Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

الأثنين 7 يوليو 2008

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج
بقلم : الصادق شكري
الجزء الثّالث
الحلقة السادسة ( 6 مِنْ 10 )

بسم الله الرحمن الرحيم

شعبي الليبي العزيز،،، 

السلام عليكم،، 

أحمد الله تبارك وتعالى الذي أسعدني بالحظ أن أتحدث إليكم في هذه المناسبة السعيدة ألا وهي الذكرى العاشرة لإعلان إستقلال بلادنا العزيزة، فأنِي أهنئكم من صميم قلبي وأهنئ نفسي الذي أنعم الله عليّ بالحياة حتى هنأتكم بالذكرى العاشرة للإستقلال. وقد لا يسعدني بهذا الحظ في المستقبل بأن أتحدث  إليكم في مناسبة كهذه فأود أن أسدي إليكم النصح – إنّما الدين النصيحة – وأوصيكم بتقوى الله في السر والعلانية، وأن تشكروه على أن  أولاكم من نعمة الإستقلال والحرية في بلادكم (وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة)، والشكر ليس باللسانِ فقط، ولكنه، بأتباعِ أوامره والإنتهاء عمّا نهى عنه، والتعاون عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ( وتََعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )، فإن كفر النعمة موجب لزوالها وقال تعالى: (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوادع: (أن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا فليبلغ الحاضر الغائب ورب مبلغ أوعى له ممن سمع). ففي أتباع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاة من سوء المغبة، وأوصيكم بأن تحافظوا على الإستقلالِ الذي جاهدتم من أجله زمناً طويلاً وقاسيتم من أجله عذاباً مريراً كمَا أوصي أولى الأمر منكم بالعدل والإنصاف وكلكم راع ومسؤول عن رعيته. كمََا أوصي عامتكم بالطاعةِ لأولى الأمر منكم (ولا طاعة لمخلوقِ في معصيةِ الخالق)، (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ).

أخواني،،،

إذا كانت السنوات العشر الماضيّة سنوات كفاح في سبيل العيش فأن السنوات المقبلة ستعم بالرخاء بإذن الله تعالى بما منّ الله علينا من خيرات أراضينا، ولكن، الكفاح من الآن لن يكون أقل صعوبة من كفاح السنوات العشر الماضيّة، فللرخاء مشاكل يتحتم علينا جميعاً مواجهتها وحلها بما يعود على الشّعب الليبي في مجموعه بالرخاء والتقدم وللوصول إلى هذه الغاية يجب علينا التسلح بالأخلاق الكريمة والتمسك بأهداب الشريعة.

أن من النتائج السيئة التي يحملها الرخاء معه ميل النَّاس إلى حب الثراء والانغماس في الملذات والبذخ والإفراط والميل إلى الراحة والكسل فهذه كلها أسباب ضعف وإنحلال أحذركم من مغبتها، وأوصيكم باجتنابها، وليكن رائدنا الإخلاص لديننا ووطننا وشعبنا، وأسال الله أن يعيد هذا العيد عليكم باليمن والخير والرفاهية والاستقرار.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خطاب الملَك إدريس السّنوسي يوم 24 ديسمبر/ كانون أوّل 1961م بمناسبة الذكرى العاشرة لإستقلال ليبيا.

الحلقة السادسة:

تجدر الإشارة إلى أن فكرة السيادة الوطنيّة تشكلت في الوجدان الوطنيّ الليبي..{.. منذ السنوات الأولى للغزو الإيطالي.. فحتى وإن كان الثابت أنّ بواعث الليبيين في ردّ الغزاة الطليان بادي الأمر انحصرت في الدَّفاع عن النفس والعرض والممتلكات، واستجابة لواجبات الدين في ردّ الغزاة والذود عن ثغر من ثغور الأمّة، غير أن معاهدة لوزان سنة 1912م، التي بموجبها سحبت تركيا قوَّاتها من إقليمي برقة وطرابلس، أضافت بعداً جديداً في منطلقات الجهاد وغاياته.. فالمعاهدة تركت الليبيّين يواجهون مصيرهم لوحدهم، الأمر الذي أوقد فكرة السيادة في الوعي السياسي الوطنيّ.

لقد دفعت المعاهدة الزعماء الوطنيين في الإقليم الطرابلسي إلى مشاورات ومداولات حول الاستقلال والسيادة أدَّت إلى ولادة الجمهوريّة الطرابلسيّة سنة 1918م.. وفي برقة سارعت الحركة السّنوسيّة – بعد المعاهدة مباشرة – بالبدء في توقيع مراسلاتها الرسميّة باسم (الحكومة السّنوسيّة) كمظهر من مظاهر السيادة الوطنيّة.

كلا مشروعي السيادة لم يدم طويلاً.. بيد أنّ الفكرة لم تندثر، بل تطورت، لتتأصل مطلباً في الوجدان السياسي، وتتكرس أملاً وطموحاً في وعي أبناء الوطن.. وغدت تُقدَّم في المحافل السياسيّة المحليّة والإقليميّة والدوليّة، وتطرح على موائد المفاوضات والمباحثات المتعلقة بالشأن الليبي، والأهم من هذا، أنّ الاستقلال والسيادة صارا مشروعاً تصدر البرامج السياسيّة للحركات والأحزاب الفاعلة آنذاك.. ثمّ أخذت الفكرة تنمو وتنداح في الأقاليم الثلاثة إلى أن نضجت، وتطورت من أمل في استقلال الأقاليم فرادى، إلى مطالبة بميلاد دولة ذات سيادة تُظل تحت رايتها طرابلس وفزَّان وبرقة مجتمعة..}م54

على أية حال.. اجتمعت الرموز الوطنيّة وزعماء الأحزاب والأعيان والقادة السياسيين في الأقاليم الثلاثة (برقة وطرابلس وفزّان)، واتفقوا على مجموعة من المبادئ والأسس، وكيفية اختيار أعضاء الجمعيّة واللجان وهيئات التنسيق (37). اتفق المجتمعون على الكيفيّة التي سيتم بها اختيار وتشكيل اللجنة التحضيريّة المقترحة من قبل  أدريان بلت ( Adrian Pelt ) مندوب هيئة الأمم المتحدة. وقرروا أنّ تتكون اللجنة التحضيريّة من (21) واحد وعشرين عضواً، يكون نصيب كلّ إقليم (7) سبعة من المندوبين، وهي اللجنةُ التي عرفت فيما بعد بـإسم (لجنة الواحد والعشرين). وأسندت إلى هذه اللجنة، إتخاذ الترتيبات اللازمة والضروريّة لانتخاب جمعيّة وطنيّة تأسيسيّة يناط إليها مهمّة وضع دستور الدولة المستقلة. وتُركت لكل إقليم حرية الاختيار في الكيفيّة التي سيتم بها تعيين ممثليهم السبعة في اللجنة التحضيريّة. واتفق زعماء برقة أنّ يختار الأمير إدريس السّنوسي ممثليهم السبعة في اللجنة التحضيريّة، واسندَ زعماء فزَّان هذه المهمّة إلى زعيمهم الشيخ/ أحمد سيف النصر. أمّا إقليم طرابلس،  فقد كُلف السيد/ أدريان بلت ( Adrian Pelt ) كحل وسط باختيار مندوبي الإقليم نظراً لتضارب الآراء والصراعات الحادة الدائرة وقتئذ بين الزَّعامات الطرابلسيّة.

كانت المهمّة الأساسيّة الأولى بالنسبّة للجنة (21) الواحد والعشرين، هي تشكيل الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة. وعقدت اللجنة أوّل اجتماعاتها في 27 يوليو/ تموز 1950م، وأقرّت نظامهـا الدّاخلي، وانتخبت الشيخ/ محَمّد أبوالأسعاد العالم مفتي طرابلس رئيساً لها، والسيّد/ محَمّد عثمان الصّيد، والسيّد/ خليل القلال، سكرتيرين. وقد دارت في أولى اجتماعات اللجنة نقاشات حادة حول: عدد أعضاء الجمعيّة، ونصيب كلّ إقليم من الأعضاء.. الكيفيّة التي سيتم بها اختيار أعضاء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة، أهو عن طريق الانتخاب أم التعيين !؟. واتفق المجتمعون في النهايّة على أنّ...{.. تتألف الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة من (60) ستين عضواً يمثلون المناطق الثلاث على أساس التساوي العددي بمعدل (20) عشرين ممثلاً لكلّ منطقة، على أنّ يتولى الأمير إدريس السّنوسي اختيار ممثلي برقة، والشيخ/ أحمد سيف النصر ممثلي فزَّان، وعلى أنَّ يعهد إلى الشيخ/ محَمّد أبو الأسعاد العالم (المفتي) اختيار ممثلي طرابلس بعد التشاور مع الأحزاب والزَّعامات القائمة بالمنطقة. كمَا أجمعت اللجنة على ألا يسمح للأقليات غير الوطنيّة أنّ تشترك في الجمعيّة الوطنيّة أو تمثل فيها. واتفقت اللجنة على أنّ تعقد الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة أولى جلساتها في طرابلس في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 1950م، ويترك لها بعد ذلك أنّ تقرَّر جلساتها التاليّة حيثما شاءت....}م55.

ويذكر، أن الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة، قد تكونت بناءً على توصيّة أصدرتها الجمعيّة العموميّة بهيئة الأمم المتحدة في 21 نوفمبر/ تشرين ثاني 1949م، تشترط وضع دستور لليبيا قبل الشروع في تنفيذ قرار الإستقلال الصادر عن هيئتها الأمميّة. وجاء نص التوصيّة كمَا جاء في كتاب شيخ المؤرخين العرب الدّكتور/ نقولا زيادة كذلك في كتاب: (ليبيا الحديثة ) للدّكتور/ مجيد خدوري، كالآتي:..[..أنّ يوضع دستور ليبيا بما فيه شكل نظام الحكم والحكومة بواسطة ممثلي السكّان في برقة وطرابلس وفزّان الذين يجتمعون ويتشاورون في هيئة جمعيّة وطنيّة ..].

