Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

الأربعاء 9 يوليو 2008

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج
بقلم : الصادق شكري
الجزء الثّالث
الحلقة السابعة ( 7 مِنْ 10 )

 

الصحافة مرآة صافية لنهضات الأمم. وإذا كانت أمتنا قد حُرِمت نعمة الصحافة طيلة ثلث قرن، قضتها في مجالدة الاستعمار فأنّها لم تفقد شجاعة الفكر، وحريّة الرأي اللتين هما الأساس الذي تنبني عليه فكرة الصحافة الناجحة.

.. آلا وإن النهضات الفكريّة خير سلاح الأمم في العصر الحديث، وإنّي لأربا بشعبي العزيز النبيل أن يكون دون غيره من الشعوب.

جزء من رسالة سمو الأمير إدريس السّنوسي إلى مجلة (الفجر) في ربيع عام 1947م. 

الحلقة السابعة: 

التجربة الصحفية الليبيّة ذات تاريخ طويل وعريق، ورغم قدم تاريخ الصحافة في ليبيا وعراقة تجربتها إلاّ أنّها لم تنتعش في تاريخها الممتد الطويل إلاّ سنوات معدودة حيث عاشت عقوداً من الانقطاعات، والمضايقات، والملاحقات، وعدم الاستقرار. فلم تزدهر (الصحافة) في عهد حكم العثمانيين لليبيا، ولم يستقر حالها في عهد المستعمر الإيطالي البغيض.. وكيف، كان لحالها أن يستقر، في عهد مستعمر وصف بأنّه الأبغض والأكثر شرسة ودموية بين المستعمرين الذين حلوا بالمنطقة آنذاك. 

تأسست صحف هامّة في مرحلة حكم الإدارة الإنجليزية لإقليمي طرابلس وبرقة، وتحسنت في هذه المرحلة – وإلى حد ما – أحوال العمل الصحفي بوجه عام. وانتعشت الصحافة والنشاط الثقافي وحركة النشر في عهد الملك إدريس السّنوسي، وتدهورت أوضاع الصحافة وتردى حالها بعد إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م، وغداة إلغاء الصحف الخاصّة عام 1972م واعتقال عدد من الصحفيين بتهمة إفساد الرأي العام في يناير/ كانون ثاني من نفس العام، وبعد تجريم حرية الرأي والفكر تحت ما يسمى بقانون (تجريم الحزبية)، ومنذ دخول الصحافة بليبيا في نفق مظلم رهيب إثر إعلان ما يسمى بقيام (سّلطة الشّعب) في 2 مارس/ آذار 1977م حيث تحوّل (العمل الصحفي) إلى مطبوعات رديئة الشكل والمضمون، يديره حفنة من أتباع النظام الحاكم تحت مسمى سّلطة الجماهير.     

صدرت في عام 1866م بمدينة طرابلس أول الصحف، وهي صحيفة (طرابلس الغرب) المكّونة من ورقتين، الأولى باللغة العربيّة، والثانية باللغة التركيّة. وصدرت بطرابلس كذلك، وفي يونيو 1897م، أوّل الصحف الليبيّة الخاصّة، وهي صحيفة (الترقي) التي شغل الشيخ محَمّد البوصيري منصب رئاسة تحريرها وإدارتها، واستمرت هذا الصحيفة الأسبوعيّة في الصدور عاماً كاملاً، ثمّ توقفت لتعود من جديد في عام 1908م بعد إعلان الدستور العثماني.

وجاء عن تاريخ الصحافة الليبيّة في أحدى مقالات الأستاذ/ محمود الناكوع، ما يلي:.. {.. صدرت أوّل صحيفة بالمفهوم الحديث للصحافة في مدينة طرابلس، وأسمها (طرابلس الغرب)، وكان تاريخ صدورها عام 1866م، ثمّ تلتها صحيفة (الترقي) عام 1897م.

.. ثمّ جاءت مرحلة الاستعمار الإيطالي 1911م فتوقفت كافة الصحف، وحلت محلها مجموعة من صحف الاستعمار الإيطالي إلى عام 1919م حينما تمّ التوصل إلي اتفاق هدنة (سواني بنيادم) في طرابلس، وتلاه إتفاق (الرجمة) في بنغازي، وبمقتضي هذين الاتفاقين استعاد الشّعب أنفاسه نسبياً، ونشطت الحركة التعليميّة والصحافيّة، وصدرت مجموعة من الصحف منها: ( اللواء الطرابلسي، الرقيب، الوطن، البلاغ ).

وبعد قرابة ثلاث سنوات، انتكست الأوضاع في البلاد، اثر تولي الحزب الفاشستي الحكم في إيطاليا عام 1922م، فمنع الفاشيون الصحف الوطنيّة، ولم يتركوا إلاّ عدداً قليلاً منها ليكون لسان حالهم وانشأوا صحفاً جديدة لخدمة أهدافهم مثل مجلة (ليبيا المصورة)، وهكذا سجل تاريخ الصحافة في ليبيا غياب الصوت المعبر عن رأي الشّعب بفعل القبضة الوحشيّة للاستعمارِ الإيطالي التي استمرت حتى هزيمة إيطاليا في الحرب العالميّة الثانيّة وانسحابها من ليبيا عام 1943م...}م64.

وشهدت الصحافة الليبيّة حالات من الانتعاش والإزدهار في مرحلة الانتداب الانجليزي على ليبيا – من فبراير/ شباط 1943م إلى نوفمبر/ تشرين ثاني 1949م (47) – إلاّ أن ذلك الرواج والانتعاش ظلّ محدوداً بحكم سياسات الانتداب والاتفاقيات المؤقتة المبرمة بين الليبيّين والبريطانيين، والتي تقتضي مراعاة ظروف المرحلة، وخصوصيّة الوضع الذي تمر به البلاد. 

على أية حال..  اثر هزيمة إيطاليا وسيطرة بريطانيا علي الساحل الليبي..{.. دخلت البلاد مرحلة أطلق عليها مرحلة الإدارة البريطانيّة، باستثناء جنوب البلاد (فزَّان) التي كانت من نصيب الإدارة الفرنسيّة. في هذه المرحلة تنفس الشّعب شيئا معتبراً من نسمات الحرية، وسمح بإنشاء الأحزاب السياسيّة لأوّل مرَّة في ليبيا بصورة علنية، وصدرت مجموعة من الصحف منها: (طرابلس الغرب، برقة الجديدة، الوطن،  شعلة الحرية ) وقد عبرت كلّ من: (الوطن) الناطقة باسم جمعية عمر المختار، و(شعلة الحرية) الناطقة باسم المؤتمر الوطنيّ عن مطالب الشّعب في الاستقلالِ وتوحيدِ البلادِ والارتباطِ بالمحيط العربي، وأكدت (الوطن) و (شعلة الحرية) علي مطلب الوحدة الوطنيّة بصورة قويّة وواضحة...}م65.     

وشُرِعَ منذ إستقلال ليبيا في ديسمبر/ كانون أول 1951م، في بناء المؤسسات والصروح العلميّة والثقافيّة.. وبُنيت المدارس والمعاهد ومراكز البحوث والدّراسات، علاوة، على الجامعة التي صدر مرسوم ملكي بإنشائها يوم 15 ديسمبر/ كانون أوّل 1955م، وافتتحت رسمياً يوم 23 يناير/ كانون ثاني 1956م في حفل كبير تقدمه السيّد/ مصطفى أحمد بن حليم رئيس وزراء ليبيا آنذاك.. وتكّونت المجالس واللجان العمليّة والثقافيّة والفنيّة: اللجنة الوطنيّة للتربيّة والعلوم والثقافة، واللجنة المحليّة للإذاعة المرئيّة (في بنغازي)، والمجلس الأعلى للآثار، ومجمع اللغة العربيّة، اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب التي اهتمت بنشر الكتاب الليبي.

