Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Al-Sadeq Shukri
الكاتب الليبي الصادق شكري

الخميس، 3 يوليو 2008

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

هَدْرَزَة في السّـياسَةِ والتاريـخ
الملك .. العـقيد .. المعـارضة الليبيّة في الخارج
بقلم : الصادق شكري
الجزء الثّالث
الحلقة الرابعة ( 4 مِنْ 10 )

أعلم أن الحياة الخالدة هي للأمم لا للأفراد، وكذلك الأعمال العظيمة الباقية هي التي تنصرف إلى صالح الجميع.

أدعو الله سبحانه تعالى أن يهدينا إلى كلّ عمل ثمرته للأمّة، إذ من حق كلّ شعب أن يسيطر على شؤونه، والنَّاس منذ نشأوا أحرار. وقد أظهر شعبنا في كلّ أدواره مقدار محبته للحريّة فدفع مهوراً غاليّة، فلا يصح لأحد أن يطمع في استعباده والاستبداد بشؤونه.

من خطاب الأمير إدريس السّنوسي بمناسبة موافقته على بيعة أهل طرابلس، المؤرخ يوم الأربعاء الموافق 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1922م.                         

الحلقة الرابعة

أتم السيّد/ إدريس السّنوسي حفظ القرآن الكريم  في زاوية (الكفرة) على يد مشايخ السّنوسيّة وعلمائها قبل رحيله إلى برقة عام 1320 هجري الموافق 1902م. وكان أثناء دراسته في (الكفرة)، يتابع الإصدارات الأدبيّة والثقافية، ويميل إلى قراءة الشعر والاستماع إليه.

كان سيدي إدريس يحب الشعر العربي بالفصحى والعامية (الشعبي)، ويحفظ من الشعر عشرات الأبيات والعديد من القصائد. فقد كان مولعاً بالشعر العربي ومحباً له، ويعتبره منارةً للأدب والثقافة العربيّة، ويرى في حالة ازدهار الشعر وبلوغه المراتب العليا تعبيراً وانعكاساً لحالة الازدهار والتقدم التي يعيشها العرب والمسلمون، فقد ازدهر الشعر العربي وبلغ أعظم درجاته في العصرين الأموي والعباسي. كمَا، كان يحب الشعر الشعبي، ويحتل هذا الشعر بأنواعه المختلفة المكانة الخاصّة في نفسه. 

ويذكر، أنّه اعتمد (عنَّاوْة العَلَمْ) أسلوباً من بين الأساليب في إيصال رسائله المشفرة إلى شيخ المجاهدين عمر المختار. والعَلَمْ ، يمثل أحد ألوان التراث الشعبي الليبي، وتتركب عنَّاوْته من كلمات معدودة سهلة النطق والحفظ، ويعتبرها أهل البادية في المرتبة الثانية بعد الشعر. وهناك من يصف عنَّاوْة العَلَمْ بـ(قصيدة البيت الواحد) لما يحمله شعر العَلَمْ من دلالات، ومعاني، ومضامين، ودقة في الألفاظ والتعابير.

وعنَّاوْة العَلَمْ..{.. غير مقتصرة على الغزل بكلّ ألوانه بل تشمل الحكمة والإخلاص والوطنيّة، وكذلك، لها باب واسع النطاق فيما تخص الجلامه. وتلقي عنَّاوْة العَلَمْ  في أماكن عدة: خلف الإبل أو في الأعراس، وهذا أهمّ مكان لها وأمام حشد كبير من الحضور وتلقى بشكلها الذي يعرفه الجميع وقد يصاحبها المزمار الشعبي (المقرونة)، وقد يحدث تحاور بين إثنين في آن واحد وهي التي نسميها أو تسمى شعبياً بـ(المشايله).

يبدأ التحاور بين اثنين أو مجموعة من النَّاس، على أن يكون محور العنَّاوْة عن بند واحد كالمرهون مثلا ً، فيستمرون على المرهون حتى ينهي أحدهم الصراع بما يسمى بـ(القفلة) بعد ذلك ينتقلون إلى غيره وهكذا...}م32.  

تختلف موضوعات (عنَّاوْة العَلَمْ)، وتتعدَّد الأغراض التي تقال من أجلها، ولعنَّاوْة العَلَمْ نماذج مختلفة، وهذه خمس نماذج منها:  

توارَوْا وْهِم حيين، عرب أجواد كانوا يفعلوا.   

زرعت زرع جاب أثمار، جنوه ناس ما نالوا شقا

سفا رديم ع النيران، العقل وين ما فيهن وحل.

العقل ما ينام الليل، سطير جرح لولاف سمّرَه. 

تاكل بلا دخان، جوّاني دقِيلَه نارهم.  

ودعوني، ألقي بعضاً من الضوء حول (الشفرة والتشفير) قبل المرور على استخدام سيدي إدريس لعنَّاوْة العَلَمْ  كرسائل مشفرة كان يبعث بها، من مصر، إلى سيدي عمر المختار وكيله المسئول عن سير العمليات الجهاديّة ضدَّ الغزاة الإيطاليين. 

جاء في تعريف (الشفرة) على أنّها تقنيّة تستهدف ضمان سريّة المراسلات بين من يرسلها ومن يتلقاها، ويُعرف رجال القانون والمحاماة الشفرة أو..{.. التشفير على أنّه الوسيلة التقنيّة والشرعيّة التي تهدف إلى إخفاء المعطيات والمعلومات لجعلها غير واضحة للغير..

... والهدف من التشفير، كمَا يرى عدد من الفقهاء، هو جعل محتوى الرسالة لا يفهما إلاّ الشخص المرسلة له أو تكون غير قابلة للقراءة لغير أصحابها.  

والتشفير كمَا عرفه المشرع التونسي في الفصل الثّاني من قانون عدد 83 لسنة 2000 هو: [..استعمال رموز أو إشارات غير متداولة تصبح بمقتضاها المعلومات المرغوب تمريرها أو إرسالها غير قابلة للفهم من قبل الغير أو استعمال رموز أو إشارات لا يمكن الوصول إلى المعلومة بدونها...]..}م33.  

استخدم سيدي إدريس السّنوسي غناوي العَلَمْ كرسائل مشفرة كان يبعث بها، من آن إلى آخر، من مصر إلى سيدي عمر المختار في برقة بغرض إعلامه بشيء ما أو استطلاع رأيه في مسالة معينة أو الأذن له بالقيام بعمل من الأعمال التي سبق الاتفاق عليها. وصحيح أن عنَّاوْة العَلَمْ مكوّنة من كلمات مقروءة ليست من لغة رقميّة لا يصل شخص غير الشخص المرسلة له إلى فهم شيء منها، ولكن، فك طلاسم ما كان يكتبه سيدي إدريس لشيخ عمر المختار أو العكس، وفهم مقاصد المتداول بينهما كان من الصعب على غيرهما الوصول إليه، وربّما كان مستحيلاً. ونحن نتحدث هنا، في حالة وقوع مراسلاتهما في أيدي الأعداء، فالمراسلات علاوة على أنّها كانت مشفرة، كانت تتخذ كافة التدابير الأمنية من أجل وصولها في سرية تامّة. 

وفي سياق حب سيدي إدريس للشعر الشعبي وغناوي العَلَمْ، نذكر إعجابه بشعر (الرطِيز)  والحركات الاستعراضيّة المصاحبة له. حينما كان سيدي إدريس السّنوسي يجوب بفرسه في منطقة (الجبل الأخضر)، كانت تستوقفه الحركات الاستعراضيّة لرقصة (الرطِيز) في موكب الزفاف !. كانت العروس تُزف في الماضي إلى عريسها في (الكرمود) أو (الباصور) وهو الهودج الذي يُنصب على ظهر البعير (الجمل).

وجاء عن (الكرمود)، وشعر (الرِطيز) في كتاب: (مقاعد أصحاب الصَّوب) للأستاذ/ عبدالسلام إبراهيم قادربوه، ما يلي:..{.. يُزيَّن الكرمود والجمل الذي يحمله بالزينات التي تُسمَّى (البتات) وهي ممتلكات العروس، من ( أكلمة) وفُرُشٍ ونحوها.     

إلى جانب الجمل الذي يحمل (كرمود) العروس، تسير الفتيات – من صويحباتها وجاراتها وقريباتها – عن يمين وشمال، بينما يسير الرجال في المقدَّمة، ومن بينهم الشاعر الذي سوف يختارُ الوقت المناسب ليُلقي نصَّه الذي يُسمَّى شعر (الرِطيز) والحركات الاستعراضيّة المصاحبة تُسمَّى بنفس الاسم. يُشير الشاعر إلى الموكب في صيغة الأمر أن: (ألزم رحليك) وهو يقصد بذلك توقَّف عن السير. يبدأ في إلقاء قصيدته، يجلس جلسة تشبه القرفصاء وإن كانت أعلى منها قليلاً، والرِّجل اليُسرى أقرب إلى الأرض.  

وبعد أنّ ينتهي الشاعر من إلقاء قصيدته، يقوم ببعض الحركات الاستعراضيّة (الرطِيز) وهي التي يستمد منها النَّص إسمه، ثمّ يوجِّه بندقيته إلى الأرض ويُطلق إطلاقة، وتتجاوب الفتيات في الجهة المقابلة، فيُطلِقنَ الزّغاريد، ويدور الرجال نحو الاتجاه الذي كانوا يسيرون فيه، ليواصل الموكب رحلته نحو بيت العريس، وقد يتوقَّف أكثر من مرَّة إذا عَنَّ لشاعرٍ أو راويٍ أن يُلقي نصّاً من نصّوصِ (الرطِيز) التي نتحدث عنها.

وللتبيان – فقط – نذكر بعض أبيات شعر الرطِيز:

ألزم رحليك..... وِدّنِي نِشْكِي لَكْ

الضّحِكْ ساعة.... والبكاء مِشْوار

أنتْ يا النّاوي.... بُو قْرُون ملاوي

طْرِيتْ لِي سْطاوي... في الغلا بَيْطار..}م34.  