على أية حال.. عقدت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة أول اجتماعاتها يوم 27 نوفمبر/ تشرين ثاني 1950م، وعُرضت على أعضاء الجمعيّة مسودة لائحة داخليّة كانت قد أعدتها لجنة فرعيّة، وقد تمت الموافقة بالإجماع على اللائحة المعروضة، وهي اللائحة التي أقرت آلية إتخاذ القرارات، بأغلبية ثلثي الحاضرين. وتقرر في هذا الاجتماع، كذلك، أن تؤلف هذه الجمعيّة، الحكومة الليبيّة المؤقتة في أقرب وقت ممكن، على أن لا يتجاوز ذلك شهر أبريل/ نسيان من عام 1951م وفقاً لقرار الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة الصادر بتاريخ 17 نوفمبر/ تشرين ثاني 1950م بشأن تأليف حكومة ليبيّة مؤقتة بهدف ضمان نقل السّلطات تدريجياً من أيدي الإدارتين البريطانيّة والفرنسيّة الحاليتين إلى أيدي الليبيّين.

ويذكر، أنّ الجمعية الوطنيّة التأسيسيّة..{.. قررت في 24 مارس/ آذار 1951م إيفاد وفد من عشرة أشخاص من أعضائها للسفر لبنغازي، للتشاور مع الملك إدريس السّنوسي حول تشكيل الحكومة الليبيّة المؤقتة، وقد عاد هذا الوفد مزودّاً بإرشادات الملك وموافقته حول هذا الموضوع..}م56.

تمّ الإعلان عن الحكومة الليبيّة المؤقتة في 29 مارس/ آذار 1951م، وهي الحكومة التي ترأسها محمود أحمد المنتصر، والتي استمرت حتى يوم إعلان الإستقلال في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر/ كانون أوّل من عام 1951م.    

ومن ناحية ثانية.. عقدت (لجنة العمل) التابعة إلى (لجنة الدستور) يوم 11 ديسمبر/ كانون الأوّل 1950م أول اجتماعاتها، ويذكر أنّ (لجنة العمل) شرعت في إنجاز التالي:

{ 1 – قامت (لجنة العمل) بترجمة ودارسة دساتير (12) اثنتي عشر دولة اتحاديّة.

2 – شرعت (لجنة العمل) في إعداد فصول الدستور الاثنى عشر، وكلما فرغت من إعداد أحد الفصول أحالته على (لجنة الدستور) لمناقشته ولإقراره بشكل مبدئي قبل عرضه على الجمعية الوطنيّة التأسيسيّة.

3 – بعد تمام (96) اجتماعاً عقدتها (لجنة العمل)، و (25) عقدتها لجنة الدستور كانت مسودة الدستور [ بموادها التي بلغت (213) مادة ٍ] جاهزة أمام الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة...}م57.                                  

بدأت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة في اجتماعاتها المنعقدة بمدينة طرابلس في العاشر من سبتمبر/ أيلول 1951م، ثمّ انتقلت جلسات المناقشة والإقرار إلى مدينة بنغازي بناءً على طلب من إدريس السّنوسي الملك المقبل للبلاد،  وذلك تجنباً لأعمال التشويش والعرقلة التي كانت الأحزاب السياسيّة تقوم بها خارج قاعة الاجتماعات والضغوط الممارسة من بعض الحزبيين على أعضاء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة. انتقلت اجتماعات الجمعيّة إلى مدينة بنغازي، وبدأت الجلسات في الانعقاد في يوم 29 سبتمبر/ أيلول. 

انتهت الجمعيّة الوطنيّة الليبيّة في الأسبوع الأوّل من أكتوبر/ تشرين أوّل من سنة 1951م، من وضع الدستور الليبي. ووافق جميع أعضاء الجمعيّة على الدستور، وأقروا بالإجماع جميع مواده، وكان ذلك في الجلسة الختاميّة المنعقدة يوم الأحد السادس من شهر محرم من سنة 1371 هجري الموافق للسابع من أكتوبر/ تشرين أول من سنة 1951م. وجاءت مقدَّمة الدستور، على النحو التالي:

[..نحن ممثلي شعب ليبيا من برقة وطرابلس الغرب وفزّان المجتمعين بمدينة طرابلس، فمدينة بنغازي في جمعيّةِ وطنيّةِ تأسيسية بإرادة الله، بعد اتفاق وعقد العزم على تأليف إتحاد بيننا تحت تاج الملك محَمّد إدريس المهدي السّنوسي الذي بايعه الشّعب الليبي، ونادت به هذه الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة ملكاً دستورياً على ليبيا، وعلى تكوين دولة ديمقراطيّة مستقلة ذات سيادة، تؤمن الوحدة القوميّة، وتصون الطمأنينة الدّاخليّة، وتهيئ وسائل الدَّفاع المشتركة،  وتكفل إقامة العدالة، وتضمن مبادئ الحريّة والمساواة والإخاء، وترعى الرقي الإقتصادي والاجتماعي والخير العام، وبعد الإتكال على الله مالك الملك، وضعنا وقررنا هذا الدستور للمملكة الليبيّة المتحدة...]. 

ويذكر، أنّ الأمير إدريس السّنوسي، كان قد زار أعضاء الجمعيّة الوطنيّة – وقبل إقرار الدستور وإصداره – في مقر عملهم في بنغازي، وألقى أمامهم كلمة قصيرة عبر فيها عن سعادته بإتمام مهمّة إنجاز الدستور، وعن فرحته بما حمله من مواد تكفل الحقوق وتصون الحريات وتضمن العيش الكريم للجميع. وأعلن أمام أعضاء الجمعيّة الوطنيّة، موافقته على جميع مواد الدستور وفصوله الاثنى عشر (12)، متعهداً باحترام الدستور والالتزام بأحكامه والعمل على تطبيق مواده وفصوله بالكامل.

 أعلن الملك إدريس السّنوسي في يوم 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م من شرفة قصر المنار بمدينة بنغازي، إستقلال ليبيا وسيادتها على كامل أراضيها، وجاء نص الإعلان كمَا يلي:  

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى شعبنا الكريم..

يسرنا أن نعلن للأمّة الليبيّة الكريمة، أنّه نتيجةً لجهادها، وتنفيذاً لقرار هيئة الأمم المتحدة الصادر في 21 / نوفمبر 1949م، قد تحقق – بعون الله – إستقلال بلادنا العزيزة.. وإنا لنبتهل إلى المولى عز وجل بأخلصِ الشكرِ وأجمل الحمدِ على نعمائه.. ونوجه إلى ألأمّة الليبيّة أخلص التهاني بمناسبةِ هذا الحدث التاريخي السعيد.. ونعلن رسمياً أن ليبيا منذ اليوم أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة، ونتخذ لنفسنا من الآن فصاعداً – نزولاً على قرار الجمعّية الوطنيّة الليبيّة الصادر في 2 ديسمبر 1950 – لقب صاحب الجلالة (38) ملك المملكة الليبيّة المتحدة (39) .. ونشعر، أيضاً، بأعظم الاغتباط لبداية العمل منذ الآن بدستور البلاد كمَا وضعته وأصدرته الجمعيّة الوطنيّة في 6 محرم سنة 1371 هجرية الموافق 7 من أكتوبر 1951 ميلادية.. وإنّه لمن أعز أمانينا – كمَا تعرفون – أن تحيا البلاد حياة دستوريه صحيحة، وسنمارس من اليوم سلطاتنا وفقاً لأحكام هذا الدستور.. ونحن نعاهد الله والوطن في هذه الفترة الخطيرة التي تجتازها البلاد، أن نبذلَ كلّ جهدنا بما يعود بالمصلحةِ والرفاهيةِ لشعبنا الكريم حتى تتحقق أهدافنا الساميّةُ وتتبوأ بلادنا العزيزةُ المكان اللائق بها بين الأمم الحرَّة.. وعلينا جميعاً أن نحتفظ بما قد اكتسبتاه بثمنٍ غالٍ، وأن ننقله بكل حرص وأمانه إلى أجيالنا القادمة.. وإننا في هذه الساعة المباركة نذكر أبطالنا ونستمطر شآبيب الرحمة والرضوان على شهدائنا الأبرار ونحيي العلم المقدس، رمز الجهاد والإتحاد وتراث الأجداد راجين أن يكون العهد خير وسلام للبلاد، ونطلب من الله أن يعيننا على ذلك ويمنحنا التوفيق والسداد.. إنّه خير معين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كانت كلمات الملك إدريس السّنوسي..{.. ينقلها مكبر الصوت على الجماهير التي غص بها ميدان 9 أغسطس، وازدحم المواطنون على جانبي شارع الاستقلال الطويل، وامتلأت بهم الشرفات وأسطح المباني.. كانت المشاعر جياشة، والفرحة غامرة عارمة، والحماس متفجر، والأعلام الوطنيّة في كل مكان.. طلاب مدرسة (الأمير) ينشدون نشيدهم المشهور:

نحن يا ليبيا الفدى     فاسعدي طول المدى

نحن لا نخشى الردى    نحن كالأمس غدا

في الندى والشمام

وكانت الهتافات تشق عنان السماء، يرددها أبناء ليبيا، شيباً وشباباً، محيين الاستقلال، وكان الهتاف الغالب الذي طبع ذلك اليوم، هتاف مهيب فيه وفاء للشهداء، وفيه ربط للماضي بالحاضرِ.... كان الهتاف قوياً معبراً:

( عمر المختار أهاب بنا، بإسم الشهداء نحييك ........إدريس الأمّة قاطبة جاءت بالتاجِ تهنيك)

كانت فرقة موسيقى القرب التابعة لـ (قوة دفاع برقة) تعزف أنغاماً شجية من معزوفة البيت الأخضر.... كان الاحتفال في مجمله احتفالاً بسيطاً، عفوياً، معبراً. وكان يوماً من أيّام التاريخ..}م58.

لقد كان إستقلالنا إستقلالاً حقيقياً..{.. فلم تخل مدينة أو قرية أو قبيلة من قبائل ليبيا إلاّ وكان منها علم له إسهامه في صنع الإستقلال.. نخب وطنيّة تبادلت الأدوار والمواقع.. وتداخلت حلقات كفاحها في محطَّات عديدة.. وتواصل بذلها وعطاءها عبر أجيال تعاقبت، إلى أن انتزع الإستقلال انتزاعاً.. وصارت دولة ليبيا حقيقة على أرض الواقع.

