Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem el-Kebti
الكاتب الليبي سالم الكبتي


سالم الكبتي

السبت 6 يونيو 2009

أبوبكر الهوني.. وأصالة الكلِمة

تقديم : سالم الكبتي


صور الأستاذ أبوبكر الهوني ـ الصورة على اليسار : عدسة طارق الهوني

" حينما أعطيتني المشعل ، آمنت بِوهج الكلِمات .
وبِألوان الحروف
حينما تُصبح فوقَ الأرض قمحاً ،
وصلوات ، وزهراً ، وقمراً
مُشرق كالشمس وجه الكلِمة "
(محمد الشلطامي)
من قصيدة "أنشودة الحزن العميق"

هذهِ مجموعة مِنَ الكلِمات ارتبطَ بِها القاريء في ليبيا من خِلال الباب اليومي (كلِمة وكاتب) ، الذي تناوبت على كِتابة مادتهِ ثلة من كِتابِنا الوطنيين في صحيفة الحقيقة أيام صدورها في مدينة(بنغازي) ، ومن بينهم صاحب هذا السفر الكاتب (أبوبكر الهوني) ، الذي أحبَ ان يجعل مِنَ العنوان نفسهِ اسماً للكِتاب .
ولئن تأخرَ الكاتب في تجميع هذهِ الكلِمات ، مُدة منَ الزمن ، حتى تصدر في كِتاب فأنَ هذا التأخر لا ينتقص من رصانة حروفِها ، ولا يخفي نكهتِها المُميزة ، بل يعطيها زخماً ، وتواصلاً معَ القُراءَ منَ الأجيال الجديدة ، الذينَ لمْ يُعاصروا الفترة التي كُتبت ، ونُشرت فيها ، ويمنحها فُرصة منَ التجدد ، والإهتِمام المطلوبين ، وكما يُقال : " خير للخير أن يأتي مُتاخراً ، من أن لا يأتي أبداً " .
هذهِ المقالات .. هذهِ الكلِمات تُمثل حصيلة مُهمة من تاريخنا الثقافي ، وحياتنا الفكرية ، وبِأمانة تصور ما كانَ يطفح بهِ عقل الكاتب ، وكُتاب تلكَ الفترة عموماً من هموم ، وقضايا ، وتبينَ عن هاجس مُعاناتِهم ، وما يطمحونَ إليهِ ، ويُلاحظ القاريء عبرها تطور شكل(المقالة الليبية) ، والمواضيع التي اتجهت إلي مُعالجتِها ، والخوض فيها .
والكاتب واحد من أصحاب الحِرف الشريف ، والكلِمة النظيفة ، الذينَ يعتز بِهم القاريء الواعي ، الذي فتحَ عينيهِ على كِتابتِهم ، وعلى مُعاناتِهم(من اجل شيء) ، وهوَ أيضاً منَ الذينَ لمْ يُتاجروا بِذلكَ الحرف .. وتلكَ الكلِمة ، ولمْ يبتغ ان يرتقي بِهما سُلماً ، أو يُحقق مغنماً بِواسطتِها يزول معَ الريح .. ولكنهُ حققَ عن طريقها مكسباً رائعاً يبقي أبداً ، وهوَ حُب الناس ، والإخلاص من أجلِهم ، والتواصل معَ شجونهم ، وقضاياهم ، وتأسيس عِلاقة واعية ، وفاعِلة معهم ، وبِهم ، وذلكَ أروع المغانم ، وأغلى المكاسب .
