Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

الخميس 10 يوليو 2008

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج
بقلم : الصادق شكري
الجزء الثّالث
الحلقة الثامنة ( 8 مِنْ 10 )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مواطني الكرام:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

في هذه اللحظات التاريخيّة التي تمر بها أمتنا المجيدة، وفي هذه المرحلة التي يجتازها ركبنا الصاعد، يسرني غاية السرور، أن أعلن للشّعب الليبي الكريم، إنتهاء العمل بشكل الحكم الاتحادي، والبدء رسمياً في نظام الوحدة الشاملة الكاملة تطبيقاً للتعديل الدستوري الذي وافقت عليه المجالس النيابيّة والتشريعيّة بالإجماع. وإنّني أحمد الله تعالى كثير الحمد، وأتوجه إليه بالشكرِِ العظيمِ والثناء الجميل على ما من به سبحانه وتعالى من نعمة حتى مشاهدة ولادة هذا الأمل الوطنيّ الكبير، ووفقناً جميعاً بتأييدهِ وعونهِ إلى تحقيق هذه الأمنيّة الغاليّة.

 إنَّ الوحدة التي تبدأ اليّوم عهدها الميمون هدف جديد من أهدافنا الوطنيّة التي جاهدنا من أجلها، وضحى شعبنا في سبيلها، فهي ثمرة طيبة للجهاد ووفاء لأجر الصابرين، ومن بعد ذلك خير وبركة ورمز الاجتماع الكلمة وتآلف القلوب، ووعاء للمحبة والتآخي والوئام، ومبدأ يتبوأ السمو في عالم الأخلاق والفضيلة، وحبل الله المتين الذي أمرنا سبحانه وتعالى بالاعتصام بعروته الوثقى، قال تعالى وهو أصدق القائلين: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، وهو الدين القويم دين سيدنا محَمّد (صلى الله عليه وسلم)، وقال تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر لجسد بالسهر والحمى).   

فالحمد لله الذي جمع على المحبة قلوبنا، ووحد على الوفاق بلادنا، وجعلنا من أمّة التوحيد التي هي خير أمّة أخرجت للنَّاسِ.

خطاب الملك إدريس السّنوسي يوم 26 أبريل/ نسيان 1963م، بمناسبة إلغاء نظام الحكم الاتحادي والبدء رسمياً في نظام الوحدة الشاملة الكاملة.  

الحلقة الثامنة:

كان متوسط الدخل السنوي للفرد في كل ليبيا عام 1952م، هو (35) خمسة وثلاثون دولاراً في السنة. وقد، أورد هذا الرقم، السيّد/ جون ليندبيرج (خبير الأمم المتحدة)، في التقرير الذي كتبه بعد إعلان الإستقلال بشهور قليلة، وهو التقرير الذي عُرف آنذاك بتقرير ليندبيرج عن أوضاع الاقتصاد الليبي، والذي قدَّمه إلى إدارة المساعدات الفنيّة بالأمم المتحدة.

وفي السياق نفسه.. نقل الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف في المجلّد الأوّل من سلسلة مجلّداته عن تاريخ ليبيا، ما قاله الكاتب الأمريكي (جون جنتر) عن أوضاع الدولة الليبيّة بعد الإعلان عن إستقلالها، في كتابه: (في داخل أفريقيا) ما نصّه:..{.. لعل ليبيا هي أفقر بلد في العالم.. إذ ليس بها مصرف وطنيّ واحد، وليس بها طبيب واحد.. وبها رجل أمريكي وحيد، وسبعة عشر خريجاً من الجامعات..

وبنغازي، ثاني أكبر المدن الليبيّة، هي مدينة اعتبرها أفقر مدينة رأيتها في أفريقيا بعد منروفيا..}م71.

وعلق المقريَف في هامش مجلّده المذكور عن نقطة: عدد الخريجين الليبيّين، فقال ما نصّه:..{.. هناك إجماع على أنّ عدد الخريجين الليبيّين، يومذاك، لم يكن يتجاوز (10) عشرة خرّيجين ليس من بينهم طبيب واحد...}م72.  

في سياق هذه الاستشهادات، نذكر ما نقله السيّد/ دي كاندول (المقيم المفوض لحكومة بريطانيا العظمى في برقة من 1949م – 1952م) عن رأي المراقبين الدوليين في أوضاع الدولة الليبيّة عشية إستقلالها، في كتابه (الملك إدريس عاهل ليبيا – حياة وعصره)، حيث قال:..{.. إنَّ كثيراً من المراقبين (لليبيا) وقت الإستقلال نظروا إلى هذه الدولة الناشئة بعاهلها المسنّ، وشعبها الممزَّق، ودخلها الهزيل، فلم يروا في طريق مستقبلها غير المحن والكوارث..}م73.     

ويذكر، أن موارد ليبيا كانت شحيحة للغاية، وكانت مواردها لا تكاد تذكر فيما عدا الزراعة، وحتى الزراعة كانت محدودة إلى حد بعيد، حيث كانت هناك منطقتان قابلتان..{.. للرعي والزراعة هما: سهل الجفارة بطرابلس، وهضبة الجبل الأخضر ببرقة، غير أنَّ هاتين المنطقتين كانتا منفصلتين بنحو 400 ميل من الصحراء. أمَّا معظم الدواخل فهي صحراء جرداء تتخللها بعض الواحات المتناثرة.

.. ويقول السيّد/ سيف النصر عبدالجليل الذي شغل منصبي نائب الوالي ورئيس المجلس التنفيذي في ولايّة فزَّان منذ الإستقلال حتى إلغاء النظام الإتحادي في مطلع عام 1963م، وتقلد عدّة مناصب وزراية فيما بعد، عن تلك ظروف ليبيا يومذاك: لقد..[..مرّ جيلنا بتجربة قاسيّة مليئة بالمرارة والألم.. لقد عشنا تجربة بناء دولة حديثة من العدم.. وعلى الرغم من قلة الإمكانيات فقد كان يحدونا الأمل في مستقبل أفضل وكانت طموحاتنا بلا حدود..].

وكتب الأستاذ/ عبد الحميد البكَّوش رئيس وزراء ليبيا الأسبق (أكتوبر/ تشرين أول 1967م – سبتمبر 1968م)، مقالاً في مجلة (الوسط) اللندنيّة في عددها (194) الصادر في 16 أكتوبر/ تشرين أول 1995م، عن مشاهداته خلال الحقبة التي سبقت الإستقلال:

[.. إثر انتصار الحلفاء على المحور العام 1943م، كانت البلاد لا تملك أيّة مقوّمات، وقد شاهدت النَّاس يموتون جوعاً عامي 1948م، 1949م إثر سنوات متتالية من الجفاف. وكنا نعيش على معونة قمح أمريكيّة..].   

كمَا تحدث في موضع آخر من المقال ذاته واصفاً الإمكانيات العلميّة للمسؤولين الليبيّين في تلك الحقبة:

[.. نعم كانت الإمكانيات العلمية للمسؤولين في مستهل الإستقلال محدودة، بل، متواضعة. ولكن، لم يكن في البلاد غيرهم، وقد تحمّلوا واجب صنع الوطن المستقل وبدأوا مسيرةً رائعة من الصفر..]..}م74.

سنتناول في هذه الوقفة الإجابة عن بعض الأسئلة التي تُطرح بشأن التعليم في العهد الملكي، والصحافة، والبنية التحتية، ومعدّل دخل الفرد، كذلك، حول ما قيل ويقال عن القواعد الأجنبيّة. كمَا، سنتناول الأسئلة التي تُطرح – وبشكل تشكيكي !– عن الأمن والاستقرار في الحقبة الملكيّة، حيث يستند هؤلاء المشككون على الرقم الذي يقولون أنّه كان قياسياً في عدد الوزارات التي تعاقبت على سدة الحكم في تلك الحقبة، والتي بلغت أحد عشر (11) وزارة خلال سبعة عشر (17) عاماً هي سنوات حكم الملك إدريس !!؟؟.

سنحاول، الإجابة عن هذه الأسئلة، بالحقائق المدعومة بالإحصائيات والأرقام.. وتقارير المنظمات الدوليّة وريبورتاجات الصحفيين.. وأقوال الشهود. وسنعرض في الوقفة التي تأتي بعدها، عدد الوزارات.. وأسماء الوزراء ورؤساء الحكومات، وفاءاً لذلك العهد الزاهر ولرجالاته الوطنيين الأوفياء الذين جحد الحاقدين حقهم عقود طويلة من الزمان...   

عرض.. أسئلة وإجابات     

وصفت تقارير هيئة الأمم المتحدة، وإحصائيات المؤسسات الدوليّة، ليبيا يوم إعلان إستقلالها، بأنّها من أكثر بلدان العالم فقراً وتخلّفاً، وقالت أنّ الأمية تتخطى في هذا البلد نسبة 90%. وتجدر الإشارة إلى، أنّ الشّعب الليبي، فقد أكثر من سبعمائة ألف من مواطنيه خلال عشرين عاماً من المواجهات مع المستعمر الإيطالي، أيّ حوالي نصف عدد السكّان آنذاك. وإلى جانب سبعمائة ألف شهيد، آلاف الليبيّين الذين وضعوا في المعتقلات، والمجاعات الطاحنة التي تعرض لها الليبيّون خلال سنوات جهادهم ضدَّ الاستعمار الإيطالي. ويضاف إلى هذه القائمة، عشرات الآلاف الذين هجروا الأراضي الليبيّة، ويُرشح الأستاذ/ محمود محَمّد الناكوع في كتابه (ملامح الصراع السياسي والثقافي في ليبيا الحديثة)، عدد الليبيّين الذين هاجروا إلى تركيا والبلدان العربيّة، وإلى مصر وتونس على وجه التحديد باعتبارهما الأقرب من الحدود الليبيّة شرقاً وغرباً، بالأرقام التالية:...[.. فإلى تونس (20000) عشرين ألفا، وقٌدِر عدد الذين هاجروا إلى مصر (14000) بأربعة عشر ألفا، وهاجرت أعداد أخرى إلى الشام وإلى السّودان وإلى تركيا...]. 

أمّا الدّكتور/ علي حميدة، فيؤكد أن عدد الذين هاجروا إلى مصر وتونس والجزائر وتشاد والسّودان، وصل إلى حوالي (250000) مائتين وخمسين ألف مهاجر. يؤكد الباحث الليبي الدّكتور/ علي عبد اللطيف حميدة (رئيس قسم العلوم السياسيّة بجامعة [New England] نيو إنغلاند بالولايات المتحدة الأمريكيّة) الذي يقوم الآن (شهر يونيو/ حزيران 2008م) بإعداد كتاب جديد ستصدره (جامعة كامبردج البريطانيّة) بعنوان: (حرب الإبادة والصمت)، وهو الكتاب الذي سيؤرخ للمعتقلات الإيطاليّة لليبيّين إبّان الاحتلال الإيطالي لليبيا. وأثناء زيارة الباحث لشرق ليبيا لتوثيق مجموعة من الروايات الشفهيّة مع شهود عيان، أجرى معه الصحفي خالد المهير حديثاَ سريعاً لصالح (الجزيرة نت)، قال فيه:..{... تؤكد المصادر التاريخيّة، إلى أن إجمالي المعتقلين في أشهر المعتقلات بـ(العقيلة والبريقة) بلغ حوالي (72000) أثنين وسبعين ألفاً، في حين يربو عدد المعتقلين في أكبر المعتقلات مساحة بلدة (سلوق) التي تبعد 30 كلم جنوب غرب بنغازي على (36000) ستة وثلاثين ألف معتقل، سكنوا 5393 خيمة.