... إنّ الإستقلال سيظل – رغم التشويه والتزييف – أهمّ وأسمى وأثمن حدث في تاريخ ليبيا المعاصر، فهو الأهمّ – دون منازع – لأنّه يمثل – بحق – ميلاد الدولة الليبيّة.. وهو الأسمى، لكونه إنجازاً تجسد فيه إجماع الإرادة الحرَّة لكل الليبيّين.. وهو، أيضاً، الأثمن إذ جاء تتويجاً لجهاد أربعة عقود متواصلة، قُدّم في سبيل تحقيقه نصف سكّان الوطن قرباناً...}م59.

ومنذ يوم 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م، أصبحت ليبيا...{.. دولة حرَّة مستقلة، وكانت في ذلك الوقت دول المغرب العربي: تونس، والجزائر، والمغرب، وكذلك، السّودان، تقع بيد المستعمرين، وقد هز إستقلال ليبيا شعوب هذه البلاد ودفعها إلى المطالبة بالإستقلال، ولم تجد الدول المستعمرة بداً من منح هذه البلاد إستقلالها بعد أربع سنوات من إستقلال ليبيا. وكانت ليبيا، في بداية حياتها المستقلة، في حاجة إلى المالِ والتعليمِ والصحةِ، وإصلاح ما خربته الحرب، وإيجاد عملٍ للعاطلين، وتنشيط الحياة الاقتصاديّة. كانت هذه الأعباء، تقع على كاهل الدولة الجديدة المحرومة من أغلب مقومات الدولة..}م60  

نجح رجال العهد الملكي في بناء دولة من عدم، وحققوا من الإنجازات ما استحق أن يوصف بالمذهل والمبهر والرقم القياسي. فقد نجح أؤلئك الرجال نجاحاً مبهراً فاق كلّ توقع وحساب، في معركة التعليم التي قادتها الحكومات المتعاقبة، فمن مدرستين ثانويتين وخمس مدارس ابتدائيّة يوم إعلان الإستقلال في 24 ديسمبر/ كانون أول 1951م إلى جامعة كبيرة تتقاسم كلياتها مدينتي طرابلس وبنغازي، وعشرات المعاهد، وآلاف المدارس يوم استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م.. ومن نظام صحي كان لا يوجد أساساً يوم إعلان إستقلال ليبيا، إلى نظام صحي كان يصنف، يوم إنقلاب القذّافي على السّلطة، في مقدمة النظم الصحيّة في دول العالم العربي.. ومن معدّل دخل كان يوصف بأنّه الأقل بين معدلات دخل الفرد في بلدان العالم المختلفة إلى معدّل دخل، أشارات تقارير المنظمات الدوليّة، يوم إنقلاب القذّافي على السّلطة، على أنه أصبح يتأخر سنتين فقط عن معدّل دخل الفرد في الدول الغنية المتقدمة.  

وعوداً على ذي بدء.. بعد (استقلال ليبيا) أشرفت (وزارة الثقافة) على إدارة برنامج يهدف إلى اختيار (نشيد وطني) يعرض رحلة كفاح الليبيين وجسامة تضحياتهم في سبيل الحرية والخير والنماء، ويجسد معاني محبة الوطن والاعتزاز بتاريخه وتراثه.

ورأت الوزارة أنّ تعهد بدّراسة هذا الموضوع إلي لجنة وطنيّة مكّونة من بعض ذوي الرأي من النوَّاب والشّيوخ المهتمين بالأدب والثقافة. وتمت في هذا الشأن الخطوات التالية:

1 – درست اللجنة الموضوع من جميع جوانبه ووضعت الخطوط الرئيسيّة للنشيد، وتوصلت إلي رأي بحصر مسابقة نظمه في الليبيّين دون سواهم لأسباب رأتها وجيهة، وكان هذا الرأي مخالفاً لرأي الحكومة التي كانت تود أن يشترك في المسابقة غير الليبيّين من الشعراء العرب، ورصدت اللجنة جائزة قدرها (100) مائة جنيه ليبي للقصيدة الفائزة، ونشرت إعلاناً بالخصوص، ولم يتقدم أحد من الليبيّين في الغالب (كان ذلك خلال سنتي 1952م – 1953م).

2 – وردت للجنة  (33 ) مشاركة من جهات مختلفة، وحتى تلتزم الحكومة الحياد تقدمت بطلب إلي وزارة الخارجيّة المصريّة طالبة منها تعيين لجنة تحكيم من شخصيّات أدبيّة مصريّة لتختار النشيد الذي تنطبق علية الشروط المطلوبة.

3 – شكلت الحكومة المصريّة بناء علي هذا الطلب لجنة من ألأساتذة الأدباء: منصور فهمي، عباس محمود العقاد، أحمد حسن الزيات، عبد الوهاب عزام.. وعقدت عدة اجتماعات بالقاهرة، واختارت واحداً تبين أن ناظمه ليس ليبياً.

4 –  أعادت الحكومة نشر الإعلان للمشاركة في وضع النشيد أمام جميع الشعراء العرب، وفاز في النهاية النشيد الذي نظمه الشاعر التونسي (البشير عريبي)، الذي يبدأ باللازمة المشهورة: [ يا بلادي بجهادي وجلادي  .........الخ ] وقام بتلحينه محَمّد عبد الوهاب الموسيقار المصري الشهير. وقد منحت الدولة الليبيّة للموسيقار محَمّد عبدالوهاب (13 مارس/ آذار 1902م – 3 مايو/ أيار 1990م) بعد فترة وجيزة من تلحينه لنشيد البلاد الوطني، وسام الإستقلال. 

5 – أذيع النشيد لأوَّل مرَّة من محطّةِ ألإذاعةِ المحليّةِ في بنغازي في يوليو/ تموز 1955م وتزامن ذلك مع مناسبة زواج الملك إدريس من السيدة/ عالية عبد القادر باشا لملوم, وعزفته أيضاً لأوَّل مرَّة فرقة موسيقي قوة دفاع برقة (فرقة الموسيقى العسّكريّة) بقيادة محَمّد عكوش المجبري في شوارع بنغازي خلال الاحتفالات بالزواج المذكور.

6 –  قلد الملك إدريس السّنوسي وساماً رفيعاً للشاعر البشير عريبي إثناء زيارة الحبيب بورقيبة لليبيا وكان أيّامها رئيساً لوزراء تونس سنة 1957م.

وربّما من المفيد الإشارة في هذا الصدد إلى نشيد (العلم ) الذي نظم أبياته الأستاذ/ بشير المغيربي عام 1943م، نظراً للالتباس الذي يقع فيه الكثيرون حيث الاعتقاد السائد بأنّ صاحب نشيد (يا بلادي) هو نفسه ناظم أبيات نشيد (العلم).  

وقد نقلت أبيات نشيد (يا بلادي) في الجزء الأوّل من هذه السلسلة، وأشرت بأن صاحب هذه الأبيات هو الأستاذ/ بشير المغيربي !. ظننت أن صاحب نشيد (يا بلادي) (40) هو الأستاذ/ بشير المغيربي، واعتقدت أن هذه المعلومة صحيحة نظراً لأنّها ذُكرت في مجالس كثيرة، ولم يقم أحد بتصحيحها أو ذكر خلافها.

وربّما، لأنّي، لم أُعط هذه الجزئيّة، القدر المطلوب من التحري والسّؤال، وهي جزئية لم يُكتب عنها بشكلِ كافي، ولم يسبق لكاتب – وحسب ظني – أن تناول موضوع (النشيد الوطني) من زاوية الأسلوب الذي اتبع في اختياره، وكيف تمّ اختار النشيد، والشخصيّات التي كانت ضمن لجنة تحكيم، وعلى من وقع الاختيار !؟.

وربّما، ظننت ذلك، لأنّ بشير المغيربي شاعرُُ وله في الوطنيّات قصائد عدة، منها: قصيدة (العلم).. وعلى اعتبار أن ليبيا وقتئذ كانت تملك من عظماء الشعراء عدداً معقولاً، ولكنها، لم تكن تملك حينذاك من الموسيقيين من هو في مقام الموسيقار محَمّد عبدالوهاب، ولذا، كان مقبولاً أن يلحن النشيد مصري أو غيره ممن يشهد لهم بالإبداع والتألق في هذا المجال، بينما يكون شاعر النشيد الوطنيّ شخصاً غير ليبي فكان ذلك مستبعداً بالنسبة ليّ.

وربّما، أيضاً، لأنّ صاحب قصيدة (يا بلادي) يتشابه اسمه – وإلى حد ما – مع صاحب نشيد العلم !.   

ومن جديد.. نظم الأستاذ/ محَمّد بشير المغيربي سنة 1943م، أبيات نشيد (العلم )، وجاء نص النشيد كمَا يلي:

رفرف كأجنحة النسور       فوق الشوامخ والقصور

فلك المراكز في الصدور      يا أيها العلم النضير

                     يحيا الأمير

رفرف فأنت شعارنا          والي الأمام منارنا

بك علقت أبصارنا           واليك بالفخر نشير

                     يحيا الأمير

أن الهلال مبشر              والنجم  عهد نير

أما السواد مذكر            ولطالما انتفع الذكير

                     يحيا الأمير

إدريس أنت أميرنا           انا بنوك  فثق بنا

لبيك يا رمز المني            في أي ناحية تشير

                     يحيا الأمير

نحن الشباب الناهض        وإلى المفاخر راكض

بالأمس جاث رابض        واليوم قد آن المسير

                     يحيا الأمير

العلم نور حياتنا            والدين خير هداتنا

والصبر سور صفاتنا       والله مولانا النصير

                     يحيا الأمير

ويذكر، أن نشيد (العلم) كان قد لحنه، الفنان سالم بشون (أبو فرج)، وقام الفنان علي الشعالية بأدائه، وطبع نشيد العلم مغنى وملحن في اسطوانات اشتهرت في أواخر الأربعينات الماضيّة، وقياساً علي هذا النشيد نظم المرحوم عمر جعودة (وزير الصحّة الأسبق) قصيدة عامية طويلة مطلعها:

رفرف كما جنحان نسر امبلا             واركز علي قصورك وفوق تعلا

وربّما نستطرد هنا، لنقف عند قصيدة (العلم) الأخرى، والتي نظم أبياتها الشاعر عبد ربه الغنّاي (41). وعلم الإستقلال هو الراية الشرعيّة الوحيدة التي عرفتها ليبيا، وهو العلم ذو الألوان الثلاثة: الأحمر والأسود والأخضر، وهلال الفجر والنجمةُ الخماسيّة اللتان تتوسطها. نقول، هو الراية الشرعيّة الوحيدة..{.. لأنها أُقِرَّت مِن قِبَلِ الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة، ولم تخضع للأهواء والنزوات. وقد تغنّى بها الليبيّون فرحاً من خلال أغانيهم وأشعارهم الشعبيّة، حيث شاعت في أوائل الستينيات – في هذا السياق– الأغنية التي نظمها القاضي الشاعر عبدربه الغنّاي(40) (أبو فْضَيْل)، وقام بأدائها بإتقان الفنّان الطّاهر عمر:

عَيْنَيك خضرا والشّعَرْ مترَامِي         أسْوَدْ، وْخدِّكْ بالْحمُورَه دامِي.

