Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem Egnan
الكاتب الليبي سالم اقنان

السبت 19 ديسمبر 2009

في ذكرى تغييب الأستاذ منصور الكيخيا

سالم اقنان

لست ممن يجيدون الكتابة وبخاصة في هذه المناسبة الحزينة، بل البالغة الحزن . وأبدأ بالقول إنه إذا كانت كل جريمة قتل أو تغييب قسري ارتكبها العقيد القذافي وأعوانه تشكل خسارة فادحة لبلادنا ، فإن جريمة تغييب رجال من أمثال الأستاذ منصور رشيد الكيخيا والدكتور عمرو خليفة النامي تعد من أفدح الخسائر التى نكبت بها ليبيـا. وفي اعتقادي فإن خسارة المعارضة الليبية بغياب الأستاذ منصور لا تقارن إطلاقاً بخسارة الوطن بسبب هذا الغياب.


اجتماع الجزائر: الأستاذ منصور الكيخيا

تعود معرفتى بالأستاذ منصور إلى عام 1974 عندما تطوع للدفاع عن عدد من المعتقلين – بعد استقالته من منصب وزير الخارجية في عام 1973 بعد الإعلان عما سمي الثورة الشعبية- وكان من بين هؤلاء المعتقلين صهري وأستاذي الدكتور عمرو خليفة النامي. ثم التقيت به بشكل عارض بمدينة لندن في منتصف الثمانينات من القرن الماضي. وشاءت إرادة الله بعد ذلك أن نلتقي خلال انعقاد الدورة الثالثة للمجلس الوطني للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيـا بمدينة دالاس بالولايات المتحدة الامريكية ( أبريل 1992) حيث كنت عضواً بذلك المجلس ( عن بريطانيا) وكان الأستاذ منصور حاضراًَ كضيف باعتباره أميناً عاما للتحالف الوطني الليبي. ومنذ ذلك اللقاء انعقدت بيني وبينه علاقة مودة وصداقة أعتبرها – رغم قصر مداها الزمني نسبياً- من أعز وأجمل وأنبل ما حققته في حياتي من صداقات. عرفته ( خلال هذه الفترة التى تواصلت حتى تغييبه الغادر في ديسمبر 1993) إنسانا حضاريا بكل معنى الكلمة ، حليماً بشوشاً، ودوداً ، متواضعاً، شهماً ، خدوماً ، واسع الثقافة والمعرفة لا يبخل على من حوله بما منّ الله عليه من علم ، وفوق كل ذلك محباً للحوار دونما تشبت بالرأي.


اجتماع الجزائر: منصور الكيخيا- سالم اقنان

استمتعت خلال اللقاءات الجانبية مع الأستاذ منصور أثناء جلسات مجلس دالاس بالاستماع الى أحاديثه الطلية الممتعة والثرية في التاريخ الليبي وعن المجتمع الليبي وفي تجربته الإنسانية الحياتية والوظيفية والسياسية الغنية ، وفي تجربته في التعامل مع القذافي وكثير من رموز النظام ، وفي تجربته مع المعارضة وهموم المعارضة ومشاكلها والتحديات التى تعترض طريقها.


اجتماع الجزائر: سالم اقنان – عبدالمنعم الهوني- منصور الكيخيا- محمد المقريف

كان من أغرب القصص التى حدثني عنها خلال تلك الجلسات ما دار بينه وبين القذافي في عام 1972 عندما استضافت ليبيا مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية وكان يومها وزيراً للخارجية والقذافي رئيساً للوزراء، وعندما أراد الأستاذ منصور تشكيل الوفد الليبي الذي سيشارك في المؤتمر طلب من المرحوم الدكتور عمر التومي الشيباني ( رئيس الجامعة الليبية يومذاك) أن يسمي له أحد أساتذة الجامعة المختصين بالدراسات الإسلامية فكان أن اقترح عليه اسم الدكتور عمرو خليفة النامي . وخلال إحدى جلسات مجلس الوزراء سأل القذافي الاستاذ منصور عن تشكيلة الوفد الليبي فقرأها عليه . عندها طلب القذافي منه أن يغير التشكيلة وبالتحديد تغيير الدكتور النامي. راجع الأستاذ منصور الدكتور الشيباني وطلب منه اسماً بديلا للدكتور النامي غير أن الدكتور الشيباني اعتذر بأنه لا يستطيع اقتراح اسم آخر بديل يناسب الوفد الليبي في ذلك المؤتمر. قرر الأستاذ منصور من جانبه تجاهل تعليمات القذافي وأبقى تشكيلة الوفد على ما كانت عليه . قبيل دخول القذافي لقاعة المؤتمر ليلقي كلمة الافتتاح عاد وسأل الاستاذ منصور عن تشكيلة الوفد فأطلعه عليها فما كان من القذافي إلا أن قال للأستاذ منصور " العن دينك ، ودين النامي ، ودين الاخوان اللي تعرفهم " . وقد علق الأستاذ منصور بعد أن روى لي هذه القصة أنه أدرك أن القذافي لا دين له.