وفي سياق آخر.. كان الملك إدريس السّنوسي معجباً بنصوص الشاعر أحمد رفيق المهدوي لأنّه سجل بشعره مراحل الجهاد وحياة المنفى ومواقف المثقفين والسياسيين قبل الإستقلال وبعده. احتفظ الشاعر أحمد رفيق المهدوي بودّ خاص للملك إدريس السّنوسي ونظرة إجلال وتقدير لما قدمه السّنوسيّون وتحقق على أيدهم منذ عهد الإمام محَمّد بن علي السّنوسي. ورغم أنّ رفيق المهدوي كان محسوباً على قوى المعارضة، في وقتِ ما، إلاّ أنّه لم يسجل  في قصائده نقداً واحداً للملك إدريس السّنوسي لكونه مجاهداً وسليل أسرة شريفة، والشخصيّة الوحيدة التي امتلكت شرعيّة تاريخيّة ومبايعات معروفة ومكتوبة بالإضافة إلى هيبة خاصّة وقبول عام من القوى الوطنيّة كافة، في حين سجلت قصائده العديد من الانتقادات لبعض السياسيات ورجالات الدولة وأعوان الملك. ونذكر، من بين تلك القصائد، الأبيات التي نظمها بعد واقعة إصدار الحكومة عام 1952م قرار يقضي بإغلاق صحيفة (التاج). عارض المسئولون في صحيفة التاج قرار الإغلاق، ورفعوا دعوى قضائيّة ضدَّ الحكومة، ونظم الشاعر أحمد رفيق المهدوي بعض الأبيات تعبيراً عن رفضه لقرار الإغلاق والحكومة التي أصدرته، فقال: 

(التّاج) يشكو لربّ التاج ما لاقى... من الوزارة تعطيلا وإغلاقا

وزارة جاوزت مالا يطاق فأكثرت... على الشعب إعناتا وإرهاقا

صحيفة جاهدت حقّ الجهاد ولم... تألُ الحقيقة إظهارا وإحقاقا

وصودرت وهي تحت الطبع ما اقترفت... إثماً، ولا اكتسبت للسوء أخلاقا

وليس في العدل قانون يقام على... حريّة الرأي للأنفاس خنّاقا

إن الصحافة في الدنيا مهمّتها... نقد نزيه يضئ الرأي إشراقا

كان الشاعر أحمد رفيق المهدوي يطري على القادة السّنوسيّة ويظهر حماس وعاطفة جياشة لهم، وأظهر تلك العاطفة والحماس في القصيدة التي نظمها عام 1946م المعنونة: (متى تسعد البشرى) الموجهة إلى الأمير ووالده السيّد محَمّد المهدي المغفور له بإذن الله تعالى. وفي حق السيّد/ محَمّد المهدي، قال الشاعر أحمد رفيق الأبيات التاليّة:  

كانت طريقته القيام بسنة

نبوية لالاءة الاوضاح

فله من الخدمات للإسلام

ما يعلو على متناول الشراح

يكفيه نشر الدين في الآلاف من

أقصى حدود (الشاد) حتى (الواح)  

نصر لدين الله بين مجاهل

صعبت على الرواد والسياح

فازوا من الفتح المبين بعزة

الإسلام بعد عبادة ( الأشباح) 

وفي عام 1956م.. قال الشاعر أحمد رفيق المهدوي (21) في هذا العام، قصيدة طويلة عن الإمام محَمّد بن علي السّنوسي في الذكرى المئوية (22) لوفاته التي أقيمت في مدينة (البيضاء) شرق ليبيا، وقد شاركت وفود من عدة دول الشّعب الليبي في إحياءِ هذه الذكرى الخالدة. وجاءت مقدَّمة أبيات القصيدة كمَا يلي:  

خلدوا، ذكرى أمام المصلحين

سيد المجتهدين العارفين

الإمام، ابن السّنوسي، الذي

فاق صنف العلماء العاملين

كمَا قال الشاعر أحمد رفيق المهدوي بعض الأبيات الشعرية بعدما نجا الملك إدريس السّنوسي من محاولة اغتيال تعرض لها في طرابلس، وهي الزيارة التي قام بها تلبية لرغبة أبناء طرابلس أبّان فترة رئاسة السيّد/ محمود أحمد المنتصر للحكومة المؤقتة قبل إعلان الإستقلال، وذلك في شهر أبريل/ نسيان عام 1951م، وجاء الأبيات على النحو التالي:

وقاك الله من شر الأعادي

ودام علاك يا أمل البلاد

وعشت لأمة جعلتك رمزا

لوحدتها وروحا للجهاد

حياتك بيننا لله نورا

أيطفئ نوره أهل الفساد

أتم الله نعمته علينا

بحفظك واهتدائك للسداد

ولا شك، أنّ الشاعر أحمد رفيق المهدوي قد احتفظ باحترام خاص للملك إدريس كمَا عبر في قصيدته: (شكوى) المكتوبة عام 1954م، أثناء أزمة حلّ المجلس التشريعي بولايّة طرابلس، وهي القصيدة التي عرفت بين النَّاس باسم مطلعها: (أدرك بحكمتك). حدثت الأزمة الدستورية على خلفية حلّ المجلس التشريعي بولاية طرابلس (23) بأمر ملكي صدر بتاريخ 19 يناير/ كانون الثّاني 1954م. كانت البداية في عهد السيّد/ محمود المنتصر حينما صدر مرسوم ملكي يقضي بتعيين السيّد/ الصديّق المنتصر خلفاً للسيّد/ فاضل بن زكري في منصب والي طرابلس. وفي الوقت الذي كان المجلس التشريعي برئاسة السيّد/ علي محَمّد الديب يدير في مناقشات بشأن تعديل القانون الأساسي للولاية بغرض تحديد علاقة الوالي بالحكومة الاتحادية وحدود صلاحيات الحكومة في طبيعة عمل الوالي، صدر في 13 يونيه/ حزيران 1953م المرسوم الملكي القاضي بتعيين المنتصر خلفاً لبن زكري. أُعتبر هذا المرسوم معرقلاً للجهود المبذولة بشأن تعديل القانون الأساسي، وغير قانوني حيث صدر عن الملك منفرداً دون مشاورة وإخطار رئيس الوزراء بهذا القرار، فالإجراء الصحيح في مثل هذه الحالات هو حدوث أشياء تبرر إتخاذ مثل هذه الخطوة بشرط أن يتشاور الملك مع رئيس حكومته حول هذا الشأن ولا يصدر مرسومه إلاّ بتوقيع رئيس الوزراء إلى جانبه. وهذا، ما لم يحدث حيث صدر المرسوم خالي من توقيع السيّد/ محمود المنتصر رئيس مجلس الوزراء آنذاك. وبعد تولى السيّد/ محَمّد السّاقزلي (18  فبراير/ شباط 1954م إلى 11 أبريل/ نسيان 1954م) رئاسة الحكومة خلفاً للسيّد/ محمود المنتصر، وطعن السيّد/ علي الديب في الأمر الملكي، أصبح للقضية شأن ومسار أخر.

طعن السيّد/ علي محَمّد الديب الذي كان يشغل منصب رئيس المجلس التشريعي بولاية طرابلس في الأمر الملكي أمام المحاكم المختصة. أصدرت المحكمة بطرابلس (دائرة القضاء الإداري بالمحكمة ) يوم 5 أبريل/ نسيان 1954م حكمها ببطلان الأمر الملكي. أصدرت المحكمة حكمها في..{.. الطعن رقم (1 سنة 1 ق) بأنّ حل المجلس التشريعي بأمر ملكي هو عمل غير دستوري، على أساس أنّ الملك غير مسئول وأنّ الشخص الوحيد المسئول في مثل هذا الموضوع هو رئيس الوزارة وأنّ الأداة السليمة لحل المجلس التشريعي هي صدور مرسوم ملكي يوقعه رئيس الوزراء إلى جوار توقيع الملك بعد استشارة المجلس التنفيذي للولاية ويحتوي على أسباب الحل...}م35.

خرج أنصار السيّد/ الصديّق المنتصر إلى شوارع طرابلس مؤيدين له ومنددين بقرار المحكمة وقاموا بالهجوم على مبنى المحكمة العليا.. وخرجت مظاهرات في بنغازي تهتف بحياة الملك إدريس السّنوسي وسّقوط حكومة السيّد محَمّد السّاقزلي حيث اعتبر المتظاهرون قرار المحكمة مساساً بالولاء إلى الملك. وكان هناك من السياسيين من هو مستبشر وفرحان بقرار المحكمة حيث اعتبره انتصاراً ستوظفه قوى المعارضة لصالح أجنداتها وما تطمح لتحقيقه. 

كانت أزمة المجلس التشريعي بولاية طرابلس سبباً في سّقوطِ حكومة السيّد/ محمود المنتصر، وكانت تداعياتها ونتائجها سبباً في سقوط حكومة محَمّد السّاقزلي التي جاءت بعد وزارة المنتصر، وحكومة السّاقزلي هي أقصر حكومات العهد الملكي عمراً حيث لم يتجاوز عمرها أكثر من اثنين وخمسين (52) يوماً.

وأثناء هذه العاصفة السياسيّة الخطيرة، و(الحماقة) التي سيطرت على تصرفات بعض السياسيين وخروج المظاهرات الغاضبة إلى شوارع مدينتي طرابلس وبنغازي، قام الشاعر أحمد رفيق المهدوي بنسج أبيات قصيدة (الشكوى) الموجهة إلى الملك إدريس السّنوسي، فقال:   

أدرك بحكمتك، الباقي من الرمق                إن السفينة قد أشفت على الغرقِ

الشّعب يرنو، إلى الإصلاح، ملتجئاً            إليك، في حالة تدعو إلى القلقِ

عوّدته، في ليالي الخطب إن غسقت،            بنجدة من أصيل الرأي كالفلق

فخذ، بكفك، مرخى الزمام فقد               كادت تحيد نواجيها عن الطرقِ

واعمل، بنفسك، لا تركن إلى أحدِ             فليس غيرك مأموناً على الحدقِ

عجّل بإصلاحِ حال، ليس يصلحها            إلاّ القضاء على المنحط من الخلقِ

فقد تمادى أناس، في غوايتهم                   ولم يعفّوا عن التزوير، والسرق

واضرب بعزمة صمصام إذا نزلت،            مثل القضاء، على الفولاذ ينفلق

ضرباً على الرأس، لا الأيدي فقد كثرت     بين الرؤوس دواعي الطيش، والنزق 

وصار يحكم فينا، من له سند                   من المحاباة، أو كفل من الملق

وأصبحت حالة (التوظيف) مهزلة             فلا توافق بين "الشن والطبق"

وأصبح الأمر فوضى لا يرد إلى               عقل، ولا حكم قانون، ولا خلق

                                       **

يا مانح الأمّة إستقلالها، وجبت               لك الشكاية، فاسمعها ولا تضق

ومن سواك، له نشكو، وقد بلغت            منّا التراقي، وأشفينا على الرمق

تعديل دستورنا فرض، يحتمه                  ما قد وجدناه فيه غير منطبق

وفي البلادِ، قوانين معطلة،                    أحكامها، ونظام غير منطبق

وما القوانين والدستور إن بقيت             كمَا نراها سوى حبر على ورقِ

كم من (مجالس تشريع) وليس لها            غير الجدال، (ونظّار) بلا حدق

زوائد قطعها يجدي كقطعك، للأشجار،     تعظم بالأثمار والورقِ  

أسعف بفتحِ، جديد، لا هوادة في           تطبيق حكم من الدستور منبثق

واجمع، على وحدة، شملاً تشتت من        وضع قبلناه، رغماً، غير متسق

الله كلفنا توحيده فلنا،                      من ديننا آمر ينهي عن الفرق

توحيد خالقنا أمر يعادله،                   توحيدنا فاغتنم للخيرِ واستبق  

هكذا، كان أحمد رفيق محباً لمليكه، رغم معارضته لبعض وزرائه وأفراد حاشيته، والملك إدريس، من جهته، كان يحب رفيق ويقدر دور شعره في نشر الثقافة والوعي. قلّدَ الملك، وشاحاً رفيع المستوى لأحمد رفيق المهدوي، وقام بتعيينه عام 1952م عضواً في مجلس الشّيوخ في أوّل تشكيل للمجلس، ثمّ جدّد عضويته في تعيينات مجلس الشّيوخ عام 1956م. وبعد وفاته يوم الخميس الموافق 6 يونيو/ حزيران 1961م، كرمته الدولة الليبيّة بوضع صورته على طابع بريدي.