وعُقدت سلسلة من المؤتمرات والندوات التربويّة والتاريخيّة والأدبيّة والسياسيّة، ومنها: مؤتمر الأدباء والكتَّاب الليبيّين سنة 1968م، ومؤتمر ليبيا في التاريخ سنة 1968م.

ودون شك.. استقرت الصحافة الليبيّة – وإلى حد كبير – طوال (17) السبعة عشر عاماً التي حكم فيها الملك إدريس السّنوسي ليبيا، ومن 24 ديسمبر/كانون أوّل  1951م إلى 31 أغسطس/ أب 1969م، حيث غاب مقص الرقيب إلى حد بعيد، وازدهرت حريّة الفكر والإبداع، ووصل عدد المطبوعات الإعلاميّة إلى أكثر من 35 صحيفة ومجلة يوميّة وأسبوعيّة. وشهدت الصحافة الليبيّة الانتكاسة الخطيرة والكبيرة منذ استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م، وأخذت هذه الانتكاسة الشكل الواضح الملموس منذ بداية السبعينيات..{.. عندما سحبت تراخيص الصحافة على خلفية قرار محكمة الشّعب التي كانت تنظر في ما عُرف آنذاك ( يناير/ كانون ثاني 1972م) بقضية إفساد الرأي العام حيث أتهم بعض رؤساء ومدراء تحرير هذه الصحف بإفساد الرأي العام خلال مرحلة الستينات، وبعضها الآخر مثل البلاغ، الرأي، الجهاد (والأخيرتان صدرتا أوائل السبعينات بتمويل من الدولة) أستمر في الصدورِ كصحف خاصّة لفترة بسيطة بعد هذا التاريخ ثمّ جرى تأميمها وضمها للقطاع العام غداة إنشاء المؤسسة العامّة للصحافةِ في يونيو/ حزيران 1972م لتكون بديلاً عن الصحف الخاصّة. وهي التجربة، التي لم تستمر هي الأخرى طويلاً إذ جرى حلها على إثر إعلان قيام سّلطة الشّعب في 2 مارس/ آذار عام 1977م لتبدأ مرحلة أخرى في الصحافة الليبيّة، وهي مرحلة صحافة النقابات والروابط. وهي، صحف تراوحت ما بين الأسبوعيّة والنصف شهريّة، إضافة إلى الصحف الثوريّة التعبوية الأسبوعيّة التي صدرت عن مكتب الاتصال باللجان الثورية: الأسبوعيتان (الزحف الأخضر) التي صدر عددها الأول في 18 يناير/ كانون ثاني 1980م، وصحيفة (الجماهيرية)  التي صدر عددها الأوّل في 22 يوليو/ تموز من نفس السنة.

أمّا صحيفة (الفجر الجديد) التي صدر عددها الأوَّل في 7 سبتمبر/ كانون ثاني عام 1972م لتكون يومية سياسيّة جامعة عن المؤسسة العامّة للصحافة تهتم بالقضايا السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية، (جاءت بديلاً عن صحيفة الثورة التي صدر عددها الأوَّل بعد شهر ونصف من قيام الثورة وتوقفت في يناير/ كانون ثاني 1972م)، فسرعان ما تغيرت هويتها حيث تحولت في يناير/ كانون ثاني عام 1978م من صحيفة سياسيّة جامعة إلى صحيفة مقتصرة على نشر الأخبار فقط، وأصبحت تتبع وكالة الجماهيريّة للأنباء، وتمّ نقل جميع الصحفيين العاملين بالمؤسسة للعمل بوكالة الأنباء، وكمَا يقول د/ عابدين الشريف: ( أن هذا الضم جاء تنفيذاً لما ورد في الفصل الأوّل من الكتاب الأخضر فيما يخص الصحافة). 

أستمر هذا الوضع منذ ذلك التاريخ حتى عام 1993م حيث عادت المؤسسة العامّة للصحافة للظهور، وتولى مجلس إدارتها د/عبد القادر البغدادي وضمت إليها صحيفة (الجماهيرية) التي كانت تصدر بشكل أسبوعي عن مكتب الاتصال باللجان الثوريّة لتصبح صحيفة يوميّة جامعة، واستمرت الصحيفة بنفس أسرة تحريرها التي كانت تديرها عندما كانت تتبع مكتب الاتصال باللجان الثورية وظلّ (حامد القذّافي) أمينا (رئيساً) لتحريرها.

كمَا، أصدرت المؤسسة العامّة للصحافة صحيفة جديدة يومية جامعة تحت اسم (الشمس) ترأس تحريرها (عيسى عاشور) الذي كان ينتمي لمكتب الاتصال باللجان الثورية.

أمّا (الزحف الأخضر) فقد تمّ ضمها إلى المؤسسة العامّة للصحافة مع عودة هذه المؤسسة، لكنها، لم تلبث أن عادت إلى مكتب الاتصال وتحوّلت من أسبوعيّة إلى يوميّة لكنها استمرت تعبويّة تحريضيّة ثوريّة تصدر عن مكتب الاتصال باللجان الثوريّة.

وعادت (الفجر الجديد) إلى المؤسسة العامّة للصحافة بموجب قرار أمين اللجنة الشعبيّة العامّة للإعلامِ والثقافةِ والتعبئة الجماهيرية رقم 376 لسنة 1993م، ونصّ القرار على نقل تبعية العاملين بالصحيفة إلى المؤسسة العامّة للصحافة. لكن، هذه الصحيفة التي تعتبر أقدم صحيفة ليبيّة في الوقت الحالي (عهد معمّر القذّافي) لم ترجع إلى طبيعتها السّابقة عندما كانت تصدر عن مؤسسة الصحافة خلال السبعينات، صحيفة سياسيّة جامعة، بل، استمرت صحيفة إخبارية، وبالتالي، فلقد تساءل الكثيرون عن مبرر عودتها إلى المؤسسة العامّة للصحافة، طالما أنّها ظلَّت محافظة على طبيعتها الإخباريّة التي دمغتها بها وكالة الأنباء الليبيّة.

هذه الانقطاعات المستمرة، والتذبذب في طبيعة الصحافة وتوجهاتها، والتغييرات المتتالية والعميقة التي عرفتها الصحافة في بلادنا كانت من بين الأسباب الرئيسيّة في إهدارِ أكثر من فرصة توفرت لبناء تجارب صحفية حقيقيّة تتجمع فيها القدرات والطاقات والإمكانيات، وتتكرس عبرها التقاليد الصحفية، وتتواصل خلالها الأجيال فيتحقق شرط التراكم الضروري لإنجاز أيّ تطور أو تقدم في هذا المجال..}م66.

وصدرت في أواخر الثمانينيات، مجلة (لا)، وهي مجلة اختلفت عمّا صدر قبلها في نفس العهد – عهد معمّر القذّافي – ولكنها، توقفت بعد سنوات معدودة عن الصدور. صدر العدد الأوّل من مجلة (لا) في يناير/ كانون ثاني 1989م، وعرضت المجلة عدداً من الملفات الهامّة، وجملة من الاعتراضات والانتقادات دون التعرض لشكل النظام وشخص معمّر القذّافي. وبالرَّغم من جملة الملفات التي عُرِضت، والانتقادات التي طُرحت، إلاّ أن مجلة (لا) هي مجلة من صنع النظام حيث انطلقت فكرة تأسيسها من معمّر القذّافي شخصياً، وكانت إدارتها تخضع لإرادة السّلطة. 

ويرى الكاتب الليبي، الأستاذ/ سوف الوادني في مقالة نشرها عام 2002م في موقع (أخبار ليبيا) الذي يديره الأستاذ/ عاشور الشامس من لندن، بأن النظام هدف من مجلة لا، لفت أنظار..[.. المهتمين من العالم إلى إدعاءات الإصلاح، وإيهامهم بأن الانفتاح والتعدد والإصلاح وجد طريقه إلى دوائر الإعلام الليبيّة. أشرك القذّافي في هيئة تحرير المجلة بعض المثقفين والكتَّاب الذين ظلّوا سنوات طويلة في السجن، وآخرين من الكادر المحسوب على النظام.. د/ رجب أبودبوس، فوزية شلابي (وزيرة الإعلام سابقاً)، بالإضافة، إلى الكاتب المعروف الصادق النيهوم الذي انسحب من المجلة منذ عددها الثاني بحجة مقال بعث به، ولم ينشر بقرار باقي الأعضاء. وفي وقت ما، كانت مجلة لا، تدار من مكتب خاصّ للرّائد/ علي الكيلاني أحد ضبّاط الأمن الليبي..].             