مقالات أبوبكر الهوني – هذهِ ، وغيرُها – تظل في إطارِها العام ، دليلاً للكِتابة الأدبية ، والصحفية التي شهدتِها ليبيا في حقبة الستينيات ، وبِداية السبعينيات منَ القرن العشرين ، وهوَ الحقبة التي اكتظت بِعديد منَ التطلُعات ، والتحولات ، والتطورات في العالم بِأسرهِ ، واحتوت كُل أيامِها على خليط متنوع منَ الثقافات ، والأفكار ، والتململ ، والسكينة ، والنجاح ، والإخفاق ، والصرخات ضدَ القهر ، وإستعباد روح الإنسان ، ومُسابقة الزمن ، والحُلم بِعالم نظيف ، لقد كانَ العالم يسير بإتِجاه نهايات القرن ، ويتهيأ لولوج قرن جديد ، وبالتالي فأنَ هذهِ الأصداء انعكست على تجارب ، وإبداعات المُثقفين في ليبيا ، وسِواهم في المنطقة العربية ، التي اكتوى إنسانِها ، ورُبما ما يزال ، بِلظى تِلكَ التبدلات – سلباً ، وإيجاباً - ، وهيَ عوامل لمْ تمنع الكاتب ، ورفقاءهُ الكُتاب مِنَ الإلتِقاء معَ هذهِ المُتغيرات ، أو التصادم معها ، ومُلاحظتِها ، ونقدها ، ثمَ الإنطِلاق منها ، إلي آفاق رحِبة ترتكز على قيم الفضيلة لِصالح الإنسان .
المقالة في زمن مضى ، كانت أسيرة أحداث ، ومُناسبات بعينها ، وتحددت في موضوعات كررت نفسِها ، ثمَ تجاوزها الزمن ، بِحثكم حركة المُجتمع ، وتغير الحياة يوماً بعدَ يوم .. لكنها أضحت لدى أبوبكر الهوني ، وغيرهِ منَ الكُتّاب قضايا تستشرف البعيد ، وتتناول الواقع دونَ تسطيح ، وتكشف عن الأخطاء ، والسلبيات بِوعي ، وتجرد .
لقد أضحت الكِتابة ، بِهذا الشكل عندَ الهوني اقتِحاماً للمُستقبل ، ومُعاناة على الدوام للرسو في شواطيء مأمونة . الهوني ، كاتِباً ، عاشَ تجاربهِ وسطَ الناس ، فعرفته أحياءَ بنغازي – المدينة التي أحب - ، وعرفهُ مواطنوها ، وعرفته مقاهيها ، وجلساتِها العامِرة بالنِقاشات الجادة ، وقدح الأفكار التي كثيراً ما جمعته معَ أصدقائهِ أمثال : طالب الرويعي ، ويوسف الدلنسي ، وعلى عميش ، ومحمد مناع ، وحسن الصديق وغيرهم ، من مُثقفي المدينة ، وكّتابِها ، وكذا ندوات أنديتِها المُختلفة ، وهوَ – بعدَ ذلكَ كُله – أحد أبناء الجيل الذي عايش – عن قُرب – ومعَ أولئك الناس من سُكان بنغازي الصغيرة آنذاك ، ظروف الحاجة ، والفقر ، والتخلف ، وهيَ إجمالاً ظروف الوطن بأجمعه ، كما عرفته مدارِسها مُعلماً يُنير الدروب للطُلاب ، ويؤمن بِرِسالة المُعلم عن إخلاص ، فقد تلقى الكثير من أبناء بنغازي علومهم منه ، خاصةً دروس التاريخ ، الذي كانَ يعشقه في تدريسهِ ، وحببه إلي طلبته ، ثُمَ لامست رِسالتهِ التعليمية ، والتربوية دوره التنويري الآخر ، الذي لا يقل أهمية عنها ، فاقتربَ مِنَ الأجيال على اختلاف الأعمار ، وتنوع المعارف – مُعلماً ، وكاتِباً – وهوَ في الحالتين كانَ يؤدي تينك الرسالتين النبيلتين : التعليم والتنوير ، ويضطلع بِدور أساسه الصدق والتضحية ، وهوَ الدور الذي دأبَ على بهِ المصلحون ، والعُلماء ، والفلاسفة من رُاد الإنسانية عِبرَ التاريخ .