وبسبب تطبيق سياسة التجويع والتعذيب، أصاب المعتقلين الهزال وأمراض الإسهال والمعدة وأورام المفاصل والعشى الليلي، وارتفع عدد الموتى إلى مائة وخمسين (150) شخص يومياً. 

وفي معتقل (المقرون) القريب من بنغازي أيضاً، تمّ القضاء على (9600) تسعة آلاف وستمائة نسمة جراء سوء التغذية والتعذيب والإعدامات الجماعيّة، وشملت الأضرار البشرية حوالي (250000) مائتين وخمسين ألف متشرد، هاجروا إلى مصر وتونس والجزائر وتشاد والسّودان، كمَا ضمت المعتقلات الأربعة الشهيرة: (البريقة، والمقرون وسلوق، والعقيلة) حوالي (126) مائة وستة وعشرين ألف معتقل مات منهم ما يقارب الثلثين أيّ حوالي (90000) تسعين ألف نسمة..}م75.

ومن جديد.. كانت البلاد عشية إستقلالها، لا تملك أيّة مقوّمات ولا مصادر دخل.. وكانت ليبيا تعيش على بعض معونات الغذاء التي تأتيها من الخارج، أو كمَا قال الأستاذ/ عبدالحميد البكّوش عن الأحوال والظروف يومذاك:..{..كنا نعيش على معونة قمح أمريكيّة، ولا أنسى خروج سكّان مدينة طرابلس في احتفال لتحية الباخرة المصريّة التي أحضرت شحنة من الأرز هدية..}م76.  

والعديد من البلدان التي تشابهت أوضاعها مع أوضاع الليبيّين وحالهم، اختار حكامها وقتئذ، أن يحكموا بمفردهم بحجة أو ذريعة ضرورات الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ولكن، الملك إدريس السّنوسي رغم الفقر والجهل وصراع الزَّعامات والقبائل، لم يرض أن يحكم ليبيا بمفرده، ولو لمرحلة انتقاليّة كمَا فعل الملك عبدالعزيز آل سعود. وافق عبد العزيز آل سعود بعد خمسين عاماً من الحكم المطلق (1902م –  1953م)، وقبل أسابيع قليلة من وفاته، على إنشاء مجلس للوزراء، بينما لم يكتف الملك إدريس السّنوسي منذ الإعلان عن الإستقلال وتتويجه ملكاً على ليبيا، بتدشين مجلسِ للوزراء فحسب، بل، دشن إلى جانبه مجلسين آخرين هما: مجلس النوّاب، ومجلس الشيوخ.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ الملك إدريس السّنوسي، لم يحكم البلاد إلاّ بعد الانتهاء من وضع الدستور، فالإستقلال تمّ الإعلان عنه في 24 ديسمبر/ كانون أول 1951م، أمّا الدستور فقد أعلن الشيخ محَمّد أبو الأسعاد العالم عن صدوره في  السابع من أكتوبر/ تشرين أول 1951م.

فرغت الجمعيّة الوطنيّة الليبيّة من وضع دستور البلاد وأقرته في 7 أكتوبر/ تشرين أول 1951م، ثمّ عهدت بإصدارهِ إلى رئيسها محَمّد أبو الأسعاد العالم ( عن ولاية طرابلس الغرب) ونائبيه عمر فائق شنيب ( عن برقة) وأبوبكر بن أحمد أبوبكر (فزَّان). 

إنَّ الانجاز السياسي الأبرز للملك إدريس السّنوسي هو توحيد كلمة الليبيّين، وتحقيق الاستقلال، وبناء مؤسسات وأجهزة إداريّة كفلت للبلاد – وفي فترة زمنيّة قياسيّة – تحقيق تنميّة شاملة في جميع المجالات، رغم عدم الاستقرار الذي شاب حكومات العهد الملكي، بمعنى التغيير المستمر للحكومات، فحكومة السيّد/ عبدالمجيد كعبار تعد الأطول عمراً بين حكومات العهد الملكي، وهي التي حكمت ثلاث (3) سنوات لا غير، وتحديداً من 26 مايو/ أيار 1957م إلى 16 أكتوبر/ تشرين أوّل 1960م.

ويكفي الملك إدريس السّنوسي فخراً أن معركة التعليم التي قادها رؤساء وزاراته المتعاقبة، كانت نتائجها مبهرة مذهلة ملفتة لأنظار العالم كافة، وأن (الخطّة الخمسية) التي نُفذت في عهده، كانت الأفضل بين الخطط الخمسية التي نُفذت في دول العالم الثالث بشهادة المنظمات الدوليّة وقتئذ، وأنّ معمّر القذّافي حينما استولى على السّلطة، كان معدّل دخل الفرد في ليبيا يقترب من معدّل دخل الفرد في الدول الغنية المتقدمة، ويتأخر عنها بسنتين فقط، بينما كانت العديد من بلدان العالم الثالث تحتاج إلى عشرات السنين، وأخرى إلى مئات السنين، بل، بعضها كان يحتاج إلى آلاف السنين لردم الهوة بينها وبين بلدان الدول الغنية المتقدمة.

وصف تقرير للبنك الدولي بواشنطن دي. سي، والصادر عن جامعة جون هبكنس (Johns Hopkins University)، معدّل دخل الفرد في ليبيا بأنّه الأقرب إلى معدلات الدخل في الدول المتقدمة. كتب التقرير ديفيد موروتس (David Morawetz) تحت عنوان: ( 25 سنة من النمو الإقتصادي 1950 – 1975م)، ورصد التقرير بيانات إحصائيّة في الجدول (4.2) المعنون بـ(الهوة بين الدول الفقيرة والدول الغنية.. هل بالإمكان ردمها!؟)، عن معدلات نمو دخل الفرد بالنسبة لإجمالي الناتج القومي، ومقارنة معدّل النمو في الدولِ الفقيرة بمعدلات النمو في الدولِ الغنية. 

نعرض التقرير باللغة الإنجليزيّة – كمَا ورد – لأنّه لا يحتاج إلى كثير من الترجمة لكونه يحتوى على أرقام وأسماء أكثر من أيّ شيء آخر. ورغم ذلك، سنختم نقل التقرير، بتوضيح أو تعليق مكتوب باللغة العربيّة نشرته صحيفة الرَّاصد (52) في عددها الصادر بتاريخ ربيع الثاني 1413 هجري الموافق أكتوبر/ تشرين 1992م.

Table 4.2                                  The North – South Conflict 89

The Gap between Rich and Poor Nations: Can it be closed?

                                                                                             

                                                                                                 No. Years

                                                                                                                         Until gap closes

Annual              

                                                                        GNP per             Growth rate7,        If 1960 – 1975                   

                                                     Capita, 1975        1960 – 1975          Growth rate    

                                                 (194 U.S. $)              (%)                     Continue 

                                                    County

             OECD countries              5,238                  3.7                       -                  

Libya Republic            4,675                 11.8                    2

Saudi Arabia                2,767                 8.6                     14

Singapore                     2,307                 7.6                     22

Israel                             3,287                 5.0                     37 

Iran                               1,321                 6.9                     45

Hong Kong                   1,584                 6.3                     48

Korea                                504                7.3                     69

China (Taiwan)                817                6.3                     75

           Iraq                               1,180                 4.4                      223        

Brazil                                927                4.2                      362

Thailand                           319                4.5                      365

   Tunisia                             695                 4.2                     422    

Syrian Republic              604                 4.2                     451

     Lesotho                             161                 4.5                    454    

Turkey                             793                   4.0                     675   

Togo                                 245                 4.1                     807

Panama                            977                 3.8                    1,866

Malawi                              137                  3.9                    1,920 

Malaysia                           665                  3.8                    2,293

Papua New Guinea          412                  3.8                    2,826

China Republic                 320                 3.8                    2,900

Mauritania                         288                 3.8                    3,224

Source: David Morawetz, Twenty-five Years of Economic Development, 1950 to 1975. (Washington D.C.: World Bank 1977), p. 29: published for the World Bank by the Johns Hopkins University pres.

Absolute gap is the GNP per capital of the OECD countries ($ 2,378 in 1950. $ 5,238 in 1975) less the GNP per capital of the individual county.

All developing countries with population of 1 million or more whose growth rate of per- capita income exceeded that of the OECD countries from 1960 to 1975. OECD stands for the Organization for Economic Cooperation Development. Its members are Australia, Austria, Belgium, Canada, Denmark, Finland, France, Greece, Iceland, Ireland, Italy, Japan, Luxembourg, the Netherlands, New Zealand, Norway, Portugal, Spain, Sweden, Switzerland, Turkey,  the United Kingdom, the United states and West Germany. For purposes of this table, Greece, Portugal, Spain and Turkey are not considered members of the OECD.

وجاء في تعليق مجلة الرَّاصد، ما يلي:..{.. ترصد هذه الإحصائيات المهمّة الزمن بالسنين التي تحتاجها كلّ دولة حتى ترتفع إلى مصاف الدول الغنية، وذلك بقياس درجة نمو معدّل دخل الفرد بالنسبة لإجمالي الناتج القومي، والإحصائيات كمَا هي واردة في الجدول المرفق توضح أنّ معدّل النمو الدول الغنية هو 2,7% في حين تتقدم ليبيا بقية البلدان المتخلفة بمعدّلِ نمو يصل إلى 11,8%. ويبين الجدول كذلك اقتراب معدّل دخل الفرد في ليبيا من معدّلِ دخل الفرد في الدول المتقدمة الغنية بدرجة يجعلها تتأخر عن معدّلِ دخل الفرد في الدول الغنية سنتين فقط. في حين تحتاج دولة مثل السعودية إلى أكثر من 14 سنة، وهونج كونج إلى 48 سنة، ودول أخرى تحتاج إلى آلاف السنين لردم الهوة كالصين مثلاً والتي تحتاج إلى 2900 سنة، وموريتانيا إلى 3224 سنة.

وجدير بالذكر أن ننبه إلى أن جماهيرية القذّافي منذ عام 1977م، بدأت تشهد معدلات سلبية في معدّل نمو دخل الفرد ممّا يجعلها بعيدة بمئات السنين لو استمر إهمال الناتج القومي في التقهقر...}م77

هذا التقهقر، وصل ذروته في ثمانينيات القرن المنصرم، حيث صودرت الممتلكات،  وأممت الشركات ومحلات المواطنين الخاصّة، وعُطل النشاط الإقتصادي المملوك للأفراد، وصار كلّ شيء ملكاً للدولة أيّ للقذّافي!، وأصبح مصدر الدخل الوحيد هو الراتب الوظيفي التي تصرفه الدولة شهرياً للمواطن.

دخل المواطن في دوامة استقطاعات الدولة المستمرة من الراتب: ضريبة البندقية!، ضريبة الجهاد!، ضريبة النهر الصناعي العظيم !،.... وإلى غير ذلك من أنواع الضرائب التي ما أنزل الله بها من سلطان. وزاد عبء المواطن في تلك الحقبة، حينما قرر معمّر القذّافي اعتبار الشهر خمسة وأربعين (45) يوماً لا ثلاثين (30) يوماً، وبصرف المرتب نفسه – وبالاستقطاعات المذكورة – كل 45 يوماً دون زيادة.

