Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Saqr Eblal
الكاتب الليبي صقر بلال

الخميس 6 نوفمبر 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

أدواؤنا

صقر بلال

( الأدواء عبارة قد تعني الأمراض فهي جمع داء ، وتعني أيضا الأدوية فهي جمع دواء ،
وقد احتجتها للمعنيين ، والضمير عائد على الليبيين فهم من أخاطب ) .

(1) ثقافة النجع

لا تغضب يا ابن البادية الأصيل ، مما سأقوله ، فمخاطبك منك وإليك ، وقد رضع يوما مع القعود مقاسمة َ خلفي الشطر الثاني في الجهة المقابلة ، ودعنا نواجه أنفسنا ‘ ونراجعها ولو مرة واحدة في هذه الحياة الفانية، فقد بدأت تصدمنا الوقائع ، ويتغير كل ما حولنا دون أن نشعر ، ولنبدأ حكايتنا من البداية وباختصار .

في بداية خمسينات القرن الماضي كان استقلال ليبيا وتحررها من الاستعمار، ثم اتحاد ولاياتها الثلاث ، ثم صهرها في دولة واحدة هي ليبيا التي نعرفها الآن ، يعني الملك إدريس رحمه الله شيئنا أم أبينا هو مؤسس الدولة الليبية ، كما (غاريبالدي) في ايطاليا ، و(جورج واشنطن) في أمريكا ، غير أنه أسسها بهدوء وحكمة ودون إراقة ولا قطرة دم واحدة .. عموما ليس هذا موضوعنا ؛ وإن كان للحديث شجون وأشجان .. موضوعنا هو أنه عند تأسيس ليبيا اعتمدت الدولة الناشئة على خيرة أبنائها المتعلمين حينها ، فكان التفاضل بالمعرفة والخبرة والدراية ، لا بالنسب ولا (بالجهوية) وإن روعي سوابق بعض الناس الجهادية والنضالية ، فالبلاد حديثة عهد بالاستقلال ، وهناك من بذل العرق والدم .. لقد اعتمدت حكومات العهد الملكي المتلاحقة على المتعلمين والمثقفين من أبناء المدن على قلتهم فكانوا هم الوزراء والسفراء والمحافظين والمتصرفين والمدراء ، ومنحتهم الثقة فانطلقوا يبدعون ، لهذا نجحت الدولة إداريا ، كل الأمور وضعت في نصابها ، وفي زمن قياسي ، الجميع يؤدي واجبه ويحاسب على أخطائه .. فكان المعلم والموظف والشرطي والعامل ، والتاجر ، والراعي شخصيات محترمة كل في مجاله ، يحتكمون إلى القانون جميعا في دولة مؤسسات ديمقراطية ، لها آلياتها التشريعية والتنفيذية ، المحتكمة إلى دستور يعتبر وإلى الآن من أرقى دساتير الأمم .. كانت دولة رائعة وإن كانت إمكانياتها المادية ضعيفة وإلى أقصى الحدود . كانت دولة بلا فساد .

وأنا لا أقول أنه لا توجد أخطاء أو مثالب ، ولكني أقول أن الدولة كانت عادلة وبنسبة لا تقل عن %75 فماذا حدث ..؟ وهو موضوعنا الرئيسي الذي قدمنا له كل هذا التقديم .

الذي حدث أيها السادة هو انقلابنا نحن أبناء البادية (جذعان النجع) ، لقد قام ملازمنا معمر عبد السلام أحميد أبو منيار القذافي سليل الرعاة بالانقلاب على الدولة التي علمته مجانا ، وأدخلته كلياتها العسكرية ، وهو لا ظهر ولا سند له ( باستبعاد نظرية المؤامرة) الدولة التي أقسم أغلظ الأيمان على احترام دستورها ، ولولاء لمليكها ومؤسسها الأول .. الدولة التي : (أشادت بذكره بعد طول خموله واستنقذته من الحضيض الأوهد) .. الذي حدث هو أن ملازمنا المنقلب أعطانا الإشارة بالانقضاض على الدولة وهدمها .. لقد أمرنا بقلب الطاولة على الموظف حين لا يعجبنا ، وأمرنا بعدم الوقوف احتراما للمعلم لأنه لا يستحق ، وقال لنا أن ذلك عبودية .. وأمرنا بالزحف على الجامعات وإدارتها نحن أبناء النجع .. وقال لنا أن الأساتذة يمين رجعي متعفن ينبغي إذلاله وعدم الإنصات له ، بل وسحق وسحل من يتجرأ منهم على انتقاد ثقافتنا الجديدة (ثقافة النجع) التي تبيح فعل كل شيء من أجل توطيد أركان حكم سيدنا الملازم الذي رقى نفسه إلى عقيد .. لقد أمرنا بتشكيل المثابات الثورية التي تحكم بقانون النجع ، قانون (شكلك موش عاجبني ) إذن أنت عدو يجب سحقك ومحقك ، لقد تحولنا جميعا إلى مخبرين وكتاب تقارير ومتصيدين أخطاء ، فلم نترك أحد يعمل بحرية إلا ( وعرقلناه وكرهناه في أمعيشته) بناء على أوامر سيدي العقيد الملازم سابقا ً .