كتبَ أبوبكر الهوني ، القصة القصيرة منذُ أيام دِراستهِ في معهد المُعلمين ببنغازي ، والذي نالَ فيهِ دبلوم التعليم سنة1958 ، تلكَ الأيام التي كانت شاهِداً على بواكير إهتِماماتهِ الأدبية ، وتكوينهِ الثقافي ، فقد كانَ وزملائهِ يؤلفون هيئة تحرير مجلة(المُعلم) التي يصدرها المعهد شهرياً ، ويُلاقون في هذا السبيل المُساندة ، والعناية ، والتوجيه من أساتذتِهم – ليبيين وعرباً - ، ثُمَ نشرَ مقالاتهِ في صُحف برقة الجديدة ، والعمل ، والأمة ، إضافةً إلي الحقيقة ، وأصدرَ مجموعتهِ القصصية المعروفة(5 يونيو حرب أو لا حرب)سنة1968 ، وجالَ بعضَ مناطق العالم ، وكتبَ عن تجربتهِ ، ومُشاهداتهِ(الهروب إلي العالم الأول)سنة1970 ، وشاركَ في المُلتقيات الأدبية ، والفكرية ، وتِلكَ المُتصلة بِمهنتهِ كمُعلم داخل البلاد ، وخارِجها .. فكانَ في كُل ذلِكَ عنواناً للمُثقف الأصيل ، والكاتب الحريص على تقديم ما ينفع الإنسان ، والوطن ، وعلى هذا ، فأنَ كِتاباتهِ على تنوعِها – قصة ، ومقالة – كانت إنعِكاساً واضِحاً لِشخصيتهِ ، وسلوكياتهِ ، وما يؤمن بهِ من أهداف هيَ في كُل الأوقات ، أهداف كُل إنسان نبيل .
الباحث في مسيرة الثقافة في ليبيا .. أو الدّارس لِصحافتِها سيستفيد – دونَ شك – من عطاءَ .. كاتِبا ، وقاصاً ، ومن تجربتهِ معَ الكلِمة ، ورحلتهِ معَ شِراعِها ، وسيتمكن من خِلالها منَ التعرف على تلكَ المرحلة من تاريخنا بِكُل أبعادِها الإجتِماعية .. والسياسية ، والفكرية ، لقد اقتربَ الهوني بكلِمتهِ منَ الأمور التي تشغل بال المواطن ، وظلت الكِتابة عندهِ – وفي جميع الظروف(مسؤولية ) ، و(موقفاً) ، وستُلاحظ القاريء بِأنها ليست كُل ما كُتبَ ، أو نشر ، فهيَ مُختارات منها وارد أن تصل إليهِ في هذا الكِتاب ، ورُبما تكون بِداية الإنطِلاق ، لإصدار مجموعات تالية ، خاصةً أقاصيصهِ التي تُمثل هيَ الأخرى رصيداً أدبياً لهُ قيمتهِ ، وجزءاً من تطور القصة الليبية ، كما سيُلاحظ أيضاً بِانَ هذهِ المجموعة احتوت كلِمات كتبها في فترة قريبة عن بعض رِجال هذا الوطن : يوسف الدلنسي ، محمد مُصطفى بازامه ، محمد حُذيفة ، خليفة الفاخري ، وعن أدوارِهم المُختلِفة .. وفاءً لهم ، وتحسساً بِمكانتِهم الطيبة في ضمائر الناس .. فمن بينهم المُعلم ، والقاص ، والمؤرخ ، والكاتب ، وتكاد – هذهِ الكلِمات – تكون موجهة إلي كُل(إنسان شريف) يُحب الآخرية ، ويحترق ، عرقاً ، ودماً في سبيلهم .. عندئذ يطل في ذاكِرتِهم ، ومن العسير نسيانهِ .
إنَ(كلِمة وكاتب) ، تعبير عن آمالِنا كقُراء ، وصورة من صور حياتِنا ، تعبير عن الأهداف ، والمُثل الجميلة التي يؤمن بِها كاتب صادق مثل أبوبكر الهوني وهيَ أهداف كُل البشر الذينَ يسعونَ إلي الخير في هذا العالم ، وكلِمات هذا شأنها .. لا نموت .