ليـبـيا معروفَه                         حتىَّ بعَدْ حَطّ الزمان ظْروفَه.

وْحتَّى وْهِي في قَيدْها مكتوفَة ما بطّلَت يوماً شديد، خْصامِي.

بِنت أَجْهادِي                             تَرْكَب الخَيل وْما تْهاب عوادي

تضرِبْ علىِ مَقْتَلْ وبنتْ اَجوادي         ْزَكّي مْيادِين الِقْتَال كلامي...}م61.

وربّما من المفيد الإشارة إلى مساهمات أخرى، ونحن نتحدث عن إسهامات الشعراء العرب وما قدموه من قصائد أشادت بتاريخ ليبيا الجهادي وبرموزها الوطنيّة، ومنها: قصيدة أحمد شوقي أمير الشعراء عن شيخ الشهداء عمر المختار (تاريخ الاستشهاد 16 سبتمبر/ أيلول 1931م) الطويلة المكّونة من ( 39 بيتاً)، والتي تقول أبياتها الستة الأولى:

وكزوا رفاتك في الرمال لواء... يستنهض الوادي صباح مساء

يا ويحهم نصبوا مناراً من دمٍ... تُوحي إلى جيل الغد البغضاء

ما ضرّ لو جعلوا العلاقة في غدٍ... بين الشعوبِ مودة ً وإخاء

جرحُ ُ يصيحُ على المدى وضحية... تلتمسُ الحرية الحمراء

يا أيها السيف المجردُ بالفلا... يكسو السيوف على الزمان مضاء

تلك الصحاري غمد كل مهندٍ.. ابلى فأحسن في العدو ِبلاء

ولأمير الشعراء أحمد شوقي، قصيدة أخرى في تمجيد معارك الجهاد الليبي وما جسدته تلك المعارك من دلالات ومعاني، وهي القصيدة التي وصفها الأستاذ محمود الناكوع بأنّها (من أروع قصائده)، وجاء مطلعها:

ومجاهدين هناك عند معسكر... ومن المهابة بين ألف معسكر

عرب على دين الأبوة في الوغى... لا يطعنون القرن ما لم ينذر

يمشون من تحت القذائف نحوها... لا يسألون عن السعير الممطر

كذلك.. رثا شيخ الشهداء عمر المختار الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي.. والشاعر التونسي محمود بورقيبة.. والشاعران: محمود عماد وخليل مطران.. كمَا رثاه حافظ إبراهيم شاعر النيل بقصيدة طويلة من (39 بيتاً) يقول مطلعها:

طـمعُ ُ ألـقى عن الغرب اللتـامـا

فاستفقْ يا شرقُ واحذر أن تناما

ويذكر، أنّ حافظ إبراهيم شاعر النيل، كان قد نظم قصيدة أخرى في تمجيد معارك الجهاد الليبي وما جسدته تلك المعارك من دلالات ومعاني، كمَا، كتب الشاعر والأديب مصطفى الصادق الرافعي قصيدة طويلة في نفس السياق.  ويذكر، أيضاً، أنّ معروف الرصافي الشاعر العراقي الشهير كان قد كتب قصيدة أخرى عن الجهاد الليبي، قال فيها:

يعز علينا أهل برقة أنكم... تدور عليكم بالدمار رحى الحرب

وأنا إذا ما تستغيثون لم نجد... إليكم على بعد المسافة من درب

وقد علم الأعداء أن سيوفنا... تململ في الأغماد شوقاً إلى الضرب

ويا أهل بنغازي سلام فقد قضت... صوارمكم حق المواطن في الذب

حميتم حمى الأوطان بالموت دونها... وذاك فيكم لهن من الحب

هذه الإسهامات الشعريّة العربيّة، قادت اللجنة المكلفة باختيار (نشيد وطني) لليبيا، من قبل (وزارة الثقافة) خلال سنتي 1952م – 1953م، إلى فتح باب المشاركة أمام الشعراء العرب بعدما رفضت الحكومة احتكار المسابقة على الشعراء الليبيين. وبعد، أن وصلت إلى اللجنة المكلفة (33 ) قصيدة من جهات مختلفة، أستقر الاختيار على القصيدة التي نظمها (البشير عريبي) الشاعر التونسي، والتي تبدأ باللازمة المشهورة: (يا بلادي بجهادي وجلادي)، كمَا أشرنا في السطور السّابقة.  

واستمراراً، لرصد القصائد وما أُذيعَ من أغاني وأناشيد في عهد الملك إدريس السّنوسي، لابُدَّ من الإشارةِ، مجدّداً، إلى قصيدة: (عهد اليسر) المعروفة باسم مطلعها: (فاخر بإدريس العظيم). فقد سبق الإشارة لهذه القصيدة في الجزء الأوّل من هذه السلسلة، وهي القصيدة التي نسج أبياتها الشاعر عزيز أباظة المبدع المصري، ولحنها الموسيقار المبدع/ محَمّد عبدالوهاب في مايو/ أيار 1969م، ثمّ غنّاها مصورة في استوديوهات الإذاعة المرئية الليبيّة. وجاء مطلع القصيدة على النحو التالي:  

فاخر بإدريس العظيم وقل أعز الله عهدك

وحباك بالعمر الطويل مجدداً وأتمّ سعدك

الله يوم خرجت للدنيا لمعجزة أعدك

حققتها فبعثت مجد العرب ثمّ جلوت مجدك

ويذكر، أن المطرب الليبي عبدالوهاب يوسف (محَمّد نجم (42) ) كان قد غنى قصيدة (عهد اليسر) في حفل شهير أقيم في صيف عام 1969م على مسرح مدرسة بنغازي الثانوية للبنات بمدينة بنغازي.

وفي سياق حديثنا عن الموسيقار/ محَمّد عبدالوهاب، نرى ضرورة الإشارة إلى الاتفاق الذي جرى بينه وبين المعنيين بالشأن الموسيقي في ليبيا عام 1968م، وهو الاتفاق الذي كلفه الاتهام بالسرقة رغم أنّه قام بتنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه، وبهدف نشر الأعمال الليبيّة والتعريف بها !!؟. اتفق عبدالوهاب، عام 1968م، مع المعنيين بشئون الفن في ليبيا، على تقديم أصوات من ليبيا ونشر الموسيقى الليبيّة، وحينما شرع عبدالوهاب في التأسيس لهذا المشروع اتهمته الصحافة الليبيّة أيّامها بالسرقة والنصب، وكان ذلك منافياً لما اتفق عليه !. وجاء حول هذا الإتهام في مقابلة صحفية أجراها الأستاذ/ حمد المسماري لصالح مجلة (غزالة) مع المطرب الليبي الكبير/ سلام قدري، ما يلي:..{.. كان محَمّد عبد الوهاب (رحمه الله) موسيقاراً وفناناً عربياً بل عالمياً كبيراً، التقينا حين زار ليبيا في العام 68م، رافقته طوال أربعين يوماً، وكنت دليله في طرابلس.. أستمع ليّ وأعجب وأثنى على صوتي، وأتفق معه وزير الإعلام والثقافة – وكان الوزير أيّامها السيّد أحمد الصالحين الهوني – والمعنيون بالفنون حينها على نشر أعمالنا الليبيّة والتعريف بها، وقدمنا له الكثير من تسجيلات الأعمال الفنيّة، ومن هنا كانت مقدَّمة أغنيته الشهيرة لأم كلثوم: (دارت الأيّام)، وقد هاجمته الصحافة أيّامها متهمة إياه بالسرقة، وشهادة أقولها للتاريخ كان ذلك باتفاقنا معه..}م62.

وفي سياق آخر لمسألة نشر التراث والموسيقى الليبيّة والتعريف بها، نعرض بعض ما تمّ تنفيذه من مشروع الخطّة التي وضعت منذ بداية الإذاعة في الخمسينات، والقاضيّة بالاستفادة من الأسماء المشهورة في عالم الغناء العربي، من خلال تقديمها للأعمال الليبيّة. في البداية، كان الصوت الرجالي موجوداً، وإن كان في حدودٍ معينةٍ، أمّا، النسائي، فقد كان غائباً، أو بالأحرى، لا توجد مطربات ليبيات محترفات. تمّ التركيز في البداية على العنصر النسائي العربي أكثر من الصوت الرجالي على اعتبار الغياب سالف الذكر. فتغنت بالأعمال الليبيّة في حقبة الستينات المطربات نعمه و سلاف وعليا من تونس و قبلهم الراحلة صليحه.  

وقدمت المطربة اللبنانيّة (سهام شماس) في حقبة الستينات مجموعة من الأغاني الليبيّة والتي حققت العديد منها نجاحات فاقت كل توقع، ومنها: أغنية (لو كان كلمة آه تنفع بيه). كمَا غنّت (نازك) و(سامية كنعان) و(زكية حمدان) و(هناء الصافي) و(هيام يونس)، في نفس الفترة أعمالاً ليبيّة لفتت الانتباه ونالت الإعجاب من قبل المستمعين العرب. ويذكر، أن المطربة نازك (لبنانيّة)، كانت قد تغنت في فترة ستينيات القرن المنصرم، بعدد من القصائد لشعراء ليبيّين، هم : راشد الزبير السّنوسي، عبد ربه الغنَّاي، عبدالحميد البكّوش، خالد زغبية، رشاد الهوني.كمَا، يذكر، أن الفنانة سامية كنعان كانت قد حضرت إلى ليبيا في سنوات لاحقة، وسجلت للإذاعة الليبيّة الأغنية الجميلة (ليبيا يا حب كل الناس) التي أهدتها للشّعب الليبي. 

