائد/ عمر عبدالله المحيشي بعد إستقالة الأوّل. كما استقال الرائد/ محَمّد نجم من عضويّة مجلس قيادة الثورة وكافة مناصبه الأخرى في عام 1975م.
أمّا الروّاد/ عمر عبدالله المحيشي.. عبدالمنعم الهوني.. بشير هوادي.. عوض حمزة.. اتُّهموا بالإشتراك في تدبير محاولة لإزاحة معمّر القذّافي عن السّلطة في أغسطس 1975م. الرّائد/ عمر عبدالله المحيشي هو قائد المحاولة الإنقلابيّة وفق ما تردد وقت إكتشاف محاولة الإطاحة بمعمّر القذّافي. ألقت سّلطات القذّافي القبض على: بشير هوادي، وعوض حمزة وقضيا سنوات في السجن قبل عملية الإفراج عنهما. أمّا عبدالمنعم الهوني وعمر المحيشي فقد تمكنا من الخروج من ليبيا قبل إلقاء القبض عليهما. هرب عمر المحيشي إلى تونس أولاً، ثمّ احتضنته مصر السَّادَات كلاجيء سياسي في يوم 25 فبراير 1976م. واستقر كلّ من: عمر عبدالله المحيشي و الرّائد/ عبدالمنعم الهوني في المنفى منذ خروجهما من ليبيا في عام 1975م إلى تاريخ تسليم المملكة المغربيّة للمحيشي إلى ليبيا، وعودة الهوني إلى ليبيا مشاركاً في احتفالات سبتمبر لعام 2001م، ثمّ عودته مجدّداً إلى مكان إقامته في القاهرة مندوباً لليبيا لدى جامعة الدول العربيّة. توفي عمر عبدالله المحيشي تحت التعذيب في شهر يناير من عام 1984م. لم يكن من أعضاء مجلس قيادة الثورة وقت إعلان "قيام سّلطة الشّعب/ 2 مارس 1977م" سوى أربعة أعضاء زائد معمّر القذّافي من أصل 12 عضواً مجمل عدد أعضاء مجلس قيادة الثورة. حل القذّافي بموجب إعلان سبها في الثّاني من مارس مجلس قيادة الثورة. وعينَ العقيد معمّر القذّافي نفسه في الدورة الأولى لمؤتمر الشّعب العام أميناً عاماً للمؤتمر (رئاسة الدولة)، وعينَ الأعضاء الأربعة المتبقيين (وقتذاك) من مجلس قيادة الثورة: عبد السلام جلود، الخويلدي الحميدي، أبوبكر يونس جابر، مصطفى الخروبي بالأمانة العامّة لمؤتمر الشّعب العام (مجلس الرئاسة ).
استقال معمّر القذّافي وزملائه الأربعة المتبقين معه في مارس 1979م من الأمانة العامّة لمؤتمر الشّعب العام، فأصبح زملاء القذّافي الأربعة منذ ذلك التاريخ لا سّلطة لهم ولا صلاحيات بأيديهم سوى أموال تصرف عليهم من خزينة الدولة نظير قيامهم بمهام استقبال ضيوف معمّر القذّافي وتوديعهم في المطار، أمّا القذّافي فأصبح الحاكم المطلق حيث سياسات ليبيا تسير وفق النهج الذي رسمه، والقرارات يتمّ إتّخاذها بناءً على توجيهاته وإرشاداته لأنّ مقترحاته وتوجيهاته واجبة التنفيذ بحكم وثيقة (الشرعيّة الثوريّة) الصادرة في عام 1990م. احتفظ معمّر القذّافي بكافة السّلطات والصلاحيات التي كان يتمتع بها قبل عام 1977م، رَّغم إدعائه بالتنازل عن كافة مناصبه بموجب إعلان 2 مارس، بل، أنّه أضاف إليها صلاحيات جديدة استمدها من شرعيّة سماها (الشرعيّة الثوريّة) بحيث أصبحت مقترحاته وتوجيهاته قوانينناً ملزمة وواجبة التنفيذ دون أيّ مناقشة أو إعتراض. باشر القذّافي ممارسة صلاحياته الثوريّة منذ مارس 1977م رغم أنّ وثيقة الشرعيّة الثوريّة لم تصدر بشكل رسمي إلاّ في مارس 1990م !.
أُسقطَ الرّائد/ عبدالسلام جلود في منتصف عام 1993م من قائمة الأعضاء الأربعة المتبقيين من مجلس قيادة الثورة!. فقد استطاع عبدالسلام جلود أنّ يُبعد نفسه قليلاً عن ممارسات القذّافي منذ صيف عام 1993م، بل، صار يعرف عند البعض منذ ذلك التاريخ على أنّه على خلاف كبير مع معمّر القذّافي. وظِلّ الرّائد/ عبدالسلام جلود حتى عام 1999م تقريباً يُشكّل مصدر إزعاج للقذّافي وربّما تهديد لنَّظامه، واستطاع القذّافي أنّ يحوله منذ بدايّة عام 2000م إلى شخصِ لا خوف منه ولا تأثير له.
وأخيراً.. لم يبق في سلك التشريفات (الاستقبال والتوديع) من رفاق معمّر القذّافي إلاّ ثلاثة فقط، وهم: الخويلدي الحميدي، أبوبكر يونس جابر، مصطفى الخروبي ، أمّا الرّائد/ عبدالمنعم الهوني فهو مجرّد مندوب في جامعة عربيّة ينتظر من عينه فيها الخروج منها حينما يتخلص تماماً من ملفات عالقة بينه وبين الغرب !.