سالم الكبتي

* * *

الإهـداء
كلِمات من كِتاب(المعذبونَ في الأرض) للأديب عميد الأدب العربي الدكتور (طه حسين) .
إلي الذينَ يؤرقهم الشوق إلي العدل ، وإلي الذينَ يؤرقهم الخوف مِنَ العدل ..
أُهدي هذا الكِتاب
أبوبكر الهوني

(1)

كي لا يُصبح الناس كالفئران
5 يونيو عام 67 ..

أستيقظَ الإنسان العربي صباحاً ، ليجد ما بناهُ قد تّهدم أمام عينيهِ ، وأسوار الكبرياء التي شيدها حولَ نفسه تتساقط بِأسرع مما يتصوره أشد الناس تشاؤماً .. فما حدثَ كانَ رهيباً ، ومُفزعاً ، لقد ولدت الهزيمة في ذلكَ اليوم ، وقد جاءت نتيجة مخاض طويل .. وبِدون قابلة .. فهيَ وليدة صدمة مروعة ، كحادث سيارة تجري في سُرعة الصوت ، وتصدم شخصاً ، ولكن هزيمة يونيو كانت صدمة للعقل العربي .. الذي حارَ في الأمر ، وانطلقَ يُفتش عن الأسباب ، ويخلق المُبررات ، ويتلمس الطريق إلي الحقيقة .
ووقفَ نِزار قباني حائراً ، لقد غيرته النكسة ، فتحولَ من شاعر المرأة إلي غارق حتى قمة رأسهِ في الإهتِمامات السياسية ، لقد شعرَ الرجا بأنهُ مكان الشاعر في عالمنا ، هوَ ارتياد الطريق لِشُعبة ، والتجاوب معَ أحاسيس البُسطاء فيهِ ، والنهوض بِمُستوى حياتهم ، والإحساس الواعي بِمشاكلهم .

(2)

