Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Poet Saber al-Faituri
الشاعر الليبي صابر الفيتوري


صابر الفيتوري

Thursday, 2 November, 2006

هـنا مات ادونيس!

صابر الفيتوري(*)

عادة ما يصنع المرء تجربته الشعرية وفق طموح وحلم في البناء يختزل تفاصيل معاناته ورؤيته للأشياء إلتي تمر ، عابراً الثوابت محركاً شغاف الروح بالبحث بين ركامات الموروث الشعري ذلك الكم الهائل بغثه وسمينه ، يحرك الدم في شريانه الإبداعي بإصبعه كلما احتقن ، وتجمد، يتواصل، يتجاوز ، يعبر الاحباطات ، ويقول للآخرين الذين يعتزمون ثنيه عن مراده في الوصول إلي جادة كتابة نص مختلف، أنني ها هنا مازلت باق، لكن الإشكالية التي تطرح دائما يجثم علي رأسها ، إشكالية الشكل ، وهذه الإشكالية تعرض المرء في أحيانا كثأر إلي الصد، وربما من اجل ذلك تعرضه لا أن يوصف بأشنع الألفاظ ، فهو خارج عن السياق المتعارف عليه ، وهو مبتدع لا مبدع ، وقد كفر بدين الآباء والأجداد ، فالمتعارف عليه وجب عليك الانصياع ورائها، والانغماس في تلك المنظومة" القبلية " أللاتقدمية ، لأضير أن تكون البداية انتماء لذاك الموروث ، لكنه وجب أن يكون ما بعدها ، وهذا ألبعدي يفترض أن يكون مغاير، نص مختلف يحتوي علي الخصوصية الفردية التي تمكننا من معرفة النص وإرجاعه إلي كاتبه ، وهو المحك فإما أن تكون أو لا تكون .
إذن المخالفة في النص اختيار واجب، والمناهج والطرق المعمول بها كثيرة ، منها الغموض والاختفاء بالنص داخل لجة الرمز، والتعبيرية المبتكرة، وذلك بافتراض الاستمرار ، حينها تتستر عن صائدي الكلام ، وتضحك بوسع شدقيك لأنك صنعت من حفنة من الكلمات جسدا و صورة لك ، وعندها يباح لك مالا يباح ، وتحسب علي الشعر لأنك أهل له .
(ادونيس )(1) علامة تحمل هذا الامتياز ، ولن اعدد ميزات ادونيس كي لا أضع سقفا لعطائه المتواصل .. رغم المحاولات الساعية للتقليل منها ، فهو علم ارتفع عالياً ، وتجربته من ابرز التجارب العربية التي أعطت للشعر الحديث أفقا رحبا ، وهو أهم من نظر لايدولوجيا الشعرية العربية الحديثة ..
يعيبون عليه جنوحه للغموض، وتملصه من الوزن الخليلي ، ورفضه للحرية المؤطرة المتمثلة في الشعر الحر، لكنه متواصل ..
أدب (ادونيس) لا يشبه احد ، ولم يتورط في المباشرة التي ابتلي بها الشعر العربي في وقفات كثيرة ، وبذا كان الغامض الجميل والذي يستدعيك للمشاركة في النص، ويضفي علي النفس قطرات من دهشة ساحرة ، ويمنحك سمو التأمل ، والبحث في الموجودات، وهكذا هو النص العظيم المتوهج .
وغير خافي أن الغموض سبعة أنماط ، و(ادونيس) ليس في قمتها ، كما أن الغموض المعبر ليس من السهل علي أي كان ارتدائه ...
ولعلي لا افشي سرا أن قلت أنني وفي تجربتي الشعرية عجزت علي أن اكتب نصاً غامضاً ومقفلاً تماماً، فكلما كتبت قاصداً الغموض ومغيباً للمعني تفاجئني الكلمات فتخيب ظني لتقفز إلي سله المعني منساقة إلي تراتبية الفهم ..
واستغرب لمن تستميلهم قراءة الشعر الذي لا يتجاوز كونه خطابا إنشائيا لا يختلف عن الأحاديث بين الثنائيات .. انه شعر لا أنكر عليه ذلك ، فان أنا تبرمت له ذلك يعني إني أتبرم للموروث الشعري بآسره لكن ثمة استثناءات ، أما ما اعنيه، فهو شعر لغير المتأملين لا غير الحالمين لغير القراءة انه شعر للاستماع وإذا كتب تتضح حقيقته لنقف عند فجيعة كبيرة ، و لنكتشف ضعفه البنيوي ، وعدم قدرته علي الاستمرار ، والبقاء طويلا ، فهو شعر شفاهي، (مناسبي) ، لا يجب أن يكتب خاصة الذي كتب منه بعد احمد شوقي ، واستثني القصائد المناضلة باعتبار أن خطابها النبيل وتعاملها مباشر من خلال الانفعال وتوجهها إلي إزكاء الروح النضالية يربو عن الجدل في شرعيها.
الذي يدوم ويدون هو الشعر الجميل الصافي الذي يوصف بالغامض لأنه يرمز للأشياء ولا ينزلق في خطاب مباشر، الشعر الذي تستمتع لمشاهدة صوره المدهشة، ويرقصك وقع إيقاعاته الداخلية الروحية، وتقول من خلاله كل ما يعتمر في نفسك دون خشيه مقص أو تأويل ..
لقد وجد ادونيس البراح والمتنفس له ولنا ، لإظهار تجربته الشعرية ونافذته علي المتلقي في مجلة شعر وتعتبر أهميتها علي صعيد التواصل الشعري مضاهية أو تفوق كل مؤلفاته تقريباً ، تلك المجلة التي أسسها لنفسه رفقة الشاعر يوسف الخال ذلك الشاعر المهم والمهمل في دراساتنا النقدية العربية حيث لم ينال ما يستحقه كأب للشعراء الحداثويين.
وبفضله وبفضل مجلة شعر أعلنت انطلاقة الشعر العربي الحر والحديث معا ، ورأت النور تجارب شعراء مجددين كالسياب والملائكة وانسي الحاج والماغوط وصلاح عبد الصبور وآخرون لا يقلون أهمية ..
وهنا أتساءل لو أن شاعراً مثل (عبداللطيف بشكار)(2) وجد النافذة والمناخ الذي وجده آن ذاك ادونيس ، ووجد مجلة كمجلة شعر ؟ أتراه صار بحجم ادونيس ام أضأل بعض الشيء ، وهذه مقارنة غير مجحفة أبدا، فربما صار لنا كليبيين شاعراً من طينة الكبار لكن (عبداللطيف بشكار) اجبر علي الموت فاختاره لينتهي كشاعر ..
الم يكن بوسعه أن يتنفس أكسجين الاستمرار ليعيش أطول أو يعيش أبدا ، الم يكن بوسعنا أن نجالس شاعر كبير منا استنشق هواءنا وعاش في ذات البيئة التي نعيش ، شاعر لا يكرر احد بل ينطلق من ذاته ليصنع مشروعه الثقافي في براح آخر، ونصوصه لو استمع إليها ادونيس نفسه لذهل إلي المولدات اللغوية والتعامل وفق آلية استحداثية فوق متنها وهو العارف بخفايا اللغة ككائن متجدد ، وغير ميت ، وأورد بعض عناوين نصوصه (أننا هو كم ـ ها هوة الرمال) وهذه النصوص حملته أكثر مما يستطيع في وسط لم يسمع عن متعرجات التطور الشعري فلم يصمد أمام ضربات السيوف .. ولكي لا أوجه أصبعي ناحية أي كان متهما إياه بقتل هذا الشاعر ... اردد ما قاله (هنري ميللر)(3) :
" في دوامة العتمة والفوضى القادمتين ينسحب شعراء اليوم واشمين أنفسهم بلغة خفية تغدوا أكثر فأكثر غير ممكنة الفهم وبينما ينطفئون الواحد تلو الأخر تنحدر البلدان التي أنجبتهم نحو قدرهم ومصيرهم..".