وزاد التقهقر سوءاً، حينما فرض المجتمع الدولي في عام 1992م حصاراً على ليبيا على خلفية إتهامها في عمليّة تفجير (Pan Am) الطائرة الأمريكيّة رقم (103) التي وقعت في ديسمبر 1988م فوق بلدة لوكربي الاسكتلنديّة، والتي أدّت إلى مقتل مائتين وسبعين (270) شخصاً. اتخذ مجلس الأمن بهيئة الأمم المتحدة في عام 1992م قراراً يقضي بفرض حصار اقتصادي على ليبيا، وانتهى هذا الحصار أو الحظر يوم 5 أبريل 1999م حينما أبلغ كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة مجلس الأمن بنجاح عمليّة تسليم المتهمين الليبيين في قضيّة لوكربي إلى هولندا.

وبعد تسليم المتهمين مباشرة، تمّ تعليق الحظر المفروض على ليبيا بموجب قراري 748 و 883، وانتهت عمليّة الحصار التي دامت أكثر من سبع سنوات. وخلال هذه المدة، مارست الدولة على المواطنين كل وسائل الضغط والابتزاز، ودخل الموظفون في دوامة تأخر المرتبات، فالمرتبات أصبحت لا تُصرف إلا بعد ستة أو سبعة شهور على استحقاقها بحجة الحصار رغم أنّ الحظر لم يشمل البترول حيث كان تصديره مستمراً، والعائدات النفطيّة كانت تتدفق على الخزانة كسّابق عهدها، بل، زادت هذه العائدات كلما ارتفعت الأسعار أو زاد الطلب على الطاقة.      

ورغـم ثروات ليبيا الضخمـة، وقلة عدد سكّانها، إلاّ أنّ مستوي دخل الفرد أصبح في غاية التدني، وأنّ خمس سكّان ليبيا يعيشون تحت خط الفقر، بالإضافة إلى انتشار الفساد ووقوف الدولة مكتوفة الأيدي أمام ظاهرة الفساد التي أوقفت مسيرة التنميّة والبناء منذ أمد بعيد. اعترف النظام مجبراً بالفشل وما تعانيه البلاد من تخلَّف على كافة الأصعدة والمستويات، وجاء الاعتراف الرسمي على لسان معمّر القذّافي مركز السّلطة – وفي أكثر من مناسبة منذ مطلع عام 2005م وإلى الآن (2008م) –  بانتشار الفساد، واحتكار الثروة من قبل مجموعة من النَّاس، ووجود مليون ليبي فقير. كمَا اعترف د/ شكري محَمّد غانم أمين اللجنة الشعبيّة العامّة (رئيس وزراء من عام 2003م إلى 2005م) ) بالفقر والفساد، وأشار إلى قانون (15) (53) ومشكلة تدني المرتبات، ووجود قرابة (180) ألف أسرة تعيش على (100) دينار ليبي (75 دولاراً)، الأمر الذي يعني أنّ خمس سكّان ليبيا يعيشون تحت خط الفقر، إلى جانب بطالة بلغت 30% ، أيّ ما لا يقل عن مليون ليبي عاطل عن العمل.

وعودة إلى العهد الملكي.. يلاحظ أنّ الدولة الليبيّة منذ ولادة أوّل وزارة برئاسة محمود أحمد ضياء الدين المنتصر في 24 ديسمبر 1951م، انتهجت مسلك يقوم على قواعد ثابتة، أهمها:  

القاعدة الأولى: احترام الدستور وتطبيق القانون.

القاعدة الثانيّة: الحفاظ على قيم المجتمع الليبي والعلاقات بين أبنائه.

القاعدة الثالثة: العمل على نشر التعليم وتطوير مراكزه.

القاعدة الرابعة: تبني برامج التحديث كخيار حتمي وموضوعي للدولة الليبيّة.

القاعدة الخامسة: العمل على تحقيق مصلحة البلاد والمواطن الليبي في ظلّ سياسة كان شعارها: (ليبيا أولاً).

وربّما من المفيد، الوقوف عند النقطة الخامسة، لمعرفة السبب والهدف من وراء هذا الخيار والتوجه. وللتدليل على سياسية: (ليبيا أولاً) نورد ما تمّ في اجتماع فبراير/ شباط 1962م بين الملك ورئيس شركة أوكسيدنتال !. اجتمع آرمند هامر (1898م – 1990م) رئيس شركة أوكسيدنتال للنفط الأمريكيّة في فبراير/ شباط  1962م بالملك إدريس السّنوسي، وكان هامر مكلفاً بمهمّة خاصّة من إدارة الرئيس الأمريكي جون كنيدي. وجاء عن هذا الاجتماع في مقالة: (خفايا وأسرار.. القصة الكاملة لحركة الضبّاط الوحدوين الأحرار في سبتمبر 1969م)، للأستاذ/ مفتاح فرج، ما يلي:..{..  التقى الدّكتور علي الساحلي بصديق له عند مقهى علي الطيرة قرب مدينة المرج، وحكى له ما تمّ في تلك المقابلة فقال: بدأ (آرمند هامر) حديثه بأن سلم على الملك ثمّ تقدم إليه بطلبات قائلاً: يا مولانا، خلال الأشهر الثلاثة الماضيّة، أيّ منذ بداية تصدير البترول، صار لكم رصيد لا بأس به من العملة الصعبة، وسيزداد مع الأيام سواء بارتفاع السعر أو زيادة الضخ.. ولهذا فإن حكومتنا (الأمريكيّة) تطلب من جلالتكم أنّ تخصموا من مستحقاتكم نسبة كذا (حددها) من السنتات لمساعدة الدول الفقيرة في أفريقيا، ولن يؤثر ذلك على دخلكم.

كان ردّ الملك واضحاً وقاطعاً مذكراً إياه بعدة نقاط نقلها مستشار الملك د/ عوني الدجاني إلى هامر قائلاً:

أولا: بلادنا في أوّل أطوار البناء والإصلاح وقد بدأنا في خطّة تنميّة وإسكان.

ثانياً: لقد تضررت ليبيا أكثر من أيّ بلد آخر بسبب الاستعمار الإيطالي بجانب ما لحق بها من تدمير للمنشآت بسبب معارك وقعت على أراضيها.

ثالثاً: إنّ هناك دولاً عربيّة ساندتنا أيام محنتنا هي أولى بالمساعدة.

رابعاً: مَن أفقر أفريقيا ونهب ثروتها وأخذ أبناءها عبيداً؟.

خامساً: إننا لو فكرنا في هذا الأمر فإنّه من الضروري عرضه على البرلمان مثل الكونجرس عندكم...}م78.

بدأت حكومات الاستقلال مسيرة عملها عند تشكيل الوزارة الأولى برئاسة محمود أحمد ضياء الدين المنتصر في 24 ديسمبر 1951م، بشظايا شعب وميزانية لم تجعل من أصفارها أرقاماً إلاّ المعونات الخارجيّة !. كانت ليبيا في أسو حالاتها، بعد انتصار الحلفاء على المحور ودخول القوَّات البريطانيّة إلى ليبيا عام 1942م، حيث الخراب والدمار وانتشار الأمراض والأوبئة. 

كانت ليبيا تعاني غياب..{.. التجانس وضعف التلاحم السياسي ومقوّمات الوحدة بين الأقاليم (الولايات) الثلاث التي تكوَّنت منها (المملكة اللبيبّة المتحدة) عند إستقلالها، ووجود واستمرار الحساسيات والتناقضات والسلبيات في علاقات مختلف الوحدات والبنى الاجتماعيّة والسياسيّة (القبائل، والأحزاب، والزَّعامات..) داخل كل إقليم (ولايّة) من الأقاليم الثلاثة.

... وتعاني من النقص الحادّ في العناصر الإداريّة والفنيّة المدرّبة، بل شبه المدرّبة، وتدنّي بل انعدام الخبرة والتجربة السّابقة في العمل السياسي المشترك لدى رجال الجيل المبكّر من بناة دولة الإستقلال.

وفقاً لهذه المعطيات، التي لم تكن من صنع دولة الإستقلال، وما كان رجالها مسؤولين عنها، وإنّما كانت تركة ثقيلة ورثوها عن العقود الماضيّة، كان طبيعياً أنّ ينصرف جلّ همّ وجهد حكوماتها المبكرة إلى معركة المحافظة على بقاء واستمرار دولة الإستقلال الوليدة، التي شكّل قيامها، رغم كل تشويهات الولادة العسيرة التي صاحبتها، مطلباً ومطمحاً وطنياً عزيزاً لدى الغالبية الساحقة من الليبيّين إن لم نقل جمعيهم..}م79.

بدأت حكومات الاستقلال بشظايا شعب وهلاهيل دولة، ولم يكن الركام الذي استلمه رجالات حكومات الإستقلال من صنعهم هم بل كان من صنع إمبراطوريات وصراعات وميراث استعمار إيطالي بغيض. فالحرب العالميّة الثانية دمرت معظم مدن ليبيا وقراها وعلى الأكثر مديني بنغازي وطبرق. وتفيد التقارير بأنّ مدينة بنغازي، قد فقدت 60% من مبانيها من جراء الغارات الجويّة التي وصلت إلى 1200 غارة جويّة عليها هي وحدها. ووصلت نسبة الدمار والخراب في مدينة طبرق إلى 85% من جراء القذائف التي أُسقطت عليها.

اعتمدت حكومات العهد الملكي، وعلى الأخص في فترة ما قبل اكتشاف البترول، على معونات خارجيّة كانت تتلقَّاها بموجب اتفاقيات ومعاهدات أبرمتها مع كلّ من حكومات بريطانيا العظمى، والولايات المتحدة الأمريكيّة. ومساعدات فنيّة وماليّة محدودة جداً، كانت قد تلقّتها من عدد من الدول والمؤسسات – وعلى فترات متقطعة ومحدودة – من: هيئة الأمم المتحدة، ودول: فرنسا، إيطاليا، الباكستان، تركيا، العراق، مصر.

ورغم الأوضاع البائسة وقلة الإمكانيات، إلاّ أن الصدق والوطنيّة والأمل الذي كان يحدو رجالات الدولة في مستهل الإستقلال – وقبل ظهور النفط وتصديره – وطموحاتهم التي كانت لا حدود لها، أهلهم إلى تحقيق ما عجز غيرهم عن تحقيقه، وفي زمن قياسي.

وفي هذه الفترة العصيبة، أولى الملك إدريس السّنوسي للتعليم الأهمية القصوى، وأوصى وزرائه بوضع مشاريع قطاع التعليم في مقدّمة البرامج التنمويّة للدولة. وبدأت حكومات الإستقلال بتوظيف كل قرش استلمته كمعونة من الخارج في بناء المدارس والمعاهد وإعداد الكوادر التعليميّة من أجل تحقيق نهضة تعليميّة كانت لا ترى أنّ يتحقق خيراً حقيقياً للبلاد بدونها.

ومن ناحية أخرى.. فتحت حكومات الإستقلال أمام النَّاس أبواب التجارة على مصراعيه، وكفلت لهم حرية الحركة والتنقل والمراسلة وإشراك الآخرين معهم عرباً وأجانب من أجل خلق اقتصاد وطني ينهض بشّعبِ منهمك وبلد مدمر.