وفي وقفة أخرى، نقف عند مفكرة أو مفكرات الملك إدريس الخاصّة، لما لهذه المفكرات من علاقة بما سيأتي في هذه الوقفة. كان الملك إدريس – ومنذ شبابه – يشترى كل رأس سنة مفكرة من أجل تدوين أحداث أيّامه يوماً بيوم، كذلك، ليسجل خواطره وما لاحظه في يومٍ ما دون سواه من الأيّام. استولى إنقلابيو الأوّل من سبتمبر/ أيلول من عام 1969م على مفكرات الملك اليوميّة التي كان يحتفظ بها في بيته، فقد أرسل الإنقلابيون جنودهم إلى طبرق بغية إحكام السّيطرة على المدينة، وتفتيش مقر إقامة الملك بطبرق والاستيلاء على متعلقاته وأشيائه الخاصّة !. وعن هذه الواقعة، قال السيّد/ عبدالونيس محمود الحاسي أحد الضبّاط الشهود علي العصر..{.. أن منطقة طبرق، حيث قصر الملك ومقر إقامته الدائم، ظلَّت – وعلى أهميتها – حتى مساء اليوم الثالث للإنقلاب (3 سبتمبر/ أيلول 1969م)، خالية تماماً دون أنّ يدخلها جندي واحد من جنود جيشنا.. إلى أن أرسل المقدم موسى أحَمد من مقر قيادته بمدينة البيضاء، في مساء اليوم الثالث للإنقلاب.. أرسل النقيب صالح الدروقي مع قوة صغيرة قوامها سرية مشاة ضعيفة التجهيز، من أجل السيطرة على منطقة طبرق ..!!؟..}م36.  وكان ضمن برنامج السّيطرة على المدينة !، تفتيش القصر والاستيلاء على متعلقات الملك وأشيائه، ثمّ وضع القصر تحت الحراسة الخاصّة. وهكذا، كان.

استولى الإنقلابيون على مذكّرات الملك المسجلة في مفكراته الشخصيّة، ثمّ فبركوا حول يومياته وملاحظاته وخواطره التي وجدوها في المفكرات، قصص وحكايات، ووضعوها في مجلّد أسموه (حقيقة إدريس.. وثائق وصور وأسرار). صدرت طبعة المجلّد (كتاب) الأولى في بدايات السبعينيات، وصدرت طبعته الثانيّة في عام 1983م. ويذكر، أن الإنقلابيين وضعوا ما جاء في مفكرات الملك من تسجيلات في سياقات قصدوا من وراءها تشويه سيرة الملك وعهده، ولكن، لم ينال الإنقلابيون ما تمنوه حيث خرج كل من قرأ الكتاب بتمعن وتركيز، بنتائج عكس ما قصدوه وهدفوا إليه. 

وفي سياق هذه الوقفة، لابُدَّ من التنويه إلى الإشارة التي وردت في صفحة (103) من طبعة المجلّد (الكتاب) الثانيّة، حيث دُوِنت في هذه الصفحة بعض أبيات الشعر وجاء بخصوصها في المجلّد المذكور، ما يلي:..{.. قد وجدنا (جماعة إنقلاب سبتمبر/ أيلول) في مفكرات الملك أبياتاً من الشعر قالها في أحد الأعياد، وعلق عليها بأنّها من قوله..}م37.

ويتضح، من مفكرات سيدي إدريس وخطاباته، منذ إن كان أميراً، مدى تعلقه بالشعر وحبه له. ويذكر، أن سيدي إدريس كان كثير الاستشهاد، في العديد من خطاباته، بأبيات من الشعر، فلو مررنا على خطابه الشهير صيف 1944م (30 يوليه/ تموز) بمدينة بنغازي إلى خطاب استقالته المؤرخ في 21 جمادي الأوّل 1389 هجري الموافق 4 أغسطس/ أب 1969م، والذي أرسله من اليونان إلى أعضاء مجلس الأمّة الليبيّة مع الشيخ عبدالحميد العبّار رئيس مجلس الشيوخ، لوجدنا عدد من الأبيات الشعرية ذيلت تلك الخطابات أو توسطتها أو جاءت في مقدمتها. ففي خطابه بمدينة بنغازي صيف 1944م، ذكر الأبيات السالف الإشارة إليها، والتي تقول:

ولا خيرَ في حِلمٍ إذا لم تكنْ له... بوادرُ تَحمي صفَوهُ أن يُكدَّرا

ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم تكنْ له... حليمُ إذا ما أوردَ الأمرَ أصدَرا.

وفي خطاب استقالته في أغسطس/ أب 1969م، ذكر البيت التالي:

(سئمت تكاليف الحياة ومن يعش، ثمانين حولاً لا أباً لك يسأم ).

ويروي، بعض أفراد العائلة السّنوسيّة، بأن الملك إدريس كان يقرض الشعر إلى جانب محبته له، وقد سجل بعض ممّا كتب في مفكراته الشخصيّة التي احتفظ بها لنفسه، ولم يطلع أحداً عليها، ولكن، شاءت الأقدار أن تقع تلك المفكرات الهامّة في أيدي إنقلابيي سبتمبر/ أيلول 1969م ليعبثوا بها ويحرموننا من خيرِ ما جاء بها. 

وفي سياق جديد، وبعد الحديث عن محبة سيدي إدريس للشعر العربي بالفصحى والعامية، يأتي ارتباطه بـ(الخيل) ومحبته له، فـ(الخيل معقود بنواصيها الخير)، كمَا قال الرسول عليه الصلاة والسلام. توطدت علاقة سيدي إدريس السّنوسي بالخيل، منذ الصغر، أثناء وجوده في الكفرة، وقبل مجيئه عام 1902م إلى برقة، فتعلم ركوب الخيل في الكفرة، إلى جانب حفظه للقرآن الكريم، ودراسته للغة العربيّة، والفقه، والتفسير، والتّاريخ، والحديث، فأتقن البخاري، ومسلم، ومسند أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وموطأ مالك، ومسند أبي حنيفة، ومسند الإمام أحمد، وكتاب الأم للشافعي.

كان سيدي إدريس يجوب بفرسه، أبّان حكومة إجدابيا، في مناطق الحكم الذاتي، أيضاً، في منطقة الجبل الأخضر. ويذكر، أنّ فرسه البرقاوية ( فرس من سلالة برقاوية، أيّ، من برقة)، حملته في فبراير/ شباط 1915م طول الطريق من الكفرة إلى مكَّة.   

وأيّام، كان الأمير إدريس، يسكن في مدينة إجدابيا، كان يقضي شهور الصيف في منطقة الزّويتينة، وذلك قبل مغادرته البلاد في أواخر عام 1922م. هاجر الأمير إلى مصر، بعدما ابلغه إثنين من رفاقه بأنّ السّلطات الإيطاليّة الجديدة تنوي اعتقاله. أبلغ محَمّد السّاقزلي وعمر باشا الكيخيا، الأمير، بأن لديهما معلومات مؤكدة تفيد بأن حكام إيطاليا الجدد بقيادة نيتو موسوليني (24) الذي وصل إلى السّلطة في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر/ تشرين أوّل 1922م، أصدروا أوامرهم إلى جنودهم في ليبيا باعتقال الأمير، ونصحاه، بضرورة المغادرة قبل شروع الجنود في تنفيذ تلك التعليمات.

تولي الحزب الفاشستي بزعامة نيتو موسوليني في أكتوبر/ تشرين أوّل 1922م الحكومة في إيطاليا، وهذا التولي غير موازين القوى وتوجهات الدولة الإيطاليّة بالكامل، حيث، قرر الفاشيست احتلال ليبيا بالكامل وضمها إلى إيطاليا. أصدرت الحكومة الإيطاليّة الجديدة، تعليمات إلى جنودها في ليبيا، باعتقال كبار قادة الجهاد الليبي، ويأتي الأمير إدريس السّنوسي في مقدمتهم، وهذه التعليمات، حتمت على الأمير إدريس وعدد من المجاهدين والقادة،   الهجرة إلى مصر، وتونس، ودول عربيّة وأفريقيّة أخرى. واستطاعت إيطاليا، بقيادة الفاشيست، السيطرة على كلّ التراب الليبي، وبعد حين من الزمن، تمكن الأمير إدريس ورفاقه المجاهدون من طرد الإيطاليين من ليبيا بعد دخولهم كفرقة مقاتلة تحت لواء الجيش الثامن البريطاني من مصر.

قرر الأمير الهجرة، واستخدم في رحلة خروجه وسائل نقل متعددة، منها: الخيل التي كان يحبها كثيراً ويجيد ركوبها. ونجد سياق الحديث، يدعونا بإلحاح، إلى الوقوف عند جزئية (الفرس) لما لها من علاقة تربطها بشخص سيدي إدريس، وما يحب، ومعنى محبته لشيء دون سواه من الأشياء !!؟.

ولا شك، أن سيدي إدريس، جمع بمحبته للخيل بين شيئين، هما: التقليد العربيّ، والتقليد الإسلامي !!. فقد كان العرب يتباهون بالخيل ويتفاخرون به، ويعتبرون (الجواد) رمزاً من رموز الشجاعة والقوة والسؤدد، وعبروا عن هذا التفاخر والاعتزاز في عدد من أشعارهم، ومن أشهر قصائدهم عن الخيل ما قاله (المتنبي):

الخيل والليل والبيداء تعرفني.. والسيف والرمح والقرطاس والقلم

وما قاله (امرئ القيس) في وصف فرسه:

مكر مفر مقبل مدبر معا.. كجلمود صخر حطه السيل من عل

ومن الناحية الأخرى.. فقد ذُكر (الخيل) في كتاب الله العزيز، على أنّها للركوب والزينة والشهوات المحببة إلى النفس البشرية شأنها شأن المال. ويكفي في شرف الخيل، أن الله سبحانه تعالى، أقسم بها في كتابه العزيز، فقال: (والعاديات ضبحاً )، وجاء في تفسير هذا القسم للشيخ محَمّد علي الصَّابُوني، ما يلي:..[.. أيّ أُقسم بخيل المجاهدين المسرعات في الكرّ على العدو، ويُسمع لأنفاسها صوتُ جهير هو الضبحُ..].

ويروى، أن دار الرسول صلى الله عليه وسلم، كان بها خيل، وأنّ نواصي الخيل معقود بها الخير كمَا قال عليه السلام حيث قال: [ الخيل معقود بنواصيها الخير والأجر والمغنم إلى يوم القيامة ].

و حثنا رسولنا محَمّد صلى الله عليه وسلم، على ممارسة الرياضة بوجه عام، وطالبنا عمر بن الخطاب (الفاروق)، بتعليم أولادنا: ركوب الخيل، فقال رضي الله عنه:..[..علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل..].  

ومن جديد.. كان الأمير إدريس يحب الخيل، ويعتقد في الخير والأجر المعقود في نواصيها. وكان يجوب بفرسه وسط الجبال، وبين الواحات في فترة (الحكم الذاتي)، وكانت له فرس من سلالة برقاوية – وقبل أن يصبح أميراً – حملته في أغسطس/ أب 1913م إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج. وهي الرحلة التي استغرقت عاماً ونصف، وجاب فيها الصحراء والواحات الليبيّة، ومناطق وبلدان عربيّة، شملت: مصر، وحيفا، ودرعا، وعمان، وتبوك ومدائن صالح، والمدينة المنورة، والطائف، ومكة.       

