Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Salaheddin al-Ghazal
الشاعر الليبي صلاح الدين الغزال

الثلاثاء 12 اغسطس 2008


صلاح الدين الغـزال

جداريَّة محمود درويش

صلاح الدين الغـزال

لقصائد الشاعر الكبير محمود درويش لون خاص ومذاق مميز، ولمعاناته شكل مختلف. فما أصعب أن يولد شاعر في وطن مغتصب، وفي زمن يجد أمته تمر بأسوأ مراحلها. فترة مكتظة بالهزائم.. يرى بأم عينيه تقاعس السيوف وبزوغ الخطابات. ومما أضاف لقصائده هذا البريق الذي نلمحه، المحن التي تعرض لها وطنه جراء الاحتلال الجاثم. لقد كانت حياة الشاعر قاسية من قبل أن يتشرف سجن الناصرة باحتضان العديد من المثقفين لزمن لم يكن باليسير. تم إبعاده قسراً وهو صاحب الأرض من قبل الدخلاء ليعيش بعيداً عن وطنه الأم فيحس بحرقة الغربة رغم ترحيب العواصم العربية به وافتخارها بزيارته أو مروره بها، ليجد له محبين في كل مكان، وسر ذلك يكمن في تمكنه من الولوج إلى القلوب بسهولة ودفعة واحدة، حيث أنك حينما تسمعه أو تقرأ له تحس بأنه يخاطبك عن قرب وكأنه يقطن معك في نفس الزقاق ويجلس على المقعد الذي بجانبك في نفس الحافلة أو القطار، حيث يتنفس بأنفاس المتعبين ويعبر عن آهات المغبونين وجراحات المسحوقين.
كلنا لم يزل يذكر أبياته التي يقول فيها (سجل أنا عربي/ ورقم بطاقتي سبعون ألف/ وأولادي ثمانية/ وتاسعهم سيأتي بعد صيف/ فهل تغضب).
ولا أظن أننا نسينا قوله على لسان صديقه : (والتقينا بعد عام في مطار القاهرة/ قال لي بعد ثلاثين دقيقة/ ليتني كنت طليقاً/ في سجون الناصرة).
تمكنت قصائده من التغلغل إلى أعماق اللاوعيِّ العربي وتسرب الكثير منها إلى ذاكرته مما جعلها تساهم ولو بجزء طفيف في دفع عجلة الأمل الرابضة عند مغاور اليأس وحلّقت قصائده بسرعة كانت محل ذهول النار التي طالما تسللت لالتهام الهشيم . (جدارية) كانت تلك القصيدة التي انتظرها الشعر العربي منذ تهلهله حتى ترهله تمكنت من الوقوف على ذروة الإبداع الإنساني. فاقت المائة صفحاتها وتحتاج إلى تدبر وإمعان نظر وتروٍ. وقد كان لحسن حظي أن قرأتها حتى الآن أربع مرات ومازلت أجد بين ثنايا سطورها الجديد، وإدراك كنهها يحتاج منا إلى مخزون ثقافيٍّ كثيف، ولعلها من أروع ما كتب الشاعر محمود درويش بل من أروع ما كتب الشعراء منذ عصر المعلقات حتى هذا العصر. وهي تجسد لحظة الموت، تلك الذي يذهب الإنسان فيها ولا يعود ليخبرنا بما رأى هناك وما خوطب به. (هذا هو اسمك/ قالت امرأة/ وغابت في الممر اللولبي).
نستشف من المرأة هنا أنها الممرضة المختصة به وأما الممر فأغلب الظن أنه يختص بالمستشفى الذي استضافه وهو بداية طريقه إلى العالم العلوي الذي أحس داخله بأن بوادر دنو أجلـه قد بـدأت تكشـر عن أنيابهـا : (جئت قبيل ميعادي/ ولم يظهر ملاك واحد/ ليقول لي/ ماذا فعلت هناك في الدنيا؟/ ولم أسمع هتاف الطيبين/ ولا أنين الخاطئين/).