ومن الملفات التي عرضتها المجلة: ملف (أطفال الإيدز بمدينة بنغازي)، وملف (حرية الصحافة)، فكتب الأستاذ/ إدريس ابن الطيب في العدد الخامس، السنة الثانيّة، الصادر بتاريخ 1 مايو/ أيار 1991م مقالة تحت عنوان: (الإعلام التلقين، أم الحوار).. وكتب الأستاذ/ سالم الهادي مسعود في العدد الثاني الصادر 1 يوليو/ تموز 1992م مقالة تحت عنوان: (الصحافة الليبيّة ميتة ومن يقول غير ذلك فهو مجامل).. وكتب الأستاذ/ عبد الرَّحمن الشاطر في العدد رقم (45) الصادر في أغسطس/ أب 1993م مقالة تحت عنوان: (الإعلام الليبي نفي حلم إبداع).. وغيرهم.        

قامت السّلطة بجملة من الإجراءات ضدّ عدد من الكتَّاب، بسبب خوفها من أتساع الرقعة المتاحة إلى مساحةِ يصعب التحكم فيها فيما بعد، حيث تمّت مضايقة بعض الكتَّاب ثمّ جر بعضهم إلى مكاتب الأمن الداخلي لإجراء التحقيق معهم، وهي الإجراءات التي أدّت، في نهاية المطاف، إلى قفل المجلة وإيقاف صدورها.

وفي عام 2007م.. صدرت في هذا العام صحيفتي: (قورينا (48) ) في بنغازي و (أويا) في طرابلس –  قورينا أو (Cyrene)، تعني مدينة (شحات) التي تقع على بعد 220 كم شمال شرق بنغازي، وأويا، تعنى طرابلس باللغة الرومانيّة القديمة – وهما، صحيفتان يصر مسئولوها على أنّهما قطاع خاص لا علاقة لملكيتهما بالدولة وأجهزتها بينما الواقع يقر بأنّهما ضمن مشروع (ليبيا الغد) التابع لـ(سيف الإسلام) نجل العقيد معمّر القذّافي.

وصحيح، أن صحيفتي أويا وقورينا اختلفتا من حيث الشكل والمضمون عن كافة الصحف والمطبوعات الأخرى بجماهيريّة القذّافي، ولكن، الصحيفتين تعملان وفق خطوط رسمها سيف الإسلام، وأهمها، ما أعلنه في خطابة الشهير بمدينة بنغازي يوم 20 أغسطس/ أب 2007م والذي جعل من معمر القذّافي خطاً أحمراً، بمعنى، لا يحق لأحد انتقاد معمر القذّافي حيث سمح سيف الإسلام بممارسة النقد في حدود لا تصل من قريب أو بعيد إلى شخص والده. 

وللأمانة.. هناك من يسعى للذهاب بخطوط السّلطة إلى ما هو أبعد من موانعها، فبعض المساهمين في مشروع (ليبيا الغد)، وصحيفتي (أويا وقورينا) تحديداً، حاولوا، ولازالوا يحاولون، توظيف الهامش المتاح وتوسيعه حتى تكون هناك نتائج ويتحقق ما يمكن البناء عليه. وبسبب توسيع دائرة المطالب والمطالبات، وتقديم القراءات الجريئة، تعرض السائرون في هذا الاتجاه، إلى متابعة وتحقيقات أجهزة الأمن الداخلي، بل، تعرض البعض منهم إلى تهديدات وصلت في حالات معينة إلى درجة التهديد بالقتل. والسّلطة لازالت مصرة ومتمسكة – وبقوة – بأجندتها، والمحاولون – ورغم كل شيء – لازالوا في طريقهم ماضون.                 

ومن جديد.. قامت مؤسسة القذّافي للتنمّية التي يرأسها سيف الإسلام القذّافي، في شهر أغسطس/ أب من عام 2007م، بتأسيس مؤسسة إعلاميّة كبيرة تحت إسم (شركة الغد للخدمات الإعلاميّة). وضمت هذه المؤسسة مجموعة من الشركات الإعلامية الخاصّة بالمطبوعات الورقيّة (صحف ومجلات)، ومحطّات إذاعيّة مسموعة ومرئية (إذاعة إف إم [FM]، الليبيّة الفضائيّة، وفضائيات أخرى). وقد، اختير الدّكتور/ محَمّد عبد المطلب الهوني لرئاسة مجلس إدارة الشركة، وعُين محمود أحمد البوسيفي مسئولاً عن الصحافة الورقيّة (أويا وقورينا)، بشركة الغد للخدمات الإعلاميّة.  

انطلقت أويا، وقورينا في الأوّل من شهر أغسطس/ أب عن (شركة الغد) التي تتبع سيف الإسلام معمّر القذّافي، وجاءت التعيينات في صحيفة (أويا ) على النحو التالي:

1 –  محمود أحمد البوسيفي، رئيساً للتحرير.

2 – جمال الزايدي، سعيد علي المزوغي، لإدارة التحرير. 

أمّا تعيينات صحيفة قورينا، فقد جاءت كمَا يلي:

1 – عز الدين عبد العاطي اللواج، رئيساً للتحرير.

2 – عبد المولى حسن المنفي، مديراً للتحرير. 

وعُقِدَ أول اجتماع لمجلس إدارة الشركة، والذي ترأسه الدّكتور/ محَمّد عبد المطلب الهوني (رئيس مجلس الإدارة شركة الغد للخدمات الإعلاميّة)، في مدينة طرابلس يوم الإثنين 30 رجب 1428 هجري الموافق 13  أغسطس/ أب 2007م، وبحضور جميع الأعضاء.

صدر العدد الأوّل الذي حمل رقم (صفر) من صحيفتي أويا بطرابلس ، وقورينا ببنغازي  يوم الإثنين 7 شعبان 1428 هجري الموافق 20 أغسطس/ أب 2007م. 

ومن جديد.. إنَّ الملك إدريس السّنوسي، سمح..{.. للمصلحين أن يتكلموا، وينقدوا الدولة والحكم، وشجع الصحافة، والنواب على قول كلمة الحق وحتى الذين يتجاوزون حدود القانون من المعارضة يعترفون بالمعاملة الحسنة التي يلاقونها من الشرطة فقد ذكر الأستاذ محَمّد بشير المغيربي أشد معارضي العهد الملكي، في كتابه وثائق جمعيّة عمر المختار ما يدل على ذلك وأكثر.

وإن من يدرس دور الصحافة في فترة الملك إدريس يلاحظ أنّها كانت حرَّة، ولكل شخص الحق في حرية التعبير عن رأيه، وفي إذاعة الآراء والأنباء بمختلف الوسائل، وذلك في حدود الحق الدستوري المنظم لقانون المطبوعات الذي ظهر عام 1959م.

