Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Saqr Eblal
الكاتب الليبي صقر بلال

Tuesday, 11 September, 2007

زارع ُالشوك ِلا يجني العـنبَ.. يا أبنَ أبيه

صقر بلال

لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم      وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
الله يــعـــلـــم أنا لا نــحــبـكــم      ولا نــلــومــكم ألا تـحـــبـونــا


معمر القذافي خط أحمر .. من لا يحبه يشرب من البحر .. أو كما قال سيف الإسلام .

من حق الابن البر بأبيه والإعجاب به هذا شأنه الخاص .. فالمحبة و الكره من أعمال القلوب التي لا إطلاع عليها ولا تدخل فيها ، ولها علاقة بالمعاملات فقد جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها ، والبغض أيضا لمن أساء إليها .. المسألة محسومة من لدن بارئ النفوس جبلة ً و خلقا ً، ومعروفة عند المنصف عقلا ومنطقا ً.. لا جدال في هذا ولا مراء ، ولا يجب أن يتخاصم في ذلك عاقلان ، ولا أن تتناطح فيه عنزان .

أما أن تفرض المحبة فرضا فهذه مسألة فيها نظر وتفصيل ، بل وندب وصراخ وعويل ، وهذا ما أريد مناقشته وبهدوء مع سيف الإسلام و ذوي النوايا الحسنة من دعاة الإصلاح ، وممن أصابهم الكلل لكثر مناضلة وطول كفاح !! .. فأقول : لقد مضى زمن طويل على ما تسمونه ثورة ونسميه انقلابا ثمانية وثلاثون عاما تتابعت في بلد حباه الله بثروات طائلة وبشعب طيب قليل العدد يتربع على مساحة جغرافية هائلة قرابة 2مليون كيلومتر مربع مع تنوع في التضاريس ، والمناخ وسواحل بطول ألفي كيلومتر على البحر المتوسط ، وحدود آمنة مع دول شقيقة .. يعني موقع ممتاز في وسط العالم وإمكانيات هائلة .. فماذا فعل الثوار الأحرار ..؟ أو بالأصح ماذا فعل والدكم المفكر " ولا حظ أننا نتحدث عن ماضي قريب وسنين مشهودة فلا مجال هنا لتكهن أو لتهوك " وسيكون ذلك باختصار شديد ، ولنقاط وأحداث بعينها أثرت أو لا يزال تأثيرها مستمرا حتى الآن .. لقد ابتدأ عهد الثورة بهدم حقيقي للدولة الليبية بدل البناء على ما سبق .. الغي الدستور وتعطلت القوانين وضاعت مؤسسات الدولة وهيبتها بواسطة القرارات الارتجالية والانفعالية المبنية على ردود الأفعال ، أو تلبية لمطالب الغوغاء العامة والمنافقين الذين أعجب قائد الانقلاب بسرعة تحلقهم حوله ، فناصب العداء لرجال ليبيا الحقيقيين ، ومكن لهؤلاء الأدعياء في البلاد فشكل منهم حركة اللجان الثورية وهي في الواقع حركة من اللقطاء والحثالات انضم إليها كل نفايات قاع المجتمع آملين في استغلالها لتحقيق المكاسب المادية والمعنوية ، ونأى عنها لفساد فكرتها المثقفون والوطنيون والرجال الأسوياء .. لقد أطلقت يد هؤلاء الرعاع في كل شيء دون وجود قوة أخرى خيرة تصنع التوازن في المجتمع ، فكانت النتيجة مجتمع فوضى يسوده الإرهاب الفكري والمادي قيمة الشخص فيه تقاس ببضعة كلمات وشعارات يرددها وبكتابة عدت تقارير إدانة ضد الأبرياء تتصدرها كلمات : رجعي وعميل وعدو للثورة .. هذا كل ما في الأمر ليقال إنسان ثوري ويتقلد أرقى المناصب ويصبح مقربا من القيادة التاريخية !! .