وهنا يتضح جلياً أن هناك أسئلة تحتاج إلى إجابة ناجعة، وباعتباره قد وصل حديثاً إلى ذلك العالم فسوف ينتظر حتى يبث في أمره ثم يحاول أن يكشف الستار عمّا كان يرجوه قبل وصوله إلى هناك في الحياة الدنيا (أنا السماوي الطريد/ سأصير يوماً ما أريد/ سأصير يوماً شاعراً/ والماء رهن بصيرتي/ لغتي مجاز للمجاز/ فلا أقول ولا أشير/ إلى مكان فالمكان خطيئتي وذريعتي/ أنا من هناك (هنايا) يقفز/ من خطايا إلى مخيلتي/ أنا ما كنت أو سأكون/ يصنعني ويصرعني الفضاء اللانهائي المديد).
ويصور لنا ما مضى من حياته في الدنيا وشبه تلك الحياة بمسرحية تنتهي بإسدال الستار بالنهاية التي كتبت عليه وعن كيفيتها من ناحية ومدى تأثير القدر من ناحية التسيير والتخيير التي يكون عرضة لها في الحياة الدنيا ثم عليه أن يسدد ثمن كل ما تم ارتكابه بعد ذلك في حياته الأخروية (وأنظر نحو نفسي في المرايا/ هل أنا هو؟/ وهل أقدم جيداً دوري من الفصل الأخير/ وهل قرأت المسرحية قبل هذا العرض/ أم فرضت عليَّ/ وهل أنا من يؤدي الدور/ أم أن الضحية/ غيرت أقوالها/ لتعيش ما بعد الحداثة/ بعدما انحرف المؤلف عن سياق النص/ وانصرف الممثل والشهود).
ونجد لدى درويش تداخلاً للبحور غير المستهجن بالنسبة لقصيدة التفعيلة. فالتفعيلة تتحور من بحر إلى آخر بحرية مطلقة. ففي الأبيات السابقة نجد أن بحر الكامل هو المسيطر على مقاليد النص الذي يتمكن بالتالي من احتواء بحر الرجز بمجزوئيه وتنقل التفعيلة من بحر إلى بحر مجاز لدى شعراء التفعيلة وهذا الاختلاف الذي نلاحظه يدل على أن القصيدة قد كتبت على عدة مراحل وهذا يعتبر شيء طبيعي بالنسبة لمعلقة عظيمة مثل الجدارية.
صورة مرعبة أخرى يقدمها لنا درويش مستعيناً عليها ببحر المتقارب حيث يصبح لرائحة الخبز ثمناً ويتم المن عليه بتلك الرائحة وهو المالك الحقيقي للأرض والمرموز لها بتنور أمه الذي يعج بالخيرات (رأيت بلاداً تعانقني/ بأيد صباحية/ كن جديراً برائحة الخبز/ كن لائقاً بزهور الرصيف/ فمازال تنور أمك مشتعلاً/ والتحية ساخنة كالرغيف).
ويتطرق الشاعر إلى مصير المعلقات السبع التي تعتبر من أهم رموز الثقافة العربية والمساس بها هو مساس بالهوية (وقعت معلقتي الأخير عن نخيلي/ وأنا المسافر داخلي/ وأنا المحاصر بالثنائيات/ لكن الحياة جديرة بغموضها/ وبطائر الدوري/ لم أولد لأعرف أنني سأموت/ بل لأحب محتويات ظل الله/ يأخذني الجمال إلى الجميل/ وأحب حبك هكذا/ متحرراً من ذله وصفاته/ وأنا بديلي).