كان قانون المطبوعات يشترط موافقة مجلس الوزراء على وقف إصدار الصحيفة ممّا أعطاها منعة وحصانة ضدَّ أيّ قرار تعسفي في حالة تفرد جهة معينة بذلك، وأعطت الحكومة الليبية زمن الملك السّابق رحمه الله حرية للصحف في مباشرة نشاطها دون تدخل أو تعويق إداري، ورغم أنه بدرت من الحكومة بعض الممارسات التعسفية في حق بعض الصحف إلاّ أنَّ طبيعة النظام الحاكم كانت دائماً تعطي مجالاً وبراحاً للأخذ والعطاء، كما أن دستورية المؤسسات تضمن للصحف والمجلات حقوقها، وعندما قامت الحكومة في عام 1952م بإغلاق صحيفة (التاج ) عارضت الصحيفة ذلك القرار، ورفعت دعوى ضدَّ الحكومة، وألقى الشاعر/ أحمد رفيق المهدوي قصيدة في تجمع لرفض القرار جاء فيها:

التاج يشكو لرب التاج مالاقى...  من الوزارة تعطيلاً وإغلاق

وزارة جاوزت مالا يطاق، فأكثرت... على الشعب إعناتاً وإرهاق

وقد نشرت القصيدة في اليوم التالي في جميع الصحف ولم يتعرض الشاعر لأيّ أذى، ويوم تعرضت صحيفتي ( البلاغ، والميدان) للإغلاق، ودخلت هذه الصحف في معارك قضائيّة عنيفة ضدَّ وزارة الإعلام، كانت هذه الصحف تدافع عن وجهة نظرها علانيّة أمام الجميع، وفي المحاكم.

كانت هناك نوعان من الصحافة: (حكوميّة وأهليّة):

أ – الصحافة الحكوميّة، من أشهرها (ليبيا الحديثة، برقة الجديدة، فزَّان، طرابلس الغرب) ومع كونها حكوميّة إلاّ أنّها لم تخل في مرَّات عديدة من نقد واضح للسّلطات الحاكمة، رغم كونها من أدواتها الإعلاميّة، ونذكر هنا بالقصيدة الشعبيّة التي نشرتها صحيفة حكوميّة:

(وين ثروة البترول يا سمسارة... اللى ع الجرائد نسمع بأخباره)

وقد تضمنت القصيدة رسالة جريئة وعنيفة في مهاجمة الحكومة.

ب – الصحافة الأهليّة، وهي قائمة على الشكل التجاري، فكانت تتلقى دعماً غير مباشر من الحكومة على هيئة (إعلانات – اشتراكات) وبقدر ما كان ذلك يشكل دعماً مالياً عُد بمثابة ضغط غير مباشر وربّما قيدها أحياناً عن التمتع بحرية كاملة وقد ساهمت في إنضاج الرأي العام المحلي وتوعيته سياسياً، وقد عرفت صحف كالبلاغ والرقيب بمقالاتها المنتقدة للحكومة، كمَا اشتهرت صحيفة (الحقيقية) بأسلوبها الساخر في تناول الحكومة والتعريف بمساوئها، ولم تتوان الصحف بما فيها الحكومية عن نقدها وفضحها لبعض مشاريع الدولة حتى تلك التي كان وراءها مقربون كالسيّد/ عبدالله عابد السّنوسي (مشروع طريق فزَّان)، حيث نشرت القصة لأوّل مرَّة في صحيفة المساء في 20 أغسطس/ أب 1960م، تقدمت المعارضة على أثرها بطلب إسقاط حكومة عبدالمجيد كعبار عن طريق البرلمان، وهو ما حدث في 16 أكتوبر/ تشرين أول 1960م..}م67

وأخيراً.. للصحافة الليبيّة تاريخ طويل ممتد إلى أن نصل إلى صحيفة (الحقيقة)، الحقيقة التي أغلق نظام معمّر القذّافي أبواب مقرها الكائن في البركة (الحميضة) بمدينة بنغازي في مطلع عام 1972م، واعتقل مدير تحريرها، الأستاذ/ رشاد الهوني... 

كانت (الحقيقة) عملاً ناجحاً متميزاً بكل المقاييس.. وكانت رائدة الكلمة الصادقة.. وتجمع الأقلام الرائعة.. ومجمع الأسلوب الرشيق والقصة المتكاملة.. ومكان الخبر والمعلومة المُتحرى عنهما.

ودخلت جريدة الحقيقة عام 1965م التاريخ الصحفي العربي، كونها استقبلت الصورة بالراديو، ووقتئذ، كانت هناك ثلاث دول عربيّة فقط تملك هذه الخدمة الجديدة، أو كمَا قال الكاتب محَمّد حمامة..[..في عام 1965 دخلت بنغازي التاريخ الصحفي عندما استقبلت الصحيفة أوّل صورة بالراديو حيث كانت ثالث مدينة عربيّة بها هذه الخدمة التي قدمتها صحيفة الحقيقة..].   

ولأن (الحقيقة)، في ذمة التاريخ، اخترنا من بين مقالاتها مقالة: (توارى في بيته المتواضع (49) !)، التي كتبها مدير تحريرها في أبريل/ نسيان 1968م، وهي ذات صلة بمادة الموضوع...            

رشاد الهوني يكتب عن الملك إدريس السّنوسي

كتب الأستاذ/ رشاد محَمّد البشير السّنوسي الهوني في أبريل/ نسيان 1968م مقالة عن الملك إدريس السّنوسي تحت عنوان: (توارى في بيته المتواضع !)، نقل فيها مشاعره ومحبته إلى الملك الفذ الذي نذر عمره وحياته لبلده وقضايا وطنه، والأب القنوع الزاهد الذي رفض الدنيا في سبيل خدمة وطنه وأبنائه.

كان رشاد الهوني يعلم أن الملك إدريس مع حرية الصحافة وأنّه يعتبرها المرآة التي تعكس نهضة أيّ شّعب ولا نهضة يراها بدونها. وكان، قد أطلع على رسالة الأمير إدريس السّنوسي التي أرسلها إلى الأستاذ/ صالح مسعود بويصير عام 1947م بمناسبة إصداره لمجلة (الفجر (50) )، والتي عبر فيها عن تقديره الخاصّ للعمل الصحفي ولدور الصحافة الحرَّة في حياة الأمم والشعوب. وتأكيده على ضرورة أن يلعب الشباب الدور المنوط على عاتقهم، ويعرفوا أنّ للشّعب حقاً لديهم، عليهم أن يؤدوه، وأن الصحافة أحدى الميادين لأداء هذا الدور والواجب.

وهذا، وقد نشر الأستاذ/ صالح بويصير رسالة الأمير في العدد الأوّل من مجلة (الفجر) الصادر بتاريخ 1 مارس/ آذار 1947م، وجاءت الرسالة على النحو التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيّد المحترم/ صالح مسعود بويصير

بعد التحية،،،،

الصحافة مرآة صافية لنهضات الأمم. وإذا كانت أمتنا قد حرمت نعمة الصحافة طيلة ثلث قرن، قضتها في مجالدة الاستعمار فأنّها لم تفقد شجاعة الفكر، وحرية الرأي اللتين هما الأساس الذي تنبني عليه فكرة الصحافة الناجحة.

ولقد سرني بعد عهد التحرير هذا أن ظهرت في بلادنا صحف عرفت كيف تعالج المشاكل وتصمد للأمور، وتوضح للشعب تطورات العالم في عصر الحرية الجديد. وأنّه لممّا يضاعف سروري أن يشرف على تحرير هذه الصحف المحليّة شباب من أبناء الوطن، عرفوا رغم صغر سنهم، أن للشّعب حقاً لديهم، عليهم أن يؤدوه، وأن الصحافة ميدان متسع لخبرتهم، وحسن توجيههم.

وقد سرني من جديد، أن يعزم رئيس تحرير (برقة الجديدة) الغراء على إصدار مجلة حرَّة يخلق فيها المتسع للفكر الحرَّ، والعقيدة الثابتة، والآراء التي من شأنها أن تنفع الوطن، وتنهض بشعبه.

وإنّي لأرجو لهذه المجلة الجديدة أن تزدهر في حياة طويلة، وأن تكون لساناً من ألسنة الشعب المرتفعة، وسيوله المندفعة، وأن تكون حقلاً للوطنيّةِ المخلصةِ، كمَا تعود الشّعب أن يجسد ذلك في تحريرات رئيسها ببرقة الجديدة.