كان سيدي إدريس فارساً من الطراز الأوّل، ويقال أنّه والسيّد/ صفي الدين السّنوسي كانا أفضل اثنين في العائلة السّنوسيّة يجيدان ركوب الخيل. ولأنّ سيدي إدريس، كان يحب تقاليد العرب ومرتبط بسلوك وأفعال السلف الصالح، فقد أهداه البعض: السيوف، السروج، والخيل، كمَا فعل صديقه السيّد/ خليل البناني الذي أهداه عام 1913م فرس من سلالة برقاوية، وأهدته مدينة بنغازي، في صيف 1944م، سيفاً مقبضه من الذهب الخالص.   أقام السيّد/ يوسُف لنقي (25) مأدبة غداء، على نفقته الخاصّة وفي داره، باسم مدينة بنغازي لسموه، بعد عودته من مصر سالماً منتصراً، وحضر المأدبة أكثر من مائة مدعو. احتفلت المدينة احتفالاً بهيجاً رائعاً بقدوم الأمير، يعكس مدى تمسك النَّاس بشخصه قائداً وزعيماً وأباً روحياً، ومدى تقديرهم لسموه وتعلقهم بالبيت السّنوسي المجيد المبارك. وقد ساهم يوسُف لنقي، بنصيب وافر من نفقات هذه الاحتفالات، وفي الهدية التي منحتها المدينة لسموه بهذه المناسبة السعيدة المباركة. وتمّ، توزيع..{.. مقادير كبيرة من المؤن على فقراء المدينة، وإعداد سيف من صنع مدينة بنغازي يهدى إلى سمو الأمير نقش على صقله بيتان من نظم الأستاذ/ محَمّد بن عامر:

إدريسُ إن السيف قد... أرى به الشعبُ عِداكْ

فاحـرصْ عليه فإنّـه... (عهدُ) بأنهمُ فداكْ

مقبض هذا السيف من الذهب الخالص، جعل له زائدة تغطي فوهة الغلاف من الذهب أيضاً، وزاد في جمالها حجرة حمراء، ونقش على هذه الزائدة (بنغازي 8 شعبان 1363 )، ثمّ الغلاف له قبضتان من الفضة وبينهما قبضة من الجلد الأسود نقش عليها إسم بنغازي في الوسط وهلالان ونجمتان، رمز العَلَم القومي، وذلك بخيط الحرير الفضي. وفي هذا الغلاف حلقتان من الفضة، وله حمال من الشريط الفضي، والملف الأحمر وضع له صندوق من خشب اللوز الهندي مقرض بالقطيفة الزرقاء..}م38.

أمّا الفرس البرقاويّة التي أهداها السيّد/ خليل البناني، في عام 1913م، إلى سيدي إدريس، هي ذات الفرس التي استخدمها سيادته يوم مغادرته الكفرة في الرابع من شوال الموافق أغسطس/ أب 1913م، قاصداً الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، وكان معه بعض الرفاق، يأتي في مقدمتهم: السيّد/ علي العابدية، والسيّد/ محَمّد التواتي. وفي هذه الرحلة، كان سيدي إدريس السّنوسي ورفاقه يركبون الخيل، وكانت الإبل تحمل أمتعتهم.

ترك سيدي إدريس الفرس التي حملته في حيفا، لأنّ القبطان لم يجد لها مكاناً على الباخرة !. وعن هذه الحادثة، قال هو بنفسه:..{.. هكذا غادرنا حيفا في فبراير/ شباط 1915م وقد اضطررت للأسف إلى ترك فرسي هناك لأن القبطان لم يجد لها مكاناً على الباخرة. وهي كانت من سلالة برقاوية تربت في أرياف الجبل الأخضر، وكان أهداها إليّ خليل البناني، وقد حملتني طول الطريق من الكفرة إلى مكَّة، ثمّ في طريق العودة كذلك، فتأسفت كثيراً لتركها في حيفا حيث ماتت بعدها بمدة قصيرة...}م39

كان الملك إدريس السّنوسي دائماً يملك فرساً أو أكثر حتى بعد توقفه عن ركوب الخيل بحكم تقدم سنه، ففي مقر إقامته في طرابلس (قصر الخالد) كان لديه إسطبل للخيول وكان هناك شخص أسمر البشرة مشرفاً على الإسطبل. وبعد قيام الإنقلاب عام 1969م داهم الإنقلابيون قصر الخالد وطلبوا من مشرف الإسطبل الترحيب بالإنقلاب ومباركته، والتحدث بالسلب عن شخص الملك إدريس السّنوسي ونظام حكمه، ويبدو أنّ هذا الشخص كان وفياً لمليكه وشيخ طريقته فاستهجن الإنقلاب ورفض الاعتراف به. تأوه الإنقلابيون من كلام الرجل وأوجعتهم كلماته فأمروا صحفياً في جريدتهم الجديدة (صحيفة الثورة) ليكتب مقالاً ضدَّ هذا الوفي المخلص، فخرج مقالاً في اليوم التالي تحت عنوان: (قصة عبد بائس ).

كان الملك يأتي إلى (قصر الخالد) أحياناً لأنّه في السنوات الأخيرة من فترة حكمه كان يقيم في بيته المتواضع بدار السلام في مدينة طبرق. وفي فترة إقامته بمدينة طبرق – وإلى تاريخ مغادرته ليبيا في12 يونيو/ حزيران 1969م إلى اليونان – كانت لديه فرس في حديقة منزله، وبعد صلاة فجر كلّ يوم كان يمر عليها ويطمئن على أكلها وصحتها ويداعبها بعضاً من الوقت، فيشعر بسعادة تامة، ومتعة خاصّة، وكأنه فوق ظهر فرسه في سباق.         

ومن جديد، وبعد هذا الاستطراد.. قرر الأمير إدريس، الهجرة، بعدما ضيق الطليان الخناق عليه، وأعلم خبر قراره إلى (أزنين البرعصي) خبير الطريق الذي كان يرافقه في الكثير من أسفاره، وأمره بإبلاغ السائق (مبروك الغزال) بتجهيز السيارة، وهي السيارة الممنوحة للأمير من الطليان باعتباره رئيساً لسّلطة الحكم الذاتي بإجدابيا.

انطلق الأمير ورفاقه: محَمّد التواتي، محَمّد الفزاني، إبراهيم الشلحي، نوري السّعداوي، محَمّد بن الصادق بن الحاج، عبدالرَّحمن باشا عزام الذي رفقهم في الطريق، والذي رفضت السّلطات المصريّة بعد وصولهم إلى سيوة السماح له بالدخول بسبب تعاونه مع الأتراك أثناء الحرب العالميّة الأولى، فرفض الأمير إدريس السّنوسي الدخول إلى مصر بدون عزام.      

وفي الخصوص، قال السيّد/ مصطفى أحمد بن حليم في كتابه (انبعاث أمّة.. وسقوط دولة)، الصادر عام 2003م، عن الرحلة:..{.. فعند وصول الأمير إدريس السّنوسي ورفاقه إلى نقطة الحدود المصريّة بسيوة في 20 يناير/ كانون الثاني 1923م، اصطدموا برفض مسئول السّلطات المصريّة بسيوة السماح لعبدالرَّحمن عزام بدخول وطنه مصر بسبب تعاونه مع الأتراك أثناء الحرب العالميّة الأولى، فرفض الأمير إدريس دخول مصر من دون رفيقه عزام، فما كان من مسئول السّلطات المصريّة إلاّ أنّ رفع الأمر إلى السّلطات العليا التي أرسلت موافقتها مصحوبة بسيارات نقلت الأمير ورفاقه إلى مرسى مطروح ومنها إلى منطقة الحمام – الساحل الشمالي المصري– فركبوا من هناك المقصورة الملكيّة بالقطار إلى الإسكندريّةِ ثمّ إلى القاهرةِ حيث استقبل الملك فؤاد الأمير إدريس السّنوسي بترحاب بالغ وأسر له بأنّه مرحبُّ به للإقامةِ بمصر ما شاء له..}م40.   

على أية حال.. انطلق الأمير ورفاقه في طريق الهجرة إلى مصر، وبعد مشوار، توقفت السيارة في الطريق نتيجة لعطب ما حدث في محركها، فترك الأمير ورفاقه السيارة في جانب الطريق، وذهبوا يبحثون عن مساعدة، وبعد ساعات عادوا إلى السيارة وتمكنوا من إصلاحها بمساعدة شخص آخر، وأثناء غيابهم كانت هناك سيارة عسكريّة إيطالية تجوب الطرق الليبيّة بحثاً عن الأمير لأجل اعتقاله ولكن الجنود الطليان وجدوا السيارة مركونة على جانب الطريق ولا أحداً فيها، فانتظروا قليلاً، ثمّ غادروا المكان إلى مواقعهم، وبعد مغادرتهم مباشرة عاد الأمير ورفاقه إلى المكان، وواصلوا مشوارهم بعد إتمام عميلة تصليح عطب السيارة.

ويؤكد بعض أفراد العائلة السّنوسيّة، أن أكثر من سيارة رافقت الأمير في رحلة خروجه هذه، وعدد الأشخاص الذين رافقوا الأمير في رحلته يُرشح كفة هذا التأكيد. وما نريد التأكيد عليه في الخصوص – وبغض النظر عن عدد السيارات – أن الأمير إدريس السّنوسي ركب السيارة التي كان يقودها السيّد/ مبروك الغزال.    

استخدم الأمير إدريس، وسائل نقل متعددة في رحلة الخروج: السيارة، السير على الأقدام، الخيل، القطار، إلى أن وصل إلى القاهرةِ في يناير/ كانون ثاني 1923م. أحاط الأمير رحلة خروجه بشيء من السريّة حتى لا يمنعه الطليان من مغادرة إجدابيا، فقد أشاع رفاق سموه، بأنه متجه إلى (الكفرة) للاطمئنان على أحوال النَّاس. 

على العموم.. وصل الأمير إلى (جالو) في أوّل يناير/ كانون الثاني 1923م، وإلى (الجغبوب) في 13 يناير/ كانون الثاني 1923م، وإلى (سيوة) في 18 يناير/ كانون الثاني 1923م، وتابع رحلته حتى بلغ (مرسى مطروح)، ثمّ منطقة (الحمام) بالساحل الشمالي المصري.

ركب الأمير ورفاقه، من المريوطية، في المقصورة الملكيّة بالقطار إلى الإسكندريّةِ، ثمّ إلى القاهرةِ. بلغ سموه القاهرة في 27 يناير/ كانون الثاني 1923م حيث استقبل استقبالاً رسمياً رفيع المستوى، فوجد في استقبله كبار القوم من الوجهاء والمشايخ، وأهل العلم والفضل، وعدد من الرسميين يتقدمهم المندوب الخاص للملك فؤاد الأوّل. وبعد وصوله إلى القاهرةِ، مُنحَ الأمير إدريس السّنوسي حق اللجوء السياسي في مصر بوساطة اللورد (اللنبي). 

وبعد الحديث عن شخص سيدي إدريس وما يحب ويتقن القيام به، كذلك، سرد رحلة خروجه إلى مصر بشيء من التفصيل، نصل إلى نقطة: الدور الحيوي الهام الذي لعبه سموه في المهجر. تحرَّك الأمير بين المهاجرين واستمع إلى آرائهم ومقترحاتهم ثمّ عَقَدَ في بيته بالإسكندريةِ اجتماعاً ضم أربعين شخصيّة من طرابلس وبرقة، وذلك في الفترة الواقعة ما بين 20 و23 أكتوبر/ تشرين أوّل 1939م. أصدر المجتمعون..{.. في الثالث والعشرين من أكتوبر/ تشرين أوّل 1939م الموافق التاسع من رمضان 1358 هجري وثيقة تاريخيّة تقرر بموجبها أن يعهدوا إلى الأمير إدريس الزَّعامة العامّة شريطة أنّ يعين (هيئة مشتركة) من زعماء طرابلسيين وبرقاويين تكون مهمتها تقدين النصح للسيّد إدريس في كلّ عمل قد يتخذ ممّا يتعلق بتحرير بلادهم. وقد وقّع على هذه الوثيقة (التفويض) واحد وخمسون شيخاً. 