ويشير الشاعر إلى مرحلة الانحطاط التي تجاوزناها إلى شيء لم تترجمه المعاجم بعد. حيث أشار إلى فترة سيطرة العجم الذين تمكن أسلافهم من التغلغل إلى سلك عسكر الخلافة حيث استطاعوا الانفصال وتأسيس دول قزمية خاصة بهم مثل الدولة الأخشيدية والطولونية ودولة بني بويه وغيرهن، ويشمل ذلك أيضاً الدول التي تأسست على أكتاف العرب مثل الدولة العثمانية. وأغلب سلاطين تلك الدول ليسوا متمكنين من العربية، وكان لذلك أثره السلبي على الأدب بصفة خاصة. حيث لا شعراء أمام البلاط سيرجعون بالجوائز والهبات السلطانية بعد المدح لأولئك الأعاجم وبالتحديد خلال الفترة الطويلة التي شملت ما بعد المتنبي والمعري حتى نهضة الشعر الحديث منذ قرن مضى أي ما يقارب تسعة قرون من الانحطاط.
(كنا طبيعيين لو كانت نجوم سمائنا/ أعلى قليلاً من حجارة بئرنا/ والأنبياء أقل إلحاحاً/ فلم يسمع مدائحنا الجنود). ويوحي لنا الشاعر برغبته في الحياة لا خوفاً من الموت ولكن لأن لديه هدفا يرغب في تحقيقه وهو مشاهدة الطوفان وهو يغرق الأرض مجدداً كما حدث زمن نوح عليه السلام، فلعلها تنظف من أدران العالقين بها (وأريد أن أحي فلي عمل على ظهر السفينة/ لا لأنقذ طائراً من جوعنا/ أو من دوار البحر/ بل لأشاهد الطوفان/ عن كثب/ وماذا بعد؟/ ماذا يفعل الناجون بالأرض العتيقة/ هل يعيدون الحكاية ما البداية؟/ ما النهاية، لم يعد أحد/ من الموتى ليخبرنا الحقيقة).
ثم يجري حواراً مطولاً يجعلنا نشعر أن الموت كاد يختطفه من بين ظهرانينا – لولا حسن حظنا. ويطلب منه أن يمهله بعض الوقت لإجراء حوار مع ما تبقى من سني عمره حتى يتم قراءة ديوان طرفة بن العبد ذلك الشاعر الذي مات في ريعان الشباب مع تشوقه في قرارة نفسه للحياة (أيها الموت انتظرني/ خارج الأرض انتظرني/ انتظرني في بلادك ريثما أنهي/ حديثاً عابراً/ مع ما تبقى من حياتي/ قرب خيمتك انتظرني/ ريثما أنهي قراءة/ طرفة بن العبد/ يغريني الوجوديون/ باستنزاف كل هنيهة/ حرية وعدالة ونبيذ آلهة).
ثم يطلب من الموت الإرجاء إلى فصل الربيع الذي ولد فيه قبل أن يقع وطنه ضحية الاحتلال لينتزع من الخطباء أسلحتهم، حيث يعتبر ذلك غير مجد لتحرير الأرض والتي كناها بالبلد الحزين مشيراً لصمود التين والزيتون اللذين ذكرا تباعاً في القرآن الكريم رامزاً بهما لوطنه في وجه المغتصب الذي كناه بالزمان وجيشه.
ثم يبدأ بإملاء وصيته التي اعتبر فيها البنفسج رمزاً للإحباط فيرفض وضعه على نعشه ويوصي بوضع سبع سنابل خضراء إشارة إلى سنابل الملك في القرآن الكريم بسورة يوسف عليه السلام، والتي كانت نذيراً للقحط الذي اجتاح هبة النيل مصر بلد الخيرات، مشيراً إلى شقائق النعمان التي لم تحظ بهذه التسمية إلا بعد جرح غائر العمق أصاب مهجة النعمان بن المنذر إثر فتكه باثنين من أحبائه أثناء لحظات سكره المعتاد. ورغم وصيته اليسيرة التلبية فهو لا يرغب في إثقال كاهلنا الذي يعلم جيداً أنه متعب فترك تحقيق هذه الرغبة مرهوناً بقدرتنا على تحقيقها مما يوحي لنا باحتمال الصعوبة التي قد تحول حتى دونها رغم السهولة التي تحلى بها طلبه في ظل هذا التخاذل الذي تمكن من أن يجعل عزيمتنا عرضة للاكتناف (ولا تضعوا على قبري البنفسج/ فهو، زهر المحبطين/ يذكّر الموتى بموت الحب، قبل أوانه/ وضعوا على التابوت/ سبع سنابل خضراء إن وجدت/ وبعض شقائق النعمان إن وجدت/ وإلا، فاتركوا ورد، الكنائس للكنائس والعرائس).