وحول مدى تقدير الملك إدريس السّنوسي للعلم ومكانته في نفسه، نورد إشارة تعبر عن هذا المعنى بشكلِ دقيق، وقد جاءت تلك الإشارة على لسان عبدالهادي التازي (54) المؤرخ والدبلوماسي المغربي. قال المؤرخ المغربي في حديث أجراه معه الأستاذ/ سامي كليب في برنامجه (زيارة خاصّة ) الذي تبثه قناة (الجزيرة) القطريّة، ما نصّه:..{.. أنا اكتشفت في ليبيا المخطوطة الوحيدة في العالم...اللي هي.. صحيح الإمام البخاري بخط الإمام الصدفي، والصدفي كان قريباً من البخاري واكتشفت هذه المخطوطة التي قال لي الملك إدريس السّنوسي عنها إنّها أثمن عنده من عشرة آبار بترول..}م80.

ومن جديد.. لم يكن في ليبيا يوم الإستقلال في ديسمبر/كانون الأوّل1951م سوى مدرستين ثانويتين وخمس مدارس ابتدائيّة، وكان عدد التلاميذ لا يتجاوز ألفاً. ووجد معمّر القذّافي عند استيلائه على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م: الجامعات، وآلاف المدارس، وعشرات المعاهد، وثلاثمائة ألف طالب وطالبة يذهبون إلى المدارس، وأكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة يدرسون في الجامعة الليبيّة، وآلاف أخرى تدرس في أحسن الجامعات المصرية والأوربية والأمريكيّة. ووجد أكثر من خمسة آلاف عنصر وطني من حاملي المؤهلات العلميّة في مجالات وتخصصات مختلفة.            

فقد اعتمدت حكومات العهد الملكي المتعاقبة..{..  في تمويل موازنتها العامّة ومشروعاتها الإنمائيّة على ما كانت تتلقَّاه من مساعداتٍ مالية في ظلّ الاتفاقيات والمعاهدات التي كانت قد أبرمتها مع كلّ من حكومات بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكيّة، والمساعدات الفنيّة والماليّة المحدودة التي تلقّتها من بعض وكالات هيئة الأمم المتحدة وبعض الدول كفرنسا وإيطاليا ومصر والعراق والباكستان وتركيا.

بدأت ليبيا تتجاوز سنوات الفقر بعد اكتشاف النفط والشروع في تصديره مع بداية الستينات (1961م)، وعند قيام انقلاب سبتمبر 1969م لم يكن إجمالي ما حصلت عليه ليبيا الملكيّة من عائداتها النفطية قد تجاوز (960) تسعمائة وستين مليون دينار ليبي (أيّ ما يوازي ثلاثة مليارات دولار أمريكي).

أنَّ كافَّة عائدات ليبيا من النفط وغيره كانت تؤول خلال سنوات العهد الملكي إلى الخزانة العامّة للدولة، وكان التصرّف فيها يتمّ بموجب قوانين مجازة من قبل السّلطة التشريعية بالبلاد (مجلسيْ البرلمان والشيوخ، والمجالس التشريعيّة)، ودون أيّة استثناءات. وقد عرفت ليبيا أوّل خطّة خمسية للتنميّة بمجرّد ظهور عائدات النفط، وهي التي عُرفت بالخطة الخمسيّة للتنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للسنوات 1963م – 1968م، وقد سجّلت تلك الخطّة والخطّة الخمسيّة الثانية التي بدأت مع أبريل/نيسان 1969م، مؤشرات إنجازٍ طيّبة في مجالات الإسكان والمواصلات والتعليم والصحة وبناء بعض المشروعات الزراعيّة والصناعيّة...}م81.

وظلّت حكومات العهد الملكي حتى أواخر خمسينيات القرن المنصرم، مشدودة إلى معركتين: معركة التعليم، ومعركة بقاء واستمرار دولة الإستقلال الوليدة، وما انطلقت في خوض المعارك الأخرى – وبالقوة المطلوبة –  إلاّ بعد شروع الدولة في تصدير النفط عام 1961م، واستلامها لأولى عائداته في عام 1963م. وشرعت الدولة في تنفيذ الخطّة الخمسية الأولى بين سنوات 1963م – 1968م، وبدأت في تنفيذ الخطّة الخمسية الثانيّة في أبريل/ نيسان 1969م، وهي الخطّة التنمويّة التي أجهضت بفعل إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م، والتي حققت قبل إجهاضها مؤشرات إنجازٍ طيّبة على كافة المستويات، ومختلف الأصعدة.

أمّا الذين يتحدثون عن نقص السيادة، ويتخذون من ذريعة (القواعد الأجنبيّة) حجة للدَّفاع عن إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م، وبالتالي، للطعن في وطنيّة وشرعيّة العهد الملكي لا نملك إلاّ أن نقول لهم: تنسون بأن جزء من القواعد الأجنبيّة كان موجوداً قبل تحقيق الإستقلال، وأن ما جرى تنفيذه بعد الإستقلال هو توقيع اتفاقيتان مع بريطانيا والولايات المتحدة – اتفاقيّة مع بريطانيا تمت في 29 يوليو/ تموز 1952م عهد السيّد/ محمود المنتصر، واتفاقيّة مع الولايات المتحدة الأمريكيّة تمت في 9 سبتمبر/ أيلول 1954م في عهد السيّد/ مصطفى بن حليم –  لأجل تقنين هذا الوجود بما يخدم المصالح الليبيّة بعدما قُفلت جميع الأبواب !، وبما يمنع (الأجنبي) من استخدام هذه القواعد في حروب قد تنشب في المنطقة.

قال الأستاذ/ عبد الحميد البكّوش عن مسألة القواعد الأجنبيّة، ما يلي:..{..لقد حصلت ليبيا على إستقلالها وتلك القواعد موجودة، فعقب هزيمة إيطاليا في الحرب العالميّة الثانيّة احتل الإنجليز برقة وطرابلس، واحتل الفرنسيون فزَّان في الجنوب، وسمح الإنجليز للأمريكيين بإقامة قاعدة جوية.

إذن، فقد أعلن عن إستقلال ليبيا، وشُكلت أوّل حكومة بها والقواعد الأجنبيّة موجودة شئنا أم أبينا، بل، إنّه لولا مساندة الدول الغربيّة لنا لما حصلنا على قرار الأمم المتحدة العام 1949م القاضي بمنحنا إستقلالنا.

وللتَّاريخ والحق، أنّ ليبيا عندما أقدمت على وضع أوّل موازنة العام 1952م قدرت المصروفات بثلاثة ملايين جنيه، حصلت على مليون جنيه مساعدة أمريكيّة، ومليون جنيه مساعدة بريطانيّة، وعجزت عن جمع المليون الثالث من موارد محليّة، فكيف تلام حكومة في مثل هذه الحال على عقد معاهدات بمنح تسهيلات عسّكريّة لدول أجنبيّة خصوصاً أن تلك الدول موجودة أصلاً، وهي التي أخرجت الإيطاليين من البلاد..}م82.

ولتوضيح الأمر أكثر، لابُدَّ من الإشارة والوقوف عند النقاط التالية (55):

1 –  القبول بالاتفاقيات العسّكريّة، لم يكن خياراً أو رغبة ذاتية، بل، فرضته ضرورات الحاجة والواقع، والحرص على تأمين مشروع الإستقلال وانتشاله من مخالب الثلاثي الاستعماري المهمين آنذاك (أمريكا، بريطانيا، فرنسا).

2 – رفض مبدأ وجود قواعد فرنسيّة بناءاً على سجل فرنسا الدموي في الشمال الإفريقي، وباعتبارها دولة استعماريّة استيطانيّة لها مطامع استيطانيّة في إقليم فزَّان، بالإضافة، إلى رغبتها في ضم الأراضي الليبيّة الملاصقة للحدود التونسيّة – لتونس، والملاصقة للحدود الجزائريّة – للجزائر.

3 – قرار وجود القواعد الأجنبيّة، وإبرام الإتفاقيات العسّكريّة مع بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكيّة تمّ عبر القنوات الشرعيّة وبمصادقة وموافقة ممثلي الأمّة، ومن خلال معاهدات واتفاقيات وقعها رئيسين للوزراء (المنتصر، وبن حليم) مع الدولتين المعنيتين، وبحضور وعلم الرأي العام الليبي. ويضاف إلى ذلك، أن بريطانيا في ذلك الوقت لم تتبلور لديها فكرة الاستيطان في ليبيا، بل، رجالات الإستقلال وظفوا الورقة البريطانيّة ضمن مجموعة من الأوراق الأخرى لصالح إستقلال البلاد ووحدتها حيث أن (الجيش السّنوسي) دخل ضمن قوَّات الجيش الثامن البريطاني لطرد المستعمر الإيطالي من البلاد. فقد أثبتت تطورات الأحداث بأن تحالف سيدي إدريس مع بريطانيا كان تحالفاً ناجحاً واجتهاداً موفقاً، فانتصار الحلفاء على المحور ودخول القوَّات البريطانيّة إلى ليبيا عام 1942م كان نقلة نوعيّة في تاريخ ليبيا السياسي حيث أنقذ هذا التحالف البلاد من الحكم الإيطالي الفاشي بعد أن استمر القتال أكثر من (20) عشرين عاماً، وراح أكثر من سبعمائة ألف (700000) ليبي ضحية لتلك المعارك الشرسة، بالإضافة، إلى هجرة حوالي مائتين وخمسين ألف (250000) مواطن.

أمّا بالسنة للولايات المتحدة الأمريكيّة، فلم تكن لديها أطماع استعماريّة في الشرق الأوسط كمَا كانت لأوربا، بل، أن سياساتها انحصرت آنذاك في المصالح التجاريّة. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن المعاهدة الليبيّة الأمريكيّة تمت بوساطة تركيّة من خلال رئيس وزرائها (عدنان مندليس)، وبمباركة جمال عبدالناصر الذي جاء في تأكيده للسيّد/ مصطفى أحمد بن حليم بعدم ممانعته لقيام معاهدة ليبيّة أمريكيّة، بل، اعتبر قيام علاقة مميزة بين ليبيا وأمريكا سيساعد مصر على مواجهة العديد من التحديات. 

هذه هي الظروف والأجواء التي أحاطت بعملية إبرام الإتفاقيات العسّكريّة مع بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكيّة، وهي ظروف بررت عقد تلك الإتفاقيات، ورفعت اللوم عن الحكومتين اللتين أبرمتا عقدي المعاهدتين العسكريتين مع بريطانيا والولايات المتحدة.     

إذن، كيف يلام الملك إدريس، ورجالات ذلك العهد على عقد معاهدات عسّكريّة مع دول أجنبيّة، والدول العربيّة والإسلاميّة لم تمنح ليبيا وقتئذ إلاّ مساعدات بسيطة لم يكن بالمقدور الاعتماد عليها في تأمين إستقلال ناشئ وبناء مؤسسات دولة وليدة. ولم يكن بمقدور أولئك الرجال قبول مساعدات من دول اشترطت اشتراطات كان من الصعب القبول بها كالشروط التي وضعتها مصر في عهد الملك فاروق حيث اشترطت مقابل تقديم مليون جنيه تعديل الحدود الشرقيّة لصالحها والتنازل عن واحة الجغبوب الليبيّة بالإضافة إلى اشتراط أخر يقضي بتعيين مستشارين مصريين للإشراف على الأوجه التي سينفق فيها المال الممنوح. وفي المقابل، عرضت بريطانيا 3,73 مليون جنيه إسترليني مقابل قاعدة عسّكريّة تصبح رسميّة معترف بها من قبل الحكومة الليبيّة تأمن لبريطانيا تواجدها في المنطقة وتقفل الباب أمام المد الشيوعي الزاحف عليها. وقد قبلت حكومة السيّد/ محمود المنتصر في 29 يوليو/ تموز 1952م العرض البريطاني حيث أنّ شروطه كانت أهون، بل، أفضل بمراحل من القبول بالشروط المصريّة.