آلا وأن النهضات الفكريّة خير سلاح الأمم في العصر الحديث، وإنّي لأربا بشعبي العزيز النبيل أن يكون دون غيره من الشعوب،،،

محَمّد إدريس المهدي السّنوسي  

ومن جديد.. لم ينافق رشاد الهوني (51) مليكه ولم يتملقه كمَا يفعل صحفيون كثر في بلدان أخرى، فهناك من الصحفيين من كتب ويكتب عن ملوك ورؤساء مقالات محشوة بإنجازاتِ ومزايا وصفات لا صلة لها بأولئك الحكام ولا علاقة لها بواقع حال بلدانهم. كتب الهوني عن ملك أحبه بصدق وإخلاص، واجتمعت كلمة الأمّة الليبيّة على شخصه الطاهر الشريف، فهو من قاد جهاد الليبيين المسلح ثمّ نضالهم السياسي حتى ظفرت ليبيا في ديسمبر/ كانون أوّل 1951م بإستقلالها العزيز.

أحب رشاد مليكه بصدق لأنّه كان ملكاً صادقاً مع نفسه وشعبه، ورافضاً للتهليل والتطبيل، فظل طول حياته يعمل في هدوء وصمت. فلم يرغم يوماً النَّاس على مبايعته، ولم يطلب يوماً من الشّعب النزول إلى الشوارع لتأييده أو التصفيق له. ولم يكثر من الكلام والخطابات، ولم يقم بجولات للاستعراض والدعايّة كمَا أنه ظلّ طيلة فترة حكمه زاهداً في كاميرات الصحافة والإعلام.  

لم يطلب الملك من رشاد الهوني أو يوحي له أن يمدحه ويكتب عنه.. ولم يسع رشاد الهوني من وراء كلامه إلى جاه أو سّلطة، بل، انطلق من حب مسكون داخل أعماقه ومغروس وسط أحشائه لملك من شجرة النسب الشريف، وقائد دحر المستعمر وحقق وحدة الوطن واستقلاله.

كتب رشاد الهوني عن الملك إدريس السّنوسي إقراراً بدور السّنوسيّة في التَّاريخ الليبي.. وتقديراً لما قدمه هذا الرجل الفذ لبلاده وشعبه.. واعترافاً بدوره الداعم لحرية الكلمة واستقلاليّة العمل الصحفي.. ووفاءً لعلاقة خاصّة ربطت آل الهوني بالعائلة السّنوسيّة منذ أمد بعيد.

فقد عاشت أسرة رشاد الهوني في المهجر إلى جانب الأمير إدريس السّنوسي، وتربى رشاد على محبة السّادة السّنوسيّين ومودتهم باعتبارهم من آل البيت، فمودتهم من مودة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( أذكركم الله في أهل بيتي، قالها ثلاثا ) رواه مسلم في صحيحة.

ولد رشاد الهوني في المهجر، حيث هاجرت أسرته إلى مصر إثر الاحتلال الإيطالي لليبيا. عاش هو وأسرته في المهجر في أجواء طنطا المشبعة بحلقات الذكر، ومنهاج الطرق الصوفية والرجال الصالحين، إلى جانب توسط هذه المدينة مدينتي القاهرة والإسكندرية الأمر الذي جعل أسرته على مقربة من الأمير إدريس السّنوسي الذي ظل طوال مدة إقامته في مصر يتنقل بين مديني القاهرة والإسكندرية.

تربى رشاد الهوني، ونشأ في بيت سّنوسي أباً عن جد، وفتح عينيه على ولاء ومحبة أسرته للسّادة السّنوسيّين، فجده اسمه (السّنوسي ) تبجيلاً وتبركاً بهذه العائلة الطاهرة الشريفة، وسمى والده إثنين من أخوته على السّادة السّنوسيّين، أحدهما سمّاه (السّنوسي) على مؤسس الطريقة السّنوسيّة، السيّد/ محَمّد بن علي السّنوسي (السّنوسي الكبير)، والثاني: (إدريس) على السيّد/ إدريس المهدي السّنوسي ثالث قادة الحركة السّنوسيّة وملك ليبيا الأوّل. والمعنى، هناك أسباب إضافية خاصّة لرشاد الهوني وأفراد أسرته، تجعلهم يحملون في أنفسهم أرقى أنواع الأحاسيس، وأسمى مشاعر الوفاء والإخلاص للملك إدريس المهدي السّنوسي والحركة السّنوسيّة.

قال الأستاذ/ سالم حسين الكبتي عن علم وثقافة والد رشاد الهوني وعلاقته بالسيّد أحمد الشريف، ما نصّه:..{..والد رشاد الشيخ المتوفي أواخر عام 1964م في طنطا. كان من الليبيّين القلائل المتنورين، مطلع القرن العشرين، الذين نالوا نصيباً وافراً من الثقافة والتعليم في مدارس الآستانة (عاصمة الخلافة) مع مجموعة من الشباب الليبي في الجهات الشرقية من ليبيا أوفدهم (أنور باشا) من ضمنهم: رمضان الطيَّار، عمران الجاضرة، عبد المالك بن علي، عمران نجم، حسين طاهر، بريغيت البرغثي، سعيد العبيدي، غيث إقدورة.. وغيرهم، واقترب في جزء من إقامته هناك من السيّد/ أحمد الشريف... المجاهد النبيل الذي حارب الفرنسيين والانجليز والطليان دفعة واحدة.

 .. للشيخ الهوني، الوالد، عدة مؤلفات أنجز طباعتها في مصر، منها: (ليس في الإمكان أبدع ممّا كان) و (النور الساطع والبرهان القاطع في الرَّد على المبشرين) و (البحث الجليل في تناقض آيات التوراة والإنجيل) و (الاتحاد الأوربي والغرض منه) و (مذكرات سائح) وسواها من المؤلفات.. }م68.

وقال الصحفي الأستاذ/ المهدي يوسف كاجيجى (الهوني) عن والد رشاد الهوني..{.. يوجد للعلاّمة الأستاذ بشير مليمدى الهوني، والد الصحفي الشهير رشاد بشير الهوني، أكثر من عشرة كتب في قائمة المخطوطات في دار الكتب والوثائق المصريّة.. سافر بشير مليمدى الهوني إلى الآستانة خلال فترة الحكم التركي، وانتقل منها إلى مدينة طنطا في مصر، وكتب في الأدب والفقه، ومن أطرف كتبه كتاب مغامرات سائح يحكى فيها كثيراً من الطرائف عن رحلته من مدينة هون إلى الآستانة.. والأستاذ بشير الهوني هو والد الصحفي الكبير الأستاذ محَمّد بشير الهوني، والمبدع رشاد الهوني رحمهما الله، وأيضاً، الموسيقى الملحن هاشم الهوني أطال الله في عمره...}م69.

أختلف رشاد الهوني مدير تحرير صحيفة (الحقيقة) مع سياسات بعض حكومات العهد الملكي، ونشر العديد من المقالات المعارضة لسياسات تلك الحكومات في صحيفة (الحقيقة) المملوكة بالشراكة بينه وبين محَمّد الهوني ًشققيه الأكبر. ولكنه، ظلّ طيلة حياته محباً للملك إدريس السّنوسي، ومفتخراً بما تحقق في عهده من إنجازات ماديّة،  ونجاحات في مجالات الصحافة وقطاع التعليم. 

كتب رشاد الهوني في عام 1968م عن لقاء تواصل وحب ووفاء جمع بين الملك إدريس السّنوسي وأبنائه الليبيّين باعتباره أباً للجميع أو..(.. أبانا الذي لم نعرف أباً سواه)، كمَا جاء بالنص في مقالته المعنونة بـ(توارى في بيته المتواضع).  

بعد ستة عشر شهراً من مقالته المُشار إليها، وفي فجر اليوم الأوّل من سبتمبر/ أيلول استولى ملازم في الجيش ومجموعة من رفاقه اللصوص، على السّلطة وأدخلوا البلاد في نفق مظلم كان رشاد الهوني يعتقد أن الشّعب الليبي في مأمن منه أيّ في مأمن من الإنقلابات العسّكريّة والصراعات الدّاخليّة التي مزقت أحشاء بلدان عدة من العالم.