وكان من بين الموقعين: عبدالسلام الكزة، صالح الأطيوش، عبدالحميد العبّار، وعبدالحميد بومطاري، إبراهيم أحمد الشريف السنوسي (من برقة).. أحمد الشتيوي، عون سوف، محَمّد توفيق الغرياني (من طرابلس).. وينتمي هؤلاء الموقعين إلى قبائل ترهونة ومصراتة وورفلة والمنفة والعواقير والمغاربة والبراعصة والحاسة فضلاً عن شخصيّات من بنغازي وغريان والقصور.

وتمّ إبلاغ رئيس الوزراء المصري والسفير البريطاني في القاهرة بفحوى قرارات الاجتماع والوثيقة (التفويض). ولقيت الوثيقة استحساناً في أوساط المهاجرين الليبيّين في تونس والسّودان وسوريا. وكان من مظاهر التأييد الذي لقيته هذه الخطوة أن عقدت (جمعيّة الدَّفاع الطرابلسي البرقاوي) اجتماعاً في دمشق يوم 11 ديسمبر/ كانون الأوّل 1939م وأصدرت بشأن الاجتماع والوثيقة التي صدرت عنه بياناً يؤكد معاني الطاعة والولاء للأمير، ومناصرة هذه الخطوة ودعمها بكلّ الوسائل والطرق.

ومن جهة ثانية.. دعا الأمير إدريس السّنوسي الزعماء الليبيين في المهجر إلى اجتماع في القاهرة خلال شهر أغسطس/ أب 1940م، وانعقد الاجتماع واستمر التداول طيلة يومي السابع والثامن من أغسطس/ أب، وفي اليوم التاسع جاء قرار أغلبية المجتمعين معبراً عن الثقة في الحكومة البريطانيّة والاتفاق على إنشاء جيش ليبي يسمى (القوة العربيّة الليبيّة) للقتال إلى جانب القوَّات البريطانيّة ضدَّ الإيطاليين.

والذي يعنينا في هذا المقام من هذه القرارات، ما ورد بالبندين الثّاني والثالث منها، واللذين ينصّان على:

*) إعلان الإمارة السّنوسيّة والثقة التامّة بالأمير إدريس السّنوسي المبايع له بالإمارة على القطرين.

*) تعيين هيئة تمثل القطرين، طرابلس وبرقة، تكون مجلس شوري للأمير المشار إليه.

وأرسلت الوثيقة المحتوية لهذه القرارات رسمياً إلى جنرال ويلسون وأصبحت الأساس الذي قام عليه التعاون بين الليبيّين وبريطانيا.

وفي اجتماع وطنيّ عُقد بالقاهرة في السادس من أغسطس/ أب عام 1942م تمّ الاتفاق على المبادئ التي تضمنتها الاتفاقيّة وجدد الموقعون عهدهم للاعتراف بالأمير إدريس السّنوسي زعيماً لهم...}م41.

وبكل تأكيد.. لم يكن الوصول إلى اتفاق مع البريطانيين، وليد اللحظة، إنّما، جاء كنتيجة لعمل طويل متراكم عبر سلسلة من التحركات والاتصالات والتفاهمات. قام سيدي إدريس، بعدد من الاتصالات المهمّة مع شخصيّات إنجليزية حتى قبل استلامه لإمارة السّنوسيّة من أبن عمّه السيّد/ أحمد الشريف. اتصل ببعض الشخصيّات البريطانيّة، بعد عودته، من أداء فريضة الحج، ونزوله ضيفاً في القاهرة على السلطان حسين. فأثناء توقف سيدي إدريس في مصر في هذه الفترة الواقعة ما بين فبراير/ شباط ومارس/ آذار 1915م، قام بزيارة كل من: الجنرال ماكسويل (قائد القوّات البريطانيّة في مصر)، والكولونيل كلينتون (مندوب حكومة السّودان المقيم بالقاهرةِ). وهذه اللقاءات رسخت قناعة لديه: أن البريطانيين أقوياء وقابلية التفاهم معهم ممكنة بينما التفاهم والاتفاق مع الطليان والألمان غير ممكن، وأفضل خيار لليبيّين هو تأييد الإنجليز في الحرب، وإن تعذر عليهم ذلك فليكن الحياد سيد الموقف. وكانت له مراسلات مع شخصيّات بريطانيّة هامّة بعد عودته إلى ليبيا واستلامه لإمارة الحركة السّنوسيّة، وأهم تلك المراسلات، الرسائل التي بعثها إلى الجنرال ماكماهون (ممثل الملك جورج الخامس في مصر). 

على أية حال.. بعد أن تقرر تشكيل جيش وطنيّ لأجل تحرير ليبيا من المستعمر الفاشستي أثر الاجتماع الذي عُقدَ في منزل الأمير بحي الزمالك بالقاهرة، تأسست (القوة العربيّة الليبيّة) للقتال التي عُرفت باسم (الجيش السّنوسي) في اليوم التاسع من أغسطس/ أب 1940م، وألقى الأمير محَمّد إدريس المهدي السّنوسي، كلمة في أفراد الجيش، عقب التأسيس مباشرة، بمعسكر الجيش الواقع في الكيلو ‏تسعة غرب القاهرة. وهناك نصب تذكاري لتأسيس الجيش السّنوسي لازال موجوداً حتى الآن في منطقة الهرم عند الكيلو ‏تسعة غرب القاهرة.

انضم إلى الجيش السّنوسي، عدد كبير من الليبيّين المقيمين في مصر، وكان عدد منهم يدرس في الجامعات والمعاهد والمدارس المصرية، والعدد الأكبر كان من الدارسين في الأزهر الشريف. ترك هؤلاء الأزهريون الدّراسة، وانضموا في صفوف الجيش، تلبيةً لنداء الواجب الوطنيّ بغية تحرير البلاد من قبضة المستعمر الفاشستي البغيض. كمّا انضم إلى الجيش السّنوسي المرابط – وفي مرحلة لاحقة – الأسرى الليبيّين الموجودين بالتل الكبير والذين أسرهم الجيش البريطاني في نهاية 1940م في منطقة سيدي البراني بمصر، والذين كانوا قد جندوا بالغصب والإكراهِ ضمن القوّات الإيطاليّة الزاحفة من الغرب على مصر.    

وأسماء الضبّاط كمَا نُشرت في موقع (أخبار ليبيا) في الذكرى السادسة والستين لتأسيس الجيش السّنوسي، ووردت في المصدر المُشار إليه، كمَا يلي:  

حسين الفقي عبدالمالك، حمد بوخير الله منصور، صالح أمطير حميد، محَمّد الفقي عبدالمالك، علي صالح جعوده، محَمّد بوزيد الفارسي، علي أمبارك زافير، مصطفى حسين، عبدالرازق فرج، عبدالرحيم زروق، التواتي عبدالجليل سالم، مبروك عروق مازق، موسى محَمّد الظريف، الصادق رسلان، السّنوسي سعيد الأطيوش، عبدالونيس عبدالله العبّار، مفتاح محمد التريكي، أبوبكر عبدالونيس، نوري الصديق إسماعيل، عبدالسلام أحمد شهوب، محَمّد علي لآغا، مراد عبدالسلام، محَمّد عبدالرازق (وقع في البحر ومن قائل أنه مات)، إدريس عبدربه، حسن الديجاوي، محَمّد محمود إبراهيم، عبدالموجود بالقاسم، إدريس اجبيل، لطفي قاسم عمر، أرحومه الجبالي عوض، عبدالحفيظ سالم، سعيد حمد سالم، قاسم النعاس المازي، حمدو سالم إبراهيم، عبدالمحسن مريض، مفتاح سليمان حسن، سعد علي أرحومه، يادم عبدالنبي، محَمّد عبدالسلام أحمد، محَمّد بورحيم، حمد السنوسي شعيب، حمد محَمّد مختار، محَمّد عمر مختار، طربان فرج أرحيم، خليل محَمّد السنيني، محمود علي بوقويطين (26)، غيث قدروه، محَمّد عبدالجليل، خالد البراني البرعصي، باسل جاب الله الحمري، محَمّد أبوبكر المنصوري، مفتاح سالم الفيتوري، جمعة مسعود العقيلي، أبوبكر محَمّد، علي بالحسن بركات، علي عبدالله فرهود، عبدالقادر توفيق يونس، محَمّد علي شنيب (توفي على أثر إصابته بطلقات نارية في الجيش)، محمود المزغني، يُوسَف محَمّد نجيب، إبريك عبدالونيس، أبوشويشة البرعصي، بالقاسم أحمد الشريف، الصديق عابد السّنوسي، منصور صفي الدين السّنوسي، الرضا صفي الدين السّنوسي، مهدي عبدالرَّحمن، قصيبات محَمّد صالحين عبدالسلام، السيد محَمّد كمال، مفتاح الأشهب، حمد العبيدي، محمود الذياب عبدالرَّحمن، محَمّد قذّافي الدم (والد سيّد وأحمد قذاف الدم)، محَمّد عبدالرحيم، الجبالي خير الله منصور، عبدالله علي ونيس، علي محَمّد الغزالي، سالم محمود سمعان، سعد سالم فنوش، عبدالحميد الأطرش، محَمّد موسى الدرسي، مفتاح منصور العقوري، اقطيط محَمّد حسن، محَمّد سالم قصيبات، علي عمر عبدالمالك، الصادق حسين كشبور، موسى مسعود محَمّد، محَمّد سويني عبدالله، السّنوسي محَمّد كدوم، يُوسَف محَمّد حسين، فهيم محَمّد  الخير، ميلاد عوض التاجوري، أحمد مختار بالقاسم، عقيلة سعيد يوسف.

ومن بين الشخصيّات البارزة في الجيش السّنوسي، والتي لم تذكر في هذه القائمة:

جبريل صالح (27)، رجب صالح اعبيدة، الصديّق الجيلاني، عبدبو الجود الجازوي، مصطفى القويري، إبراهيم ‏التواتي العرفي.. وربّما آخرين. 

ومن بين الذين تحملوا مشاق مهمّة إعداد الجيش، كمَا جاء في كتاب: (إنـبعاث أمـّة وسقـوط دولــة)، للسيّد/ مصطفى أحمد بن حليم (رئيس وزراء ليبيا الأسبق)، السّادة الآتية أسماؤهم:..{..عبدالحميد العبّار.. صالح باشا الأطيوش.. عبدالسلام الكزة.. عمر فائق شنيب.. محمود بوهدمة.. عبدالجليل سيف النصر.. عبدالكافي السمين.. هارون المنفي.. محمود بوخزيم.. مصطفى القنيّن.. علي لآغا.. عمر عبدالملك.. صفى الدين السّنوسي.. الصديّق الرضا.. إبراهيم أحمد الشريف.. محي الدين السّنوسي.. وغيرهم.

وكان من بين ضباطه الذين تولوا مناصب عليا بعد الإستقلال: محمود بوقويطين.. السّنوسي الأطيوش.. نوري الصديق بن إسماعيل.. عبدالحميد باي درنة.. حسين الفقيه.. جمال الدين باشا آغا.. على صالح جعودة.. حامد على العبيدي.. وغيرهم ..}م42.

وتؤكد العديد من المصادر التاريخيّة، بأن الجيش السّنوسي، أحتوى سجله على (1179) أحد عشر ألفا وتسعة وسبعون فرداً منهم 96 ضابطاً. ويروي البعض بأنّ الأمير إدريس السّنوسي، اعتمد في العديد من الأمور على استشارات هامّة قدمها له مستشاروه: علي صالح العابدية (28)، وعمر فائق شنيب، ومن المعلوم أنّ العابدية كان قد اكتفى بالدور الإداري والاستشاري في هذه المرحلة من الجهاد الليبي بحكم تقدم سنه، بينما، مارس شنيب دوره الميداني باعتباره ضابطاً في الجيش السّنوسي علاوة على منصبه الاستشاري.

