Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. El-Hadi Shallouf


د. الهادي شلوف

الإثنين 14 ديسمبر 2009

أزمة دبي في غياب المراقبة القانونية*

د. الهادي شلوف

أزمة دبي التجارية فتحت الأبواب أمام العقل العربي سواء كان مستهلكا آم مستثمرا كي يتساءل عن دور الدولة ومؤسساتها القانونية في البلاد العربية اتجاه الدورة الاقتصادية ومدى مراقبة الجهاز القضائي في ضمان استمرار الحياة الاقتصادية للفرد وللدولة من إضرار عبثت بمستقبل الأجيال الحاضرة والقادمة عن طريق الأعمال التجارية.

مسالة المراقبة القانونية تعتبر الصمام الأساسي والمهم في ضمان استقرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتوفير كل العوامل التي من شأنها تعقب الإحداث والأمور عن قرب وخصوصا في موضوع عمل الشركات والمؤسسات التي تكون الدولة فيها شريكا او مالكا لها.

منذ بدء الأزمة في دبي قبل عيد الاضحى المبارك لم نسمع أي إثارة للجانب القانوني للازمة ولن نرى أو نسمع أن النائب العام لدولة الأمارات العربية المتحدة أو النائب العام لإمارة دبي قام بفتح تحقيق قانوني يتعلق بالأزمة ومدى أثارها على الاقتصاد الوطني وتحديد المسؤوليات القانونية والخلفيات والدواعي التي أدت الى هذه النتائج وفقا للقانون الجنائي والقانون الاقتصادي الجنائي وقانون الضرائب.

هنا ندرك أن دولة الأمارات العربية وإمارة دبي حاولت أن لا تدخل الجانب القانوني في صلب الموضوع بل أنها جعلت الأمر يقتصر على الجانب الاقتصادي والتجاري معتبرة بأنه لا يرتبط بمصلحة المواطن والدولة ومن تم فهو لا يرتبط بالقانون.

لقد حاولت وتحاول دولة الأمارات وإمارة دبي في أن تجد المخرج أو الحل العام للأزمة بالطرق التجارية المعتادة في أسواق السلع وهو ما يعبر عن إخلال ونقص وإهمال للجانب القانوني، حيث كان من المفترض أن يتخذ في هذا الموضوع إجراء قانوني يتمثل في أجراء تحقيق قضائي مستقل.

أي أن النائب العام لدولة الأمارات والمدعي العام لأمارة دبي كان يفترض فيهما ومن تلقاء نفسيهما ودون الرجوع الى اية جهة تنفيذية بفتح تحقيق لمعرفة كل الأسباب.

ولكن للأسف الاحتكام الى القانون مسألة نعاني منها في البلاد العربية وحتى في الأمارات العربية التي نعتبرها أكثر ديمقراطية واكتر انفتاحا من بقية البلاد العربية الاخرى.

عندما يحصل أي خلل اقتصادي أو أزمة اقتصادية في البلاد الغربية أي دول الاقتصاد الحر تعالج الأمور تحت رقابة الجهات العليا للدولة وباشتراك البرلمان من جهة وتحرك الجهاز القضائي من تلقاء نفسه من جهة أخرى لمعرفة الأسباب الحقيقة والأسباب الخفية التي أدت الى هذه الازمة.

فعلى سبيل المثال استحدث في فرنسا منذ عشرات السنوات جهاز قضائي خاص بالاقتصاد والجرائم الاقتصادية يخضع للنائب العام يقوم وتحت أشراف قضاة التحقيق ووكلاء نيابة وشرطة قضائية مختصة مهنيا وفنيا لمتابعة الجرائم الاقتصادية ومن تم تقوم هذه الأجهزة بفتح تحقيقات ومتابعة قضائية ضد المسؤولين بالدولة ومديري الشركات والبنوك الخ الذين تسببوا في أي انتهاكات أو ارتكاب جرائم اقتصادية.

ومن بين واشهر هذه القضايا حديثا قضية الحسابات السرية والتي اتهم فها رئيس الوزراء الفرنسي السابق فلبان او قضية شركة النفط ألف أكثان والتي تسمى الان توتال والتي اتهم فيها وزير الخارجية الفرنسي رولند دوما او قضية بيع أسلحة لأنغولا والمتورط فيها وزير الداخلية الفرنسي شارل بسكوا والذي حكم عليه حديثا بثلاث سنوات سجن منها سنة مع التنفيذ او قضية بنك سوسيتي جنرال والتلاعب بالبورصة وأسواق المال او حتى قضية الرئيس الفرنسي السابق شيراك خلال عمله كعميد بلدية باريس في مسألة الوظائف الوهمية.

عندما حصلت الأزمة المالية العالمية عام 2008 قامت كل أجهزة القضاء في الدول الأوروبية وفي أمريكا الشمالية بفتح تحقيقات واسعة منها التحقيقات السرية والعلنية لمتابعة أي مسؤول عن الجرائم الاقتصادية لهذه ألازمة كما حصل في أمريكا من متابعة رجل الأعمال مالدوف والذي أصدر في حقه حكم قضائي بالسجن لمدة طويلة جدا ومصادرة أمواله وبيعها بعد أن قام ببعثرة أموال المستثمرين وبأكثر من 50 مليار دولار.