ومؤكداً.. لم يكن أمام رجالات ذلك العهد خيارات مطروحة أفضل من تلك المعاهدات، ولم يكن الهدف من وراء توقيع تلك المعاهدات أيّ رغبات شخصيّة أو مصالح خاصّة إنّما كان الهدف من وراءها تحقيق المصلحة الليبيّة أولاً. وقد أثبتت الأيام أن المستفيد الأكبر من المعاهدتين المبرمتين مع الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى كانت هي ليبيا وليس العكس، وأنّ القواعد البريطانيّة والأمريكيّة لم ينطلق منها صاروخ واحد ضدَّ شقيق أو صدَّيق، ولم تستخدم أثناء عدوان 1956م وحرب 1967م. فقد سبق للرئيس جمال عبدالناصر أن أعلن في عام 1956م قبل العدوان الثلاثي على مصر (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل) أنّه قال: [..نحن ننتظر في صواريخ العدو أن تأتينا من ليبيا..!].  

وفي الذكرى الأولى لهذا العدوان، ألقى الرئيس جمال عبدالناصر في 23 ديسمبر/ كانون أوّل 1957م خطاباً في مدينة بورسعيد المصريّة (56)، وقد اعتذر فيه عن اتهامه الباطل لليبيا والملك إدريس السّنوسي. وجاءت الفقرة الخاصّة بليبيا والملك إدريس في نصّ خطاب عبدالناصر، على النحو التالي:.. [.. احنا كنا بننتظر العدوان من بورسعيد، كنا بننتظر العدوان من الإسكندريّة، كنا بننتظر العدوان من ليبيا، وكانت خطَّتنا العسّكريّة.. أن احنا.. نستطيع أن نتجه إلى العدوان في المكان اللي يقع فيه. ولكن، حصل الغدر والخيانة.. هجمت إسرائيل، وكان تقديرنا أن المعركة الرئيسيّة معركة مع إسرائيل.. ما فكرناش أن الدول الكبرى تغش الرأي العام العالمي وتقول: إنّها حتعمل بوليس بين مصر وإسرائيل علشان تهاجم مصر.

الجنرال كتلي – اللي هو قائد العدوان – قال: إنّه كان عايز يهاجم مصر من ليبيا، وقال أيضاً: إن الملك إدريس السّنوسي – ملك ليبيا – هدد إذا استخدمت إنجلترا ليبيا للعدوان على مصر، وبهذا لم يتمكنوا. ودا طبعاً نتيجة من نتائج القوميّة العربيّة والتضامن العربي والقوة العربيّة.. التضامن العربي والقوميّة العربيّة منعت إنجلترا – رغم معاهدتها مع ليبيا، ورغم قواعدها في ليبيا – من أنّها تستخدم ليبيا للعدوان على دولة عربيّة أخرى.. دا موقف مشرف للملك إدريس السّنوسي ملك ليبيا..].     

وفي حرب يونيو/ حزيران 1967م (57) .. صدر أثناء الحرب قراراً ملكياً نصّ على تجميد نشاط القواعد العسّكريّة البريطانيّة والأمريكيّة، وقد أبلغت الجهات المسئولة (أمريكا وبريطانيا) بنصّ القرار الليبي، ووضعت على القواعد العسّكريّة البريطانيّة والأمريكيّة حراسة وطنيّة. وأكد جمال عبدالناصر في خطاب في نوفمبر/ تشرين ثاني 1968م، بأنّ إسرائيل هاجمت مصر في حرب 1967م وحدها دون مشاركة من قوَّات الأنجلو أميركان أيّ القوَّات الأمريكيّة والبريطانيّة، وهذا، ينفي إدعائه السّابق باستخدام القواعد البريطانيّة والأمريكيّة في ليبيا في حرب يونيو/ حزيران 1967م.   

وفي أوائل عام 1969م.. شكر جمال عبدالناصر في أحدى خطاباته في أوائل هذا العام، استجابة الملك إدريس لطلب مصر بالحصول على مساعدة ماليّة إضافيّة لتغطية صفقة شراء طائرات عموديّة من إيطاليا، لأنّ السوفيت الذين يزودون مصر بالأسلحة لا يملكون هذا النوع من السلاح.. وأشاد السيّد/ حسن صبري الخولي مبعوث الرئيس جمال عبدالناصر إلى المملكة الليبيّة بموقف الملك إدريس من القضايا العربية.      

وصل السيّد/ حسن صبري الخولي إلى المملكة الليبيّة في عهد رئاسة السيّد/ ونيس محَمّد القذّافي للوزارة (4 سبتمبر/ أيلول 1968م – 31 أغسطس/ أب 1969م)، وتمّ استقباله من قِبل فتحي الخوجة كبير التشريفيات الملكيّة. 

استُقبل السيّد/ حسن صبري الخولي رسميًا من طرف...{.. السيّد فتحي الخوجة كبير التشريفات الملكية مبعوثًا من الملك، وأنا (بشير السني المنتصر – وزير الدولة لشؤون الرئاسة) نيابة عن رئيس الوزراء السيّد/ ونيس محَمّد القذّافي، والعقيد عبدالعزيز إبراهيم الشّلحي بصفته الشخصيّة، فالخولي تربطه بعائلة الشّلحي علاقات خاصّة منذ أيام السيّد/ البوصيري الشّلحي وعلاقته الوثيقة بالرئيس جمال عبدالناصر. هذا وقد قابل السيّد الخولي الملك إدريس وتناول معه الغذاء الذي حضره رئيس الوزراء السيّد/ ونيس القذّافي والعقيد عبدالعزيز الشلحي.

وقد علمت بعد الغذاء من رئيس الوزراء أنّ الهدف من الزيارة هو الحصول على مساعدة ماليّة إضافية لتغطية صفقة شراء طائرات عموديّة من إيطاليا، لأنّ السوفيت الذين يزودون مصر بالأسلحةِ لا يملكون مثل هذا السلاح، وليس لدى مصر نقد أجنبي لذلك، وقد وافق الملك على هذا الطلب كمَا وافق عليه مجلس الوزراء.

وبعدها اجتمع رئيس الوزراء السيّد/ ونيس القذّافي بمكتبه وبحضوري مع السيّد/ حسن الخولي وأبلغه موافقة الحكومة الليبيّة على دفع مبلغ عشرة ملايين جنية ليبي (30 مليون دولار) على دفعتين حسب طلب الجمهوريّة العربيّة المتحدة، وبالطبع كان القرار بأمر من الملك إدريس السّنوسي. وأذكر أن السيّد/ حسن الخولي استقبل القرار بسرور بالغ كأنه لم يكن يتوقع نجاح مهمته بهذه السرعة، وقال للسيّد/ ونيس القذّافي بأنّ التاريخ سيسجل لليبيا هذا العمل الجليل لأنّها بهذا المبلغ ستمكن الجيش المصري من أنّ يتحول من جيش راجل (بري) إلى جيش طائر (جوي).

... وأضاف السيّد حسن صبري الخولي بأنّ التاريخ سيسجل لليبيا بكلّ فخر واعتزاز مدى المساعدات التي قدمتها وتقدمها ليبيا للصمود العربي في وجه الصهيونية والاستعمار، وأشاد بصفة خاصّة بموقف الملك إدريس السّنوسي من القضايا العربية، وأضاف بأن الجمهوريّة العربيّة المتحدة ترغب في إظهار حسن نيتها وتطلب من ليبيا أن تدفع فواتير شراء الطائرات العموديّة رأساً إلى مصانع الطائرات العموديّة في إيطاليا دون تدخل مصر. ولكن رئيس الوزراء السيّد/ ونيس القذّافي رفض هذا العرض قائلاً إنّ ليبيا تثق في الشقيقة مصر وسيحول المبلغ رأساً إلى الحكومة المصريّة وهي حرَّة لإتمام عملية الشراء حسب إجراءاتها الماليّة...}م83.    

وقد أكد الرئيس جمال عبدالناصر استجابة الملك إدريس السّنوسي لطلب مصر ووقوفه إلى جانبها في أحدى  خطاباته في بدايات عام 1969م بعد نجاح زيارة الخولي إلى ليبيا، فجاء في نصّ خطاب عبدالناصر (58) – وبالحرف الواحد – ما يلي:..[.. بعد هذا.. قام حسن صبري الخولي برحلة إلى ليبيا.. وذهب برسالة إلى ملك ليبيا الملك السّنوسي، وشرح له الموقف.. وقد وعد الملك السّنوسي بالمساندة الكاملة لنا، في كل.. المال..].   

وممّا ينبغي إضافته في هذا الخصوص، الرغبة التي أظهرتها الحكومة الليبيّة، بعد ظهور النفط والشروع في استلام عائداته الماليّة، في إلغاء الإتفاقيات التي أبرمتها مع بريطانيا وأمريكا حينما يأتي موعد المفاوضات بشأن تجديد عقد القاعدتين الأمريكيّة والبريطانيّة. وفي 17 نوفمبر/ تشرين ثاني 1968م، أعلن السيّد/ ونيس محَمّد القذّافي (رئيس الحكومة) في افتتاح الدورة الخامسة لمجلس الأمّة، أن حكومته تواصل في مفاوضاتها بشأن إجلاء القواعد الأجنبيّة حيث قال:..[.. تواصل حكومتي مفاوضاتها لإنهاء الوجود العسّكريّ للقواعد الأجنبيّة وتحويلها إلى قواعد ليبيّة..].

وواصلت الحكومة الليبيّة تحركها في هذا الاتجاه، حيث أجرت..{.. مفاوضات بهدف تجديد المعاهدات التي أبرمتها عقب الإستقلال مع بريطانيا وأمريكا وبموجبها استمر وجود قواعدهما العسّكريّة، وأبرم بالفعل اتفاقان للجلاء على أنّ ينفذ خلال العام 1970م..}م84. والاتفاق، تمّ تنفيذه بعد استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م، وتمّ تصويره ظلماً وبهتاناً على أنّه إنجاز وانتصار عظيم من صنع الإنقلابيين.   

ومن جهة أخرى.. هناك من ينتقد أداء حكومات العهد الملكي بذريعة عدم استقرارها، فيسوق انتقادات من كل نوع، ولا يجد حجة يستند إليها عند كل انتقاد يسوقه إلاّ قصر عمر حكومات العهد الملكي حيث يرى أنّ الفترة الزمنيّة القصيرة لكل حكومة من الحكومات كانت عائقاً أمام تنفيذ المشاريع، وتحقيق الإنجاز المطلوب، فأطول عمر زمني لرئيس وزراء في العهد الملكي لم يدم عهد ولايته أكثر من (3) ثلاث سنوات !.   