ثم يطلب من الموت أن يمهله حتى يتجهز لذلك بإعداد بعض الضروريات التي يحملها المسافر والسجين عادة في حقيبته مثل فرشاة الأسنان وماكنة الحلاقة وغير ذلك من الاحتياجات الهامة ولا يفوته أن يتعرف على درجة الحرارة حتى يتسنى له مجاراتها مستفهماً عن عدد الكتب التي يحتاجها لتمضية الوقت ولإشباع حالة الإدمان لدى المثقف الذي مهما كانت الظروف قاسية فإن الكتاب يكون أول الأشياء التي يتبادر ذهنه لاصطحابها في محنته (أيها الموت انتظر حتى أعد/ حقيبتي فرشاة أسناني، وصابوني/ وماكنة الحلاقة، والكولونيا، والثياب/ هل المناخ هناك معتدل؟/ وهل تتبدل الأحوال في الأبدية البيضاء/ أم كما هي في الخريف وفي الشتاء/ وهل كتاب واحد يكفي لتسليتي مع اللاوقت/ أم أحتاج مكتبة؟ وما لغة الحديث هناك/ دارجة لكل الناس أم عربية فصحى/).
ثم يصور لنا الموت بالصياد الذي يتتبع مواطن الضعف ليضع يده عليها وينتزع الروح من الجسد دون رأفة أو شفقة مشبهاً الشحاذ الذي يأخذ أموال الناس بالاستجداء، بجابي الضرائب الذي يأخذها رغماً عنهم حيث يتساويان في الأخذ ويختلفان في الوسيلة ولكل منهما أدواته الخاصة به فأحدهما بتسليطه على الناس سيف الحياء بينما يبرز الآخر شاهرا سيفه الفولاذي في وجوههم (اجلس على الكرسي/ ضع أدوات صيدك تحت نافذتي/ وعلق فوق باب البيت/ سلسلة المفاتيح الثقيلة، لا تحدق/ يا قوي إلى شراييني/ لترصد نقطة الضعف الأخيرة/ أنت أقوى من جهاز الطب/ أقوى من جهاز تنفسي/ أقوى من العسل القوي/ ولست محتاجاً لتقتلني إلى مرضي/ فكن أسمى من الحشرات/ كن من أنت شفافاً/ بريداً واضحاً للغيب/ كن كأحب عاصفة على شجر ولا/ تجلس على العتبات كالشحاذ أو جابي الضرائب/ لا تكن شرطي سير في الشوارع/ كن قوياً ناصع الفولاذ/ واخلع عنك أقنعة الثعالب/).
ثم يحاور الموت الذي أنهك أثناء الحروب ويسأله متعجباً عن هذه الزيارة رغم المشاغل التي تحيط به وإثارته ضربها عرض الحائط والمثول لتنفيذ هذه المهمة التي تعتبر ثانوية بالنسبة إلى هذا الكائن الذي لا يقنع.. معيراً إياه بهزيمته أمام الحضارات الإنسانية التي لا تزال آثارها باقية حتى الآن والخلود الذي لا ينتهي ثم يثير لديه إحساسه بالوحدة وحرمانه من الطفولة وانتقاله من منفى إلى آخر منبوذاً من قبل الكائنات (ويا موت انتظر، واجلس على الكرسي/ خذ كأس النبيذ، ولا تفاوضني فمثلك لا يفاوض/ أي إنسان ومثلي لا يعارض/ خادم الغيب .. استرح .. فلربما أنهكت هذا/ اليوم من حرب النجوم.. فمن أنا لتزورني؟/ ألديك وقت لاختبار قصيدتي/ لا ليس هذا الشأن شأنك/ أنت مسؤول عن الطيني في البشري/ لا عن فعله أو قوله/ هزمتك يا موت الفنون جميعها/ هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين/ مسلة المصري مقبرة الفراعنة/ النقوش على حجارة معبد هزمتك وانتصرت/ وأفلت من كمائنك الخلود).