أذن القانون هو صمام الأمان والاستقرار للمجتمعات المتمدنة والذي يحرص فيه دائما المشرع على استقلاليته وبعده عن الجانب السياسي من اجل الحفاظ على حقوق الأفراد والجماعات والمؤسسات التي هي صلب الدولة مثل التعليم والصحة والضرائب الخ.

الاقتصاد هو المحرك الأساسي لتقدم المجتمعات وهو الذي بدوره يساهم في خلق التطور التعليمي والصحي عن طريق الموارد الضريبية التي يتم استقطاعها من الشركات والمؤسسات العامة والخاصة في مجال الاقتصاد وهو ما يعزز الإنتاج المحلي ويعزز التبادل التجاري العالمي ويخلق فائض في ميزان المدفوعات التجارية الداخلية والعالمية مع بقية دول العالم، ولكن هذا كله لا يتم ألا عن طريق انتهاج سياسة اقتصادية تحت مجهر المراقبة القانونية الصارمة. أجهزة الضرائب تعتبر من أهم مؤسسات الدولة التي تقام على القانون أي دولة القانون ومن ثم فان أجهزة الضرائب هي التي تغذي الفرد والدولة بالأموال التي تحتاجها أجهزة الدولة للأنفاق على التعليم والصحة والدفاع الخ.

الدول العربية جمعها تحتاج الى إعادة النظر في قوانينها الضريبية والإسراع بإدخال ضريبة القيمة المضافة والتي تعرف بأنها الضرائب غير المباشرة أي إنها ضريبة يدفعها المستهلك كلما قام بشراء سلعة أو خدمة معينة تختلف قيمة هذه الضريبة من دولة إلى أخرى وتكون قيمتها عادة بين 7' وحتى21' من ثمن السلعة أو الخدمة المشتراة.

ضريبة القيمة المضافة هي أهم عوامل الاقتصاد الوطني وهي التي تغذي كل نفقات الدولة ومؤسساتها التعليمية والصحية والدفاع الخ كما إنها اكبر عامل من عوامل الرقابة القانونية حيث تعطي لمصلحة الضرائب تتبع الإنتاج والاستهلاك وربطه بالدخل العام للدولة.

ضريبة القيمة المضافة فهي ليست فقط تغذي الدولة بالأموال بل أنها عامل مهم لمراقبة ولمعرفة الإنتاج والخدمات التي يقوم بها أصحاب المهن والمنتجون وأصحاب المهن التجارية والحرة.

عندما يتم إدخال وتشريع هذه الضريبة الى النظام الضريبي للدولة يمكن لأجهزة الضرائب أيضا معرفة الدخل العام والمتوسط لكل المهن التجارية والمهن الحرة الخ ومراقبتها مراقبة قانونية حتى لا يمكن خلق أزمة اقتصادية مفاجئة وتفادي أزمة مزمنة تعيق حياة الاقتصاد.

إذن أي دولة لا تقوم بإدخال هذه الضريبة تبقى بعيدة عن مراقبة الحركة الاقتصادية بها وتعيق مراقبة الأجهزة القانونية للاقتصاد الوطني كما انه يصعب التخطيط العام للدولة ومن ثم لا تستطيع الدولة دراسة مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي ناهيك عن حرمان الطبقة الضعيفة والوسطى من المجتمع الاستفادة من اموال هذه الضريبة التي عادة يقوم بدفعها المستهلك الغني وصاحب المهنة الحرة او التجارية الذي يتمتع بالوفرة الاقتصادية ووفرة الدخل.

أن الاكتفاء بضريبة الدخل وحدها بدون إدخال وإضافة ضريبة القيمة المضافة سيكون عائقا أساسيا إمام البلاد العربية في مواكبة التطور العالمي في مجال التعليم والصحة والدفاع الخ.

كان من الصعب استحداث هذه الضريبة في البلاد العربية والعالم الثالث نظرا لتعقيداتها الفنية والتقنية ألا انه بإدخال أجهزة الحاسوب في البلاد العربية وإدخال التقنية الرقمية سيسهل التعامل بها ويفترض البدء السريع في انتهاجها لما فيها من وقاية للفرد ولمؤسسات الدولة من الفساد الاقتصادي والضريبي.

أزمة دبي كان من الممكن تفاديها خصوصا في دولة مثل دولة الأمارات العربية المتحدة وهي دولة منتجة للنفط ومصدرة له لو أن جهاز الضرائب الفيدرالي الإماراتي كان مسلحا بقانون يسمح له بجمع ضريبة القيمة المضافة التي تحدد على كل الخدمات والإنتاج للاستثمارات الداخلية والخارجية.

لربما الدرس الحقيقي للبلاد العربية الذي يمكن الاستفادة منه في أزمة دبي هو الاتجاه الى وضع نظام ضريبي حديث ينتهج سياسة ضريبة القيمة المضافة ويخضع لدولة القانون.

* رئيس الجمعية الأوروبية العربية للمحامين والقانونيين بباريس
_________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي 14/12/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home