وفي جانب آخر، وفي 24 ديسمبر/ كانون الأوّل.. قام الفنان اللبناني (صابر الصفح (43) )، وبمناسبة احتفالات ليبيا بعيد إستقلالها العاشر، بتلحين وأداء نشيد (أيُّ غار)، وهي القصيدة التي من المرجح، أنّ كلماتها من نظم الشاعر: (موفق شيخ الأرض). وجاءت أبيات قصيدة (أيُّ غار) كمَا يلي:         

أيُّ غار لنا، يبدو أيُّ غار

في إهاب في السماء وإطار

ليبيا اليوم جنة في رباها

خطرات الربيع قبل الثمار

حرّرت حالها النفوس

فعينُ للثريا ومثلها للنهار

السّنوسيُّ فخرها والأماني

بيديه ندية الأسحار

يعربيُ اللسان والوجه والقلب

وحلم الأبرار والأحرار

أملُُ مشرقُ على كل قُطر

عربيُ محلّلُ بالفخارِ

إشربي العزَّ واسقِ منه شعوباً

فقلوب الأبطال أكواب نار

والبطولات من عصير الجهاد الحق

في غضبة الرجال الكبار

تتهادى خفاقة وهي تحدو

للسّنوسي قبلة الأنظار   

علي أية حال.. لم يطلب الملك إدريس السّنوسي يوماً من الإعلام التطبيل له أو من الفنانين نظم الأبيات الشعريّة والجمل الموسيقيّة إشادة بشخصه وعهده، بل، يسجل للملك أنّه وقف ضدَّ تهليل الإعلام وتطبيله، ولعل، في قصة رفضه لاقتران إسمه بصاحب الجلالة، ووضع صورته على أوراق العملة الليبيّة.. ورفضه لإطلاق صفة العائلة المالكة على أفراد عائلته.. ورفضه تغيير اسم (المملكة الليبيّة) إلى اسم (المملكة السّنوسيّة)، دلائل وإشارات على هذا الموقف. ويذكر، أن أحد وزراء الملك إدريس، عرض عليه ذات مرّة تغيير اسم المملكة الليبيّة إلى أسم (المملكة السنوسيّة) على غرار (المملكة السعوديّة)، فرفض الملك هذا الاقتراح بشدة ..[..وهو يتحوقل ويستعيذ بالله من الشياطين والمنافقين..]، كمَا نقل فضيلة الشيخ منصور المحجوب (44) رئيس جامعة الإمام محمّد بن علي السّنوسي الإسلاميّة آنذاك.   

ولم تسجل سنوات العهد الملكي الممتدة (17) سبعة عشر عاماً إلاّ عدداً محدوداً جداً من الأغاني التي أشادت بشخص الملك إدريس السّنوسي وشمائله وفضله الكبير في إستقلال الوطن وبناء مؤسساته، ومعظم هذه الأغاني كتبها وغنّاها فنانون عرب، وتمت في أواخر عهده، وتحديداً، بين عامي 1968م و 1969م أثناء ترأس السيّد/ أحمد الصالحين الهوني لوزارة الإعلام.

ويذكر، أن معمّر القذّافي – ومنذ استيلائه على السّلطة في سبتمبر/ أيلول 1969م – منع وسائل إعلامه من ذكر إسم غير إسمه حتى غدا إعلامه يشير إلى وزرائه بالمناصب التي يتقلدونها لا بأسمائهم، وأصبح مفروضاً على كلّ فنان شاعراً كان أو مطرباً أنّ يقرن الوطن بإسم معمّر القذّافي وكأن الوطن تحول إلى صورة شخصيّة له.

وهذا، ما لم يحدث في عهد ذلك الملك الصالح الذي أصبحنا نبكيه كل يوم نظراً لعظمة شأنه، وما نرى يومياً على يد القذّافي المجرم الذي أنسانا طعم السعادة والفرحة والبهجة منذ استيلائه على السّلطة، أيّ، منذ حوالي أربعين عاماً.

وعلى سبيل المثال لا الحصر.. أصبح في أرشيف محَمّد حسن مطرب الإنقلاب، حوالي 150 أغنيّة، وأكثر من (100) مائة أغنيّة من أغانيه تتغنى بهذا القائد الدكتاتور، وتعظم في إنجازاته الواهية، وتصور فشله وهزائمه على أنّها نجاحات وانتصارات !!. وتضم قائمة محَمّد حسن عدداً كبيراً آخر من الفنانين – وإن صح تعبير "فنانين" على هؤلاء! – الذين ينتهجون نفس نهج مطرب الإنقلاب المذكور.

ومنذ احتلال الإذاعة وإصدار البيان الأوّل، وتربع محَمّد حسن في الخيمة منشداً القصيدة تلو الأخرى لقائد الإنقلاب الأسود، منذ ذلك الحين البائس إلى الآن، اختفت القصيدة الوطنيّة حيث أصبحت القصائد تتغزل في شخص قائد الإنقلاب، بل، تقدس القذّافي وتألهَهُ والعياذ بالله، ولا تمجد الوطن وتتغزل به بكل ما يمثله من حضارة وقيم وطبيعة وصحبة وتاريخ ضارب في الأعماق كمَا كانت الأناشيد والقصائد فيما مضى من الزمان.

تغير الحال، ولم نعد نسمع من القصائد الوطنيّة ما يجعل محبة الوطن تزداد عمقاً في القلوب والنفوس، وما يرفع من درجات الانتماء إلى الوطن لأعلى المستويات، كقصيدة: (هـذه الأرض هـي العرض لنا) للفنان محَمّد صدقي، وقصيدة: (ليبيا يا نغما في خاطري) للفنان محَمّد نجم، وقصيدة: (بلد الطيوب) للفنان محمود كريم.. وأغاني وطنيّة من مثيلات: (أرض الزهر والحنة)، (تعيشي يا بلدي)، وأغنية الفنان سلام قدري التي يقول مطلعها: 

لو تؤمريني فـوق نسمة نطير.. ونجيبلك حزمة نجوم تنير

تضوي طريق الحب للإنسان.. يا ليبيا وتزرع ترابك خير

فقد وضعت في يد المقربين من معمّر القذّافي ميزانيات ضخمة فاقت ميزانيات كبرى المدن الليبيّة بغية التطبيل والتهليل لشخص معمّر القذّافي والترويج لنموذج واحد من التراث الليبي !؟. وضعت في يد قطبي الأغنيّة السياسيّة والإنتاج والتوزيع الفني في جماهيريّة القذّافي ميزانيات فاقت ميزانيات كبرى المدن الليبيّة، وهما:عبدالله منصور السليماني (مسئول الإذاعة والتلفزيون)، علي الكيلاني (صاحب شركة أجاويد للإنتاج الفني).

ظلّ علي الكيلاني، وعبدالله منصور يتنافسان طوال الوقت – وإلى الآن ونحن في عام 2008م – على كسب ودّ معمّر القذّافي، وشراء ذمم الفنانين، وإصدار أعمال شعريّة وغنائيّة ودراميّة تمجد شخص معمّر القذّافي وتردد أقواله وتهلل لأعماله.. ويتنافسان، على الترويج لنموذج واحد من التراث الليبي كالنموذج الذي جسده محَمّد حسن في الأعمال: رحلة نغم، النجع، الخيمة أو النسخة الجديدة المقتبسة من أعمال محَمّد حسن المسماة (الجلسة) والتي يشارك فيها مجموعة من الفنانين الشباب الجدد.

ومن جديد.. رفض الملك إدريس السّنوسي رسمياً أنّ يقترن أسمه بصاحب الجلالة. ومنع أبناء عائلته من تولي مناصب رسميّة بالدولة كمَا أبعدهم بالكامل عن دوائر صنع القرار. ورفض إطلاق صفة العائلة المالكة على أفراد العائلة السّنوسيّة، كذلك، رفض أنّ يطلق أسمه أو أسم زوجته على أيّ مبنى أو مؤسسة بليبيا، أو على شارع واحد من شوارع المملكة الليبيّة. ويظن كثيرون أن المدرسة التي كانت تقع بالقرب من الفندق البلدي (سوق الخضرة أو الخضروات) بمدينة بنغازي، والتي كان أسمها (مدرسة الأميرة)، بأنّها سميت أو سماه الأمير إدريس – وقبل إستقلال البلاد – على زوجته (الأميرة فاطمة الشفاء)، والحقيقة ليست كذلك، فهذه المدرسة سميت بمدرسة (الأميرة)، على زوجة ولي عهد إيطاليا.

أيضاً.. حينما وضعت صورة الملك إدريس دون أخذ رأيه على أوراق العملة الليبيّة، أمر المسئولين في قطاع المال – وبصرامة شديدة – أنّ تزال صورته من على الطبعة الثانيّة بعد استبدال هذه الطبعة بطبعة أخرى.

ونقف هنا، لنؤكد القول، بأن الملك إدريس السّنوسي قبل على مضض فكرة نظام الحكم الملكي الوراثي، وكان مصممًا على حرمان عائلته من تولي الحكم بعد وفاته. فلم يكن قبوله بنظام الحكم الملكي الوراثي (45) بالأمر الهين على نفسه، ولولا خوفه على وحدة البلاد الوطنيّة والإستقلال لما قبل بهذه المسألة.       

كان من الصعب، على الأمّة الليبيّة أن تتفق على شخص، في وقت الإستقلال، غير شخص الملك إدريس السّنوسي، ولم يكن هناك خياراً عملياً أفضل من خيار نظام الحكم الملكي القائم على الفدراليّة وقتئذ، لتنفيذ قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا في التاريخ الذي حددته الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة، وهو أوّل يناير/ كانون الثاني من عام 1952م.