ويشجب الشاعر بعنف الاتكال على الماضي ويصف ذلك بأسلوب مقيت مستنكراً سيطرة الماضي في أصعب اللحظات التي يمر بها العرب والخطر يحدق بهم من كل جانب وليس هناك سبيل إلى تحريك الساكن بينما العدو يعيث بأرضهم فساداً (لم أزف إلى أبي، أمي على فرسي/ تركت الباب مفتوحاً/ لأندلس الغنائيين/ واخترت الوقوف/ على سياج اللوز والرمان، أنفض/ عن عباءة جدي العالي خيوط/ العنكبوت. وكان جيش أجنبي يعبر/ الطرق القديمة ذاتها، ويقيس/ أبعاد الزمان بآلة الحرب القديمة ذاتها). ثم يخرج الشاعر من بحر الكامل إلى بحر المتقارب ولكل منهما تفعيلته المختلفة عن الآخر محاولاً التعبير عن لحظة قاسية على المريض وهي عجزه عن الذهاب لقضاء حاجته (تقول ممرضتي، كنت تهذي/ وتصرخ يا قلب/ يا قلب خذني، إلى دورة الماء/ ما قيمة الروح إن كان جسمي/ مريضاً، ولا يستطيع القيام/ بواجبه الأولي؟/ فيا قلب، يا قلب ارجع خطايا/ إلي لأمشي إلى دورة الماء/ وحدي/).
ناعتاً أرض قصيدته بالاخضرار ويصف السنابل التي كتبها عليها باكتظاظها بالشحوب مثله هو الآخر، متعلماً الخلود من خلال حبة القمح التي انبتت سنابل جديدة بعد موتها وبذلك تعلن بقاءها حتى آخر حبة تنبثق من آخر حبة تنبثق منها (خضراء اكتبها على نثر السنابل في/ كتاب الحقل، قوّسها امتلاء شاحب/ فيها وفي، وكلما صادقت أو/ آخيت سنبلة تعلمت البقاء/ من الفناء وضده (أنا حبة القمح/ التي ماتت لكي تخضر ثانية) وفي/ موتي حياة ما/).
ثم يتغلغل داخل بحره الكامل بحر آخر وهو المتدارك وكأنه يحاول تدارك بقاياه قبل فوات الأوان وهو آخر البحور في العروض ويتصادف دخوله مع اقتراب أفول القصيدة مستفيداً من الموروث ويبدو تأثره بالقرآن واضحاً وذلك بتطرقه إلى سيرة يوسف عليه السلام وما رآه في المنام من سجود تلك الكواكب وقد أمره والده بكتمان الرؤية عن أخوته خوفاً أن يكيدوا له (من أنا؟/ أناشيد الأناشيد/ أم حكمة الجامعة؟/ وكلانا أنا/ وأنا شاعر/ وملك وحكيم على حافة البئر/ لا غيمة في يدي/ ولا أحد عشر كوكباً/ على معبدي/ ضاق بي جسدي/ ضاق بي أبدي/ وغدي، جالس مثل تاج الغبار/ على مقعدي/ باطل، باطل الأباطيل.. باطل/ كل شيء على البسيطة زائل/).
ملمحاً إلى الشاعر لبيد بن ربيعة الذي يقول
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
ثم يضع في قصيدته أعداداً مكتوبة بالأرقام وذلك في قوله (1.400 مركبة/ و12.000 فرس/ تحمل اسمي المذهب/ من زمن نحو آخر) وإذا قمنا بكتابة هذه الأرقام بالحروف وقطعناها عروضياً، سنجد بأنها موزونة وليس بها أي عيب عروضي أو زحاف (ألف وأربعمائة مركبة/ واثنا عشر ألف فرس).