 ملاحظات وإشارات هامّة

21) الشاعر أحمد رفيق المهدوي:  أحمد رفيق (1898م – 1961م) أديب وشاعر لعب دوراً وطنياً بارزاً ومميزاً، وأُطلق عليه في عام 1960م، لقب (شاعر الوطن). كتب عباس العقاد الناقد والمفكر المصري، في صحيفة (الأخبار)، يوم 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954م، مقالاً مطولاً عن شعره، وثمن موهبته عالياً. وأصدر الأستاذ/ محَمّد الصادق عفيفي في عام 1959م، كتاباً عن الشعر خصصه بالكامل عن الشاعر أحمد رفيق بعنوان: (رفيق شاعر الوطنيّة الليبيّة). وأهمّ الكتب التي صدرت عنه، في الآونة الأخير، الكتاب الذي جمع عدداً كبيراً من النصوص التي كتبها الشاعر، وعدد من الوثائق التاريخيّة الهامّة التي تخصه، وهو كتاب (وميض البارق الغربي) الذي أعده وحققه، الأستاذ/ سالم حسين الكبتي، وصدرت طبعته الأولى في عام 2005م

عينه الملك إدريس السّنوسي، عضواً بمجلس الشيوخ، بعد أوّل تشكيل للمجلس عام 1952م، وجدد عضويته بالمجلس، عام 1956م، في التعيينات الجديدة للمجلس. 

انتقل الشاعر أحمد رفيق المهدوي إلى رحمة الله تعالى، في العاصمة اليونانيّة (أثينا)، يوم الخميس الموافق 6 يوليو/ تموز 1961م، وأُرسل جثمانه إلى ليبيا، ودفن، يوم الثلاثاء الموافق 11 يوليو/ تموز 1961م، بمقبرة (سيدي عبيد) بمدينة بنغازي. 

احتفت الجامعة الليبيّة بأربعينيته في شهر أغسطس/ أب، وأطلق اسمه على أحد مدرجات كلية الآداب. وأصدرت الدولة الليبيّة في الحقبة الملكيّة طابع بريدي يحمل صورته، وسمت شارع البحر بمدينة بنغازي على اسمه.   

أنظر كتاب: (وميض البارق الغربي.. نصوص ووثائق عن الشاعر أحمد رفيق المهدوي) للأستاذ/ سالم حسين الكبتي، الصادر عن: (مكتبة 5 التمور بمدينة بنغازي الليبيّة) – الطبعة الأولى عام 2005م.      

22) الذكرى المئويّة: في سنة 1956م، احتفلت ليبيا بمرور الذكرى المئويّة لوفاة الإمام محَمّد بن علي السّنوسي، مؤسّس الطريقة السّنوسيّة، وجدّ السيّد/ محَمّد إدريس المهدي السّنوسي أوّل ملك وطني تولّى عرش ليبيا المستقلّة الموحّدة. وقد تكوّنت لإحياء الذكرى لجنة عليا، ترأسّها الشيخ/ محَمّد أبو الإسعاد العالم (مفتي ليبيا)، وشغل عضويتها كلّ من: الشيخ/ منصور المحجوب، والشيخ/ عبد الحميد الديباني، والأستاذ/ أحمد راغب الحصائري. وتولّى أمانة اللجنة: الأستاذ/ عبداللطيف رشيد الكيخيا مدير المراسم بوزارة الخارجيّة (لتنظيم شئون الضيافة)، والأستاذ/ مفتاح السيّد الشريف أمين المطبوعات الإتحاديّة (للشئون الإعلاميّة). وكانت الدعوات توجّه إلى سفير ليبيا في القاهرة د/ وهبي أحمد البوري، لتواجد تمثيل دبلوماسي فيها لأغلب الدول الإسلاميّة. وبلغ عدد المدعوّين حوالي مائة بين وفود دول وشخصيّات إسلاميّة مرموقة، فبالإضافة إلى جميع الدول العربيّة والإسلاميّة ، أضاف الملك إدريس السّنوسي إلى قائمة المدعوّين، وبخطّ يده، إسم الصّين. وفي تلك الفترة شهدت القاهرة جدلاً سياسيّاً ساخناً، فالرئيس جمال عبد الناصر قرّر الاعتراف بالصين الشعبيّة، بينما كان للصين الوطنيّة ( فرموزا) سفير في القاهرة، وعندما تسلّم السفير الليبي الدعوة كانت معنونة بإسم سفارة الصين دون تحديد أيّهما، ممّا جعله يوجّه إستفساراً للخارجيّة الليبيّة إلى أيّ من السفارتين ترسل الدعوة، فكان أن جاءه الجواب برقيّا بأن توجّه الدعوة للسفارة المعترف بها من القاهرة. فكان أن أرسلها السفير إلى سفارة الصين الشعبيّة التي افتتحت يوم وصول الدعوة، مع أن السفارة الصينيّة الوطنيّة كانت ما زالت في القاهرة !، وفي تلك الظروف التي اتّسمت باحتدام صراع الحرب الباردة في المنطقة، فُسّرت الدعوة – كمَا يبدو – من مسئولي الصّين الشعبيّة على أنّها نوع من الإعتراف بها لثاني دولة عربيّة بعد مصر. وهو أمر مثير لأن ليبيا كانت معتبرة حليفاً للمعسكر الغربي لتواجد القواعد والنفوذ الأنجلو أمريكي خاصّة والغربي عامّة فيها. وعندما وصلت الطائرة من القاهرة تحمل الوفد الصيني، فوجئ المضيفون الليبيّون بأن عددهم إثنين وعشرين شخصاً يرأسهم مسلم صيني صاحب علم شرعي (شيخ)، وعضويّة عناصر شابّة تتحدّث العربيّة ودرست في الأزهر. ولأن إمكانيّات ليبيا، قبل انبثاق البترول، كانت معروفة، فقد واجه المنظّمون صعوبات في توفير السيّارات، وإيجاد مأوى للوفد الضخم في فندق شحّات الذي نزلت فيه جميع الوفود (طُلِبَ من جميع الليبيين إخلاءه واستضافتهم من عائلات في المنطقة، ورُتب ثلاثة إلى أربعة من الصينيين في كلّ غرفة).

أمّا الشخصيّات المعروفة التي حضرت، فكان من أبرزهم: الشيخ/ أحمد حسن الباقوري وكان وزيراً نافذاً في عهد مصر الثوري، والإمام محمّد عبدالرَّحمن أبو زهرة، والفقيه التونسي النابغة الشيخ الفاضل بن عاشور، ومفتي فلسطين الشيخ الأمين الحسيني، وعلماء دين كبار من الهند وباكستان وإندونيسيا، ناهيك عن العلماء والفقهاء العرب. وقد إفتتح الاحتفال نيابة عن الملك إدريس السّنوسي الذي كان بمدينة طبرق، السيّد/ خليل القلاّل رئيس الوزراء بالوكالة، لأن السيّد/ مصطفى أحمد بن حليم كان في مهمّة بالخارج. وفي اليوم التالي سافرت الوفود بالسيّارات (أغلبها تاكسيّات وخاصّة مؤجّرة) إلى الجغبوب، حيث زارت ضريح الإمام محَمّد بن علي السّنوسي فيها وعادت مساء.

وفي اليوم الثالث والأخير، تجوّلت الوفود في منطقة الجبل الأخضر. وبهذه المناسبة أصدرت اللجنة العليا كتاباً عن سيرة الإمام صاحب الذكرى، ووزع الكتاب على جميع الوفود المشاركة، وهو الكتاب الذي أعدّه كل من:  الأستاذ/ أحمد راغب الحصائري، والأستاذ/ مفتاح السيّد الشريف.

ويذكر، أنّ المؤرخ محَمّد الطيب الأشهب الذي كان يعمل في مكاتب الدولة الليبيّة بمصر، كان قد أرسل كتابه الخاص عن الإمام محَمّد بن علي السّنوسي، المعنون: بـ(السّنوسي الكبير) من القاهرة في صناديق إلى مدينة البيضاء للمشاركة به في إحياء ذكرى الإمام، وقد تزامن صدور كتابه مع الذكرى المئوية. أراد الأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب توزيع كتابه على الوفود الرسميّة المشاركة في إحياء ذكرى الإمام، إلاّ أن اللجنة العليا منعت توزيع الكتاب بحجة تعارض ذلك مع اللوائح التنظيمية، والتي تمنع توزيع أيّ كتاب أو ملصق أو أوراق، لم تقرر اللجنة العليا مُسبقاً توزيعها حينما عقدت اجتماعها الأخير قبل أيّام من بداية الاحتفال. وهكذا، كان.            

ما ورد في هذه الإشارة من معلومات وتفاصيل منقولة عن حديث خاص أجراه المؤلف مع الأستاذ/ مفتاح السيّد الشريف الذي شغل عضوية أمانة اللجنة المشرفة عن إحياء الذكرى المئويّة للإمام عام 1956م، كذلك، عضوية اللجنة العليا التي أصدرت الكتاب الخاصّ بسيرة الإمام محَمّد بن علي السّنوسي صاحب الذكرى. 

23) حلّ المجلس التشريعي بولاية طرابلس:  لمعرفة المزيد عن هذه الأزمة، راجع ما جاء بخصوصها في مذكَّرات السيّد/ مصطفى أحمد بن حليم، الصادرة في كتاب تحت عنوان: (صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي)، عام 1992م.. والمجلد الثاني من كتاب: (ليبيا بين الماضي والحاضر.. صفحات من التاريخ السياسي)، للدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف، والصادر عن مركز الدّراسات الليبيّة (أكسفورد – بريطانيا) / الطبعة الأولى 1425 هجري الموافق 2004م 

24) نيتو موسوليني: قال المؤرخ الإيطالي (جوسيبي دي لونا) المتخصص في تاريخ بلاده المعاصر عن (نيتو موسوليني)، وفترة الفاشية تحديداً.. [.. كانت حقبة موسوليني حقبة سوداء في تاريخ إيطاليا. وكان موسوليني دكتاتوراً ليس مثله أحد. فقد أسس الحزب الفاشي، وخنق الحريات، وأسكت المعارضة بوحشية وخسة. كان لا يترفع عن قتل خصومه. كمَا كان (فتوات) حزبه لا يتورعون عن ضرب المعارضين بهراواتهم الغليظة، وسكب الخروع في أفواههم. قتل العديد من البشر، وتحكم في الصحافة، وكمم الأفواه. صدق وأمن بالأساطير، وكان يخدع بها غيره، مثل إحياء الإمبراطورية الرومانيّة القديمة وقدراته الخارقة ونبوغه في كل شيء.

لقد احتل موسوليني أثيوبيا واستعمل الغازات السامة في إبادة الأثيوبيين، وأعاد احتلال ليبيا، وأمر بإعدام المناضل الشهيد عمر المختار.

وأخيراُ قادته أطماعه إلى التحالف مع هتلر، ودخول الحرب العالميّة الثانية ليلحق ببلاده الخراب والدمار وهزيمة منكرة في ميادين القتال، بسبب تدخله الأحمق في العمليات العسّكريّة وعدم إلمامه بأصول الحرب وعلومها...].

ومجدّداً.. أعاد موسوليني احتلال ليبيا، وأصدر تعليماته باعتقال الأمير إدريس السّنوسي الذي تمكن من مغادرة البلاد قبل أن يصل جنود الإيطاليين إليه، وأمر بإعدام المناضل الشهيد عمر المختار.