كان الأستاذ منصور بحكم خلفيته الدبلوماسية وطيبعته الاجتماعية السمحة يؤمن بالحوار أشد الإيمان ولا يتردد من هذ المنظور في أن يلتقى بالكثير من رموز النظام خارج ليبيا وأن يتحاور معهم مؤملا فيهم بعض الخير.( على ما أعتقد فإن هذا النهج لدي الأستاذ منصور هو السبب الأساسي في خلافاته المبكرة مع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا كما أن هذا النهج هو الذي أوقعه فريسة بين يدي عملاء النظام في مصر ). ولم يكن الأستاذ منصور يخفي هذه الاتصالات وكان يتحدث عنها في بعض مجالسه بكل عفوية وثقة بالنفس . وحدثني الأستاذ منصور ( كما سيتضح من إحدى الوثائق المرفقة ) كيف أنه عندما قرر الاستجابة للدعوة التى وجهتها له الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا للحضور كضيف على مجلسها الوطني الثالث بمدينة دالاس تلقى عدة اتصالات من رموز النظام كان آخرها اتصالا من أحمد قذاف الدم ليلة توجهه إلى دالاس يرجو فيه منه عدم تلبية دعوة الجبهة . وقد قال لي الأستاذ منصور في تلك الأحاديث معه وفي مناسبات تالية " إن اشدّ ما يخشاه القذافي هو اجتماع الكيخيا والمقريف في عمل واحد ضده".

لقد أضفى حضور الأستاذ منصور على المجلس الوطني للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ( الذي شارك فيه أكثر من مائة وخمسين عضوا واستمر قرابة أسبوع كامل، علاوة على عدد من الضيوف يمثلون أطياف المعارضة الليبية ) أضفى حضوره روحاً من التفاؤل والأمل وأشاع إحساسا قوياً بإمكانية تحقيق صيغة من العمل الوطني المشترك الجاد، وهو ما تجسّد فعلا في نهاية ذلك المجلس بالتوقيع من قبل كل من التحالف الوطني الليبي والجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا على وثيقة مؤرخة في 22 أبريل 1992 تدعو كافة فصائل وقوى وشخصيات المعارضة لعقد مؤتمر وطني للمعارضة الليبية من أجل تدارس السبل الممكنة لحشد طاقات المعارضين، تنظيمات وأفراد حول أهداف النضال الوطني وبحث المناهج العملية الكفيلة بخدمة هذه الأهداف بما يحقق تطلعات شعبنا نحو الحرية والديمقراطية والنماء والاستقرار.


الأستاذ منصور الكيخيا والدكتور محمد المقريف يوقعان على الدعوة المشتركة
بين الجبهة والتحالف لعقد مؤتمر وطني للمعارضة الليبية،
ويظهر معهم في الصورة الدكتور سليمان عبدالله رئيس المجلس الوطني.

لا أشك في أن الأستاذ منصور كان يدرك خطورة الخطوة التى أقدم عليها بالنسبة للنظام كما كان يدرك تبعاتها ودلالاتها وكان واعياً لها وقابلاً لها . غير أن الذي لم يتوقعه إطلاقا هو ردة فعل بعض الإخوة المعارضين، احتجاجا على حضوره المجلس الوطني للجبهة وتوقيعه للوثيقة معها. وتسجل الرسائل المرفقة المتبادلة بينه وبين بعض هؤلاء الإخوة جانبا من ردود الفعل المذكورة (سلّمني الاستاذ منصور صوراً من هذه الرسائل وأرى من حق الناس الاطلاع عليها فهي جزء من تاريخ المعارضة).