ثم أبتدع القائد نظريته العالمية الثالثة التي لم يستفت فيها أحد وهي أقرب إلى الشعارات واللافتات التي يرفعها الطلاب اليساريون في مظاهراتهم منها إلى الفكر الرصين المحنك المسئول .. فكانت الكارثة التي قضت على ما تبقى من الدولة الليبية ، ليجد الناس أنفسهم في فوضى عارمة وتسميات غريبة وتنظيمات إدارية متعاقبة ومتضاربة وقوانين وشرائع يضعها العامة الأميون ، أو تصاغ باسمهم وفق النظرية العالمية الثالثة المتدحرجة حسب الأهواء الشخصية ، فكانت النتيجة القضاء على القطاع الخاص بالكامل و القضاء على رجال الأعمال ووصفهم بالاستغلاليين مصاصي الدماء عملاء الاستعمار !! ، فتحول الناس جميعا إلى القطاع العام ليعيشوا على مرتبات دون عمل تقريبا فتضخمت الإدارات وتجلت الإتكالية والقبلية في أجلى صورها : محسوبية ، رشاوى ، وساطة ، فساد بجميع الأنواع وعلى كافة المستويات ... و يا ليت هذه كانت خاتمة المصائب بل يبتدئ القائد المفكر الوحيد في شن حروبه على الدول المجاورة ، والبعيدة حروب لا مبرر ولا معنى لها تفقد فيها البلاد الآلاف من زهرة شبابها ناهيك عن الأموال المهدرة في شراء الأسلحة ، والطاقات والزمن الضائع في عسكرة المجتمع .. حروب انتهت بهزائم منكرة ، وبفقد الوطن لأجزاء غالية من ترابه ، ثم تتحول البلاد إلى بؤرة للإرهابيين و شذاذ الآفاق وقطاع الطرق من مختلف أنحاء العالم ، وكأن الشعب الليبي الطيب المنهك أصبح مسئولا عن تحرير البشرية ، بينما هو يرسف في قيود العبودية منزوع الإرادة والاعتبار .. ويدفع الوطن والمواطن ضريبة الطيش والاستهتار الصبياني من سمعته ومن مقدرات ٍهو في اشد الحاجة إليها .

من الطبيعي والمتوقع بعد كل ما ذكرناه وغيره الكثير أن ترتفع الأصوات المحتجة والمنتقدة .. لقد سقطت حكومات وعزل قادة ورؤساء دول في أنحاء العالم لأقل مما حدث عندنا بكثير .. فكان القمع والتخوين والاتهام بالعمالة لمجرد التساؤل عن سبب ٍ لكل هذه الكوارث والتضحيات ، و تمتلئ السجون وتنصب المشانق ، وتحكم البلاد بالحديد والنار والأجهزة البوليسية القامعة ، وتعرف ليبيا لأول مرة السحق ، والسحل ، والتمثيل بالجثث في الشوارع ، والتعلق بأجساد المشنوقين ، والرمي بالرصاص علنا وعلى شاشة التلفزيون ، بل وتعرف المذابح الجماعية ، وتهديم البيوت على رؤوس ساكنيها ، فيعيش المواطن جوا مفعما بالإرهاب وانعدام الأمان ، ويتحول ضعاف النفوس والمغرر بهم ، والشذاذ ، و المؤمسات إلى كتبة تقارير ، ومتعاونين مسموعة كلمتهم وتصرف لهم المكافآت المزجية ويوعدون بالمزيد .. كل هذا وبمعيته البطالة والكساد والفساد على كافة الأصعدة هذه هي الحالة التي نحن عليها والتي وصلناها بفعل الثورة والثوار .

والآن يراد لهذا المواطن أن يدفع الثمن مرة أخرى لأخطاء فادحة بل ولفظائع ارتكبت بحقه ، فنجد فصل الناس من وظائفهم وبالآلاف بحجة تضخم الجهاز الإداري والبطالة المقنعة ، ولم يسأل أحد ٌ من أوصلنا لهذا .. ونجد التنازلات ودفع التعويضات بالمليارات ، بل و الاعتذارات للأجانب نتيجة الأخطاء في حقهم .. بينما يضرب الصفح عن الأخطاء الكارثية والجرائم التي ارتكبت في حق الليبيين .

الآن يا "سيف أبيه" بات الكل في ليبيا يدرك اللعبة .. باتت الأمور واضحة وضوح غزالة الضحى فعند الحديث عن الإصلاح فإن هذه الكلمة توحي أن هناك انحرافا بسيطا أو خطأ ما عفويا قد أرتكب فوجب العودة إلى جادة الصواب ، حين الحديث عن ليبيا الغد والنظر إلى المستقبل فأن ذلك يوحي بانقضاء فترة مظلمة ، وزوال أسبابها ، ومؤثراتها ، وبداية عصر جديد وصفحة جديدة .. فهل حدث هذا ..؟ ، أم لا يزال القاتل الشرير وعصابته يمسكون برقبة الضحية بينما سكاكينهم ترتوي من دمها ..؟ لم نشهد محاكمات وقصاص عادل ، ولم نشهد الإفراج عن كافة سجناء هذه المرحلة المظلمة بما فيهم من شهر السلاح في وجه الظلم ، لم نسمع الدعوة لكافة المشردين في الخارج بالعودة إلى وطنهم معززين مكرمين ، لم نسمع بتعويضات واعتذار علني للشعب الليبي لنقول على مضض ٍ :

قد ينبت المرعى على دمن الثرى       وتبقى حزازات النفوس كما هيا

نعم سنقولها على مضض فما جرى خلال ألثمانية والثلاثين عاما الماضية شيء كبير وخطير .. تعديات وظلم صارخ ، وزراعة لأشواك العداوة ، والأحقاد ، وزارع الشوك لا يجني العنب .. بل الدم والجراح .. يا أبن أبيه .

صقر بلال


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home