في يوم 21 مارس/ آذار 1919م... دعا (نيتو موسوليني) في هذا التاريخ إلى عقد أوّل مؤتمر للفاشيين، وعُقد المؤتمر وخلص الاجتماع إلى تشكيل (الحزب الفاشي). وكانت أفكار هذا الحزب مشكلة من عدة أنواع: ففيها نجد العصبيّة القوميّة الإيطاليّة، وفيها نجد النزعة الاشتراكيّة التي تهتم بالعمال والطبقات الشعبيّة، وفيها نجد أيضاً التوجهات الفوضويّة والعدميّة. باختصار فإن (الحزب الفاشي) كان خليطاً من عدة تيارات ومذاهب إيديولوجيّة ولم يكن منسجماً في البداية ولا موحداً ولا واضح المعالم تماماً.

أخذت الدولة عام 1922م في التفكك والانهيار، والملك كان ضعيفاً. في هذه اللحظة بالذات، فقز الفاشيون على السّلطة، وأمسكوا بها جيداً، وكان ذلك عام 1922م عندما أصبح موسوليني رئيساً للوزراء وعمره أقل من أربعين عاماً. 

يقول الأستاذ/ يُوسف المجريسي:..[.. استطاع موسوليني، قبل تعينيه رئيساً للوزراء، أن يحرَّك مئات الآلاف من أنصاره، فشلّوا مرافق إيطاليا شمالها وجنوبها. كان له حضور في الشارع الإيطالي وشعبية لم يصلها أي سياسي إيطالي آخر في عصره. كان الساسة الإيطاليون أقوياء بأحزابهم، أما موسوليني فكان الحزب الفاشي قوياً به...].     

ألغي موسوليني عام 1925م البرلمان والانتخابات الديمقراطيّة الحرَّة في البلاد. فالديمقراطيّة هي ألد أعداء الفاشية.

واستمرت الفاشية تحكم إيطاليا حتى عام 1945م تقريباً، أيّ حتى نهاية الحرب العالميّة الثانيّة، وسقوط هتلر وموسوليني على حد سواء. وكان ذلك يعني نهاية الفاشية والنازية في آن معا وعودة أوروبا إلى الديمقراطيّة الليبراليّة البرلمانيّة. 

ويقول المجريسي أيضاً:..[..في آخر اجتماع للمجلس الفاشي الأعلى يوم 25 يوليو/ تموز 1943 اقترح دينو غراندي (Dino Grandi) على أعضاء المجلس تجريد موسوليني من كلّ سّلطاته. فصوت لصالح اقتراح غراندي 19 عضواً، بما فيهم زوج بنت موسوليني ووزير خارجيته (Galeazzo Ciano )، وصوت ضدّه ثمانية، وامتنع عضو واحد عن التصويت. أدَّت موافقة المجلس على اقتراح دينو غراندي إلى سقوط موسوليني، ثمّ أصدر ملك إيطاليا أمراً باعتقاله، ولبث في السجن إلى أن أطلقت سراحه قوة ألمانيّة خاصّة أرسلها هتلر لهذه المهمة في أغسطس/ أب من العام نفسه...].      

اعدم (نيتو موسوليني) عام 1945م مع عشيقته (كلاريتا بتاكي) في ميدان بمدينة (جوليانو دي ميتزغرا) في شمال إيطاليا، بعد إنهيار الحكم الفاشي في نهاية الحرب العالميّة الثانية. 

أنظر إلى مقالة: ( إيطاليا في عهد موسوليني، الحياة في ظلّ الديكتاتوريّة)، الصادرة بتاريخ 4 فبراير/ شباط  2007م في جريدة (البيان) الإماراتيّة.. ومقالة، الأستاذ/ يوسُف بشير المجريسي: (لا أصلح الله منّا من  لا يصالحكم) في موقع (ليبيا وطننا) الصادرة في 9 مارس/ آذار 2007م.

25) يوسُف خليفة لنقي: من أعيان بنغازي، وكبار الشخصيّات الوطنيّة الليبيّة، ومن الأشخاص الذين منحهم الله المال، فرفعوا بتبرعاتهم ومساعداتهم المالية الكبيرة، الهم والمعاناة عن الكثيرين. هو أخ السيّد/ عوض لنقي (رئيس الغرفة التجارية في برقة) الذي أصبح أبنه (السيّد/ عبدالمولى عوض لنقي) نائباً في مجلس الأمّة (البرلمان) ثمّ وزيراً للعمل والشئون الاجتماعيّة في أحد وزارات العهد الملكي.

ويبدو أن لقب (لنقي) أصبح اسماً للعائلة في عهد الجد الثاني للسيّد/ يوسُف، حيث يروي أحد أفراد العائلة، بأن الجد الثالث لجدهم يوسُف، وهو: عبد المولى كان يلقب باسم (العصفور). والاسم الكامل للسيّد/ يوسُف، هو: يوسُف خليفة يوسُف محَمّد عبدالمولى.  

ولد السيّد/ يوسف لنقي في مدينة بنغازي عام 1883م، وتزوج من آل دغيم، وأنجب ثلاث أولاد، هم: محَمّد علي، وبشير، والزبير. تزوج الأوّل، من بيت آل الكيخيا ( السيّدة/ آمنة رشيد الكيخيا)، والثاني من بيت آل الكيخيا أيضاً (السيدة/ خديجة عمر باشا الكيخيا)، والثالث من بيت آل المنتصر (السيّدة/ فوزية محمود المنتصر).   

كان السيّد/ يوسف لنقي من أوائل المستقبلين للأمير إدريس السّنوسي بعد عودته إلى الوطن من منفاه في مصر، وكان من أكثر النَّاس مساهمة بالمال من أجل رفع المعاناة عن المواطن وتحقيق مطالب الوطن العادلة.

تحمل السيّد/ يوسف لنقي أعباء مسئولية رئاسة لجنة استقبال الأمير إدريس السّنوسي بعد وصوله بقطار خاص  قادماً من القاهرة إلى مدينة طبرق يوم الإثنين 26 رجب 1363م الموافق 17 يوليه/ تموز 1944م، وبعد وصول سموه إلى مدينة بنغازي، أقام يوسُف بك لنقي مأدبة غداء كبيرة لسموه باسم مدينة بنغازي، وتجاوز عدد المدعوين لها، مائة (100) مدعو، كمَا، ساهم بنصيب وافر من نفقات الاحتفالات الأخرى التي جرت بمناسبة قدوم سموه المجيد المبارك.   

كان السيّد/ يوسف لنقي من بين أعضاء المؤتمر ‏الوطنيّ البرقاوي الذي افتتحت أوّل جلساته في 10 يناير/ كانون الثاني 1948م، وقد شغل موقع رئاسة المؤتمر: السيّد/ الرضا المهدي السّنوسي (الرئيس)، وشغل موقع النيابة الأوّل: السيّد/ الصديق رضا السّنوسي (نائب الأول للرئيس)، وموقع (النائب الثاني) شغله السيّد/ أبو القاسم أحمد الشريف. أمّا السكرتارية فقد شغلها، كل من: ‏السيّد/ على بك أسعد الحربي، و‏السيّد/ خليل القلال.

عمل السيّد/ يوسف لنقي مدة طويلة عميداً لبلدية بنغازي، وظلّ طوال هذه المدة يعمل متطوعاً، ولم يقبض مليماً واحداً نظير خدماته الجليلة العظيمة التي قدمها لمدينة بنغازي وسكّانها. ويرجع له، الكثير من الفضل، في عملية إعمار مدينة بنغازي بعد الحرب العالميّة الثانية، فالمدينة دمرت دماراً مريعاً أثناء هذه الحرب، وكادت تفقد كلّ مرافقها ومبانيها. وحينما دخلت القضيّة الليبيّة ساحات السياسة الدوليّة، قام بدفع تكاليف الوفد البرقاوي الأوّل (أبريل/ نسيان 1949م)، والثاني (نوفمبر/ تشرين الثاني 1949م) إلي نيويورك عند مناقشة القضيّة الليبيّة في الأمم المتّحدة.

توفي السيّد/ يوسف لنقي يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958م في مدينة بنغازي، ودفن بها

26) محمود علي بوقويطين: ينتمي إلى قبيلة البراعصة في شرق ليبيا. تزوج بنت السيّد إبراهيم الشلحي أخت السيّد البوصيري الذي شغل منصب ناظر الخاصّة الملكية بعد مقتل أبيه على يد الشريف محي الدين السّنوسي في الخامس من شهر أكتوبر/ تشرين أول 1954م. كان بوقويطين ضابطاً في الجيش السّنوسي، وتدرج في الرتب العسّكريّة حتى صار فريقاً، وشغل منصب مدير عام قوة دّفاع برقة حتى صدور قانون توحيد قوّات الأمن بتاريخ 13 ديسمبر/ كانون الأوّل 1962م. وعُيّن بعد صدور القانون الجديد – وبتاريخ 15 ديسمبر/ كانون الأوّل  1962م – قائداً عاماً لقوّات الأمن في المملكة كلها، وتمّ تعييّن أربعة نواب له، وهم:

الزعيم محمود الزنتوتي (لشئون أمن الدولة والجوازات ومراقبة الأجانب).. الزعيم محَمّد المنصوري (لشئون الأمن العام والمباحث الجنائيّة والمرور).. الزعيم عبدالرَّحمن بادي (لشئون السجون والتدريب والتفتيش).. العقيد الصديّق الجيلاني (للشئون الإداريّة).

قام الليبيّون في 26 أبريل/ نسيان 1963م بتعديل الدستور بعد إلغاء النظام الاتحادي (الفيدرالي) إلى نظام وحدوي، الأمر الذي استوجب إحداث جملة من التعديلات الدستورية لنقل المملكة من وضع إداري إلى أخر جديد يتلاءم مع (المملكة الليبيّة) الاسم الجديد للدولة بدلاً من (المملكة الليبيّة المتحدة).     

أدمجت بعد التعديلات قوّات الأمن والشرطة في الولايات الثلاثة والبوليس الاتحادي في قوة واحدة (قوات الأمن) تحت قيادة الفريق محمود بوقويطين، وذلك في عهد حكومة (الدّكتور/ محي الدين فكيني)، ورئاسة ( السيّد/ ونيس القذّافي) لوزارة الداخليّة، الجهة المسئولة مباشرة عن عمل وأداء قوّات الأمن. وبموجب هذا التعديل، صار عدد الجهات المسلحة (القوّات) جهتان أو قوتان بدلاً من خمس جهات أو قوّات مسلحة. وجاء في فقرات من تقرير أمريكي (السفارة الأمريكيّة في ليبيا) حول التعديل القانوني الجديد وصلاحيات أو سّلطات الفريق بوقويطين نقلاً عن كتاب: (تاريخ ليبيا السياسي / المجلد الرابع) للدّكتور/ محَمّد يُوسف المقريَف، ما يلي:..[..لقد أعطي الفريق محمود علي بوقويطين بموجب التعديلات التي جرت سّلطات أكبر واستقلالية أقل بعد تعييّنه قائداً عاماً لقوّات الأمن، إذ أصبح مسئولاً أمام وزير الداخليّة ورئيس الوزراء. كان بوقويطين، في الماضي، يتصرّف من خلال منصبه كقائد عام لقوة برقة كمَا يحلو له، ولم يكن يخضع سوى لرقابة فعّالة محدودة من قبل رئيسه الشكلي رئيس المجلس التنفيذي للولايّة..].     