ثم ألف سيدنا القائد بعد أن رقى نفسه مرة أخرى إلى منزلة مفكر ألف كتابه الأخضر حصيلة فكر النجع وثقافته .. فأعلن أن البلاد تحكم نفسها بنفسها عن طريق مؤتمرات تقرر ، ولجان تنفذ ، فكرست ثقافة النجع بشكل سافر حيث حلت القبيلة مكان الدولة ، وأصبح التفاضل بكثرة عدد أفراد العشيرة الواقفين وراء هذا المسئول (الأمين) واستولت القبائل الكبرى على المدن ، تتناوب التسلط عليها كيفما تشاء، فعطلت القوانين، وساد الجهلة ، ونهبت الأموال المخصصة للتنمية (على قلتها) واستبعد ، الإداريون المثقفون الأكفاء، وحل المنافقون و المصلحيون مكانهم ، فباعوا لسيدهم القائد المديح و( الرديح ) اللذان يحبهما حبا جما ً، فكافأهم بتمكينهم ، وغظ النظر عن فسادهم كل هذه السنين الطويلة، بل أمر سيدنا القائد بتأصيل تجربة النجع وأعلن أنا لنا قيادات تاريخية هم (مشائخ القبائل) وأنهم هم المسئولون الحقيقيون ، ومن الآن يسمون القيادة التاريخية الاجتماعية ، ومهمتهم ضبط قبائلهم أمنيا ، وكتابة التقارير في أهلهم ، والتبرؤ ممن يرفع عقيرته بنقد نظام النجع البديع .

وأنا هنا لا أقصد الطعن في النجع وهو مجموعة بيوت الشعر في البادية ، فتلك بيوتنا وأهلنا الذين نعتز بهم ونفخر، شريطة أن يبقوا في باديتهم (فكرا) .

ما أعنيه هو أن ثقافة النجع لا تبني دولة ، أنانية البادية وأحقادهم ، وتفاخرهم بالأنساب ، وتنازعهم على الأشياء التافهة لا يبني دولة .. ما نعانيه الآن سببه هذه الثقافة البائدة ، كلنا نتساءل ما سبب تخلفنا ..؟ لماذا أوضاعنا متردية ونسير من سيء إلى أسوأ ..؟ كلنا نتساءل ولا أحد يقدم إجابة .. لأننا نخشى المواجهة ، مواجهة النفس بعيوبها ، لقد أبتلينا بمرض المجاملة ، و خلعنا هالة من التقديس حول معتقداتنا البالية ، ونرفض حتى مجرد الاقتراب منها .

يا سادة ثقافة النجع أحدى أدواؤنا المزمنة ، فهي من يعطل القوانين ، ويفرخ الفوضى والظلم ، وهي سبب تخلفنا واستعمار الأمم لنا في الماضي ، وستكون سبب دمارنا النهائي في المستقبل ، ومن ينكر ذلك عليه أن يأتيني بمثال واحد لدولة تكرس القبلية تقدمت خطوة واحدة .

أيها السادة الثوار كفاكم تبجحا ، وكفى زعيمكم نصبا لخيمة العار والتخلف ، بجانب قصور العز والتقدم والرقي ، كفاه فخرا زائفا وهو يستجدي الحماية وإقامة القواعد العسكرية في ليبيا من كل القصور التي نصب (عشته) بجانبها ، كفوا أيديكم وأخجلوا واتركوا الأمر لأهلة ، لدينا أناس متعلمون مؤهلون يعيشون عصرهم ويتحدثون لغته ، تقاعدوا أو استقيلوا أو انتحروا ، فقد أخذتم فرصتكم كاملة أربعون سنة من تفكير الرعاة الساذج هدم البلاد ، وأذل العباد .. ألم يدون زعيمكم في كتابه الأخضر( أن أبطال التاريخ هم من يضحون من أجل قضايا الآخرين ...)؟ الآن مطلوب منكم التضحية لقد سرقتم ونهبتم وظلمتم وقتلتم وسجنتم ما فيه الكفاية فارحلوا .

صقر بلال


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home