لم يقبل الملك إدريس فكرة نظام الحكم الملكي الوراثي بسهولة ويسر، وقد لعب عدد من الشخصيّات الوطنيّة الليبيّة الممثلة لأقاليم البلاد الثلاثة (برقة وطرابلس وفزَّان) دوراً محورياً في إقناع الملك بذلك، ولعب السيّد/ أدريان بلت ( Adrian Pelt )، الدور الأهمّ في هذا الاتجاه. 

لم يقبل الملك بفكرة نظام الحكم الملكي الوراثي إلاّ على مضض، وخوفاً أنّ يؤدي رفضه لهذا النوع من النظام – وفي تلك المرحلة بالذات – إلى إنفراط عقد الوحدة الوطنيّة، وبالتالي، يؤجل الإستقلال أو يتمّ حجبه.

كان، الملك إدريس يتمنى أن يتأسس في بلاده، نظام حكم جمهوري تكون مدة رئاسته، لا تتجاوز العشرة سنوات. وقد، أبلغ الملك، أدريان بلت ( Adrian Pelt ) بهذه الأمنية، وناقشه فيها أيّاماً وساعات طوال، أملاً في إقناعه وإيجاد طريقاً يؤدى إلى تحقيق هذه الرغبة، ولكنه، فشل في إقناع بلت (Pelt)، وإقناع باقي القوى الوطنيّة التي تمسكت به ملكاً للبلاد.  

كان الملك إدريس يخاف من وقوع أنباء العائلة السّنوسيّة في محظور التسلط والجبروت وفتنة المال، المحظور الذي وقعت فيها معظم العائلات المالكة عبر التّاريخ. وكان يرى في نفسه مسئولاً عن هذه العائلة ومحاسباً أمام المولى عز وجل على ما يقدم أبنائها عليه، ولذا، كان يحبذ أن يلقى ربه وقد أوقع على أبناء عائلته شيئاً من الظلم والإبعاد، ولا يلقاه وقد فتنت السّلطة أبناء عائلته فجعلتهم يفترون على خلق الله من أجل الحفاظ على جاههم وسلطانهم.     

ومجدّداً.. لم يكن الملك إدريس يؤمن بفكرة ولاية العهد لأحد من أسرته، وكان مصممًا على حرمان عائلته من تولي الحكم بعد وفاته، بعد أن حرمهم من حقوق كثيرة أثناء حياته، وذلك بعد مقتل إبراهيم الشّلحي عام 1954م على يد الشريف محي الدين السّنوسي.       

حرم الملك إدريس، العائلة السّنوسيّة من تقلد المناصب الوزاريّة والدبلوماسيّة والعسّكريّة والأمنيّة، ونفى، عدداً من السّنوسيين بعد مقتل إبراهيم الشّلحي إلى الدواخل والقرى والواحات، وفكر بجد في تغيير النظام الملكي وتحويله إلى نظام جمهوري لحرمان العائلة السّنوسيّة من حكم البلاد. وكان، هذا شيئاً غريباً على دول العالم العربي والإسلامي، فحكام منطقتنا كانوا – ولازال الكثير منهم إلى الآن – يعتمدون على الولاء العائلي والقبلي في تقوية أنظمة حكمهم، ويعملون على توريث السّلطة من بعدهم إلى أحد أبنائهم أو أفراد عائلتهم، ولكن، الملك إدريس السّنوسي رفض انتهاج هذا الخيار والأسلوب، حيث أبعد عائلته عن الحكم، واعتمد على شرعية الدستور لا الولاء العائلي. ويرى السيّد/ بشير السني المنتصر (وزير الدولة لرئاسة مجلس الوزراء في العهد الملكي بليبيا) غياب الدعم العائلي للملك إدريس كان سبباً في نجاح إنقلاب سبتمبر 1969م، أو كمَا قال بالحرف الواحد..[.. كان فقدان مثل هذا الدعم العائلي يعني: تشجع أصحاب الطموح في السّلطة للسعي للوصول إليها بشتى الطرق دون خوف. وأعتقد، أن هذا ما حدث في ليبيا..].           

كان الملك إدريس السّنوسي قاسياً – وبدرجة ما – على أفراد العائلة السّنوسيّة للأسباب السابق ذكرها،  وكان..{.. كل شخص في العائلة السّنوسيّة يشتغل حسب قدراته وإمكانياته، وأنا شخصياً (راشد أبن الزبير السّنوسي، وجدي أحمد الشريف) حين تخرجت سنة 1963م تعينت مدرس بالدرجة الرابعة التي كان القانون يعطيها لحامل الليسانس .. تعينت مدرس في مدرسة بنغازي الثانوية (شهداء يناير) وكان ناظر المدرسة الأستاذ/ رجب الكوافي، المساعدين: أنيس الغويل، وصالح الإسكندراني الذي توفي رحمه الله عام 2004م...}م63.   

وفي الختام.. يذكر، أن الإعلام الليبي، لم يحتفل بعيد ميلاد الملك إدريس السّنوسي إلاّ بعد تولي السيّد/ أحمد الصالحين الهوني (أكتوبر/ تشرين أوّل 1967م إلى 1 سبتمبر/ أيلول 1969م) لوزارة الإعلام، وتحديداً، في عامي 1968م و1969م، حيث تولي السيّد/ أحمد الصالحين رئاسة وزارة الإعلام في أكتوبر/ تشرين أول 1967م، والملك إدريس السّنوسي ولد في 20 رجب 1307 هجري الموافق 12 مارس/ آذار 1890م.

تمّ الاحتفال بعيد ميلاد الملك في مارس/ آذار 1968م – ولأوّل مرَّة – بموجب سياسة أتبعها أحمد الصالحين الهوني، ولم يأت الاحتفال بهذه المناسبة، بطلب من الملك، بل، أنّه فوجئ به ولم يكن راضياً عنه.

وبعد تولي أحمد الصالحين الهوني لوزارة الإعلام، غنى عن الملك إدريس السّنوسي كلّ من: المطرب والموسيقار المصري/ محَمّد عبدالوهاب في مايو/ أيار 1969م  قصيدة (عهد اليسر)..  وغنى المطرب اللبناني فريد الأطرش في عام 1968م، أغنية: (يا مية هلا ).. وغنى المطرب المصري/ محرم فؤاد في ربيع عام 1969م، أغنية: (إدرسنا يا إدرسنا ) التي كتب كلماتها (أحمد الحريري) الشاعر الغنائي الليبي. ويذكر، أن الشاعر الغنائي أحمد الحريري، كان قد كتب كلمات أغنية: (بطل ليبيا) التي غنّاها المطرب الليبي/ خالد سعيد.

وربّما، كانت هناك أغنية قديمة واحدة قبل تولي أحمد الصالحين الهوني (46) لوزارة الإعلام، اسمها (شعب يغني بالحرية)، وهي الأغنيّة التي كتب كلماتها الشاعر الغنائي الليبي (أحمد النويري)، وغنّاها المطرب الليبي أحمد سامي.

توضيح واستدراك:

أولاً: استدراك وتصحيح من المؤلف:

1 – في المصدر رقم (5) في الحلقة الأولى ورد اسم مؤلف كتاب (الإدارة العثمانيّة في طرابلس الغرب (1842م – 1911م) )، بالشكلِ التالي: (كامل مسعود الوبية)، واسمه صحيحاً يكتب على النحو التالي: (كامل علي مسعود الويبه). رأيت ضرورة تصويب هذا الخطأ غير المقصود. والمعذرة لصاحب الكتاب المذكور.

2 – ذكرت في الحلقة الثانية نقلاً عن دكتور/ فرج نجم – الحوار الذي أجراه الأستاذ/ خالد المهير في مارس/ آذار 2007م مع نجم، والمُشار إليه في المصدر رقم (13) – بأنّ..[.. السيّد/ محمد بن علي السّنوسي الكبير نال فرماناً في عام 1855م من السلطان العثماني عبدالحميد جعله بمثابة الأمير المستقل بإمارته، وفي الجغبوب زاد نفوذ السيّد وبلغ ذروته حتى أصبح سيد الصحراء المطلق..]. تبين ليّ بعد النشر، بأن الفرمان المشار إليه تمّ في عهد عبدالمجيد الأوّل الذي تولى الحكم في 1 يوليو/ تموز من عام 1823م، واستمر حاكماً حتى 25 يونيه/ حزيران من 1861م، وليس السلطان عبدالحميد كمَا ذكر الدكتور/ فرج نجم.

ويذكر أن، السلطان عبدالحميد الأوّل حكم من سنة 1774م إلى 1789م.. والسلطان عبدالحميد الثاني حكم من سنة 1876م إلى 1909م.. والفرمان منح للسيّد/ محَمّد بن علي السّنوسي في عام 1855م، والسيّد توفي في عام 1859م. إذن، لا يمكن أن يكون الفرمان قد منح إلى السيّد/ محَمّد بن علي السّنوسي في عهد حميد الأوّل أو الثاني.

يبدو، أن الدّكتور/ فرج نجم، كان قد ذكر (عبدالحميد) وهو يقصد (عبدالمجيد)، وربّما يكون هناك خطأً مطبعياً  ورد في نص المقابلة. رأيت من الواجب الإشارة إلى هذا الخطأ غير المقصود وتصويبه.   

3 – ذكرت في الحلقة الرابعة أسماء الضبّاط الذين شاركوا في تأسيس الجيش السّنوسي، كمَا وردت في  موقع (أخبار ليبيا) – المصدر المنقولة منه الأسماء. اتصل بيّ صديق، وصحح أحدى الأسماء الواردة، فقد ورد اسم (خليل محَمّد السنيني) في القائمة، والاسم كمَا أكد ليّ الصديق: هو (خليل محمود السنيني). وصديقي هذا، هو أحد أقارب السيّد/ السنيني.