كان الفريق محمود بوقويطين رئيساً لقوّات الأمن في أحداث الطلبة الدامية منتصف يناير/ كانون الثاني عام 1964م، وهي الأحداث التي أدّت تداعياتها إلى استقالة حكومة دكتور/ محي الدين فكيني. وقد، علّق القائد العام لقوّات الأمن الفريق محمود بوقويطين، في مقابلة صحفية أجرتها معه الصحيفة المستقلة (الرّائد) عن اضطرابات بنغازي خلال يومي 14، 15 يناير/ كانون الثاني التي اتهمت الشرطة فيها باستخدام العنف والقيام باعتداءات مباغتة على الطلبة، بقوله:..[.. أنا كنت موجوداً في مدينة طرابلس عندما وقعت الاضطرابات في بنغازي، وقد أصدرت أوامر للشرطة بتجنب الاصطدام بالمتظاهرين. ورغم أن الأخبار الواردة من بنغازي تنطوي على المبالغة، وأنّه من الصعوبة تحديد من هو الذي بدأ بإطلاق النار إذ يوجد خمسة من شرطة بنغازي يتلقون العلاج من جراح بطعنات سكاكين وواحد منهم من إصابة بطلق ناري..]. 

ويذكر، أن فكيني، كان قد طلب من الملك إدريس السّنوسي بعد عودته من اجتماعات القمة العربيّة التي عُقدت في شهر يناير/ كانون الثاني في العاصمة المصريّة القاهرة، إقالة الفريق محمود بوقويطين من منصبه باعتبار قوّات الشرطة التي يترأسها هي المسئولة عن ضبط الأمن وما حدث في أحداث يناير/ كانون الثاني الدامية. وحينما وصل الأمر بالدّكتور/ محي الدين فكيني أن وضع الملك إدريس السّنوسي، أمام خيار استمراره في منصبه مقابل إقالة بوقويطين. قرر الملك قبول استقالة فكيني لأنّه كان واثقاً من ولاء بوقويطين ووطنيته، علاوة على قناعته بأنّه لم يكن متورطاً في أحداث يناير/ كانون الثاني ولا مسئولاً عنها.

كان بوقويطين شجاعاً وشديد الولاء للملك إدريس السّنوسي وعرشه، وروى السيّد/ مصطفى محَمّد البركي يرحمه الله عن شجاعة بوقويطين وبطولته، فقال:..[.. تقابلت ذات مرَّة مع السيّد السّنوسي الأشهب في مصر وكان حاضراً لمعركة قاره عافيه بالجنوب التي كان قائدها الشيخ المجاهد عبدالجليل سيف النصر. حكى ليّ السيّد السّنوسي عن شجاعة وبطولة السيّد محمود بوقويطين حتى أنّه قال: (لم أر في حياتي قط شجاعة مثل شجاعة بوقويطين، ولم أر مثل شجاعته إلاّ في قلة من الرجال في تلك المعركة حتى جعلني أقول بأنّ محمود بوقويطين يستحق أكثر من مدير أمن بنغازي )...].      

توفي الفريق محمود علي بوقويطين في مستشفى قاعدة ويلس العسكريّة الأمريكيّة بطرابلس إثر إصابته بسكتة قلبية عن عمر يناهز (58) عاماً.     

أنظر ما جاء في المجلد الرابع: (ليبيا.. بين المَاضي والحَاضِر/ صفحاتُ من التَّاريخ السِّيَاسي)، للدّكتور/ محَمّد يُوسف المقريَف، الصادر عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) في طبعته الأولى 1427 هجري الموافق 2006 ميلادي.

27) جبريل صالح : كان ضابطاً بـالجيش السّنوسي، ومُنِحَ فيما بعد، رتبة (الزعيم) العسّكريّة، كمَا، كان أحد الضبّاط المؤسسين للجيش السّنوسي في المنفى قبل معركة التحرير وطرد الطليان من البلاد. كان جبريل صالح من الرجال الذين عملوا في (المغاوير) تحت قيادة الرّائد (بانيكوف) إبّان الحرب العالميّة الثانية، وقد أشاد (بانيكوف) بدور هؤلاء الرجال وشجاعتهم. قال الأستاذ/ إبراهيم عبدالعزيز صهّد بخصوص (المغاوير) في مقالته: ( من الذاكرة.. حول حرب يونيو/ حزيران 1967م)، ما نصّه:..[..كانت مهمّة المغاوير التسلل خلف خطوط المحور، والقيام بعمليّاتِ فدائيّة أو عمليّات جمع المعلومات. وقد أشاد الرّائد (بانيكوف) بأهميّة المغاوير الليبيّين في تحقيقِ انتصار الحلفاء في مسرح عمليات الصحراء الغربية وبرقة...].  توفي الزعيم جبريل صالح في ليبيا عام 1974م، وشيع جثمانه في موكب رسمي، تتقدمه فرقة من الجيش.  

28) علي العابدية: هو علي صالح العابدية، ووالده أحد شهداء معركة (الكفرة) الشهيرة التي دارت أحداثها في يناير/ كانون الثاني 1931م. ولد في واحة (الكفرة) في أواخر القرن التاسع عشر، عاش وتربى في محاضن الزوايا السّنوسيّة ولعب أدوراً مختلفة مع السيّد/ أحمد الشريف ثمّ السيّد/ إدريس المهدي. حضر مفاوضات زّويتينة، وكان عضواً في حكومة إجدابيا، ورافق الأمير إدريس السّنوسي في رحلته إلى (روما) في أوائل ديسمبر/ كانون الأوّل 1920م.

وبخصوص مشاركة العابدية في مفاوضات زّويتينة، جاء في كتاب:( الحركة السّنوسيّة) للدّكتور/ علي محَمّد الصلابي:..[.. كان الوفد الانكليزي قد جاء بطريق البحر من القاهرة إلى بنغازي للاجتماع بالوفد الإيطالي الذي كان مكوناً من الكولونيل بيلا، والكومانداتور بياجنتيني، ومترجمهم، ولم يطل الوفد الإقامة في بنغازي، بل، سافر إلى الزّويتينة بيخت خاص، فوافاهم إليها إدريس من إجدابيا، وكان من بين من معه: (علي باشا العابدية).

بدأت المفاوضات بين الأطراف الثلاثة خلال شهري أغسطس/ أب، وسبتمبر/ أيلول سنة 1916م. وكان الوفاق والتفاهم ظاهراً فيما بين الجانبين الانكليزي والسّنوسي أمّا العلاقات الايطاليّة فقد كانت مغايرة لذلك تماماً..].

هاجر علي باشا العابدية إلى مصر ثمّ إلى شرق الأردن ونشط في القضية الوطنيّة مع رفيقه المرحوم عمر فائق شنيب.

عاد إلى البلاد عام 1950م، وأُنتخب يوم 23 مارس/ آذار 1952م رئيساً لمجلس الشّيوخ خلفاً للسيّد/ عمر منصور الكيخيا، واستمر في منصبه حتى 15 أكتوبر 1954م. كمَا عُين سفيراً لليبيا لدى المملكة العربيّة السّعودية.

توفي في فبراير/ شباط 1966م في مستشفى (الملاحة) بطرابلس، وكان الملك إدريس السّنوسي قد زاره في المستشفى أثناء فترة تلقيه للعلاج.  

للمغفور له بإذن الله عدد من الأبناء، وهم: سهيل (توفي في الخمسينيات)، فتحي، محَمّد الشهير بـ(حمودة)، قيس، إدريس (ضباط بالجيش توفي عام 1957م)، نبيل (توفي عام 1981م)، خالد.. وعدد من البنات.

شغل أبنه (فتحي) منصب وكيل الديوان الملكي في بنغازي ثمّ سكرتيراً خاصّاً للملك إدريس السّنوسي لعدة سنوات ثمّ وزيراً مفوضاً ثمّ سفيراً لليبيا لدى الولايات المتحدة الأمريكيّة، وظلّ في هذا المنصب إلى ساعة إنقلاب معمّر القذّافي في سبتمبر/ أيلول 1969م.   

توفي علي باشا صالح العابدية في شهر فبراير/ شباط 1966م، وشارك في تشييع جثمانه وفداً ممثلاً للحكومة الليبيّة آنذاك، ودفن في مدينة (إجدابيا) أهمّ مراكز تجمع قبيلة (الزويه) التي ينتمي إليه المغفور له بعون الله تعالى.    

مصادر ومراجع

م32) الأستاذة/ سالمة العريبي – الموضوع: (غنَّاوْة العَلَمْ) – التعريف منشورة في (منتدى الكساد) نقلاً عن (موقع جليانة). 

م33) الأستاذ المحامي/ طه العبيدي – مقالات قانونيّة: (التشفير لسلامة مبادلات التجارة الإلكترونيّة في القانونِ التونسي والمقارن) – الموقع (السّوري) للاستشارات والدّراسات القانونيّة.

م34) الأستاذ/ عبدالسلام إبراهيم قادربوه (شاعر غنائي) – كتاب: (مقاعد أصحاب الصَّوب) – الطبعة الأولى 1985م، المنشاة العامّة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس/ ليبيا.  

م35) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم – كتاب: (صفحات مطوية من التاريخ السياسي) – الصادر في بريطانيا عام 1992م.   

م36) الأستاذ/ عبدالونيس محمود الحاسي – الحلقة الأولى من مقالة في عدة حلقات تحت عنوان: (أوّل محاولة اغتيال بعـد الإنقلاب) – موقع (ليبيا وطننا) المنشورة بتاريخ 16 مارس/ آذار 2008م.

م37) كتاب: (حقيقة إدريس.. وثائق وصور وأسرار) – الصادر عن المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان (طرابلس/ ليبيا)، الطبعة الثانية 1983م.

م38) الأستاذ/ محَمّد فؤُاد شكري – كتاب: (السّنوسيَّة.. دِينُ ودَوْلةُ) – الطبعة الأولى طبعت في عام 1948م، وهذه طبعة ثانيّة محققة منقحة أشرف عليها وراجعها الأستاذ/ يوسُف بشير المجريسي، وصدرت عن مركز الدّارسات الليبيّة (أكسفورد / بريطانيا) عام 1426 هجري الموافق 2005م. 

م39) الدّكتور/ علي محَمّد الصلابي – الحركة السّنوسيّة في ليبيا.. وسيرة الزعمين محَمّد إدريس السّنوسي وعمر المختار/ الجزء الثالث – صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الأفريقي موقع (الشبكة الليبيّة).  

م40) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم (رئيس وزراء ليبيا الأسبق) – كتاب: (انبعاث أمّة.. وسقوطُ دولة) – الصادر عن دار (منشورات الجمل)، كولونيا / ألمانيا، الطبعة الأولى عام 2003م.

م41) الدّكتور/ محَمّد يوسُف المقريَف – كتاب: (ليبيَا.. من الشرعيَّة الدستورية إلى الشرعيَّة الثوريَّة / دّراسة توثيقيّة تحليليّة) – صدر الكتاب عن (دار الإستقلال) و (مكتبة وَهبَة) في طبعته الأولى 1429 هجري الموافق 2008 ميلادي.

م42) الأستاذ/ مصطفى أحمد بن حليم (رئيس وزراء ليبيا الأسبق) – كتاب: (انبعاث أمّة.. وسقوطُ دولة) – الصادر عن دار (منشورات الجمل)، كولونيا / ألمانيا، الطبعة الأولى عام 2003م.  


الجزء الثالث :   الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة   الحلقة العاشرة                        

الجزء الأول    الجزء الثاني    الجزء الثالث   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home