تواصلت الاجتماعات بين قيادة التحالف وقيادة الجبهة بعد التوقيع على وثيقة دالاس من أجل التمهيد والإعداد للمؤتمر الوطني للمعارضة الليبية. وفي هذا السياق رفض الأستاذ منصور الاستجابة لدعوة وجهتها له مجموعة من فصائل وشخصيات المعارضة كانت تعتزم عقد اجتماع لها في جنيف (خريف عام 1992) وكانت حجته في رفض تلك الدعوة أن موجهيها لم يكونوا يعتزمون دعوة الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وآخرين لحضور ذلك الاجتماع، علاوة على اعتبارات أخرى توضحها الوثائق. وهو الموقف الذي أحسب أنه عزز من قوة العلاقة التى نشأت بينه وبين قيادة الجبهة .


اجتماع الجزائر: عبدالمنعم الهوني- منصور الكيخيا- محمود دخيل- محمد المقريف

لقد كان لي شخصيا شرف المشاركة في الاتصالات التى جرت بين قيادة الجبهة وقيادة التحالف على امتداد الفترة التى أعقبت لقاء دالاس ( أبريل 1992 ) وقد أتاحت لي هذه الاتصالات المزيد من فرص اللقاء والحديث مع الأستاذ منصور التى زادت من اعجابي به وتقديري واحترامي له.

كان من آخر اللقاءات الشخصية التى جمعتني بالأستاذ منصور لقاءات الجزائر التى ضمت الأستاذ منصور ممثلا للتحالف الوطني الليبي وكل من الدكتور محمد يوسف المقريف ( أمين عام الجبهة السابق) والدكتور محمود دخيل ( النائب الاول لأمين عام الجبهة السابق) وشخصي ممثلين عن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ، وانضم إليها فيما بعد الرائد عبدالمنعم الهوني ممثلاً لهيئة التنسيق للقوى الوطنية الديمقراطية الليبية ( التى كانت قد تشكلت في نوفمبر 1992).


اجتماع الجزائر: سالم اقنان - منصور الكيخيا- – عبدالمنعم الهوني- محمد المقريف

لقد قمنا سويّا برحلتين إلى الجزائر بترتيبات خاصة مع السلطات الجزائرية ، كانت الأولى من الأول من أكتوبر 1993 حتى الخامس منه، وقد تخلف الرائد عبدالمنعم الهوني أما الثانية فقد امتدت من يوم 14 أكتوبر وحتى الثامن عشر منه وهي التى شارك فيها الرائد الهوني منذ اليوم السادس عشر.

لقد كانت لنا خلال هاتين الرحلتين عدة جلسات رسمية مع الاخوة الجزائريين، كما كانت لنا جلساتنا وأحاديثنا ومسامراتنا الخاصة. ولا اعتبر أن من حقي هنا أن أخوض فيما دار بيينا وبين الإخوة الجزائريين إذ لم يحن وقت الحديث عنه بعد، وسأكتفي بالإشارة هنا إلى أن محادثاتنا مع الإخوة الجزائريين اتسمت بالجدية والعزم والتصميم منا ومنهم وأنهم كانوا من جانبهم فرحين بمشاركة الأستاذ منصور في هذه الاجتماعات حيث لم يسبق لهم اللقاء به كمعارض للنظام. كما أننا تلقينا منهم مباشرة خلال رحلتنا الثانية خبر إعلان النظام الكشف عن محاولة انتفاضة أكتوبر 1993 التى كان يخطط لتنفيذها عناصر عسكرية ليبية على صلة بالجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا.

أما الجلسات الأخرى التى جرت بيننا كممثلين للجبهة وللتحالف ولهيئة التنسيق فقد اتسمت هي الأخرى بالاحترام والمودة و بالجدية وبالصراحة وبالحرص على جمع شمل المعارضة الليبية بكافة أطيافها وتوجهاتها ، تنظيمات وأفراد وهو ما جسده مشروع البيان المرفق بشأن دعوة المعارضة الوطنية إلى مؤتمر وطنى عام كانت النية متجهة إلى عقده بالجزائر يوم 21 نوفمبر 1993( راجع المرفق) كما جرى اختياري من قبل المجتمعين أمين سر لهذا المشروع. وللأسف فقد حالت أسباب كثيرة دون عقد المؤتمر لا أرى من المناسب تناولها هنا. وأرى من واجبي أن أسجل هنا أن الأستاذ منصور ظهر خلال اجتماعاتنا بالجزائر شديد التفاؤل .