يذكر، أن السيّد/ خليل محمود السنيني تربى في الزوايا السّنوسيّة، وشارك في تأسيس الجيش السّنوسي وحرب التحرير. وبعد طرد الطليان من ليبيا ساهم كضابط في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة الوسطى بليبيا، وتحديداً، مدينة إجدابيا وما حولها. وبعد استيلاء العسكر على السّلطة في ليبيا، أراد معمّر القذّافي أن يستغل نفوذ وعلاقات السيّد/ خليل السنيني في منطقة الصحراء الغربية في مصر لصالح مخططاته وأهدافه خصوصاً بعد اختلافه مع الرئيس الراحل محمّد أنور السَّادات. ويعد السيّد/ خليل السنيني بمثابة (عمدة) أو أحد كبار المشايخ في منطقة (مرسى مطروح) والصحراء الغربية على وجه العموم. رفض الشيخ خليل السنيني لعب أي دور مع معمّر القذّافي بحكم العلاقة الطيبة التي تربطه بمصر شعباً وحكومةً من ناحية، وباعتباره (سّنوسي) من ناحية أخرى. رجع إلى مصر التي لم تنقطع صلته بها طيلة حياته، وأقام مجدداً في (مرسى مطروح)، وبعد خروجه من ليبيا، اعتقلت أجهزة القذّافي القمعية أخوه (محَمّد) والذي ظلّ معتقلاً عدد من السنوات. انتقل السيّد/ خليل محمود السنيني إلى رحمة ربه عام 1989م، ودفن بمدينة (مرسى مطروح).  

ثانياً: إضافات وتصويبات من صديق:

وصلني عبر البريد الإلكتروني، من أحد الأصدقاء، رسالة بها إضافات وتصويبات. أرفق للقرَّاء ما جاء بالرسالة بغرض التوضيح وتعميم الفائدة. والإيميل جاء كمَا يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي العزيز

تحية طيبة، وسلاماً غامراً.. وأسمح لي – بكلّ ود – أن أشير إلى الملاحظات التالية:

أ) ما يخص (الحلقة الأولى):

بالإضافة إلى البيعات الثلاث التي ذكرت، أود أن أشير إلى المكان الذي عقدت فيه البيعة الثانية، فهذه البيعة تمّت في اجتماع فيكتوريا بالإسكندرية (حيث كان يسكن الأمير) وليس (المؤتمر).

ويضاف إلى البيعات الثلاث، تأكيد الثقة وتجديدها في اجتماع 9 أغسطس/ أب 1940م بالقاهرة.. ثمّ بيعة الجمعيّة الوطنيّة (الستين) عقب وضع الدستور والمناداة بالأمير إدريس ملكاً في أكتوبر/ تشرين أوّل 1951م.. ثمّ تجديد الثقة والبيعة من وفود الشّعب عقب تقديم الملك لإستقالته المشهورة في مارس/ آذار 1964م، الوفود التي اجتمعت في ساحة (دار السلام) بطبرق بهدف أن يعدل الملك عن إستقالته. وهكذا، كان. 

ب) ما يخص (الحلقة الثانية): 

1 – نقلت عن المصدر المرقم لديكم (21) في الحلقة الثانيّة، (قبائل حرب) هكذا، وكمَا جاءت في كتاب الدّكتور/ علي الصلابي – المصدر المنقولة عنه.. فقد كان بودي أن تشير إلى أن (قبائل حرب) المُشار إليهم هم (أولاد علي) وهم من (الحرابي) الذين شاركوا السيّد أحمد حربه ضدّ الإنجليز.. وسبب في ذلك، وجود (قبائل حرب) في الشام والجزيرة العربيّة.

2 – ذكرت في الحلقة الثانية، بأنّ السيّد/ أحمد الشريف وصل إلى الحجاز سنة 1923م، ثمّ ذكرت في مكان أخر بأن ذلك تمّ سنة 1924م، ربّما يكون ما حدث خطأً مطبعياً أو سهواً، فتاريخ وصول السّيد/ أحمد إلى الحجاز هو سنة 1923م كمَا ذكرت في المرّة الأولى.

3 – ذكرت المعاهدة الحدودية التي تمّت بين السّعوديّة واليمن بوساطة السيّد/ أحمد الشريف، وللفائدة، فأن هذه المعاهدة وقعت في مكَّة المكرمة بحضور السيّد/ أحمد الشريف شاهداً في 21 أكتوبر/ تشرين أوّل 1926م.  

4 – استخدمت وصف (أممي) عندما تحدثت عن السيّد/ أحمد الشريف في الحلقة الثانية، ومفهوم (أممي) كمَا أعرف وأعلم، يسود في الغالب لدى قوى اليسار في العالم، فالأفضل، أن تغير هذا الوصف أو التعريف بتعريف آخر باعتبار السيّد نائباً للخليفة في عموم القارة الأفريقية، أو تصفه بصاحب (النظرة الإسلاميّة) مثلاً، أمّا وصفه بـ(الأممي) فهذا لا يستقيم !؟، مع افتراض كل الأشياء الطيبة.

5 – ذكرت في الحلقة الثانية، بأن عروق مازق (عم السيّد/ حسين يوسُف مازق) ألقى قصيدته أمام الأمير في نوفمبر/ تشرين الثاني 1943م، والزيارة تمت اعتباراً من يوليو/ تموز 1944م حتى سبتمبر أيلول 1944م. الرجاء، الانتباه إلى هذا الخطأ، الذي ربّما يكون مطبعياً.

وأخيراً.. أرجو أن لا أكون أثقلت، وفي كل الأحوال فقد استمتعت بأسلوبك وبما ورد من معلومات في الحلقات المنشورة، وأنا في غاية الشوق لمتابعة بقيتها. تقبل تحياتي وتحيات الجميع من هنا.

ودمت لأخيك (...).

24 يونيه/ حزيران 2008م   (انتهت رسالة الصديق)

شكراً، لصديقي المخلص الرائع على هذه التصويب والملاحظات الهامّة، وأرجو، أن يتابع الحلقات القادمة ويرسل ملاحظاته بالخصوص.   

ملاحظات وإشارات هامّة

37) أعضاء الجمعيّة واللجان وهيئات التنسيق : ذكرت في الجزء الأوّل من هذه السلسلة: أسماء اللجنة التحضيريّة (لجنة الواحد والعشرين )، وأسماء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة (لجنة الستين ) ومن ترأسها ونائبيه والسّادة الذين شكلوا سكرتارية الجمعيّة، كذلك، لجنة الدستور ولجنة التنسيق

38) لقب صاحب الجلالة: بعد إعلان الإستقلال بفترة وجيزة، رفض الملك إدريس السّنوسي، أن يلقب أو يطلق عليه: (صاحب الجلالة)، حيث قال يرحمه الله، أن لفظ الجلالة من صفات الله سبحانه وتعالى وخاص به ولا يجوز أن يخاطب إنسانُُُ بهذه الصفة مهما كان موقعه وشأنه لأنّها من خصائص الله جل وعلا. ويذكر، أنّ الملك إدريس السّنوسي هو أوّل ملك عربي يرفض أنّ يخاطب ويُلقب بإسم (صاحب الجلالة). وقد سبق الإشارة إلى هذه النقطة – وبمزيد من التفاصيل – في حلقات الجزء الأوّل.

39) المملكة الليبيّة المتحدة:  أجريت في عام 1963م تعديلات دستوريّة هامّة، نقلت نظام الدولة الليبيّة من نظام فيدرالي (الإتحادي) إلى نظام الدولة ‏الموحدة، فأصبح اسم الدولة بعد هذا التعديل المملكة الليبيّة بدلاً من المملكة الليبيّة المتحدة. وقد سبق الإشارة إلى هذه الجزئية، وبشيء من التفاصيل، في حلقات الجزء الأوّل.

40) نشيد (يا بلادي): المعلومات الواردة حول شاعر النشيد الوطني، والجهة التي كُلفت بالإشراف على إدارة برنامج يهدف إلى اختيار النشيد الوطني، وكيف تمّ اختياره.. هي معلومات تلقيتها من صديق عزيز له في مجال البحث والتوثيق صولات وجولات، ولديه مجموعة من المشاريع ذات الطابع التوثيقي هي قيد الإنجاز، وستصدر قريباً في سلسلة من الكتب. 

شكراً، لهذا الصديق العزيز، والباحث صاحب الفضل، والجميل الكبير.

41) الشاعر/ عبد ربه الغنّاي: شخصيّة من شخصيّات بنغازي المعروفة، وهو: شاعر ومؤلف غنائي وقاضي شرعي. ولد في مدينة بنغازي عام 1920م. تعلم في جامعة نابولي كمَا درس بالأزهر الشريف. يجيد اللغة الإيطالية كإجادته للغة العربية كمَا يتحدث الإنجليزية والفرنسيّة حيث درسهما في المعهدي البريطاني والفرنسي. كان من بين الشعراء الذين اعتبروا امتداداً لشاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي.

برز عبد ربه الغنّاي، في حقبة من تاريخ الأدب الليبي، شعراء شكلوا الامتداد الطبيعي للشاعر أحمد رفيق المهدوي حيث تربوا في مدرسته وواصلوا دوره الكلاسيكي، ومن هؤلاء الشعراء: عبد ربه الغنّاي، ورجب الماجري، وحسن أحمد السوسي.. وآخرين.

أهتم عبد ربه الغنّاي بالصحافة إلى جانب اهتمامه بالشعر حيث أصدر عام 1947م صحيفة (صوت الشّعب). نشر عدداً كبيراً من أشعاره في حقبة الستينيات في المجلات والجرائد الليبيّة مثل:الرّواد، والإذاعة، ليبيا الحديثة. واشتغل بالمحاماة والسلك الدبلوماسي. عُينَ قاضياً في عام 1950م وتدرج في مناصب حتى صار وكيلاً بمحكمة الاستئناف في مدينة بنغازي. وشارك في العديد من الأمسيات الشعرية كمَا ألقى عدداً من الأحاديث حول  (الشعر والفن ) ومن بين تلك الأحاديث، الحديث الذي أشار إليه الأستاذ/ السّنوسي محَمّد في كتابه: (مدخل إلى: المقام الليبي)، وهو الحديث الذي ألقاه في ندوة عقدت بنادي (الهلال الثقافي الرياضي) بتاريخ 21 رمضان 1393 هجري الموافق 17 أكتوبر/ تشرين أوّل 1973م تحت عنوان: (حديث عن الفن والأغنيّة الشعبيّة).

أنتقل عبد ربه الغنّاي  إلى رحمة ربه يوم 6 أغسطس/ أب 1985م.