الألسُن المقطوعة

الأخرس لا نستطيع أن نُسميهِ حُراً ، لأنهُ بِدون لِسان ، فهوَ لا يستطيع مُمارسة هذا الحق ، ولِذا لمْ يتصادم معَ حُرية التعبير عن الرأي ، فالتعبير هوَ الذي يُدلل على وجود الحُرية ، ويُعلن عنها ، واللِسان خاصةً أشبه بِرائد القافلِة ، حينَ يسبقها ، ثُمَ يُصبح مُعبراً عما اكتشفه ، والمُجتمع الحُر هوَ الذي يتكلم ، ويُعبر عن ذاتهِ ، ويُعلن كُل فرد فيهِ عن تجربتهِ الخاصة ، لِتُصبح ذات تجربة عامة ، وبِدون أن يسمح للناس بالكلام ، بِدون أن تُعطي لهم الحُرية ليعبروا عما يعتقدون أنهُ صواب .. بِدون ذلكَ كله لن يكتب للمُجتمع التقدم ، ولن يستطيع المُشاركة في هذا الإنجاز الحضاري الذي يلف العالم بِكلتا يديهِ ، بل ستُتاح الفُرصة ، لِقوى الظلام ، لِتُطفىء جذوة الحُرية داخلهِ ، وتُميت كُل صوت يتحرك في حلقة ، وتُترك الأصابع الخائفة تُعصر وجودهِ حتى الموت .
ومن أجل الحُرية .. من أجل أن تُعطي للإنسان الحُرية ليقول كلمتهِ ، ضُحى كثيرون حملوا القلم ، وعبروا بِصدق عن ذواتِهم ، ولولاهم لِما جاءنا التقدم الحضاري ، ولما حاولَ الإنسان مُجرد مُحاولة ، للوصول إلي القمر ، ولما أصبحت حياتهِ بِمثل هذهِ السهولة ، والمُتعة ، والنِظام ، فالحُرية هي التي دفعت بالإبتِكار إلي النمو ، والأنتشار ، وبِحياة الإنسان إلي التطور ، ولِجعلِها وسيلة في الحياة ، احترقَ كثيرون بِوهجِها ، وهذهِ ضريبة معقولة ، وثمن رخيص ، لِقيمة ، وهدف كبير .. ألا وهوَ حُرية التعبير ، وصفحات التاريخ مليئة بالذين أرادوا التقاط الشواء ، فلسعهم نار الموقد .. جاليلو ، فولتر ، سُقراط ، الحلاج ، وقد تنوعت اللسعات ، والأتهامات ، والعِقاب ، والمُطاردة ، وكُل ذلكَ لأنهم مارسوا حُريتهم ، والحُرية كما يقول – لاسكي – شجاعة على مقاومة السُلطة في لحظات حاسِمة ، وتهديد دائم لأولئكَ الذينَ يديرونَ آلات السُلطة ، وتأكيد مُستمر بِأنَ كُل من يتعلم مِنَ الحياة درساً يعتقد في صدقهِ ، سوفَ يسعى دائماً ، وأبداً ، للتمسك بهِ ، ولكن منع الأصوات الأخرى من مُناقشتي في رأيي ، وتمحيص التجرُبة التي أملكها ، والتي تمسهم من قريب ، أو بعيد ، لن يخدم التجرُبة ، بل سيؤدي إلي آمرين ، إما اعتقادي بالوصول إلي الكمال ، وأن الصمت الذي يُحيط بي ، ما هوَ إلا دلالة على الموافقة ، والتأييد ، ومن ثُمَ ينتابني إحساس بأني معصوم عن الخطأ ، وهذا يدفعني ، بالتالي إلي الوقوع في شبكة الإخطاءَ ذاتِها .
أو يؤدي بي إلي الإعتِقاد بِأنني أتحرك في مجال منَ الغباء ، فيقودني إلي الأستهانة بالناس ، وعقولهم ، ويُسقطني في مجموعة من الأخطاء التي تُدمر حياتِهم ، وتُقلب سعادتِهم إلي شقاء ، وسكونِهم ، إلي موت ، وفناءَ .
ومن ثُمَ .. يُصبح إطلاق حُرية التعبير ، عملاً ضرورياً ، وهاماً في أي مُجتمع منَ المُجتمعات ، وبِلا إطلاق الحُرية لا يتطور شيء على الإطلاق ، فلو لمْ ينجح الناس في نقل آرائهم للغير ، ولو لم ينتصروا في التعبير عن موقفهم ، وتوضيح مُلاحظاتِهم فيما يجري امام عيونهم ، لما انتظم أي مُجتمع إنساني ، ولما اختلفَ عن غيرهِ منَ الكائنات ، ولكن حُرية الأنسان في التعبير عن رأيهِ ، ليست بالعمل السهل ، أو اليسير ، فهيَ تُقابل بِتيارات منَ المُعارضة شديدة ، فالناس لا يتنازلونَ عن آرائهم بِسهولة ، وعناصر المُجتمع المُتباينة ، لا تُقابل الصراحة بالتصفيق ، الذي