ولمناقشة هذه الانتقاد، لابُدَّ أن نذكر ما كان يعصف بالشباب العربي في المواقع المختلفة، في ذلك الحين !. كانت التيارات السياسيّة في العالم العربي تعصف بالشباب العربي في كافة المواقع: العمل، الوسط الرياضي، مقاعد الدّراسة في المدارس، المعاهد، الجامعات. وكانت الناصرية في أواخر الخمسينات وحقبة الستينات الأقوى تأثيراً والأكثر انتشاراً في بلدان العالم العربي خصوصاً في ليبيا بلاد الجوار الجغرافي الأقرب إلى مصر. تعاطف الشباب مع الناصرية وحركة القوميين العرب والتَّيار اليساري (الشيوعيّة) وحزب البعث، وبعد وصول بعض المحسوبين على التيار القومي إلى قمة الهرم (السّلطة) زادت روح التمرد لدى الشباب الذين يعيشون في بلدان محكومة بدساتير ملكية كالنظام الملكي الحاكم في ليبيا.

اندفع الشباب الليبي بعواطفهم مطالبين بالتغيير والتثوير، وعملت النخب الممثلة لتلك التيارات آنذاك، على إقلاق كل وزارة جديدة يأتي بها الملك إدريس السّنوسي على رأس هرم السّلطة، فيضطر الملك بعد فترة وجيزة من عمل تلك الوزارة لإقالتها، وكانت النخبة تستهدف من وراء عملها هذا خلق حالة من عدم الاستقرار تؤدي إلى إحداث (الفراغ ) الذي يتيح للمغامرين المتحمسين لشهوة السّلطة فرصة الاستيلاء على مقاليد الأمور. وهذا، ما تمّ في الأوّل من سبتمبر/ أيلول من عام 1969م.  

لا نختلف حول سلبية عدم استقرار الوزارات، وما نتج عنها من تداعيات وأخطرها ما حدث يوم الأوّل من سبتمبر/ أيلول 1969م، حينما تمكن حفنة من ضبّاط الجيش الاستيلاء على السّلطة وإلغاء الشرعيّة الدستوريّة. ولكن، من المؤكد أنّ عدم استقرار الحكومات، لم يأتِ على حساب تنفيذ المشاريع، وتحقيق نهضة شاملة في جميع المجالات، وعلى الأخص، في الاقتصاد والتعليم والصحة.

والسبب يرجع من وجهة نظري، بأن ليبيا وقتئذ كانت بلد القانون والمؤسسات لا بلد يحكم بمزاج شخص أو قوى معينة متحكمة في مفاصل النظام. كذلك، يرجع إلى الفصل بين الاستراتيجيات والتكتيكات.. وبين المؤسسات والأشخاص، بمعنى، توجه الدولة النهضوي كان متفقاً عليه، والخطط التنمويّة وضعها متخصصون، ورعتها بيوت الخبرة، وأشرفت على تنفيذها إدارة مستقرة لم تتأثر بالتغييرات في المستوى الوزاري. فالأجهزة  الإداريّة في الدولة (إدارة الدولة) كانت مستقرة إلى حد كبير، ولم تتأثر بتقلب الوزارات وتبدلها حيث تمكنت من تنفيذ الخطط وإنجاز الاستراتجيات. وكان رؤساء الوزراء الجدد كثيراً ما يُبقون على نفس الوزراء السابقين عند تشكيل حكوماتهم الجديدة، كمَا كان كل رئيس جديد يأتي على رأس الحكومة، يبدأ عمله من حيث ما انتهى الرئيس الذي سبقه ولا يبدأ من نقطة الصفر، ولذا، استمر تنفيذ الخطط وإنجاز الاستراتيجيات بنجاح كامل، ولم تؤثر عملية التغيير المستمر في الوزارات – وعلى أرض الواقع –  في تنفيذ الخطط التنمويّة الراميّة إلى نهوض البلاد وتطورها. وهذا النجاح، تمتع به الليبيّون وعايشوه، وأقرته المنظمات الدوليّة وشهدت عليه.   

وفي جانب ثاني.. ينتقد بعض الأشخاص أداء حكومات العهد الملكي، فيقول، أنّ أغلب المسؤولين في العهد الملكي أوصلتهم التوازنات القبليّة والجهويّة إلى مقاعد المسئوليّة، وكانوا لا يملكون تأهيلاً علمياً، بل، بعضهم لم يدخل إلى المدارس ويجلس على مقاعدها في يوم من الأيّام.

نعم، لم يملك عدد من المسؤولين في مستهل الإستقلال، المؤهل العلمي، أو..[.. كانت الإمكانيات العلميّة للمسئولين في مستهل الإستقلال محدودة، بل، متواضعة للغاية..]، كمَا قال الأستاذ/ عبد الحميد البكّوش. ولكن، العبرة بالإنجاز، والإنجاز في صالح هؤلاء لا في صالح منتقديهم. 

يتغافل هؤلاء المنتقدون، إلى أنّ ليبيا، وقت إعلان إستقلالها، لم يتجاوز عدد حملة الشهادات الجامعيّة العلميّة فيها أصابع اليد الواحدة أو اليدين في أحسن التقديرات. وجاء بالخصوصِ، على لسان الأستاذ/ عبدالحميد البكّوش في مقالة نشرها بمجلة (الوسط) اللندنيّة، ما نصّه:..{.. بدأت ليبيا مسيرة إستقلالها يوم 24 ديسمبر 1951م من دون أن يكون أيّ من أبنائها من حملة الشهادات الجامعيّة، وكنت أنا وجيلي من أوّل من عادوا بقدر من العلم، ولم يقف أحد في طريق مساهمتنا في بناء البلاد والوصول إلى أعلى المناصب، وكان المؤهلون يحتلون كلّ مراكز المسئوليّة عندما أجهض إنقلاب 1969م المشروع الليبي وأهدر الحلم بالمستقبل..}م85.   

كذلك، لا يرى هؤلاء الحقائق على نحو صحيح، فحكومة الأستاذ/ عبدالحميد مختار البكّوش (25 أكتوبر/ تشرين أول 1967م – 4 سبتمبر/ أيلول 1968م) احتوت على سبعة عشر (17) وزيراً شاباً من حملة الشهادات الجامعيّة من أصل (23) ثلاثة وعشرين وزيراً.. وحينما استولى معمّر القذّافي على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م، كان كل المتعلمين المؤهلين يحتلون أهمّ المناصب والمواقع في الدولة الليبيّة. ولا يرى هؤلاء أيضاً، أنّ النظام الملكي كان يسعى – بجد وتدرج – لتفكيك المنظومة القبليّة لأجل إيقاف تأثيرها السياسي وحصر وجودها في نواحي محدودة جداً من الجانب الاجتماعي، وذلك عبر نظام مدني يتساوى فيه النّاس جمعياً أمام القانون، ويحاسب فيه المسؤولون أمام مجالس منتخبة من الشّعب، أيّ نظام دستوري يستمد مشروعيته من صناديق الانتخاب.

والنظام الانتخابي الذي اختارته المملكة الليبيّة، تساوى فيه الرجل بالمرأة حيث نالت المرأة الليبيّة حق الانتخاب في عهد حكومة الدّكتور محي الدين فكيني حيث أقر البرلمان الليبي يوم 26 أبريل/ نسيان 1963م قانون يمنح المرأة الليبيّة حق التصويت في الانتخابات البرلمانيّة. ولازالت خطوة البرلمان الليبي التي اتخذت في عام 1963م متقدمة عن ما هو جاري في عدد من البرلمانات العربيّة – ونحن في عام 2008م – حيث لازلت بعض البرلمانات تحجب عن المرأة هذا الحق أو على الأصح لم تعطه لها كاملاً. وكان الملك إدريس السنوسي لا يرى مانعاً في تولى المرأة الليبيّة أعلى المناصب، وكان يأمل أن يرى المرأة الليبيّة تتولى منصب رئاسة الحكومة.  

وبالتأكيد.. يتغافل أصحاب هذا الانتقاد، بأن رجالات حكومات الإستقلال تمكنوا من بناء نظام سياسي كان ينمو ويتطور بشكل مذهل رغم العراقيل والعثرات، وأنّهم حققوا إنجازات عملاقة ومكاسب وطنيّة عظيمة عجز أصحاب المؤهلات العليا الذين تولوا رئاسة الوزراء والمناصب الوزارية بعدهم (عهد معمّر القذّافي) عن تحقيق مثيل لما حققوه أو نظير لما أنجزوه.

وإذا كانت العبرة بالإنجاز فحكومات العهد الملكي هي التي أنجزت، وحققت أفضل النَّتائج، أمّا حكومات معمّر القذّافي، فلم تحقق للشّعب الليبي إلاّ الفشل والتفريط والفساد والخراب.

ولم يعد بالإمكان إخفاء الفشل والفوضى وانهيار البنية التحتية وانتشار الرشوة والفساد، حيث أصبحت هذه الأشياء في عهد معمّر القذّافي حقيقة يعيشها النَّاس ويعرفها القاصي والداني، وقد اعترف رأس الخراب بنفسه بهذا الإخفاق والفشل في أكثر من خطاب كان أخرها خطابه أمام ما يسمى بمؤتمر الشّعب العام في الثاني من مارس/ آذار 2008م. اعترف معمّر القذّافي في هذا الخطاب، بانتشار الرشوة والفساد، وتردي الطرق والمرافق والمراكز التعليميّة والصحيّة، وفشل اللجان الشعبيّة العامّة (الوزارات) المتعاقبة، وحاول التنصل من الفشل بتلبيسه للمؤتمرات والأمناء واللجان الشعبيّة، وطلب في خطابه المُشار إليه: الشروع في إتخاذ التدابير التي تؤدي إلى إلغاء الأمانات (الوزارات) وتوزيع (الثروة) مباشرة على المواطنين دون وضعها في ميزانيات تتحكم فيها الأمانات (الوزارات) !. 

نسى معمّر القذّافي أو تناسى أنّه هو من أوجد هذه اللجان والمؤتمرات وهياكل ما أسماه بالمجتمع الجماهيري البديع!، وهو من ابتدع أطر نظام شاذ غريب لا مثيل له ولا شبيه. وهو شخصياً من وضع هؤلاء الأشخاص في اللجان، وهو من كلّفهم بتولي مهام كلّ أمانة من أمانات ما يسمى باللجنة الشعبيّة العامّة (الوزارات).

ودون شك.. القذّافي هو المسئول عن كل هذا الخراب والفساد والتخلًّف رغم إدعائه بعدم المسئوليّة وتلبيس ذلك للأمناء والشّعب، فالشّعب الليبي حسب إدعائه هو الحاكم والممارس الفعلي للسّلطة عبر المؤتمرات الأساسيّة ومؤتمر الشّعب العام، وينسى وهو يسوق هذا الإدعاء الكاذب، بأنّه يمارس في دور أعلي سّلطة في البلاد (رئيس دولة) لأنّه منح لنفسه سّلطة إلغاء الأمانات (الوزارات).

وعلق الكاتب السّوداني الدّكتور/ يوسُف نور عوض في صحيفة (القدس العربي) عن هذا القرار، قائلاً:..{.. قرار العقيد القذّافي بتوزيع دخل الدولة علي المواطنين هو تبديد لثروة الدولة وضياعها كمَا أن ذلك يعطي انطباعاً سيئا إذ كيف يستطيع القذّافي أو غيره أنّ يصدر قراراً يتعلق بثروة البلاد كلها دون أنّ تكون هناك رقابة عليه، وكيف لمن يملك مثل هذا القرار المنفرد أنّ يدعي أن السّلطة في بلاده هي ملك للجماهير؟.