شرع الإنقلابيون منذ الأشهر الأولى من استيلائهم على السّلطة في ..{.. إتخاذ جملة من الخطوات، والإعلان عن عدد من السياسات، وإصدار العديد من القرارات والتشريعات التي أدّت في النهاية إلى إغلاق كافة الصحف والمجلات التي كانت تصدر في شتى مناطق البلاد خلال العهد الملكي (أكثر من 35 صحيفة ومجلة يوميّة وأسبوعيّة) وتأميم الصحافة فيها، الأمر الذي أدّى إلى تضييق الخناق على الأدباء والكتَّاب والمثقفين وإلى حرمانهم حقهم في حرية التعبير، وإلى انصراف معظمهم عن الكتابة والإبداع الأدبي.

... قام النظام الإنقلابي في 17 يناير/ كانون الثّاني 1972م بتقديم (29) صحفياً و (12) إذاعياً إلى المحاكمة أمام (محكمة الشّعب العام) بتهمة إفساد الرأي العام خلال حقبة العهد الملكي.

ولم يكتف الإنقلابيون بذلك، فبعد لحظات من بدء المحاكمة أعلن رئيسها عن وقف إصدار جميع الصحف التي يمثُل أصحابها أمام المحكمة، ولم يكن القرار من قبل رئيس المحكمة يستند إلى أيّ أساس قانوني، ذلك أن قانون المطبوعات السائد يومذاك كان يستوجب صدور قرار التعطيل من المحكمة المختصة، ولم تكن المحكمة قد نظرت وقتئذ في تلك القضيّة...}م70.                

على أية حال.. كان رشاد الهوني من بين لـ(29) صحفياً الذين تمّ اعتقالهم في مطلع يناير/ كانون ثاني 1972م. ويبدو أن مقالة: (توارى في بيته المتواضع !) أثرت في نفوس الإنقلابيين تأثيراً بالغاً، فبعد اطمئنانهم على إحكام السّيطرة على البلاد، اعتقلوا رشاد الهوني وعدد من الأدباء والكتَّاب والمثقفين. ففي محكمة يناير/ كانون ثاني 1972م التي سماها الإنقلابيون (محكمة الشّعب)، وجهت تهمة: (تضليل الرأي العام) مع تهم أخرى للأستاذ/ رشاد الهوني، والتي ساقها له أعضاء مجلس الإنقلاب الذين ترأسوا هذه المحكمة غير الشرعيّة.

وقف رشاد الهوني في المحكمة موقفاً مشهوداً موثقاً مدافعاً عن مقالته، وعن علاقته بالملك إدريس السّنوسي، فقال: ( أنا عبرت عن مشاعري، ومشاعر النَّاس.. ولم أنافق أو أزور الحقائق..). 

رحم الله الملك إدريس السّنوسي والأستاذ/ رشاد الهوني.. ولندخل جميعاً، بعد الترحم عليهما، إلى بيت الملك إدريس السّنوسي المتواضع، ومن بوابة رشاد الهوني....              

نصّ مقالة: (توارى في بيته المتواضع !)

توارى في بيته المتواضع ! 

أتوا من كلّ مكان.

وجمعهم هدف واحد كبير.. ومشاعر ملهوفة واحدة.. وجاءوا من أبعد نقطة في أعماق صحرائنا البعيدة المترامية.

ومن المناطق الخضراء الممتدة على ساحلنا العظيم.. وانتفض الشوق الطويل العارم في صدور النَّاس.. وانتعشت في أعصابهم حياة جديدة شابة.. وغمرت الفرحة الوجوه والقلوب وتجمعوا كتلاً متراصة.. وصرخوا بأعماق رجل واحد هزه الشوق وغلبه الصبر الطويل.. فجاء الصراخ والهتاف.. وكأنه همسات مغموسة في حب أبدي دفين والتحموا وانفصلوا وتسابقوا.. كجنود جيش ظافر، يستقبلون قائد المعركة ومحقق النصر.

كلّ منهم يريد أن يقبله.. يصافحه.. يعانقه إلى الأبد.. وكلّ منهم يريد أن يكون نفساً من أنفاسه.. أو نبضاً في عروقه.. أو دقة من دقات قلبه العامر الكبير.

وشهدت ليبيا لأوّل مرَّة منذ الاستقلال.. مهرجانات حب وفرح في كلّ مكان.

وشهد العالم من حولنا صوراً من العاطفة لا يعرفها أو يتوقعها عصرنا المادي الذي نعيشه.

صور اللقاء بين الأب وأبنائه.. وبين الجند وقائدهم.. بين الأسرة وعائلها القنوع الزاهد.

والتقوا به.. فغمرهم بحنانه وحدبه.. وغمروه بولائهم ومحبتهم.

والتقوا بعشرات السنين من الإعداد والكفاح والتضحية من أجلهم.

والتقوا بإرادة غالبة قادرة.. عصفت بأحلام المستعمرين وأطماعهم.. والتقوا به.. رجلاً مارداً نذر نفسه وحياته لبلده وقضايا وطنه.. وتعلم حب الوطن وترعرع عليه.. ونهض منذ شبابه الغض بمسؤوليته الخالدة.

قاد المعارك.. وعانى مرارة الهجرة.. وجمع صفوف المواطنين المتناثرين هنا.. وهناك.. وعارك الزمن والظروف.. وصارع الساسة والمتربصين .. حتى تحققت الأمنية الغالية.

توارى في بيته المتواضع.. ليبدأ معركة أشد بأساً.. وأعظم خطورة من معارك القتال.. معركة البناء.. داخل ظروف مغرقة في البؤس والفقر.. وبين أطماع متربصة بالشّعب المحتاج.

معركة الحرية.. وصراعها مع الخبز والقوت.

ومعركة الوحدة.. والشّعب المشتت رغم انفه.

توارى في بيته المتواضع.. ليواصل كفاحه.. دون توقف.. ويواصل قيادته في هدوء تحتاجه المعركة الجديدة.

لم ينزل إلى الشوارع طلباً للهتاف والتصفيق..

ولم يزاحم ساسة العالم في الاجتماعات الدوليّة.. استدراراً لزَّعامة خارج بلده.

ولم يزحم بيته المتواضع بأكثر من حاجته الشخصيّة القنوعة.

ولقد كان قادراً أن يفعل هذا كله.. ولكن رسالته لم تكن لتقف عند حدود الانتصار في معركة واحدة.. ثمّ الاستمتاع بثمرة هذه المعركة.

كانت رسالته ذات مثل.. وذات أهداف.. وذات أسلوب خاص متميز.

رسالة مستمرة خالدة.. ترعى مشاكل الوطن القديمة والجديدة.. والمتوقعة.. وتحقق الخير والنماء في الحاضر والمستقبل.

رسالة لا تخدم الراعي بقدر ما تخدم الراعية.. وتسهر على مصالحها.

رسالة تستمد نصوصها وتفاصيلها من حركة الشّعب الهادرة على طريق التشييد والبناء.

رسالة تفرض على صاحبها أن يبذل دون أن يسترد.. ويعطي دون أن يتوقع الأخذ.. ويتنازل عن راحته واحتياجاته في سبيل أن يحقق الكفاية والعدل والطمأنينة والاستقرار للذين يلتفون حوله ويؤمنون بقيادته.

ولهذا.. بقى الإدريس زاهداً في المتاع.. كزهده في الدنيا وبهرجها.. بقى حارساً لا يسمح لأحد أن يغرر بشعبه عن طريق الأحلام والأماني والشعارات.

بقى حامياً لا يسمح لأية مجموعة أن تقتسم مكاسب الشّعب وحقوقه.

وبقى رمزاً لنمو هذا الشّعب، ونجاحه.. وانتصاراته.

كلّ ما حققناه.. وكلّ نعمة وصلت إلينا.. وكلّ بناء قام أو مدخنة ارتفعت أو أرض زرعت وأثمرت.. أخذت حاجتها من عمر الإدريس ومن صبره ومن جهوده.