بدا لنا واضحاً أنه لم يعد يعلق أي أمل على إمكانية إصلاح النظام في ليبيا أو التصالح معه. ولابد ان أشير أيضاً في هذا السياق إلى أن النية كانت متجهة بيننا نحن أعضاء الجبهة الذين شاركنا في اجتماعات الجزائر إلى ضرورة أن تتبنى الجبهة - فيما لو تم عقد المؤتمر الوطني الذي كان مزمعاً- أن يتم اختيار الاستاذ منصور رئيساً له ومتحدثا باسم المعارضة الوطنية كلها.


اجتماع الجزائر: سالم اقنان – عبدالمنعم الهوني- منصور الكيخيا

وبالطبع فقد كانت لي مع الأستاذ منصور خلال لقاءاتنا بالجزائر هدرزاتنا الجانبية الخاصة التى كنت استمتع بها واستفيد منها كثيراً .. ومن بين القصص الكثيرة التى حدثني عنها أنه كان يكن تقديراً خاصاً للمرحوم يحي عمر. ومن بين ما اعتز به أيضاً ما قاله لي بأنه أضافني والاخ فاضل حشاد الى رصيد علاقاته مع الامازيغ ( كان الاخ فاضل حشاد قد اختير من قبل الجبهة ليكون مرافقا للأستاذ منصور خلال مشاركته في الدورة الثالثة للمجلس الوطني للجبهة بدالاس، وقد استمرت العلاقة بين الأستاذ منصور والأخ فاضل بعد اجتماع دالاس وازدادت توثقا). وأذكر أيضا أن الأستاذ منصور كان مرة يتحدث معي ومع الأخ فاضل فقال لنا أنه ينتمي إلى قبيلة "يدّر"، وأنه عرف من الأستاذ فاضل المسعودي أن كلمة يدّر أمازيغية وتعني "يعيش"، ثم ابتسم وقال ربما هذا يعني أن أصولي أمازيغية.

وخلال الفترة القصيرة ما بين لقائنا في الجزائر ( اكتوبر 1993) واختطافه في مصر ( ديسمبر 1993) كانت لي معه اتصالات هاتفية كثيرة كان متلهفاً خلالها لمتابعة الخطوات المتعلقة بعقد مؤتمر المعارضة كما كان فيها منزعجاً من بوادر حركة الانشقاق التى قام بها بعض الاخوة في الجبهة ( منذ اواخر صيف 1993) ، كما حدثني كيف أنه كان ينوي زيارة الجزائر بعد عودته من القاهرة.

لم يكن الاستاذ منصور يدري أن يد الغدر والخيانة كانت في انتظاره بالقاهرة ... ولم يكن يتصور أن درجة الخسة والنذالة لدى نظام القذافي وعملائه تصل إلى هذه الدرجة بحيث تمتد أيديهم الآثمة إليه غير عابئة بسنه المتقدمة ولا بحالته الصحية ولا بأي أعراف أو تقاليد أو قوانين.

إن فقدنا جميعاً ، أولاده وأسرته والمعارضة والوطن كله كبير ، وهنيئاً له فهو في الخالدين.

وما أكتبه في هذه الصفحات لا يعدو أن يكون بعض خواطر جاشت في صدري ، وذكريات حفظتها في ذاكرتي لهذا الرجل العظيم رأيت من واجبي أن أسطرها في ذكرى تغييبه لعل فيها بعض الوفاء وبعض العبر.
_________________________

الملاحق :
 

1) ملحق 1:  الدعوة المشتركة بين الجبهة والتحالف لعقد مؤتمر وطني  للمعارضة الليبية، تم توقيعها أثناء انعقاد الدورة الثالثة للمجلس الوطني للجبهة.

2) ملحق 2: رسالة الدعوة الموجهة إلى الأستاذ منصور الكيخيا من "اللجنة التحضيرية لمؤتمر القوى الوطنية الليبية".

3) ملحق 3: رسالة الرد من الاستاذ منصور الكيخيا على دعوة "اللجنة التحضيرية لمؤتمر القوى الوطنية الليبية".

4) ملحق 4: رسالة رئيس التنظيم الوطني الليبي

5) ملحق 5: رسالة رد الأستاذ منصور الكيخيا على رسالة رئيس التنظيم الوطني الليبي

6) ملحق 6: مشروع بيان بشأن دعوة المعارضة الوطنية إلى مؤتمر وطني عام (تم الاتفاق على هذا المشروع أثناء اجتماعات الجزائر)


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home