يُدمى الأكف ، فالذي يحدث عمليات منَ الشد ، والجذب ، أشبه بِلعبة شد الحبل المعروفة ، فالذينَ يملكون السُلطة يعتبرون النقد هجوماً عليهم ، ويشمون من ثنايا سطورهِ روائح سياسية ، وشخصية ، ويمسكون في الدوافع ، وليسَ في حقيقة ما يُقال .. وعلى رأي هارولد لاسكي أيضاً : أنه لو طُبقت مواد القانون تطبيقاً حرفياً ، لأستحال قيام أي جدل سياسي في إنجلترا ، وذلكَ لأنَ الغرض المُعلن للقانون ، هوَ منع كُل ما يتسبب في كُره ، أو تحقير مُنظمات الدولة القائمة فعلاً ، بينما هذا هوَ نفس الشيء ، الذي يسعى لِعملهِ بالذات كُل زعيم مُعارض ، عندما يُلقي أي خِطاب سياسي ..
وأنا هُنا أستند كثيراً على رأي لاسكي ، لأنهُ من أشهر القُضاة ، ومن أرقى بُلدان العالم بلدة انجلترا ، خاصةً في حُرية التعبير ، البلد الذي أوجدَ مُنفساً لإفرادهِ في ساحة هايدبارك يشتمون فيهِ الحكومة ، حتى تبح أصواتِهم ، ويرمون رئيس وزرائهم بالبيض ، والطماطم الفاسد ، حتى تمنعهُ منَ الرؤية ، إلا أنهُ يواصل كلامهِ .
وسواءَ أدى هذا التعبير ، إلي التغيير المنشود أم لا .. فالذي يعنيني أنَ الناس وجدوا فُرصتِهم في أن يقولوا ما يعتقدونه ، ويسلكوا الطُرق المُمهدة لِحمل آرائهم ، إلي آذان المسؤولين ، وأبصارهم عن طريق الأصوات التي تتصاعد عندَ أي خَطاب ، أو المُظاهرات السليمة ، التي تُنبىء عن آراء لها قيمتها في رؤوس المُتظاهرين ، أو الصحافة التي تُدخل أنفها ، حتى في الملابس الداخلية التي يرتدونها .
وإذا كانت أوروبا قد فتحت باب الحُرية للآراءَ ، كي تنمو ، وتكبر ، وتتصارع باللين ، والعنف ، وتتمشى على سطح الحياة بالطريقة التي تحلو لها ، فهيَ لمْ تفعل ذلكَ ، إلا نتيجة لِتجربة طويلة ، ومريرة عاشتها ، وهيَ أنَ البديل للحُرية هوَ الأستبداد .. الذي لا يستطيع أن يغتال الحُرية ، وإنما يدفعها إلي باطن الأرض ، ويملأ صدور أصحابِها بالحقد ، ويؤدي بِهم ذاتَ يوم إلي التدمير الشامل الفوضوي.
وأنَ البديل لذلكَ هوَ طمس لأي فكرة جديدة ، لأي تجربة أخرى ، لم يُجربها الذين يملكون السلطة ، وقد أثبتت الأيام أنَ كثيراً منَ الآراء المطموسة .. ومن الكلِمات المُضطهدة كانت تُعبر عن الحقيقة ، وأنَ كثيراً منَ الأحرار أصحاب الأفكار قد اتهموا بالزندقة أحياناًُ ، وأحرقَ بعضهم أحياناً أخرى ، ولكن أفكارِهم لم تم ، عبرت حدود العالم ، واستقرت في أعماق الناس .
فالرأي لا يستطيع بوليس الحدود أن يمنعه ، والفكرة في القرن العشرين لا يستطيع أحد شنقها ، إنَ الفوائد التي يجنيها المُجتمع من تواجد الحُرية داخله ، أكبر من أي تصور ، فهيَ تصوغ نِظام حياتهِ بِشكل أفضل ، وتُفيد أجياله اللاحقة أيما فائدة ، وتضع أمام الُسلطة رغبات الناس ، ومطالبهم ، وتنقل إليها إجتياجاتهم ومشاعِرهم الدفينة ، وتُنهبها إلي الإنحرافات التي قد تُسبب ضروراً لِمجموع الشعب .. فلا أعتقد أن السُلطات تتعرف على مدى رِضاء الناس عنها ، إذا لم يكن الناس أحراراً في كِتابة آرائهم ، والتعبير عن مشاعرهم ، وتوضيح انتقاداتِهم ، ولا أعتقد أنَ الناس سوفَ يتقدمون خطوة واحِدة ، إذ كانوا مُجرد كليشية مُكررة ، أو عبارة عن ادوات مُطيعة تهز رؤوسها من تحتَ إلي فوقَ ، ولا تقترف يوماً جريمة هز الرؤوس يميناً ، وشمالاً ، ولا تهز حتى الكتاف ، للتعبير عن رفضِها .