ويوظف شخصية المسيح عليه السلام ومروره على سطح البحيرة التي مر بنا ذكرها أكثر من مرة من خلال قصيدته غير أنه لم يكن يملك نفس الصبر والعزم، لذلك عاد من منتصف الطريق بسبب خوفه من الارتقاء وهذا وضع الإنسان العربي الراهن حيث تكبله أصفاد الإحباط وليس لديه هدف في الحياة يسعى لتحقيقه (مثلما سار المسيح على البحيرة/ سرت في رؤياي.. لكني/ نزلت عن الصليب/ لأنني أخشى العلو، ولا أبشر بالقيامة/ لم أغير غير إيقاعي/ لأسمع صوت قلبي واضحاً/ للملحميين النسور ولي أنا طوق الحمامة/ نجمة مهجورة فوق السطوح/ وشارع متعرج يفضي إلى ميناء عكا/ ليس أكثر أو أقل/).
مخاطباً حصانه، الذي يعني الكثير لديه باعتباره عربي، فهو رمز الشموخ والقوة وعلى ظهره يقاتل متمنياً له البقاء بعده حتى ترث ذلك الشموخ والإباء الأجيال التي تليه ويرجوه التأكد من وضعه الحياتي فهو أدرى حتى من الطبيب المختص به وبواسطته يتمكن من انتزاع حقه المسلوب عنوةً (أنت أنا وأنا مجازك خارج الركب/ المروض كالمصائر فاندفع واحضر زماني/ في مكاني يا حصاني فالمكان هو الطريق/ ولا طريق على الطريق سواك تنتعل الرياح/ أضئ نجوما في السراب/ أضئ غيوما في الغياب وكن عصي/ ودليل برقي يا حصاني لا تمت/ قبلي ولا بعدي على السفح الأخير/ ولا معي حدق إلى سيارة الإسعاف والموتى/ لعلي لم أزل حياً).
محاورا انكيدو ومذكرا إياه بنسب أمته التي تعمر أجمل جزء في الدنيا وهو ما بين نهري دجلة والفرات وقد كانت هذه المنطقة في العصور الإسلامية إبان النهضة العربية تسمى الجزيرة وهي أرض خصبة كانت ولا تزال وستظل رمزاً للصمود إذ لا جدوى من الحصار لجزيرة تحيط بها الأنهار من كل جانب.. عاتبا عليه بسبب خذلانه له وشاجبا الحلم الذي يتبجح به الضعفاء معتبراً إياه الجواد الذي لا يمتطيه سوى الجبناء فالعرب قديماً يشترطون إتيانه من القوي إلى الضعيف وليس العكس ومجدوا الذين يعفون وفي أيديهم رقاب العباد متطرقاً إلى المأثور وما ورد خطاء في بعض التفاسير مثل القرطبي من أن الأرض مثبتة فوق قرن ثور وإن لم يرد ذكر ذلك في التنزيل (نحن الذين نعمر الأرض الجميلة بين/ دجلة والفرات.. ونحفظ الأسماء كيف/ مللتني يا صاحبي، وخذلتني ما نفع حكمتنا بدون/ فتوة ما نفع حكمتنا؟/ على باب المتاه خذلتني/ يا صاحبي، فقتلتني وعلي وحدي/ أن أرى وحدي مصائرنا ووحدي/ أحمل الدنيا على كتفي ثوراً هائجا/ وحدي أفتش شارد الخطوات عن/ أبديتي لابد لي من حل هذا اللغز/).