مصادر ومراجع :
م1) المؤلف ـ الجزء الأوّل من مقالة: هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ / الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج ـ المواقع الليبيّة الإلكترونيّة: "ليبيا وطننا"، "الإنقاذ"، "ليبيا المستقبل" في صيف 2005م.
م2) د/ مصطفى الفقى ـ كتاب: حوار الأجيال ـ دار الشروق الطبعة الثانية 1420 هجري الموافق 1999م.
م3) د/ محَمّد محَمّد المفتي ـ كتاب: السعداوي بين التمجيد والنسيان ـ الطبعة الأولى 2005م.
م4) الأستاذ/ رمضان بوغالية ـ مقالة: ذكريات جامعيّة .. شهادة ـ مجلة: "عراجين" العدد "4" الصادر في يناير 2006م.
م5) د/ محَمّد محَمّد المفتي ـ نص كلمة ( لماذا هَدْرَزَةُ ؟؟) الندوة التي أقامها فرع مركز دّراسات وأبحاث الكتاب الأخضر ببنغازي مساء يوم الأربعاء الموافق 13 أبريل 2005م ـ نشرَ الأستاذ/ خالد المهير نص كلمة المفتي ( لماذا هَدْرَزَةُ ؟؟) في موقع ليبيا اليوم (Libya Alyoum) يوم الجمعة الموافق 15 أبريل 2005م.
م6) لقاء مع الشاعر خالد المطاوع ـ مجلة: "عراجين" العدد "4" الصادر في يناير 2006م ـ حاوره: غازي القبلاوي / ترجمة: سماح القبلاوي.
م7) الأستاذ/ محَمّد حسنين هيكل ـ وبشيء من التصرف ـ برنامج " هيكل.. تَّجربة حياة " لفضائيّة "الجزيرة " القطريّة / الحلقة التي قدمها الأستاذ/ محَمّد كريشان يوم الخميس الموافق 24 نوفمبر 2005م.
م8) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم ـ كتاب: صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي ـ الصادر في عام 1992م من المملكة البريطانيّة على نفقة المؤلف وحقوق طبعه محفوظة له.


       
       
       
       

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home