فنحنُ إذا منعنا مرور الكلِمة .. بأية وسيلة مِنَ الوسائل ، فسنبقي للأبد .. في آخر .. آخر القافلة ، فالتقدم لن يحدث بقيادة طائرة ، ولكن بالإنسان الذي يقودها ، وإذا كانَ هذا الإنسان لا يستطيع التعبير عن رأيهِ .. بِسبب خوفهِ من أية وسيلة من وسائل التخويف ، فأنَ موهبة الخلق ، والإبتِكار داخله يسجنها الخوف ، ويفتك بِها التردد .. صيحي أن في كُل مُجتمع قوي ليس في مصلحتها ما يفخره الرأي الحُر من شرر ، وشظايا ، تُصيبهم حتماً ، فالمرء يُحب الحُرية ، ويخافها ، ويُناضل في سبيلها ، ويرهبها ، فثمة عمل قوي تعمل في خط متلو ، وضدَ مصلحة الشعب لا ترى في الرأي الحُر ، سِوى حريق مُرعب ، ينبغي إطفاؤهِ ، وبأسرعَ ما يُمكن وبكل الوسائل المتوافرة .. وقوى أخرى تعتقد أنَ النقد ينقص من مكانتها العالية ، ويدلل على عدم مقدرتها .. وقوى تؤيد الحُرية قولاً ، وإذا جاءت التجرُبة فقأت أضواؤها عيونهم ، فأداروا لها ظهورهم ، ولكن الإنتصار النهائي هوَ دائماً لِتيار الحُرية الذي لا يتوقف ، ومن العبث اعتِراض مجراه .. بيدَ انَ التيار يحتاج دائماً لِدفعات جديدة ، وإضافات كثيرة ، تصب فيهِ ، من أجل فائض من الخير ، ومن أجل عشب أخضر ، يملأ الأرض اخضراراً ، وهذهِ الإضافات الجديدة لا تأتي منَ الفراغ ، وتنحدر منَ الجدب ، إنها تُقدم بالطبع من ينبوع الشعب الذي لا ينضب .
والشعب لا يعطي الحُرية ، إلا إذا رضعها منذ البداية ، عاش تجربتها بِكل ما فيها من حلاوة ، ومرارة ، وإلا إذا تغذى بخبزها الدافيء ، واحترقت أصابعهِ من نيرانها أيضاً ، فالفرد حينَ يُمارس ، حُرية القول في العائلة ، وحينَ يُناقش بِحرية العقل في المدرسة ، وعندما يواجه الناس برحابة الصدر فما ذلكَ ، إلا لأن طبيعتهِ كذلكَ ، وليست الحُرية عنده زينة ، او مُجرد تظاهر ، او تفاخر ، فليست هي وِساماً على الصدر في المُناسبات ، وإنما مُمارسة يومية ، وأسلوب عمل دائم .. فيكون بذلكَ لبنة في قاعدة الحُرية الكبيرة ، والتي تنجب على الدوام المُخلصين ، ولن تكون هذهِ القاعدة إلا إذا أُزيلت منَ الجذور ، أنظمة الحياة التي تبني تُربتها بالأوامر ، والتي تمنع نِقاشِها ، وبالطاعة ذاتَ العيون العمياء ، وبالتجاهل لِهذهِ الآفة الخطرة : المسماة العقل .
فأحترام الرأي ، وإجازتهِ ليتجول بيننا يحتاج إلي مشروع غرس ، أكثر مما نفعل في عيد الشجرة ، وغرسه بعناية وصبر ، واناة ، وإذا أورقَ اليوم ، أو لم يورق ، إذا أورق اليوم ، أو لم يورق ، إذا لاحت عناقيد الثمار منهُ اليوم ، أو لم تظهر ، فبالتأكيد سوفَ تنمو .. وسوفَ نحصد ذاتَ يوم ثِمار حُرية الرأي .. حُرية أن يقول الإنسان ما يعتقده ويجد آذاناً تُعالج ما يحمله لِسانهِ من مطالب .. لا أن تحاول قطعه .
فالألسُن المقطوعة خوفو ألسنة المُهندسين ، بُناة الهرم ، لكسبت البشرية فهماً ، جديداً لكيفية البِناء الهندسي ، الذي قاموا بهِ ، وطريقة تفريغ الهواءَ ، ونقل الحِجارة الضخمة بِوسائل نقلِهم القديمة .
فما من شك أنَ التعبير ينقل المعرفة ، التي تخدم الناس ، وتملأ حياتِهم بالخير ، والرفاهية ، فالتقدم الإجتِماعي لا يولد في مناخ تنعدم فيهِ أبسط الحُريات ، حُرية التعبير .. ولا يمكن أن تتوافر أمانة النقل الحضاري بألسن مقطوعة .. لا تستطيع التعبير عما تراه صدقاً .. وحقاً ، وما تؤمن أنهُ الصواب ، وما يخدم المصالح الإجتِماعية .. مصالح كُل الشعب .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home