ملامح وجهنا هي ملامح الإدريس.. وقوتنا مستمدة من قوته.. وإصرارنا على النجاح والتفوق، جزء من إرادته التي حققت المعجزات.

ورغم الهزة العنيفة التي صاحبت انتقال شعبنا من مرحلة الضيق إلى مرحلة الرخاء.. ورغم أننا تغيرنا كأفراد وجماعات، إلاّ أن الإدريس بقى كمَا هو في بيته المتواضع واحتياجاته الشخصيّة القنوعة.. يرقب حركتنا المتغيرة، ويضع أسس العدالة والتوازن، حتى لا ينحرف فرد أو مجموعة، وحتى لا تقوم في البلد طبقات تثرى على حساب الفقراء، وحتى لا تتكون في بلادنا فئات تصنع رفاهيتها من جلود المواطنين.

لذلك بقيت ليبيا وطناً مأموناً ومستقراً، في حين أن مثيلات ليبيا من البلدان التي مرت بانتقالة شبيهة، وقعت فريسة الرفاهية والموت بالتخمة، والضنك والموت بالجوع.

بقى الإدريس متوارياً في بيته المتواضع، ولكنه يتجاوب وينفعل بكل صغيرة وكبيرة تطرأ في وطنه وبين رعيته.. فقد كان بحكمته وعبقريته، يعرف أن شعبه يمر بأدق مراحل حياته وأكثرها حساسية وخطورة.

ففي وقت ضجت الدنيا بالمعارك الحزبيّة والإنقلابات العسّكريّة والتمزق الدّاخلي كان الشّعب الليبي يعيش آمناً مطمئناً داخل أراضيه، وكانت مسيرته نحو المستقبل مصحوبة بالاستقرار والحب والتعاون.

وبعد ستة عشر عاماً من العملِ داخل مرحلة الإستقلال.

ورغم أن الشّعب يلتقي بقائده مئات المرَّات في كل يوم.. من خلال الإنجازات العظيمة التي شهدتها بلادنا. إلاّ أن الشّعب أصر على أن يلتقي بقائده.. يلتقي بالأب الزاهد القنوع.. الذي رفض الدنيا في سبيل خدمة وطنه وأبنائه. 

يلتقي بالروح العظيمة الصابرة التي ضربت أعظم الأمثلة في الكفاح والإرادة العاصفة بالضعف.

يلتقي بذكريات النضال وذكريات النصر الماثل في كل بقعةِ من أرضنا الواسعة الكبيرة.

يلتقي بالرمز، وبالمثل العليا، وبالقيادة الشريفة الباسلة.

لقاء الفرحة الكبرى.. ولقاء الشوق الغامر.. ولقاء الخير والرخاء الذي تحقق على يدي القائد الفذ.

خرج الإدريس من بيته المتواضع إلى بيوت أبنائه المترامية في كلّ مكان. خرج ليلتقي بهم في مهرجانات شعبيّة لم تشهد بلادنا مثيلاً لها في تاريخها الطويل.

ولم تشهد بلدان أخرى غير بلادنا.. مثل هذه الرابطة المتينة التي تصل بين القائد وجنوده وبين الأب وأبنائه.

ولم يشهد العالم كله مثل هذا الحب ومثل هذا الولاء ومثل هذه اللهفة النابعة من القلوب.. في لقاء بين الشّعب ومليكه.

خرج الإدريس ليلتقي بأبنائه.. بجنوده القدامى، وجنوده الجدد، ويعطي بركته، ويطفئ ظمأهم وشوقهم إلى رؤيته ولقائه.

خرج إليهم وابتسامة الأب السعيد، تشع في وجهه الطيب.. وجه ليبيا.. ووجه تاريخها الناصع.

خرج إليهم..

وخرجوا إليه.. ولم تعد كلماتي قادرة على ترجمة معاني اللقاء.

حفظه الله.. وأطال في عمره.. أبانا الذي لم نعرف أباً سواه.

رشاد الهوني

صحفية (الحقيقة) / العدد (768)

يوم السبت 22 محرم 1388 هجري

الموافق 20 أبريل/ نسيان 1968م.  

ملاحظات وإشارات هامّة

47) الفترة الواقعة بين فبراير/ شباط 1943م إلى نوفمبر/ تشرين ثاني 1949م: هي المرحلة التي يمكن تسميتها بمرحلة حكم الانتداب، وقد جاء في مقالة للأستاذ/ إبراهيم عبدالعزيز صهّد حول هذين التاريخين ما يلي:..[..في فبراير 1943م تمكن الجيش الثامن من احتلال برقة وطرابلس، وتمكنت القوّات الفرنسيّة من احتلال فزَّان، وتمّ بذلك طرد قوّات المحور بصورة نهائيّة من كامل الأراضي الليبيّة. كان ذلك يعني، إنتهاء حقبة استعمار إيطاليا الذي دام أكثر من ثلاثين عاماً. وقد أقيمت في ليبيا ثلاث إدارات عسكريّة هي: إدارة برقة وإدارة طرابلس وتولتهما بريطانيا، وإدارة فزَّان وتولتها فرنسا.

وفي جلسة الجمعيّة العامّة (250) المائتين والخمسين المنعقدة بتاريخ 21 نوفمبر 1949م، عُرض مشروع القرار الموصى به من اللجنة السياسيّة، وأُقر بأغلبية (49) صوتاً ضدًّ لا أحد وامتناع (9) دول عن التصويت. وحمل القرار الرقم (289 – الدورة الرابعة). ويقضي القرار، بأنّ تصبح ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة، وتنفيذاً لهذا القرار، عينت الجمعيّة العامّة (Adrian Pelt ) السيّد أدريان بلت (مساعد الأمين العام للأمم المتحدة) مندوباً للأمم المتحدة في ليبيا، وتمّ تشكيل وفد الأمم المتحدة الخاصّ بليبيا من مندوبين عن كلّ من: الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، مصر، باكستان، إيطاليا، وممثلين عن برقة وطرابلس وفزَّان، ومندوب يمثل الأقليات..]. 

 أنظر إلى مقالة الأستاذ/ إبراهيم عبدالعزيز صهّد المعنونة: (معركة الاستقلال... صراع من أجل الحريّة والوحدة والسيادة)، والمنشورة في ملف (الإستقلال) في موقع (الإنقاذ) لسان حال تنظيم (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا).

48) قورينا: تقول الأسطورة اليونانيّة حول بناء مدينة قورينا (Cyrene).. كانت هناك فتاة يونانيّة جميلة جداً، أسمها (قورينا)، وفي ذات يوم، تصارعت هذه الحسناء مع أسد كبير، فجاء إليها شخص يدعى (أبولو) فقام بخطفها وحملها إلى ليبيا لتصبح ملكة عليها، حيث أنشأ (أبولو) مدينة لهذه الحسناء اليونانيّة وأطلق أسمها على المدينة، وهذه المدينة هي المدينة التي يعرفها الليبيّون اليوم بإسم مدينة (شحات)، والتي تقع على بعد 220 كم شمال شرق بنغازي. وحسب قول علماء الآثار، فأن مدينة شحات أيّ (قورينا) تعد أجمل أو من أجمل المدن الأثرية في العالم.    

49) توارى في بيته المتواضع: تحصلت على نسخة مكتوبة بخط اليد من مقالة: (توارى في بيته المتواضع !) التي نشرها الأستاذ/ رشاد الهوني في صحيفة (الحقيقة) في عددها الصادر بتاريخ 20 أبريل/ نسيان 1968م، ولم أتمكن من الحصول على الصحيفة الأصلية أو نسخة منها. قررت إعادة نشر هذه المقالة في وقفة خاصّة بها نظراً لإعجابي الشديد بها، وإنّي اعتبرها من أجمل المقالات الصحافية التي كتبت عن الملك إدريس السّنوسي طيب الله ثراه، واسكنه فسيح جناته. وهذه، هي المرَّة الأولى التي يعاد فيها نشر مقالة: (توارى في بيته المتواضع !) بعد نشرها في جريدة (الحقيقة) في أبريل/ نسيان من عام 1968م.     