أهمّ المعلومات الوردة في هذا التعريف منقولة عن كتاب الأستاذ/ السّنوسي محَمّد، الصادر تحت عنوان: (مدخل إلى: المقام الليبي – دراسة في الأغنية الشعبيّة)، والذي صدرت طبعته الأولى عام 2007م عن المركز العربي الدولي للإعلام / القاهرة – لندن (الناشر). 

42) قصيدة (عهد اليسر) بصوت محًمّد نجم: في حفل شهير أقيم في صيف عام 1969م على مسرح مدرسة بنغازي الثانوية للبنات، غنى المطرب الليبي عبدالوهاب يوسف (محًمّد نجم) قصيدة (عهد اليسر)، وأتمنى من أيّ شخص يملك هذه القصيدة بصوت الفنان محًمّد نجم أنّ يعيد بثها في المواقع الليبيّة حيث يقال أن محَمّد نجم تفوق بإحساسه في أداء هذه القصيدة على محَمّد عبدالوهاب، وكان محَمّد عبدالوهاب قد غنّاها في مايو/ أيار 1969م وسجلها مصورة في استوديوهات الإذاعة المرئية الليبيّة.

43) صابر الصفح: مطرب وملحن، ومن رعيل الفنانين الأوائل في لبنان. كان من الأسماء الناشئة في فترة الأربعينات في عالم الفن اللبناني: صابر الصفح، فؤاد زيدان، إبراهيم عليوان، ناصيف عرموني، فيلمون وهبي،  جميل كرم، عبد القادر رمضان... وربّما آخرين.  

44) الشيخ منصور المحجوب: أحد مؤسسي الجامعة الإسلامية بمدينة (البيضاء) الليبيّة، والتي أطلق عليها اسم (جامعة السيّد/ محَمّد بن علي السّنوسي). تأسست الجامعة عام 1961م بمرسوم ملكي، وضمت في بداية تأسيسها عدداً من المعاهد الإسلاميّة الموجودة آنذاك في مدن ليبيّة عدة، منها: معهد أحمد باشا بطرابلس، ومعهد عبدالسلام الأسمر بزليطن، ومعهد سبها، والزاوية (البيضاء) بمدينة البيضاء، الأساس والنواة لتي قامت عليها جامعة السيّد/ محَمّد بن علي السّنوسي.

كان الشيخ منصور المحجوب أوّل رئيس للجامعة، وتلاه الشيخ عبدالحميد الديباني.وقد، تخرج من هذه الجامعة الإسلاميّة، عدد هام من: الدعاة والخطباء والعلماء، وكانت تصدر عنها مجلة شهريّة هامّة تحت اسم (الهدى الإسلامي)، التي تولى الشيخ/ مصطفى التريكي رئاسة مجلس إدارتها، وهيئة تحريرها.           

كان الشيخ منصور المحجوب رئيساً للمحكمة العليا في فترة أزمة المجلس التشريعي بطرابلس. وكان أحد أهمّ المؤسسين لرابطة العالم الإسلامي. ربطته علاقة متينة بالملك إدريس السّنوسي، وكان أحد مستشاري الملك فيصل بن عبدالعزيز بعد استقراره في المملكة السعودية بعد استيلاء معمّر القذّافي في سبتمبر/ أيلول 1969م على السّلطة بليبيا.

كان الشيخ منصور المحجوب في سويسرا، في رحلة علاجيّة أثناء وقوع إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م، وأثناء وجوده بسويسرا جمعه لقاء بالملك فيصل بن عبدالعزيز، فعرض عليه الملك الانتقال إلى المملكة العربيّة السعودية والتفرغ للتدريس في الجامعات الإسلاميّة بالسعودية، واستئناف نشاطه في منظمة (رابطة العالم الإسلامي). قبل الشيخ المحجوب، عرض الملك فيصل، وجاء إلى مكّة المكرمة في أوائل نوفمبر/ تشرين ثاني من نفس العام، وبعد مدة قصيرة من وجوده بالسعودية توفيت زوجته بليبيا بعد مرض طارئ الم بها، كذلك، أصيب أبنه الوحيد بمرض مزمن أقعده في الفراش.

شارك الشيخ المحجوب في جنازة الملك إدريس السّنوسي الذي توفي يوم 25 مايو/ أيار 1983م في مصر، ودفن بالأرض الطاهرة في البقيع بالمملكة العربية السعودية.

توفي الشيخ منصور المحجوب يوم 5 سبتمبر/ أيلول 2001م في أحد مستشفيات مكّة المكرمة، عن عمر يناهز (78) الثمانية والسبعين، وبعد مرض مفاجئ الم به، ولم يمهله طويلاً.

وبعد وفاته، رثاه الصحفي والكاتب الليبي/ فاضل المسعودي (أطال الله في عمره)، ونشر رِثائه في موقع (ليبيا وطننا) يوم 6 سبتمبر/ أيلول 2001م، وهو الرثاء الذي استقينا منه، معلومات كثيرة، وردت في هذا التعريف الخاص بالشيخ منصور المحجوب طيب الله ثراه. كمَا، اعتمدنا في جزء من هذا التعريف على كتاب: (ليبيا.. انبعاث أمّة.. وسقوطُ دولة)، للسيّد/ مصطفى بن حليم، الصادر عن منشورات الجمل، كولونيا – ألمانيا عام 2003م.   

45) قبول الملك بفكرة نظام الحكم الملكي الوراثي: استندنا في حديثنا حول هذه النقطة على مذكّرات    الأستاذ/ بشير السني المنتصر (وزير الدولة لرئاسة مجلس الوزراء الأسبق في ليبيا) التي كتبها تحت عنوان: (ذكريات شاهد على العـهد الملكي الليبي: "من ديسمبر 1951م إلى  سبتمبر 1969م" )، ونشرها عام 2006م حصرياً على موقع (أخبار ليبيا) لصاحبه الأستاذ/ عاشور الشامس.                   

46) أحمد الصالحين الهوني: توفي يوم الثلاثاء الموافق 18 أبريل/ نسيان 2006م في تونس، عن عمر يناهز السادسة والسبعين. كان الهوني وزيراً للإعلام في عهد الملك إدريس السّنوسي، وهو مؤسس صحيفة (العرب) اللندنيّة، أول صحيفة عربيّة تصدر من العاصمة البريطانيّة. ربطته علاقات متينة بملوك وأمراء ومشايخ دول الخليج العربي، قبل غزو صدام حسين للكويت، خصوصاً، الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وربطته علاقة وطيدة متينة بالرئيس التونسي زين العابدين. وبعد وفاته، وجه الرئيس التونسي برقة تعازي إلى عائلة الهوني، وأصدر تعليماته إلى المندوب العام للجمهورية التونسيّة في طرابلس للمشاركة في موكب جنازة السياسي والإعلامي أحمد الصالحين الهوني، وكانت الجنازة يوم 20 أبريل/ نسيان، وقد حضرها  المندوب العام لتونس الشقيقة. و قد سبق الإشارة إلى سيرة ومواقف وأعمال السيّد/ أحمد الصالحين الهوني، في وقفة كاملة، في أحدى حلقات الجزء الأوّل.          

مصادر ومراجع

م54) سالم الحاسي – مقالة: (في ذكرى الاستقلال: "السيادة الوطنيّة... حصاد ثلاثة عقود") – نشرت في مجلة (الحقيقة) السنة الثانيّة العدد العاشر، وأعاد نشرها في موقع (ليبيا المستقبل) يوم 20 مارس 2005 م.        

م55) د/ محَمّد يوسُف المقريَف – المجَلّد الأوَّل: (ليبيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التاريخ السياسي) – مركز الدّراسات الليبيّة (أكسفورد – بريطانيا) / الطبعة الأولى 1425 هجري الموافق 2004م.

م56) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – كتاب: (من الشرعيَّة الدستوريّة إلى الشرعيَّة الثوريَّة ) – الصادرة طبعته من الأولى من القاهرة عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وهبَة) بتاريخ 1429 هجري الموافق 2007م.

م57) نفس المصدر السّابق. 

م58) الأستاذ/ إبراهيم عبدالعزيز صهّد – مقالة: (معركة الاستقلال.. صراع من أجل الحرية والوحدة والسيادة) – منشورة بملف (الإستقلال) الموجودة في موقع (الإنقاذ) الإلكتروني.

م59) سالم الحاسي – مقالة: (في ذكرى الاستقلال السيادة الوطنيّة... حصاد ثلاثة عقود) – نشرت في مجلة (الحقيقة) السنة الثانيّة العدد العاشر، وأعاد نشرها في موقع (ليبيا المستقبل) يوم 20 مارس 2005 م.  

م60) الدّكتور/ وهبي البوري – دراسة في حلقات تحت عنوان: (الإدارة البريطانيّة في برقة ) – الصحيفة الإلكترونيّة (ليبيا اليوم)، والمنشور في فبراير/ شباط 2008م.

م61) الأستاذ/ السّنوسي بلاَّلة – ورقة مقدمة في ندوة اللجنة الإعلاميّة للمؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة التي تمت بمناسبة الذكرى 54 لإستقلال ليبيا تحت عنوان:(مسيرة النَّضال الوطنيّ الليبي .. إنجاز إستقلال ليبيا من خلال مرحلتي الجهاد المسلح والنّضال السياسي)، وعقدت بقاعة (الكوفة) في لندن يوم الخميس الموافق 29 ديسمبر/ كانون الأوّل 2007م – نص الورقة منشورة في موقع (المؤتمر الوطنيّ للمعارضة الليبيّة).

م62) الأستاذ/ حمد المسماري – مقالة: (سلام قدري نغم الزمن الجميل) – حوار أجراه المسماري مع الفنان: (سلام قدري)، ونُشر هذا الحوار في مجلة (غزالة) أولاً ثمّ أعيد نُشره في موقع (ليبيا جيل) بتاريخ 8 مارس/ آذار 2007م.

م63) حوار خاص مع الشاعر راشد الزبير السّنوسي – موقع (ليبيا اليوم)، وأجرى الحوار الصحفي/ خالد المهير – أعيد نشر الحوار في موقع (أخبار ليبيا) بتاريخ 15 يونيو/ حزيران 2006م.   


الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home