بعد ذلك يقوم الشاعر بمحاورة ابن سجانه القديم ملمحاً إلى عامل الوراثة الذي بدأ يتفشى بين أصحاب الحرف ماراً بالسجان الذي تمكن ابنه من الاستحواذ على مهنة والده الذي أوصاه قبل وفاته بالاحتراس من الشاعر ومتابعة سقطاته وبذلك يكون عمر سجانه أطول من عمره (قلت للسجان عند الشاطئ الغربي/ هل أنت ابن سجاني القديم؟/ نعم!، فأين أبوك؟/ قال: أبي توفي من سنين/ أصيب بالإحباط من سأم الحراسة/ ثم أورثني مهمته ومهنته، وأوصاني/ بأن أحمي المدينة من نشيدك/ قلت منذ متى تراقبني وتسجن/ فيَّ نفسك؟/ قال: منذ كتبت أولى أغنياتك/ قلت: لم تك قد ولدت/ فقال/ لي زمن ولي أزلية/ وأريد أن أحي على إيقاع أمريكا/ وحائط أورشليم/ فقلت: كنت من كنت ولكني ذهبت/ ومن تراه الآن ليس أنا.. أنا شبحي/).
ويستمر الحوار بينه وبين ابن سجانه الذي أنكر هو الآخر كونه إنسان وأنه مجرد شبح.. يبدو أن عصر الأشباح قد أحل ضيفاً بالمنطقة (قال لي: أنت السجين/ سجين نفسك والحنين/ ومن تراه الآن/ ليس أنا أنا شبحي/ فقلت محدثا نفسي: أنا حيٌّ/ وقلت: إذا التقى شبحان/ في الصحراء/ هل يتقاسمان الرمل/ أم يتنافسان على احتكار الليل/).
وتقترب القصيدة من نهايتها ويبدأ الشاعر في عملية إحصاء مقتنياته المشروعة التي عندما تتأملها ستجد أنها تتجسد في الوطن شاملة شبحه الذي حاور ابن السجان. وطن يحمل كل المعاني والمتمثل في البحر والهواء والرصيف ومحطة الباص، وباب السجن والأجراس وافتقاد الوطن كان قاسياً بشكل خاص عليه كونه شاعراً ونلاحظ أن حدوة الفرس قد ضاعت لينتهي دورها القتالي وانهيارها كلية وكذلك القصاصة التي انتزعت من الإنجيل مع آية الكرسي حيث كان هدف المغتصب اجتثاث صاحبا الأرض دون التمييز بين الديانتين اللتين يعتنقانها (هذا البحر لي/ هذا الهواء الرطب لي/ هذا الرصيف وما عليه/ من خطايا وسائلي المنوي.. لي/ ومحطة الباص القديمة لي.. ولي/ شبحي وصاحبه.. وآنية النحاس/ وآية الكرسي. والمفتاح لي/ والباب والحراس، والأجراس لي/ لي حدوة الفرس التي طارت عن الأسوار.. لي/ وقصاصة الورق التي/ انتزعت من الإنجيل لي/ والملح من أثر الدموع على/ جدار البيت لي/ واسمي وان أخطأت لفظ اسمي/ بخمسة أحرف أفقية التكوين لي/).
ونصل معه إلى نهاية القصيدة التي يختتمها بإحصاء ممتلكاته مجددا. نافياً اقتناءه لنفسه الذي تولد عنه إحساسه بالضياع على الخارطة (هذا الهواء الرطب لي/ واسمي/ وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت لي/ أما أنا وقد امتلأت/ بكل أسباب الرحيل/ فلست لي/ فلست لي/).
وهكذا تنتهي قصيدة مؤثرة وحزينة ومؤلمة مصورة حالة الإحباط التي تعيشها أمتنا في الوقت الراهن بنفسٍ واحد مشتملة على أربعة بحور وهي الكامل والرجز والمتقارب والمتدارك وقد ألقى منها بعض المقاطع في العديد من المهرجانات التي أقيمت بالعواصم العربية وكان لها صدى كبير. وشاء القدر أن يعود المرض للشاعر فيرحل عنا وللأبد ويبقى سؤال هل الأمة قادرة على أن تلد شاعرا في مثل قامة محمود درويش أم أنها عقمت.

بقلم: صلاح الدين الغزال
jazalus@yahoo.com
http://uk.youtube.com/watch?v=SaxaULZG9r8



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home