... وهذه النوعية من الأنظمة هي نظم لا تعمل بطرق عقلانيّة متطورة لأنّها لا تفكر من خلال نظام الدولة بل تفكر من منظور العشيرة والقبيلة وأخيراً من منظور النخبة والأسرة والأبناء، وما يحتاجه العالم العربي في هذه المرحلة تغيير نظرته بشكل كامل حتى لا يبدد ثرواته وحتى لا يستمر رهناً للتخلَّف الحضاري والفكري، ومن المؤسف أن الكثيرين يعتقدون أن التغيير قريب وقادم ولكن هؤلاء واهمون في ظلّ المعطيات الحديثة خاصّة مع وجود نخب ربطت مصالحها بمصالح السّلطة وظلّت تعمل ضدَّ مصالح شعوبها من أجل تحقيق المزايا الشخصيّة، وتلك أكبر العلل في نظم لم تعرف بعد ماذا يعني مفهوم الدولة الحديثة ؟.. }م86.  

على أية حال.. أمر معمّر القذّافي، وبحكم واقع الفشل واستشراء الفساد، في خطابه سالف الذكر، إلغاء جميع الأمانات (الوزارات) عدا السيادية الثلاثة: الخارجيّة والدَّفاع والداخليّة، وتشكيل لجان جديدة تكون مهمتها توزيع ثروة البترول مباشرة على كل مواطن ليبي، الثروة التي قدرت بـ(37) سبعة وثلاثين مليار دولار عام 2007م.  والسبعة وثلاثون مليار دولار سنوياً مرشحة إلى التضاعف مرَّات ومرَّات إذا استمر هذا الارتفاع في أسعار النفط (تخطى سعر البرميل الواحد في بداية شهر مايو/ أيار 2008م المائة وسبعة عشر[117] دولاراً)، أو زادت نسبة الضخ. 

نص الخطاب المذكور، على إلغاء الأمانات (الوزارات) وتوزيع الثروة النفطيّة مباشرة على الشّعب الليبي، وبعد استلام الشّعب لثروته النفطيّة عليه – وكمَا جاء في نص الخطاب– أنّ يشرع في بناء مستشفياته ومدارسه وجامعاته وطرقه ومطاراته، أيضاً، شركاته ومصانعه وكافة ما تتطلبه بنيته التحتية. وعلى هذا الأساس، تتولى لجان من المواطنين إدارة وتقديم الخدمات التي كانت تقوم بها الأمانات، وتلغى الأمانات التي كانت تحجب الثروة عن المواطن وتحرمه من حق الاستمتاع بها.

هكذا يفكر رأس النظام، وبطريقة (أقفاص الدجاج وزراعة شرفات العمارات) التي دعا إليها في أوائل سبعينيات القرن الماضي !!. قال الأستاذ/ عبدالحميد البكّوش..{.. عندما فكر معمّر القذّافي – أوائل سبعينيات القرن الماضي– في تحقيق الاكتفاء الذاتي في ليبَيا هداه فهمه القاصر إلى أنّ يفرض على كل موظف ومواطن شراء قفص من الحديد يسع قرابة أربع دجاجات ليكتفي كل منزل ذاتياً من حاجته إلى البيض واللحم، ثمّ دعا إلى زراعة الخضر فوق أسطح المنازل وشرفات العمارات..}م87.

ومن جديد.. يضع معمّر القذّافي إلغاء الحكومة كحل للفساد والخراب الجاري في البلاد، وهو حل عجيب غريب دون شك، كمَا يضع هذا الحل وهو ناسياً أو متناسياً بأن عمره في السّلطة قارب الأربعين عام أيّ قارب من تسجيل رقم قياسي جديد لبقاء حاكم على رأس الدولة.. ويضع هذا الحل الشاذ، وهو يتصور بأنّ مفهوم الدولة لا يتسع لأكثر من كونه فلوس (مال) وبس (فقط) ولا يشمل معاني أخرى مثل: العدل والأمن والاستقرار والنهضة والمحافظة على القيم والمكتسبات.      

وفي كل الأحوال.. المقارنة بين رجالات حكومات الاستقلال – وإن تحدث البعض بالسلب عن مستواهم التعليمي – وبين من تولوا المناصب في عهد معمّر القذّافي، هي مقارنة ظالمة بكلّ المقاييس !. وشتان بين نموذج ورجال عُمرت البلاد في عهدهم وازدهرت الحياة فيها.. ونموذج ورجال دُمرت البلاد في عهدهم وأظلمت الحياة بسببهم.        

وعلى سبيل المثال.. لم يحقق الدّكتور/ شكري محَمّد غانم الذي ترأس الحكومة (رئاسة الوزراء) من مارس/ آذار 2003م إلى مارس/ آذار 2005م، لليبيا أيّ إنجازات مادية أو مكاسب وطنيّة رغم أنّه يحمل ماجستير في القانون والدبلوماسيّة، ودكتوراه في الاقتصاد من أفضل الجامعات الأمريكيّة بينما حقق السيّد/ محمود أحمد ضياء الدين المنتصر إنجازات ومكاسب وطنيّة عظيمة حينما تولى الوزارة الأولى من 24 ديسمبر/ كانون أول 1951م إلى 18 فبراير/ شباط 1954م ثمّ تولى الوزارة السابعة من 22 يناير/ كانون ثاني 1964م إلى 18 مارس/ آذار  1965م، ولم يكن المنتصر من حملة الدكتوراه أو الماجستير. فقد تمكن السيّد/ محمود المنتصر ورؤساء الحكومات الذين جاءوا بعده من بناء نظام سياسي أتاح للجميع فرص التعمير والتعبير، وأنجزوا في سنوات قليلة: بنية تحتية ربّما كانت الأفضل في العالم العربي وقتذاك، واقتصاد واعد، ونظام تعليمي تقدموا به عن دول كانت تسبقهم بعشرات السنين. 

ولم يحقق الدّكتور/ محمود جبريل الذي ترأس وزارة (التخطيط) من مارس/ آذار 2006م إلى مارس/ آذار 2008م، لليبيا أيّ إنجازات مادية أو مكاسب وطنيّة رغم مؤهله العلمي العالي حيث اتمم دراساتـــه العليا في جامعة (بتسبرج) بالولايات المتحدة الأمريكيّة، وهو صاحب خبرة طويلة عريضة في مجال الإستراتيجيّة وصنع القرار حيث يترأس مجلس إدارة مؤسسة جيتراك الدوليّة. لم يحقق الدّكتور محمود جبريل – والذي يشغل حالياً رئيس مجلس التخطيط – أيّ شيء بينما حقق السيّد حامد علي العبيدي ذو التعليم المتوسط إنجازات هائلة عظيمة حيث تحقق في عهده الجزء الأكبر الأهمّ من أوّل خطّة خمسية للتنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في ليبيا. نقول الجزء الأهمّ لأنّ الخطّة الخمسيّة الأولى بدأت عام 1963م  انتهت عام 1968م، والسيّد حامد العبيدي شغل منصب وزير التخطيط والتنميّة من مارس/ آذار 1963م إلى أكتوبر/ تشرين أول 1965م.

ويذكر، أنّ الخطّة الخمسيّة الثانيّة بدأت في أبريل/ نيسان 1969م، ولم يتمّ استكمالها على النحو المخطط له نظراً لاستيلاء معمّر القذّافي وحفنة من العساكر على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م.

أمّا الذين يصرون على تكبير حجم الفساد في العهد الملكي، ويتهمون رجالات تلك الحقبة بالرشوة والفساد، هم لا ينظرون إلى عهد معمّر القذّافي وحجم الفساد الذي ينذر بوقوع الكارثة.. ولا يتابعون تقارير منظمات الشفافية وما تكشف عنه من نسب متفاوتة للفساد تحدث في كافة بلدان العالم. وينسون أنّ الملك إدريس السّنوسي، لم يكن يملك أكثر من مرتبه كمَا لم يكن لديه أيّ سلطان على أموال الدولة غير المال الذي خصصه له البرلمان الليبي في موازنة معلنة ومنشورة. وينسون أنّ الملك إدريس، لم يسجل عليه مخالفة ماليّة واحدة طيلة سنوات حكمه، وأنّ مواقفه ضدَّ الفساد والمفسدين كانت معروفة ومعلنة في خطب ألقاها على مسامع الشّعب الليبي. كمَا ينسى هؤلاء أنّ حجم الفساد في ليبيا في الفترة الملكيّة لا يكاد يذكر إذا ما قورن بحجم الفساد الذي كان جارياً في المنطقة وقتذاك، فقد كان الفساد في ليبيا محصوراً ومحدوداً إلى حد بعيد !.

وفي هذا الصدد، يقول الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف:..[.. وتجدر الإشارة إلى أنَّ حالات الفساد والرشوة التي برزت في سلوك وممارسات عدد من رجال حقبة العهد الملكي لم تكن تشكل، وعلى العكس ممّا كان سائداً في بقية دول المنطقة، نمطاً أو أسلوباً معتاداً للحياة وفي التعامل. كمَا أنَّ الممارسات الفاسدة كانت محصورة في عدد محدود جداً من رجال الإدارة العليا في الحكومة. على الرّغم من المعوّقات الموروثة والطارئة، والمعوقات الذاتيّة والخارجيّة المتواصلة، والأزمات التي صنعتها أو فرضت عليها، والإخفاقات التي منيت بها أحياناً، فقد استطاعت حكومات تلك الحقبة أن تحقِّق إنجازاتٍ باهرة، بمقاييس ذلك العصر وكلّ عصر، ليس بمقدور منصفٍ أن يتجاهلها أو يتناساها، ولا يملك إلاّ أن يعترف بها ويذكرها لتلك الحقبة ورجالاتها...].  

وأخيراً.. قد يكون من المناسب أن اقفل هذه الوقفة، بل، أختمها بمقتطفات من مقال للأستاذ/ عبد الحميد البكّوش نُشر في مجلة (شئون ليبيّة) عام 1996م...

ولأن الليبيّين قد خبروا...{.. معنى الفقر أكثر من غيرهم، فقد صنفهم تقرير البنك الدولي عام 1951م، على أنّهم أفقر شعب في العالم بلا منافس، وماتوا من الجوع عام 1949م – 1950م، وبدأوا مسيرة الإستقلال ديسمبر عام 1951م، بشظايا شعب وهلاهيل دولة، ومع ذلك فإنّهم وقد سنحت لهم فرصة الانطلاق بالإستقلال، قد أنجزوا في سنوات قليلة قواعد اقتصاد مستقيم، ومشروع تعليم لم يسبق له مثيل وبنوا إدارة بالغة الكفاءة إذا ما قورنت بكلّ الإدارات العربيّة حتى التي سبقتهم بعشرات السنين، كمَا بنوا نظاماً سياسياً جيداً كان يمكن أن يتطور إلى نظام ديمقراطي أكثر اكتمالاً حتى وإن واجهوا في تطبيقه بعض العثرات.

في سنوات الخمسينيات والستينيات من هذا القرن كانوا الليبيّون يملكون تجربة المحنة وخبرة المأساة، وهم يعيشون أحراراً في نظام متحضر كان قبل أن يجهضه إنقلاب عام 1969م العسّكريّ، يسير نحو النمو والتطور مضيفاً إلى نضجه كل يوم، وكانت أمام الليبيّين كل فرص القفز إلى حضارة القرن العشرين وما بعده وإنجاز مكانة أفضل دولة في العالم الثالث... }م88.   