50) مجلة الفجر: أصدر الأستاذ/ صالح مسعود بويصير، العدد الأوّل من مجلة (الفجر) في 8 ربيع الثّاني 1366 هجري الموافق 1 مارس، آذار 1947م. كان بويصير هو صاحب الامتياز، ورئيس التحرير المسئول للمجلة، أمّا مقر المجلة فكان في مبنى بشارع عمر المختار في مدينة بنغازي.   

تفضل صاحب سمو الأمير إدريس السّنوسي بالكلمة المنقولة أعلى الصفحة مرحباً فيها بمجلة (الفجر) في باكورة حياتها. وجعلت (الفجر) من الشطر الأخير الذي جاء في الرسالة، عنواناً للكلمة الأميريّة الكريمة التي خصها الأمير بها. نشرت المجلة كلمة الأمير تحت عنوان: (آلا وأن النهضات الفكرية خير سلاح الأمم في العصر الحديث، وإنّي لأربا بشعبي العزيز النبيل أن يكون دون غيره من الشعوب).

51) رشاد الهوني: ولد في طنطا بمصر يوم 31 ديسمبر 1937م. عمل بإذاعة بنغازي، ومصلحة المطبوعات الاتحاديّة، والجامعة الليبيّة مسجلاً لكلية الاقتصاد والتجارة. فازت أوّل قصصه (الأرض) التي نشرها في أواخر الخمسينيات بجائرة أدبية رفيعة.  

كتب رشاد الهوني الشعر، والقصة، وأبدع في كتابة المقالة الصحفيّة وإدارة العمل الصحفي حيث كانت صحيفته (الحقيقة) من أفضل الصحف الليبيّة في ستينيات القرن المنصرم. أسس رشاد وشقيقه محَمّد بشير الهوني (رحمه الله) جريدة (الحقيقة) في 7 مارس/ آذار 1964م، وكانت (الحقيقة) حتى نهاية فبراير/ شباط 1966م مملوكة لأخيه وحده حيث أصبح رشاد شريكاً في ملكيتها اعتباراً من 7 مارس/ آذار 1966م.

كان رشاد الهوني من الكتَّاب الليبيّين القلائل الذين حاولوا، ومنذ وقت مبكر جداً، تعميق مفهوم الوطنيّة، والدعوة إلى بناء الشخصيّة الليبيّة، وتأصيل القيم المميزة لها.. وهدف من وراء هذا المشروع والتوجه: تعزيز قيم الوطنيّة والانتماء إلى الوطن، حيث، لم يكن هدفه من وراء ذلك: عزل ليبيا والليبيّين عن المحيط العربيّ والإسلامي أو يقصد هو وزملائه..[.. الدعوة إلى الانعزاليّة أو الانسلاخ عن العروبة والإسلام، بل، كان يرى بأن (مزيداً من المحليّة.. تعنى المزيد من العالميّة)..]، كمَا قال الأستاذ/ سالم الكبتي.    

نشر رشاد الهوني معظم إنتاجه من مقالات صحفيّة، وقصص قصيرة، وشعر في جريدة (الحقيقة)، وحرر بابه الأسبوعي (من يوم ليوم)، بالإضافة إلى منصب مدير تحرير الصحيفة الذي شغله حتى مطلع عام 1972م. أصدرت (محكمة الشّعب) حكماً بإيقاف الصحيفة، وهو الحكم الموافق والموائم مع سياسات الإنقلابيين في تجريم الحزبية، وتحريم التظاهر والاعتصام، وإلغاء النشاط الخاص.. وهو الحكم الذي تُرجم في قانون (تنظيم الصحافة/ قانون 120 لسنة 1972م)، والصادر في 17 يونيه/ حزيران 1972م، والذي اشترط (الإيمان بالثورة والالتزام بأهدافها) كقاعدة أساسيّة لممارسة العمل الصحفي، ثمّ القانون الصادر في 14 سبتمبر/ أيلول 1972م، والقاضي بإنشاء (المؤسسة العامّة للصحافة)، والهادف إلى جعل الصحف وسائر المطبوعات وما يخصها من دعاية ونشر وتوزيع تحت سيطرة وإدارة وملكيّة المؤسسة الحكوميّة سالفة الذكر. 

تعرض رشاد الهوني للسجن والمحاكمة مرتين من قبل محكمة عسّكريّة غير شرعية، وغادر البلاد في عام 1973م رافضاً قوانين التأميم والمصادرة والإقصاء، وبقى في منفاه حتى 1988م. تنقل خلال هذه الأعوام بين بيروت ولندن والقاهرة، وأسس في لندن صحيفة (العرب)، ومجلة (الغد)، وأصدر بالتعاون مع صديقه الكاتب/ الصادق النيهوم عن دار الشورى سلسلة (مكتبة في كل بيت) تضمنت: وطننا، عالمنا، صحراؤنا، أطفالنا، و(طعامنا) الذي أعدته زوجته، السيّدة الإعلاميّة/ حميدة البراني.

بعد شهور قليلة من عودته إلى ليبيا، وتحديداً في 24 يناير/ كانون الثاني 1989م، قدم مقترح بشأن إنشاء صحيفة يوميّة مستقلة، وقابلت سلطات نظام معمّر القذّافي مقترحه بالرفض المطلق كشأنها دائماً، ومنذ اليوم الأوّل من إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م.

اعتزل العمل الإعلامي والكتابة الصنعة التي..[..كان من كبار مبدعيها.. وأروع روادها..]، كمَا قالت زوجته السيّدة حميدة سعيد البراني. وظلّ متألماً حزيناً، يراقب المشهد بكل أسف وأسى من بيته حتى ساعة انتقاله إلى جوار ربه في خريف عام 1993م.

توفي رشاد الهوني يوم السبت الموافق 2 أكتوبر، تشرين أوّل 1993م ودفن بمقبرة (الهواري) جنوب مدينة بنغازي. 

لمزيد من المعلومات والتفاصيل راجع كتاب الأستاذ/ سالم حسين الكبتي المعنون: (زيت القناديل / رشاد الهوني .. سيرة ونصوص) الصادر عن دار ومكتبة الفضيل، عام 2006م.    

مصادر ومراجع

م64) الأستاذ/ محمود محَمّد الناكوع – مقالة: (الصحافة الأدبيّة في ليبيا.. تاريخ حافل من النجاح والإخفاق) – صحيفة (القدس) اللندنيّة الصادرة بتاريخ 29 يونيه/ حزيران 2006م.   

م65) نفس المصدر السّابق.

م66) الأستاذ/ إبراهيم حميدان – مقالة: (الحقيقة الغائبة عن زيت القناديل)، المنشورة في موقع (ليبيا جيل) الصادرة بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون أول 2007م.  

م67) الدّكتور/ علي محَمّد الصلابي – الحركة السّنوسيّة في ليبيا .. وسيرة الزعمين محَمّد إدريس السّنوسي وعمر المختار/ الجزء الثالث – صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الأفريقي موقع (الشبكة الليبيّة).

م68) الأستاذ/ سالم حسين الكبتي – كتاب: (زيت القناديل / رشاد الهوني .. سيرة ونصوص) – الصادر عن دار ومكتبة الفضيل، عام 2006م. 

م69) الأستاذ/ المهدي يوسف كاجيجى – مقالة: (هون.. والهوني) – صحيفة (العرب) اللندنيّة الصادرة يوم 18 أبريل/ نسيان 2008م.

م70) الجزء الأوّل من كتاب: (انتهاكات حقوق وحريات الإنسان الليبي في ظل النظام الإنقلابي / سبتمبر (أيلول) 1969م – 1998م )– الصادر عن (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا) في 1419 هجري الموافق 1999م.   


الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home