saber_elfatoore@yahoo.com
________________________

(*) شاعر وناقد من ليبيا
    صدر له ديوان بعنوان ( لطم ٌ لتاريخ الأمواج ) ( www.ensatelhwase.tk )
(1) شاعر عربي كبير رشح إلي جائزة نوبل عدة مرات وله مؤلفات هامة في الشعرية العربية .
(2) شاعر ليبي قدمه (د. احمد إبراهيم الفقيه) ذات أمسية شعرية علي انه آخر ما وصل إليه الشعر الليبي في حراكه التاريخي بعد أن استمع الحاضرون إلي نماذج من التجربة الشعرية الليبية ولكن وأثناء قراءته لنصوصه فوجي بتدخل (علي مصطفي المصراتي) قائلا ما هذا؟ وفي ذلك عدم رضي ومع ذلك لم يخفي المصراتي انبهاره بالنص وقدرة عبداللطيف علي عدم الوقوع في الأخطاء اللغوية علي الرغم من أن النص يشتغل علي المولدات اللغوية ولتثور ثائرة (علي فهمي خشيم ) معتبرا ما قيل إسفاف للغة وطالب بإنزاله من علي المنبر ثم وأثناء حديث جانبي بين الاثنين قام (علي فهمي خشيم) بلكم وبجدع انف (عبداللطيف بشكار) وهذا بالإضافة لما تعرض له من استهزاء لازمه التوقف عن الكتابة والتفرغ للتدريس في احد المدارس المتوسطة لكني سمعت من الشاعر (محي الدين محجوب) وهو شاعر من جيله انه ما يزال يكتب، لكنه تخلي علي نصوصه السابقة وولج إلي تجربة أخري..
(3) كاتب أميركي قام بإجراء مقاربة نقدية بينه وبين رامبو والفقرة مستقاة من نفس الكتاب المعنون"رامبو وزمن القتلة".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home