 

ملاحظات وإشارات هامّة

52) الرَّاصد: ترصد ما يُصدر في وسائل الإعلام العربيّة والعالميّة، وتعيد نشره في مجلة دورية تصدر عن مكتب (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا) بالولايات المتحدة الأمريكيّة، أسمها (الرَّاصد). صدر من مجلة (الرَّاصد) أربعة وعشرون (24) عدداً في الفترة الواقعة ما بين سبتمبر/ أيلول 1989م حتى ديسمبر/ كانون أول 1995م. كانت (الرَّاصد) تصدر بشكل دوري منتظم في فترة رئاسة الدّكتور/ بشير العامري يرحمه الله لمكتب الجبهة بالولايات المتحدة. ومنذ ديسمبر/ كانون أول 1995م، توقفت (الرَّاصد) عن الصدور. 

53) قانون (15): صدر هذا القانون عام 1981م تحت رقم (15). حدّد قانون ( 15 ) لسنة 1981م الدخل الأساسي للفرد والأسرة على حدّ السواء.  جمدت المرتبات بموجب قانون ( 15 ) على السقف التي كانت موجودة عليه وقت صدوره عام 1981م، ولازال هذا القانون – وبعد مضى أكثر من ربع قرن – نافذاً دون إلغاء أو تعديل !. لقد لخص أحد الليبيين الآثار الضّارة الناجمة عن قانون (15)، بالجملة التاليّة:..[.. لو كان قانون (15) رجلاً لقتلته..!].   

54) الدكتور عبد الهادي التازي: ولد عام 1921م في مدينة (فاس) بالمغرب. تحصل في عام 1963م على شهادة عليا من كليّة الآداب بالرباط، وعلى شهادة في اللغة الإنجليزيّة من معهد اللغات ببغداد عام 1966م، ثمّ دكتوراه الدولة من جامعة الإسكندريّة. امتهن الكتابة، ونظم الشعر، وشارك بأوراق ودراسات في ندوات الأكاديميين والمثقفين.. وعمل في الجامعة مديراً للبحث العلمي، وعضواً في أكاديميّة المملكة المغربيّة. وساهم في نشاطات مجمع اللغة العربيّة في بلاده (المغرب)، وعضوية مجمعات اللغة العربيّة في: القاهرة، والأردن، ودمشق، والعراق.

عبدالهادي التازي مؤرخ وسياسي ودبلوماسي مغربي عريق، فكان أحد مستشاري الملك الراحل الحسن الثاني.. وعمل سفيراً للمملكة المغربيّة لدى: ليبيا والعراق وإيران والإمارات العربيّة المتحدة.

كتب في الأدب والفن والتاريخ، بالإضافة إلى الشعر. وأصدر عدة كتب أهمها: (المسجد والجامعة)، (تفسير سورة النور)، (أعراس فاس)، (آداب لامية العرب)، (القنص بالصقر بين المشرق والمغرب)، (جولة في تاريخ المغرب الدبلوماسي )، (ليبيا من خلال رحلة الوزير الاسحاقي ).. وغيرها، بالإضافة إلى ما كتبه عن الرحالة (ابن بطوطة) وما أصدره من ترجمات.

استضافه الأستاذ/ سامي كليب في برنامجه: (زيارة خاصّة ) الذي بثته قناة (الجزيرة) الفضائيّة يوم 12 أبريل/ نسيان 2008م.

55) نقاط حول مسألة القواعد: النقاط الواردة أعلى الصفحة، ذكرها المؤلف في مقالته المعنونة بـ(وفاءاً لرجالات الإستقلال والعهد الملكي)، والمنشورة في موقع (ليبيا وطننا) بتاريخ 24 ديسمبر/ كانون أول 2000م.

56) خطاب جمال عبدالناصر في مدينة بورسعيد: خطاب الرئيس جمال عبدالناصر نقلناه باللهجة المصرية العاميّة كمَا جاء على لسانه، والنصّ المنقول من الخطاب نقلناه عن كتاب: (سنوات وأيّام مع جمال عبدالناصر)/ شهادة الأستاذ/ سامي شرف.

57) في حرب يونيو/ حزيران 1967م: من وثائق هذه المرحلة في الأرشيف الليبي، البرقيّة التي كان قد بعث بها المؤتمر الشّعبي  إلى الملك  إدريس السّنوسي، والسيّد/ حسين يوسُف مازق رئيس وزرائه. وجاءت البرقية كمَا يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

برقية إلى الملك إدريس السّنوسي من المؤتمر الشّعبي:

إلى مولانا الملك المعظّم / طبرق

إلى السيّد رئيس الوزراء/ البيضاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بدأت المعركة، إنّ إسرائيل تهاجم بمساعدة أمريكا وبريطانيا، نناشدكم باسم الدّين وكرامة العروبة أن تعلنوا هذه السّاعة باسم الشّعب إلغاء المعاهدات مع الأعداء، والجلاء فوراً، وتوقّف البترول، نحن في حالة حرب مع الأعداء، قدّموا السّلاح للشّعبِ، سنقاتل ولو بالحجارة، هذا هو واجب الدّين، هذا هو شرف العروبة.

الموقعون:

مصطفى بن عامر، رجب النيهوم، عبدالمولى لنقي، مفتاح مبارك الشّريف، مصطفى الشّيباني، محَمّد حمّـي، عثمان العمامي، عبدالعاطي إحداش، حسن صالح، عبدالرَّحمن بركات، جاد الله إبراهيم، مهدي سعيد، عبدالقادر محَمّد الدرسي، محَمّد بوعجيلة، عاشور بونعامة، محمود مخلوف، محَمّد بشير المغيربي، عثمان العالم، رمضان بوخيط.

المؤتمر الشعبي

5 يونيو 1967م.

58) خطاب عبدالناصر حول زيارة الخولي إلى ليبيا: الفقرة المنقولة من خطاب الرئيس جمال عبدالناصر نقلناها من تسجيل صوتي لعبدالناصر، وقد تمّ نشر الفقرة الصوتيّة الخاصّة بليبيا من الخطاب في صفحة (ليبيا وطننا) في باب الرسائل، تحت عنوان: ( تسجيل صوتي للرئيس جمال عبدالناصر: ملك ليبيا وعـد بالمساندة الكاملة لنا في كلّ الميادين). نُشرت الفقرة الصوتيّة من خطاب عبدالناصر في موقع (ليبيا وطننا) يوم الخميس الموافق 24 أبريل/ نسيان 2008م.     

مصادر ومراجع

م71) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – المجلّد الأوّل: ليبيا بين الماضيِ والحاضرِ.. صفحات من التاريخ السياسي – مركز الدّراسات الليبيّة (أكسفورد – بريطانيا) الطبعة الأولى 1425 هجري/ 2004 ميلادي. 

م72) نفس المصدر السّابق.

م73) السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" – صدر على نفقة المؤلف باللغة الإنجليزيّة في عام 1988م، وقام السيد/ محَمّد بن غلبون بنشره بعد ترجمته إلى العربيّة، وذلك في عام 1989م على نفقته الخاصّة.  

م74) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – المجلّد الأوّل: ليبيا بين الماضيِ والحاضرِ.. صفحات من التاريخ السياسي – مركز الدّراسات الليبيّة (أكسفورد – بريطانيا) الطبعة الأولى 1425 هجري/ 2004 ميلادي. 

م75) الأستاذ/ خالد المهير (تقرير "الجزيرة نت" من بنغازي) – كتاب جديد يؤرخ لوحشية المعتقلات الفاشيّة بليبيا – التقرير نُشر في (الجزيرة نت/ أرشيف)، وأعيد نشر التقرير في موقع (ليبيا الجيل) وموقع (ليبيا المستقبل) يوم الخميس الموافق 5 يونيو/ حزيران 2008م.    

م76) الأستاذ/ عبدالحميد البكّوش – مقالة: (نصف الحقيقة كذبة كاملة.. رداً على "عبدالمنعم الهوني يتذكر") – العدد (194) من مجلة (الوسط) اللندنيّة، الصادرة بتاريخ 16 أكتوبر/ تشرين أول 1995م.

م77) صحيفة: (الرَّاصد) نشرة دورية تصدر عن مكتب (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا) المنطقة الثانيّة/ الولايات المتحدة الأمريكيّة – العدد رقم (10)، الصادر في ربيع الثاني 1413 هجري الموافق أكتوبر/ تشرين أول 1992م.  

م78) الأستاذ/ مفتاح فرج - مقالة: (خفايا وأسرار.. القصة الكاملة لحركة الضباط الوحدوين الأحرار في سبتمبر 1969م) – نُشرت في موقع (أخبار ليبيا) بتاريخ 29 مايو/ أيار 2005م.

م79) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – المجلّد الأوّل: ليبيا بين الماضيِ والحاضرِ.. صفحات من التاريخ السياسي – مركز الدّراسات الليبيّة (أكسفورد – بريطانيا) الطبعة الأولى 1425 هجري/ 2004 ميلادي.    

م80) برنامج: زيارة خاصّة/ قناة (الجزيرة) الفضائيّة الذي يقدمه الأستاذ/ سامي كليب – عنوان الحلقة: (عبد الهادي التازي.. رحلة عبر التاريخ) – تاريخ بث الحلقة يوم 12 أبريل/ نسيان 2008م.

م81) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف -  دراسة على حلقات تحت عنوان: (مأساة ليبيا ..ومسئولية القذّافي) – موقع (الإنقاذ) المنشورة بتاريخ 20 أغسطس/ أب 2003م.

م82) الأستاذ/ عبدالحميد البكّوش – مقالة: (نصف الحقيقة كذبة كاملة.. رداً على "عبدالمنعم الهوني يتذكر") – العدد (194) من مجلة (الوسط) اللندنيّة الصادرة بتاريخ 16 أكتوبر 1995م.

م83) الأستاذ/ بشير السني المنتصر (وزير الدولة لرئاسة مجلس الوزراء الأسبق في ليبيا) – مذكّرات: (ذكريات شـاهد على العـهد الملكي الليبي: "من ديسمبر 1951م إلى  سبتمبر 1969م" ) – موقع (أخبار ليبيا)  لصاحبه الأستاذ/ عاشور الشامس

م84) الأستاذ/ عبدالحميد البكّوش – مقالة: (نصف الحقيقة كذبة كاملة.. رداً على "عبدالمنعم الهوني يتذكر") – العدد (194) من مجلة (الوسط) اللندنيّة الصادرة بتاريخ 16 أكتوبر 1995م.

م85) نفس المصدر السّابق.

م86) الدّكتور/ يوسُف نور عوض – مقالة: (قراءة في قرارات القذّافي الأخيرة) – صحيفة (القدس العربي) اللندنيّة الصادرة بتاريخ 7 مارس/ آذار 2008م.   

م87) الأستاذ/ عبدالحميد البكُوش – مقالة: (العرب والزمن والألفيّة الثالثة) – جريدة الإتحاد الإماراتيّة الصادرة بتاريخ 28 فبراير/شباط 2000م.

 م88) الأستاذ/ عبد الحميد البكّوش – مقالة: (الشخصيّة الليبيّة) – نُشرت عام 1996م في مجلة (شئون ليبيّة) وأعاد الأستاذ/ منصف البوري نشرها في موقع (ليبيا المستقبل) يوم 3 مايو 2007م.  


الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home